الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحبيرُ الوريقات
بشرح الثلاثيات
(شرح مختصر لثلاثيات البخارى رحمه الله
جمعُ وترتيبُ
أبى وداعة وليد بن صبحى الصعيدى
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، قدم نبينا على كل نبىٍّ أرسله، وكتابنا على كل كتابٍ أنزله، وجعل أمتنا الأخيرة الأولة، فله الشكر من معتقِدٍ أنه به وله، لا غنى إلا فى طاعته، ولا عز إلا فى التذلل لعظمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، جل عن شريكٍ وولد، وعز عن الاحتياج لأحد، وتقدس عن نظيرٍ وانفرد، وعلم ما يكون، وأوجد ما كان، " فبأى آلاء ربكما تكذبان "، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله
…
نبى صدقٍ هدت أنوار شرعته
…
بعد العمى للهدى من كان عنيتا
أحيا به الله قوماً قام سعدهم
…
كما أمات به قوماً طواغيتا
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
فهذه ثلاثيات البخارى، والذى علا فيها بسنده إلى النبىِّ (صلى الله عليه وسلم)، فهى كواكب أسانيده العالية (1)، وقد حظيت بالاهتمام من أهل العلم فى القديم والحديث حتى أفردوها بالتصنيف، ومن الطريف أن الثلاثيات فى الكتب الستة- خاصة (2) - ليس لها انتشار حيث أن أصحابها لم يتمكنوا من لقيا كبار الشيوخ، وقد كان أسنهم الإمام العلم الإمام البخارى، لذلك فإن مصنفه هو الذى احتوى على أكثر عدد من بين الكتب السته ففيه اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، يليه فى العدد سنن ابن ماجة، فقد وقفت على ثلاثة أحاديث كلها من طريق جبارة ابن المغلس، ولم يصح منهم إلا واحد صححه الشيخ الألبانى، ثم تلا ذلك من كتب السنة سنن الترمذى ففيه حديثُ واحد. ثم ليس ثمت ثلاثيٍّ في بقية الستة. فليس عند مسلم ولا أبى داود ولا النسائى من ذلك شيء كما ذكر أبو العلا
(1) السند الثلاثى: هو أن يكون بين الراوى وبين المروى عنه الكلام ثلاثة رواه، والمقصود هنا بينه وبين النبىّ، وللبخارى فى صحيحه أسانيد رباعية وخماسيه وسداسية، أما أعلى سند موجود فى الكتب التسعة فهو فى الموطأ؛ ففيه سند ثنائى، يقول الإمام مالك: حدثنى نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم، أما أطول سند وقع فى كتب السنة، هو السند العشارى، وهذا عند النسائى فى كتاب الصلاة، قال: أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا زائدة، عن منصور عن هلال، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن أبى ليلى، عن امرأة أبى أيوب، عن أبى أيوب، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن " والحديث فيه ستة من التابعين أولهم منصور، وقد رواه الترمذى عن قتيبة ومحمد بن بشار بسند عُشارى أيضاً.
(2)
ففى غير الكتب الستة ثلاثيات بل ثنائيات كما فى موطأ الإمام مالك، وأما مسند الإمام أحمد فثلاثياته تزيد على ثلاثمائة حديث، وعند الدارمىِّ أكثر من البخارى.
المباركفورى فى تحفة الأحوذى.
وقد مَنَّ الله علينا بسماع هذه الأحاديث بالسند المتصل إلى الإمام البخارى ثم بسنده إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) وذلك عن فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالى - حفظه الله - بدايةً، ثم عن فضيلة الشيخ صلاح عبد الموجود - حفظه الله -
ولما كان المقصدُ من وراء العلم الفهم ثم تطبيق ما تعلمه العبد دون روايته فقط، لذلك لم يكن من المسَلَّم أن نكتفىَ برواية الأحاديث دون فهمٍ منا لما فيها من مسائل قَصَدها الشرعُ، وفى ذلك يقول السيوطى فى التدريب (1):" لا ينبغى للطالب أن يقتصر من الحديث على سماعه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل" ا. هـ
ومن فعل ذلك كان كمن ينبذ الكتاب وراء ظهره.
فأردت أن أقف لنفسى أولاً ولإخوانى بعد ذلك -لمن أراد -مع ما تحتويه هذه الأحاديث من ثمارٍ يانعة، ودررٍ لائحة، فإن الوحى نور، نستضيء به فى دياجير الشبهات والشبه، وأيضاً حتى لا نكون كمن أقام الحجة على نفسه، ثم إذا أقبلنا على الله سبحانه قيل لنا:" فبما كسبت أيديكم ".
وإنما قمت بهذا العمل حفاظاً على مسموعاتى، وما تحملته من أمانة، مرةً بالنظر ومرةً بالترتيب، ومرةً باستخراج الفوائد، وحفزنى على هذا العمل سلفنا - رحمة الله عليهم - واهتمامهم بمروياتهم ومسموعاتهم، وكان آخر ما وقفت عليه ما سطره الحافظ ابن حجر فى جزءٍ لطيف له بعنوان:
" الأحاديث العشرة الاختيارية العشارية الأسانيد " فقال رحمه الله:
" وأما هذه الأحاديث، وإن كان فيها قصور عن مرتبة الصحاح، فقد تحريت فيها جهدي، وانتقيتها من مجموع ما عندي، وبينت علة كل حديث بعقبه، وأوضحت ما فيه للمنتبه " ا. هـ
فقلت ليكن لى فيهم أسوة، وإن لم أبلغ قلامة ظُفر أحدهم، وكان هذا هو الداعى الأول،
أما الداعى الثانى:
(1) التدريب، 369
فإننا نتعلم لنعمل، ولا سبيل للعمل إلا بعد الفهم، قال عمرو بن قيس المُلائى كما فى الحلية:" إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو مرة تكن من أهله "
ثم نتعلم لنبلغ ولا نكتمه.
قال النووى فى التقريب: " فإن كتمانه لؤمٌ يقع فيه جهلة الطلبة فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع، فإن من بركة الحديث إفادته ونشره يُمْن "
وقال الإمام مالك (1): " الناس في العلم اربعة:
رجل علم فعمل به: فمثله في كتاب الله قوله تعالى: " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ "(فاطر، 28)
ورجل علم به ولم يُعَلِّمه: فمثله في كتاب الله: " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ
بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ " (البقرة، 159)
ورجل علم علماً وعلم ولم يعمل به: فمثله في كتاب الله: " إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا "
(الفرقان، 44) "
فوجب التعلم ثم الفهم ثم العمل ثم الدعوة إلى ما عَلِمناه بما تعلمناه، وكل ذلك ليس لنا إليه سبيل إلا بعد أن نقف على ما فى هذه الأحاديث من دروس وعبر.
ولا أدعى فى ذلك أنى جئت بجديد، أو وقفت على ما لم يقف عليه أحد، ولا أدعى أنى انتحلت هذا من عندى، ولكنها ثمار اجتنيتها من بساتين القوم وليس لى فيها كبير جهد إلا الترتيب، فلا أنسب من ذلك شيء إلى نفسى، متذكراً كلام ابن المقفع فى الأدب الكبير (2):
" إن سمعتَ من صاحبك كلاما أو رأيت منه رأيا يعجبك فلا تنتحله تزينا به عند الناس. واكتف من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه. واعلم أن انتحالك ذلك مسخطةٌ لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارا وسخفا ". فأنا أربأ بنفسى عن السخافة والعار.
(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض،59
(2)
الأدب الكبير والصغير، 19
وعن العباس ابن محمد الدوري أنه سمع أبا عبيد القاسم بن سلام يقول (1): من شُكْر العلم ذكركُ الفائدة منسوبةً إلى من أفادك إياها أو كما قال.
وقد جاء هذا الشرح فى ثلاثة أبواب:
الباب الأول: مباحث بين يدى البحث كتوطئةً له.
الباب الثانى: شرح الثلاثيات حسب مسند كل صحابىّ.
الباب الثالث: روايات لها علاقة بالثلاثيات عند البخارى فى صحيحه وفى كتابه الأدب المفرد.
ثم الخاتمة، سائلاً الله عز وجل أن يختم لنا بخير.
وأختم المقدمة بما قاله ابن قتيبة فى عيون الأخبار، مهوناً عليك أن تسمع من مثلى أو تقرأ لمثلى، فالحكمة ضالة المؤمن نأخذها عمن فوقنا وعمن تحتنا:
" لا تستنكف أن تأخذ عن الحديث سناً لحداثته، ولا عن الصغير قدرا لخساسته، ولا عن الأمَة الوكعاء (2) لجهلها، فضلا عن غيرها. فإن العلم ضالةُ المؤمن، من حيث أخذه نفعه، ولن يزري بالحق أن تسمعه من المشركين، ولا بالنصيحة أن تستنبط من الكاشحين (3)، ولا يضيرالحسناء أطمارها، ولا بنات الأصداف أصدافها، ولا الذهبَ الإبريزَ مخرجُه من كِبا، ومن ترك أخذ الحسن من موضع أضاع الفرصة، والفرص تمر مر السحاب".
ويقول النووى أيضاً فى التقريب: " وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن دونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره ".
" واللهَ أسألُ أن يُلقيَ على هذه الوريقات قبولاً من القُلوبِ ويرزُقَها مَيلاً منَ النفوسِ وإنصاتا
من الأسماعِ، وتَسييراً في البلادِ وأن يستنطقَ ألسنةَ من طرأتْ عليه من أفاضل المسلمين بالدعوةِ
(1) ادب الخواص للوزير المغربى
(2)
قال الليث: الوَكَعُ مَيَلانٌ في صَدْر القدَم نحو الخِنْصِر وربما كان في إِبهام اليد وأَكثر ما يكون ذلك للإِماء اللواتي يَكْددْنَ في العمَل .. (اللسان)
(3)
والكاشِح: الذي يطوي على العداوة كَشْحَه، وقيل: الكاشح الذي يتباعد عنك.