المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعض عادات الزواوة - تاريخ الزواوة

[أبو يعلى الزواوي]

الفصل: ‌بعض عادات الزواوة

تولوا القضاء والتدريس بالشام ومصر العلامة ابن معطي الزواوي صاحب الألفية ومن النوابغ العظام جماعة من قبيلة (إمشدالن) مثل عمران وناصر الدين وأما محمد بن محمد بن قاسم فقد أعجب به جلال الدين السيوطي فقال فيه ما لفظه: هو محمد بن محمد بن محمد بن أبي القاسم ولد بعد عشرين وثمانمائة واشتعل في الفنون على والده ومشايخ بلده في أنواع العلوم العقلية والنقلية واتسعت مداركه وبرز على أقرانه بل وعلى مشائخه وشاع ذكره وملأ الأسماع، وصار كلمة إجماع، وكان أعجوبة الزمان في الحفظ والذكاء والفهم ولوقد الذهن

إلخ، قلت إذا كان جلال الدين السيوطي الذي قال عن نفسه: لا أعلم أحدا على وجه الأرض أعلم مني في العربية والحديث إلا أن يكون قطبا أو غوثا والخضر. يقول بهذا الإعجاب في شاب من شبان الزواوة فما ظننا بغيره ولهذا اقتصرنا على هذا في هذا الباب وبه كفاية لذوي الألباب.

‌بعض عادات الزواوة

يحار العاقل في أمر العادات عند الأمم عموما وعند المسلمين خصوصا واشتكى من ذلك أولو العلم من جميع الأمم والنحل: ذلك بأن من العادات ما لا يوافق الشرائع السماوية ومنها ما لا يوافق الذوق السليم كثقب الأنف وجعل الخرص فيه وتسويد الأسان والشفتين بالوسام وجعل الرجلين في قالب خاص لتبقيا صغيرتين وهلم جرا مما لا يستقصى (1) ومنها ما ليس بلازم، ومنها

(1) وليس شيء مما تقدم عند الزواوة وإنما سقناه تمهيدا فقط ما عدا الوشام فهم مثل العرب

ص: 124

ما هو مستحسن غير لازم، ومنها ما هو مستحسن ولازم، والناس أعلق من العلق بالعادات وقد جاء الإسلام العزيز بالضرب عن المخالف من العادات وإقرار الموافق فترك الناس بعض ذلك حينا من الدهر فرجعوا إليها بل أحدثوا زيادة بزيادة الأيام بالرغم من مناداة الفحول من العلماء والمصلحين بإنكار ذلك. هذا ولابد من ذكره ما يتيسر من العادات المستحسنة والمستهجنة في الزواوة فقول:

من العادات المستحسنة في الزواوة إنقياد الخصم والرضا بالتحكيم إلى أي حكم تم الرضا بما حكم به له أو عليه ثم لا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الحكم ويسلمه تسليما.

ومنها عدم التحكيم فيما تعلق بالعرض والشرف وليس في ذلك عندهم سوى القتل والانتقام لشرفه كلفه ذلك ما كلفه وإنه العار عندهم أن يقع التحكيم في ذلك وهو خلاف الشرع أحسنوا في الأولى وأساءوا في الثانية. ومنها اتخاذ كل قرية ذات جماعة صغيرة أو كبيرة إماما ومعلما ولكن لا يتمعلم سوى أبناء الشرفاء والمرابطين وكذلك في زواياهم المتقدم ذكرها إلى هذا العهد وهي عادة فاسدة مضرة في الهيئة الاجتماعية لو انتبهوا، ذلك بأن جهل الجهلاء مثل مرض المعدي خصوصا أن الأكثرية لغير المتعلمين ومنهم يتألف المحيط وبالطبع إن التأثير للمحيط والأغلبية وكأنهم أخذوها عن أوروبا القديمة فإن العلم محتكر عندهم للرهبان والملوك وأبناء الملوك ولكن أوروبا قد انتبهوا فضربوا عنها وهذا هو الفرق بيننا وبين أوروبا فإنهم ينتبهون ويرجعون أما نحن فمتمادون في سبات عميق فلا انتباه ولا رجوع {بل

ص: 125

قالوا إنا وجدنا ....} الآية. ولكن لم يبلغنا أنها احتكارية أوهناك أدنى مانع غير العادة وكيفما كان الحال فهي ذميمة يجب الإقلاع عنها شرعا وطبعا إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم كما في الحديث الشريف وكما قالوا أن الإنفاق في كل شيء يستلزم النقصان إلا في العلم فإنه يستلزم الزيادة.

ومنها عدم حجاب من غير نساء المرابطين والشرفاء وأخيرا نساء العلماء فقط ولكن مسألة الحجاب عندنا معشر المسلمين قد لا يفصل فيها غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه والقرآن ينزل فيقول عمر ما قال في الخمر اللهم زدتا بيانا وافيا ذلك بأنا لم نفهم الحجاب المذكور في القرآن إلى الآن ففريق يقول بحبس المرأة في بيت مظلم وغلق الباب عليها وأخذ المفتاح في جيبه وأن لا ترى ولا ترى ولا تخاطب ولا تخاطب وأنها وصوتها ولباسها وعجرها وبجرها عورة وهذا حكم الغيرة لا الشريعة ولا الطبيعة لأنه مناف للصحة والمصلحة الحيوية والطبيعة العمرانية فالحجاب مثل هذا إيذان بالجمود والفناء والتعطيل وقد كان من نيتي وطبيعتي قبل أن أعرف الفرق بين الأمس واليوم، وقبل أن أرشد وأحسن العوم، وقبل أن تضطرني طبيعة الحياة بل القضاء والقدر، إلى الضرب في الأرض وأنا تارة مخير وتارة مسير، وقلت لبعض العارفين في الموضوع ذات يوم أي ابن العم والله إني لأود أن تكون والدتي العزيزة الشريفة المسلمة وأختي الشقيقة المسلمة وامرأتي وابنتي إما فوق هذا السماء أو تحت هذه الأرض وأن لا تذكر قط، فضلا عن أن تنظر، ولكني عبثا حاولت، وطبيعة حارت، وسنة كونية خالفت، أقرأت القرآن ووجدت فيه أن ابنتي شعيب ذهبتا في رعي الغنم وفي الماء واجتمع موسى بهما وتزوج

ص: 126

إحداهما وأنه لما جاء بزوجته قاصدا مصر طلب نارا ليوقدها لها لعلها تصطلي فذهل عنها بما لقي من الأقدار الإلهية ورجعت زوجته مع الرعاة من أهل مدين فاتل الآية {فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير

} إلخ الآيات. وتذكر أن محمد صلى الله عليه وسلم لما عزم على المهر صحبة أزواجه كلهن أو بعضهن حسب مقتضيات الأحوال وقد آذوه في سيدة نسائه عائشة رضي الله عنها بالكذب والبهتان إلى أن أنزل الله في القضية القرآن بالبراءة فاتل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسوه شرا لكم بل م خير لكم

} إلخ الآية وضربت في الأرض بناته فزيب خرجت من مكة في طلب أبيها بالمدينة وتناولها زوجها وذوو زوجها بالخصام والشجار فأسقطوها من على الجمل فأجهضت حتى كان لها ذلك سبب الهلاك بعد أعوام قليلة وهاجرت ابنته رقية مع زوجها عثمان إلى الحبش وكان العامة من الحبش يتعرضون لها ويقولون بعضهم لبعض تعالوا تروا ابنة النبي العربي ما أجملها إلى أن اشتكت إلى الحكومة الحبشية النصرانية وتذكر قضية أبينا إبراهيم عليه السلام مع فرعونه الذي عزم على أن يجبره ليعطي له زوجته سارة لأنه ذكرها له أنها أخته والقضية مشهورة في كتب السير والتاريخ ولكن إخواننا المسلمون أبووا الإخاء ذكرت أولا وتمنيت ثانيا وهو محال عند العارفين فإن الله تعالى لم يرد أن يجري ذلك بل أراد أن يجري الحق والدفاع عنه ونتبع نحن ذلك ولا يتبع هو جل شأنه ما نريد من الأهواء اقرأ

ص: 127

{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} وبالجملة فقد حررت ما تيسر في الموضوع في كتابي "مرآة المرأة المسلمة" وأزيد هنا أني لم أنكر الحجاب وإنما أردت الحجاب الشرعي بأن تختلط ولا تختلي امرأة أجنبية بأجنبي وأن يغلب الحجاب المعنوي على المادي أولى وأصوب وأسهل وأفيد وأن تحسن التربية والتعليم ببيان الفضيلة والرذيلة ونحو ذلك من الأخلاق الحسنة والعقائد الصحيحة.

ومنها احترام المرأة والعناية الشديدة عندهم بعدم مخاطبتها أو أحرى إذايتها وعدم ذكرها باسمها لأهلها أو زوجها.

ومنها تخلف المرأة في المشي إذا كانت مع الرجال وكذلك في الركوب وفي الصلاة وهذا موافق للشرع وللذوق ولكن تخلفها في الأكل والشرب طبيعة خلاف الشرع وخلاف المدنية.

ومنها تشغيل النساء في أعمال خارج البيت عدى الشرفاء والعلماء وقضية تشغيل النساء في الأمم وعند العرب بالخصوص فيها تفصيل أظن أنه يوافق الشرع العزيز على العادات التي لا حرمة فيها ويباح ما تضطر إليه الحياة كسقي الماء والاحتطاب والبيع والشراء وغير ذلك.

ومنها صعوبة الطلاق بما يشبه امتلاك المرأة وقد لا يفيد الخلع ولا الجبر ولا التحكيم وقد قدمنا أن التحكيم الذي هو عندهم مقبول لآدنى شيء إلا فيما يخص بالعرض وفي هذه من المنكر والقسوة ما يسخط الله ورسوله فلله در القائل:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

ص: 128

بل وصف الله تعالى قلوب صنف من عباده بقوله وهو أصدق القائلين: {ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منها الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله} . والحال أنه ليس من الشهامة إمساك المرأة جبرا يحبها وهي تبغضه ولا من الكرامة إذايتها، فسحقا وتعسا لرجل لا تحبه امرأته وهو ممسك لها، لبئس الحياة حياته.

ومنها عدم توريث قبائل تيزي وزو النساء بخلاف قسم بجاية وسبب عدم توريث في القسم الأول أنه على ما حدثني والدي رحمه الله طارئ بعد وباء أوائل القرن السابع هلك فيه الكثير من العلماء فاتفقوا على أن يتولى العاصب إرث المخلف ويلتزم بالقيام بحقوق النساء وحمايتهن والنفقة عليهن ولو لم يترك لهن وليهن شيئا بدعوى أنه له الحق التداخل لما عسى أن يصيبه من المعسرة إلى غير ذلك من الأسباب ووجده مكتوبا أي هذا الاتفاق في دفتر لما كان شيخا في قرية - تافة نيث يحي - وذكر هذا الأمر الشيخ الحسين الورتلاني الشهير بالصلاح أنه حدث في القرن الثامن فقط وهذا يؤيد ما رويته عن الوالد قلت وكيفما كان لا يجوز مخالفة ركن عظيم في الشريعة كهذا لأنه بمقتضى الآية ويظهر لي أخيرا أنهم يعملون ذلك محافظة على تقسيم التركة وتبديد الثروة وكذلك يحكى عن الإنجليز ونقول لهم: (أنتم أعلم أم الله).

ومنها عدم تحاكم الزوجين إلى القاضي ولا إلى العالم يحكمون العرف في شأن الزوجية والعرف عندهم غير محدود وأكثر القبائل كما قدمنا قلما أن يتساهل في أخذ الخلع ولو بأضعاف ما بذل من الصداق ويعطلها مدة الحياة ولا يجبر

ص: 129

في أمثال هذه فإذا أجرم قتله لأنه يرى ذلك اعتداءا على حقه وعرضه ولا يقبل عقله أن الشريعة هي التي أجبرته لما رسخ في ذهنه أن امرأته خلص ملكه لا يشاركه فيها أحد من العالمين فالذي يطلقها عليه شاركه فيها وهذا من التعاليم الموارثة ونشأ عن قلة الإرشاد والوعظ ولم نجد من المتأخرين من يقوم بتدريس علم الأخلاق ويحسن تقويم المعوج منها فإن سادتنا المتصوفة مكتفون بأن من أخذ طريقتهم لا تتعدى عليه النار ويكتفون عن جبال كهذه وكذلك يفدوهم بذكر لا إله إلا الله سبعين ألف مرة وبصلاة آخر الجمعة من رمضان وجهلوا أن القيم على الكبيرة لا يفيده ما ذكر إن لم يتب ويقلع على أن لا يعود وأن الإيمان والإسلام أقوال وأعمال.

وفسر الإيمان بالتصديق

والنطق فيه الخلف بالتحقيق

وقيل شرط كالعمل وقيل بل

شطر والإسلام الشرعي بالعمل

وقولنا القاضي نيابة عن الشريعة إلخ ما تقدم ذكرنا أن نقول أن القضاء ركن عظيم في الشريعة الإسلامية ولكنه مصاب برجال حولوه لا يستحقون ولاية الكنس والرش للشوارع ولا وقادين في الحمامات ولا بوابين للحانات كما يعلم هذا الخاص والعام والمصاب العظيم في الأمر العظيم لذا القضاء خطة عظيمة تستلزم التبحر في العلوم الشرعية والعدالة التامة بلا أدنى فسق ليكون نقيا وزاهدا فإن نص خليل في مذهبنا المالكي على حرمة تولية الجاهل وطالب دنيا فإذا بأكثرهم ممن عرفناهم أفسق من قردة فلا صلاة ولا زكاة ولا حج ولا عفة فإن بعضهم ينشد لسان حاله:

ص: 130

(وكنت امرء من جند إبليس فارتقى

بي الدهر حتى صار إبليس من جندي

فلو مات قبلي كنت أحسن بعده

طرائق فسق ليس يحسنها بعدي)

ومن عادات الزواوة عدم مصاهرة الشرفاء والمرابطين لغيرهم نعم إن الكفاءة معتبرة في الإسلام ولكن من الزوج أن تكون كفؤا للمرأة لا العكس والزواوة عمموا وهذا تشديد لا يليق.

ومنها أنهم إذا اقتتلوا أو تشاجروا فإن الشريف أو العالم الصالح يكون في الحياد التام ويدخل بين صفوف المتقاتلين للصلح ويدفع ذلك باليد وذا باليد ولا يجدون في أنفسهم شيئا ولا يؤذونه ولا يعارضونه وقد رأيت والدي رحمه الله في قرية صوامع في بني بوشعايب في وسط معمعة في سعة 1869م وأنا ابن أربع سنين داخلا علينا وهو رحمه الله ملطخ بالدماء وأنا وأختي وأخته عمتي ووالدتي نبكي فأهدأ من روعنا وقال لا تبكوا مرة أخرى إذا رأيتموني بين المقتتلين فإنهم لا يؤذونني لأني داخل مصلحا لا مقاتلا وما يصيبني من الدم إنما هو لتناولي الجرحى ودفع الأقوياء عن الضعفاء إلخ. قلت أن عادة كهذه من المدنية بمكان ويجدر أن تسطر بماء الذهب فإن جمعية الصليب الأحمر التي أسستها دول أوروبا منذ أمد غير بعيد لم تكن بهذه المثابة في هذه الحرب الأخيرة وكذلك قداسة البابا لم يحترمه المقتتلون هذا الاحترام في هذه الحرب بل كادوا يتهمونه بالانحياز والميل إلى فريق دون فريق والحال أن مقامه عندهم مقام العصمة.

ص: 131

ومنها أن الشرفاء والصلحاء في الزواوة يفصلون في الدماء ويحكمون في قضاياها ولا إعادة فيها ويعتبرون ذلك حكما ربانيا حتى إذا خالفهم أحد فدعوتهم عليه أو له مقبولة وهكذا شأن الزواوة في الانقياد للشرفاء والصلحاء والعلماء وتقدم أنهم انقادوا لدعوة الإدريسيين والفاطميين الشيعيين فهذه العادة التي قبلها وغيرهما من امتثالهم يحق أن تكون من المعلقات التي يفتخر بها الخلف بالسلف لو يعتني القوم بهذه المحامد ويتنافسون في خلالها ويطرحون الخلال الشائنة.

ومنها عف اللحية وينكرون أشد الإنكار حلقها ويضربون المثل في المغالطة فيقولون في المخدوع حلقوا له لحيته والمعنى أنه مغفل ولكن منذ مدة يسيرة سرت إليهم عادة حلق اللحية التي عمت الآن العالم الإسلامي وهي مخالفة للقواعد العربية من أخلاقهم وللسنة النبوية وعمل السلف الصالح وقال النسابة ابن الكلبي كان للعرب خاصة عشر خلال لم تكن في أمة من الأمم خمس منها في الرأس وخمس في الجسد فأما التي في الرأس فالفرق والسواك والمضمضة والإستنشاق وقص الشارب دون اللحية وأما التي في الجسد فتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء .....

ومنها تركهم الأظافر ليتخامشوا بها وهي عادة شنيعة تشوه الوجه المتحرم الذي ورد النهي عن ضربه لأن الله تعالى خلق آدم على صورته ولكن عامة الأمم تضرب للوجه ولم يتق أحد الوجه حتى الوالدان فإنهما يضربان أولادهم للوجه ويلطمانهم ويا حبذا لو وضعت قوانين لهذا الأمر.

ص: 132