المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ومئات الزوايا. فالزاوية لم تكن قلعة علم ودين فقط بل هي - تاريخ الزواوة

[أبو يعلى الزواوي]

الفصل: ومئات الزوايا. فالزاوية لم تكن قلعة علم ودين فقط بل هي

ومئات الزوايا.

فالزاوية لم تكن قلعة علم ودين فقط بل هي أيضا قلعة نضال ومقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وإن كان لكل قاعدة استثناء.

‌وحدة العقل

يذكرنا أبو يعلي الزواوي في كتابه هذا وعلى طريقته بأن العقل البربري كالعقل العربي هو عقل شرقي وأن البربر يجدوا مكانتهم القيادية في الفكر الشرقي العربي، ويحققوا نبوغا فيه حيث يخبر أن بعضا من البربر الزواوة نبغوا في المشرق العربي في القديم والحديث فيقول في صفحة 47 (وبهذه الزوايا كثر علماء الزواوة قديما وتخرج منها فطاحل إذا ذكروا يفتخر الزواوي ويرفع رأسه شرفا وتيها وكذلك بطبيعة الحال يقتضي أن يكثر علماء الزواوة لموقعهم الجغرافي فإن إحدى عواصمهم "بيجاية" كانت حاضرة وميناء من موانئ الحرب للأساطيل الأندلسية وكانت قرى الزواوة إذ ذاك لا تعد ولا تحصى). إلى أن يقول (وفي كتب التاريخ والرحلات والتراجم ألوف من علماء الزواوة وفيهم من تولى القضاء والتدريس في مصر والشام) ويركز على المنكلاتي صاحب شرح صحيح مسلم والقاضي في مصر والشام ويقول أن قبيلة آيت منكلات قبيلة من العرب وهي من الأذواء الحميرية، ثم يذكر ابن معطي الزواوي من قبيلة أمشدالن .. ويتحدث أبو يعلى الزواوي عن الزواوة الذين نبغوا منذ أواسط القرن التاسع عشر في بلاد الشام فيقول في صفحة 37 (وقد نبغ في هذا العهد الأخير من رجال الزواوة بالشام وبغيرها من مدن سورية

ص: 72

عدد غير قليل) ويذكر عددا كبيرا منهم.

ويقر المشارفة من الدمشقيين وغيرهم هذا النبوغ فيقول كتاب تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري (وقد سعدت دمشق بهجرة المغاربة إليها كما سعدت من قبل بهجرة بني قدامة المقادسة، وكان على رأس المغاربة الشيخ الأمير عبد القادر الجزائري الذي اهتم بالعلم والعلماء والتصوف والمتصوفة، وصحبه علماء كانوا معه ولحق به آخرون في هجرة ثانية، فإذا بالمدينة المباركة يسري فيها دم جديد، وتشتد فيها اشتعال جذوة الفكر .. لم يكونوا جسما غريبا يرفضه الجسم، بل صاروا عضوا منه لا يمكن له الاستغناء عنه، صاروا دمشقيين لهم ما لأهل دشق وعليهم ما عليهم) ص 18. وقد تحدثت عن ذلك في كتابي المطبوع في الجزائر "الإشماع المغربي في المشرق العربي - دور الجزائريين في الشام"، فتأثيرهم في الحياة الثقافية في المشرق العربي لا ينكره إلا أحمق. وليس في المشرق العربي كتاب في سيرة المثقفين والمؤلفين صدر منذ أوائل هذا القرن لا يحتوي على ذكرهم منها:

- روض البشر.

- ذيل روض البشر.

- أعلام دمشق.

- تاريخ علماء دمشق.

- أعيان دمشق.

- جال في أمة.

- سيرة جيل.

ص: 73

- الموسوعة الفلسطينية.

- الثورة السورية الكبرى.

- جهاد الأمير سعيد.

- منتخب التواريخ لدمشق.

- الأعلام الشرقية.

- شهداء الثورة العربية.

كما أن هناك بعض الكتب التي كتبها صحافيون أو باحثون فرنسيون زاروا المنطقة، بالإضافة إلى جميع الصحف التي صدرت في سوريا ولبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما ليس هناك كتاب يتحدث عن تاريخ بلاد الشام من مطلع القرن العشرين حتى الآن ولا يذكر الزواوة ونضالهم ومقاومتهم للاستعمار الفرنسي والبريطاني والصهيوني، إذ تذكرهم كتب مثل: يقظة العرب، الثورة العربية الكبرى، ثورة في الصحواء، تاريخ سورية، وعشرات الكتب الأخرى بالعربية الفرنسية والإنجليزية والألمانية. أما دورهم في القرن التاسع عشر فأكثر من مشهور، فكل كتاب تناول تاريخ الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سواء سياسيا أو ثقافيا كان للزواوة فيه الذكر الأكبر والأوسع.

والملاحظ في كل ذلك أن الزواوة نبغوا في بلادهم ونبغوا في المشرق العربي بذات الثقافة وقادوا الثقافة والسياسة، ولم يشعروا بأنهم خارج وطنهم .. فهل من ذلك شيء من نبوغ الزواوة في أوروبا .. لقد نبغ كتاب الزواوة باللغة الفرنسية من أمثال كاتب ياسين ومولود معمري وغيرهم كثير، فهل تعدهم

ص: 74

فرنسا نوابغ فرنسيين كما يعد المشارقة النوابع الزواوية بل ودون أن ينكروا عليهم زواويتهم أو أمازيغيتهم أو بربريتهم، إن الشيخ طاهر الجزائري كان كثيرا ما يوقع بالزواوي وكان يعتز بذلك ويفخر .. وقد أوردنا نصا عن سعادة دمشق بهم وبعلمهم، وطاهر الجزائري بنظر بعض المشارقة هو مؤسس النهضة العربية الحديثة وهو أحد أعمدة الفكر القومي العربي الحديث.

إذن فإن الزواوة نبغوا وينبغون داخل الحضارة العربية، ويقودونها دون أن يقول لهم أحد أنتم "أنديجين" أعتقد أن للزواوة كل الحق في تطوير الحضارة العربية، المتخلفة اليوم تقنيا تخلفا واضحا، وسيفعلون ذلك من ذات الموقع، موقع الأصالة لا الغربة، وموقع الابن الشرعي لا المتبنى .. وسيطورونها بالطريقة التي يرونها، فإن رأوا أن الحضارة العربية لابد لها أن تغير مسارها فسيتغير أما أن يقوموا بتحطيمها بدعوى أنهم بربر، فهذا غير معقول، لأنهم بذلك إنما يحطمون أنفسهم وعقلهم .. فحتى اللغة العربية (سواء كانت لغة الجنة أم لغة الجحيم) تطورت وتقننت على يد البربر ولا أعتقد أن فلاسفة أوشعراء مثل أبوليوس، وابن رشد، وابن زيدون، ومفدي زكريا وآلاف النوابغ قديما وحديثا "سيبول" عليهم الزواوي لأنهم نبغوا في حضارة لا يحبها المستعمر الفرنسي وأذنابه، فقد اتحد نبوغ البربر بالنبوغ العربي مغربا ومشرقا كما اتحدت التربية والوطن والعادات والأخلاق والجفرافية والتاريخ، وليشرب الاستعمار البحر المتوسط كله!!

ويجب أن أنوه هنا أن هذا النبوغ لأهل المغرب العربي في المشرق العربي، وهذه المشاركة في صياغة العقل العربي ليست وليدة هذا الزمان بل هي كانت

ص: 75

منذ أن كان الزمان، مكان أبوليوس ابن مداوروش كاهنا من كهان آلهة المصريين القدامى، إن الجزائريين والبربر منهم على وجه الخصوص عبدوا آلهة الفينيقيين وطوروا في الديانات الفينيقة حسب مقتضيات أحوالهم وعبدها الفينيقيون أنفسهم مطورة ومنها الآلهة "أوروبا" التي سميت القارة الأوروبية باسمها. أما في العصر الإسلامي فإن علماء المغرب العربي من أندلسيين وغير أندلسيين هم قادة الفكر في المشرق العربي وخاصة في المسائل الدينية "فإبن العربي" له في دمشق المكانة العظمى وأما سيدي بومدين في القدس فله من القداسة الشيء الكثير.

وينظر رجل الشارع المشرقي إلى "المغربي" نظرة احترام عالية فالمغاربة في نظر المشارقة هم رجال التقى والنقى، بحيث يعتقد العوام هناك أن "حرز" المغربي أكيد الأثر، كما ينظر المشارقة إلى المغاربة على أنهم رجال صناديد يأتون من البطولات ما لا يقدر عليها غيرهم، وقد زادت الثورة الجزائرية هذه النظرة تأكيدا وترسيخا، وقد عومل الزعيم الوطني حسين آيت أحمد خلالها باعتباره قائدا قوميا عربيا في المغرب والمشرق، وينظر المغاربة إلى المشارقة على أنهم أهل حضارة وإبداع وإعمال نظر، وهكذا رأينا أن كثيرا من الأقطار التي تنبت في المشرق تجد لها صدى في المغرب، والعكس صحيح أيضا، فهذا ابن خلدون وابن رشد وغيرهما من المغاربة يلاقون الاحترام في المشرق أكثر مما يلاقونه في المغرب، وهذه الدولة الفاطمية التي بنت القاهرة (التي تكاد تكون عاصمة العرب في هذا العصر) تدرس في المشرق أكثر مما تدرس في المغرب بل هاهم الكتاب الجزائريون باللغة الفرنسية من أمثال مالك حداد، كاتب

ص: 76

ياسين، محمد ديب، وغيرهم ترجموا إلى العربية وتداول الناس كتابتهم أكثر مما تداولها القراء بالفرنسية .. ولاقوا من الاحترام والتبجيل ما لم يلاقوه بفرنسا التي كتبوا بلغتها، ففرنسا تستغلهم والمشرق يحترمهم ولعل الفرق واضح بين الاستغلال والاحترام.

ويجدر بي قبل أن أضع نقطة الختام لهذا التعليق أن أشير إلى أن الدولة العبرية في البلاد العربية باعتبارها تفتقد إلى الكثير من مقومات الشرعية منذ أن بدأت تظهر في أعقاب الحرب العالمية الأولى تحاول (حتى تكتسب بعض الشرعية) أن تضرب الوحدة العربية في الأعماق فتخلق بينها كدول الكثير من المشاكل على حدودها وتخلق داخل هذه الحدود الكثير من المشكلات بين جهات وعشائر ومدن وقرى القطر الواحد .. ولا نعتقد أن هذا سيكسب أي قطر قوة، وأي دولة شرعية، فالأمة العربية واحدة في التاريخ وفي الجغرافية وفي الثقافة وفي الهموم وفي المصير أيضا وهي باقية والحكام إلى زوال!!

وبكلمة واحدة مختصرة أقول أن البربر كما أثبت التاريخ هم شركاء أصليون ومؤسسون في الحضارة العربية (وليس أية حضارة أخرى) وهم مسؤلون بنفس الدرجة من المسؤولية على ازدهارها السابق وتخلفها الحالي وتجددها المتوقع والمطلوب وليس هذا موقعهم أو موقفهم في الحضارة الأوروبية قديما وحديثا ومستقبلا.

سهيل الخالدي

ص: 77

صورة 1

ص: 78

صورة 2

ص: 79

صورة 3

ص: 80