المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ألف كلاهما عن أبي يعلى الزواوي الذي لم يكن عالما - تاريخ الزواوة

[أبو يعلى الزواوي]

الفصل: ألف كلاهما عن أبي يعلى الزواوي الذي لم يكن عالما

ألف كلاهما عن أبي يعلى الزواوي الذي لم يكن عالما في الآثار كأحمد سوسة الذي قضى 40 عاما وهو يؤلف كتابه هذا وله فضلا عنه حوالي 50 كتابا سبعة منها بالانجليزية.

‌وحدة التاريخ

في اعتقادي ليس مدهشا أن يكتب أبو يعلى الزواوي تاريخ الزواوة باللغة العربية؛ ذلك أننا لو استثنينا فترة الاحتلال الفرنسي فإننا لا نجد تاريخا مكتوبا للبربر بغير العربية بما في ذلك الكتب التي كتبها المؤرخون البربر أنفسهم؛ ويبدو لي ذلك معقولا فالثفافة العربية بكل مراحلها سواء قبل الإسلام أو بعده لم تنظر إلى البربر باعتبارهم جنسا أوروبيا مثلا أو جنسا إفريقيا محضا بل نظرت إليهم دائما كجزء من الجنس العربي والثقافة العربية في مختلف المراحل وظل الأمر كذلك حتى عند الفرنسيين في بدايات الاحتلال وكان نابليون نفسه يستعمل لفظة عرب حين يتحدث عن الجزائريين عموما.

ولكن أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر كان يغير خطابه كلما شعر بالتقدم في السيطرة على الجزائر وصولا إلى أهدافه في إلغاء الشخصية الجزائرية بكل مكوناتها وإلحاقها بفرنسا دون أن تكون جزءا من الشخصية الفرنسية، وعلى ذلك حارب كثيرا وبمختلف الوسائل والأساليب التاريخ الجزائري في مختلف حقبه. وزيف ما استطاع تزييفه ومنع الجزائريين من دراسة تاريخهم المكتوب.

والأسباب واضحة، فالاستعمار الفرنسي هو استعمار استيطاني، مثله في ذلك مثل الاستعمار الأوروبي لكل من الأمريكيتين وأستراليا وجنوب إفريقيا والاستعمار الأوروبي والصهيوني لفلسطين.

ص: 34

فإنه لا استيطان مع التاريخ، فالمستوطن يريد استعمار الأرض، وأن يبيد أصحاب هذه الأرض تماما أو أن يلحقهم به

لذلك أباد الأوروبيون في أمريكا حوالي 30 مليون ممن نسميهم اليوم الهنود الحمر وحطم ثلاث حضارات من حضاراتهم .. أما الأستراليين، فلم تبق منهم سوى بعض القبائل البدائية، وفي جنوب إفريقيا ابتدأت الكفة مع مطلع القرن العشرين ترجح للأفارقة الأصليين الذين لم تبق منهم سوى 25 مليون بعد أن شن الأوروبيون وفي طليعتهم الهولنديون حرب إبادة مستمرة منذ 3 قرون.

لكن المأزق الخطير الذي وقع فيه الاستعمار الاستيطاني الأوروبي والاستعمار عموما هو ما يمكن أن نسميه (بالمأزق العربي) .. فقد غزا هذا الاستعمار الجزائر عام 1830 لتكون أول أرض عربية تستعمر، ووجدها متخلفة تقنيا كجزء من التخلف الذي كانت عليه الدولة التركية، وكان الجزائريون مثلهم في ذلك مثل الشوام والعراقيين والليبيين والحجازيين واليمنيين والمصريين يناضلون ضد التخلف التركي واستبداد الأتراك باسم الإسلام. فقد ظهرت حركة القومية العربية في الجزائر في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر، وظهرت هذه الحركة في المشرق العربي في أربعينياته

نعم لقد وجد الاستعمار التخلف في الجزائر، لكنه وجد التاريخ

وجد الحضارة.

ومن المعروف أن الجزائريين غيروا وجهة مقاومتهم للتخلف المتمثل في سلطة الأتراك، نحو مقاومة الغزو الاستعماري الذي استهانت به السلطة التركية المحلية والمركزية في استانبول وأخذوا يبنون دولة المقاومة الفريدة من نوعها، بقيادة الأمير عبد القادر.

ص: 35

وقد انتصر السلاح التقني الجديد على السلاح القديم، ولكن التاريخ الذي وجده الاستعمار الاستيطاني سواء في الجزائر أو في فلسطين لم يستكن، فظل الجزائريون والفلسطينيون يواصلون كفاحهم ونضالهم ولست أدري هل بلا معني أن يكون الزواوة وسائر البربر عرب كنعانيون من فلسطين!!

لكن الذي أدريه أن تاريخ الجزائريين الذي أراد الاستعماريون الفرنسيون شطبه وتزييفه وتزويره وتجاهله، ظل صافيا وانتصر عام 1962.

لقد بات واضحا لدى كل من يكتب تاريخ الاستعمار هذه الظاهرة التي لطخت جبين الإنسانية أن الأمة العربية من الجزائر إلى فلسطين مرورا بالصومال وجزر القمر وأريتريا ومصر حتى الإسكندرون هي أكثر أمة قاومت الاستعمار، حتى طردته، وها هي تقاوم جيوبه وذيوله وأتباعه .. وكل هذا بفضل التاريخ، الذي تحول على يد ابن خلدون إلى علم وبين في مقدمته فضل هذا العلم كما يشير أبو يعلى نفسه، لكن أبو يعلى يرد على أدعياء "الفهامة" الذين كانوا يساعدون المستعمر في شطب التاريخ الجزائري وشطب اهتمام الجزائريين بالتاريخ فها هو يقول:

(وعلى هذا فالذي حدث لنا والذي نجتهد فيه رد أقوال جمهور من أهل وطننا هذا ممن يظن أنهم من أهل المعرفة فقهاء وطلبة العلم بأن علم التاريخ غير مطلوب وأنه قصص وأساطير الأولين كما قد أشرنا في الخطبة أو أنه سهل ليس بفن يدرس إلى غير ذلك مما قالوا. ولقد قالوا مثل ما قال الأولون ما ذكر في القرآن وكفى هذا ردا عليهم. ولكن لابد من زيادة بيان للاقتناع والارتداع فنقول: المرأة تلد الرجل طفلا والتاريخ يجعله رجلا ..) ص 5.

ص: 36

إنها لعبارة جد لوذعية أن يقرن أبو يعلى التاريخ بالرجولة .. لقد اختصر في عبارته الكثير من مفهوم الزمن ومفهوم الأخلاق ومفهوم النمو الفزيولوجي والحضاري ويربط أبو يعلى زوايا فهمه لعلم التاريخ ربطا محكما إذ يقول ببراعة الخبير ودقته:

(إن علم التاريخ يزيد في العقل والإيمان ويزيد في العلم والعمل ويورث الشهامة والشجاعة إذ تثير قضاياه ثائرة الحماس في الغيورين ويحرك ما سكن في الخاملين) ص 8.

وإذا كانت اللغة عند بعض الفرنسين هي الجنسية كما يقول عضو الأكاديمية الفرنسية "جلبير كونت" في لوموند 15 - 07 - 1978 (إن اللغة هي الجنسية نفسها، هي الوطن حيا ومنغما في ذات كل واحد منا) فإن التاريخ، تاريخ أي شعب، هو حضارة ذلك الشعب. وقد ربط أبو يعلى بين اللغة والتاريخ ربطا ناجحا إذ قال:(وقد اعتبره المتأخرون حياة الأمم أو موتها مثل اللغة يقولون لا حياة لأمة مات لسانها وكذلك لا حياة لأمة مات تاريخها) ص 9.

ومن هنا نفهم بوضوح لماذا حارب الاستعماريون التاريخ واللغة العربية والدين بين الجزائريين وخصوصا بين الزواوة منهم الذين كتبوا تاريخهم بالعربية دون أية لغة عرفوها ومرت بهم عبر القرون.

والملفت للنظر أن الزواوة والبربر عموما الذين سعى ويسعى الاستعماريون وأذنابهم لطمس تاريخهم، أن الكتاب الذي حول التاريخ إلى علم هو الكتاب الذي يظهر تاريخهم وهو أول كتاب تاريخ لهم أوليس اسم كتاب ابن خلدون

ص: 37

هو "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" والتاريخ لم يكن قبل هذا الكتاب قد تحول إلى "علم" بكل ما تحمله كلمة علم من معنى! ثم إن البربر وخصوصا الزواوة منهم لهم باع طويل في التأرخة وكتابة التاريخ، فقد أورد معجم أعلام الجزائر 29 علما جزائريا معظمهم ممن كتب في التاريخ وتنتهي أسماؤهم بلقب الزواوي، ومنهم صاحب كتابنا هذا محمد السعيد أبو يعلى وقد قال في صفحة عن كتابنا هذا الذي ننقحه:(له تاريخ زواوة لا يزال مخطوطا، وها نحن نصحح لصاحب معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر الطبعة الثانية بيروت 1980 الأستاذ عادل نويهض) ونثبت أن تاريخ الزواوة طبع. ولا يعني هذا أن المؤرخين من الزواوة هم فقط الذين ورد لقب الزواوي في آخر أسمائهم، أوليس أحمد بن أحمد أبو العاس الغبريني المؤرخ الشهيد هو من بني غبري بطن من قبائل الأمازيغ، ونشأ في بجاية وتعلم بها وبتونس .. والأمثلة كثيرة لو أردنا أن نورد كتبا بأسماء الزواوة خصوصا والبربر عموما من أهل "التأرخة" والتاريخ

ومع كل ذلك يراد لهم اليوم أن يكونوا بلا تاريخ، أو أن يقف تاريخهم عند الوندال والرومان وما إلى ذلك، لا لشيء إلا لأن مصلحة فرنسا الاستعمارية وأتباعها من "قياد" قدامى وجدد تقتضي أن لا يكون للبربر تاريخ، ما دام تاريخهم جزء من تاريخ العرب الذين سببوا هم وتاريخهم مأزق الاستعمار!!

لقد كان أبو يعلى الزواوي رحمه الله مدركا لفضل علم التاريخ وتاريخ

ص: 38

الزواوة على الخصوص ويعرف أن الذي (يزدري علم التاريخ إن كانت له غيرة وحمية، وإن الذي لا يبالي بما قيل فيه، فهو إما جهول أو سفيه، وسيان عنده الحياتان الطيبة والخبيثة، وفي مثل هذا يقال ليس بحي فيرجى، ولا بميت فيرثى، إذا التاريخ كرامة ولا يأبى الكرامة إلا لئيم، ولا يغفل عن أصله إلا زنيم) ص 10.

ولا أعتقد أن في البربر جميعهم لئيم يأبى الكرامة ولا زنيم يغفل عن أصله الأمازيغي العربي إلا من ارتبطت مصلحه المعاشية بالاستعمار فهذا يقول الجزائريون عن قلة فطنته وهول جريرته (على كرشه يخلي عرشه) ويقول عن بطنته وانعدام كرامته (حشيشة طالبة معيشة) وكلا هذين عند البربر من سفلة الناس، فالبربري لا يخلي عرشه ولا يرضى أن يكون حشيشا أو نخالة!!

ولعلني هنا أذكر بعض الكتب التي ذكرت تاريخ البربر بهذه الثورة أو تلك، أذكرها للإشارة والمثال فقط.

ابن الآبار: كتاب الحلة السيراء، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، الأصطخري: المسالك والممالك، البراري: كتاب الجواهر، البغدادي: الفرق بين الفرق، البكري: المغرب في ذكر بلاد افريقية المغرب، البلاذري: فتوح البلدان، التيجاني: رحلة التيجاني، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن حزم الأندلسي: جمهرة أنساب العرب، ابن حماد: أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، الحموي: معجم البلدان، ابن حوقل: صورة الأرض، ابن حيان: المقتبس في أخبار الأندلس، ابن

ص: 39

الرطيب: أعمال الأعلام، ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، يحي ابن خلدون: بقية الرواد في ذكر ملوك بني عبد الواد، ابن أبي دينار: المؤنس في أخبار افريقية وتونس، الطبري: تاريخ الأمم والملوك، أبو الفداء: المختصر في تاريخ البشر، مؤلف مجهول: مفاخر البربر وهو مجموع ونشر في الرباط عام 193، اليعقوبي: تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي، حركات: المغرب عبر التاريخ حتي، تاريخ العرب، كحالة: معجم قبائل العرب، الهمذاي: الإكليل، شنقيطي: تحفة الألباب في شرح الأنساب، الكعاك: البربر، محمد شفيق: المعجم العربي الأمازيغي، الناظوري: المغرب الكبير. وأما الكتب المشهورة جدا مثل كتاب عبد الرحمان بن خلدون والمسعودي وغيرهما فهي أشهر من أن نشير إليها

أما آخر كتاب صدر في المشرق العربي فهو بعنوان عروبة البربر الحقيقة المغمورة الذي أشرنا إليه وهو من منشورات العام 1992.

وهناك كتب أخرى كثيرة بالعربية والفرنسية والإنجليزية تحدثت عن البربر صورة أو بأخرى وفي عصر ما من العصور، ومنها أمهات كتب المؤرخين كهيرودتس وغيره إلا من الملاحظ أن معظم الذين اهتموا بكتاب تاريخ البربر هم المؤرخون العرب على مدى العصور التاريخية، بينما يتحدد اهتمام لأوربيين في عصر الاستعمار فمعظم الكتب التي ألفها الأوربيون عن البربر من إنتاج الحقبة الاستعمارية وهذا له أكثر من دلالة عند الذين يعقلون.!

ص: 40