الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطّيبةِ لمُنشئها، والتَرحمِ على جامعها والله تعالى مرَجوّ الإجابةْ. لمنْ يسألهُ منْ أهل الإنابةْ."
الباب الأول
مباحث مهمة بين يدى الكتاب
المبحث الأول:
الإسناد وقيمته فى الإسلام
المبحث الثاني: بعض أخلاق طالب العلم
المبحث الثالث: ترجمة البخارى رحمه الله
المبحث الرابع: الثلاثيات بترتيبها فى صحيح البخارى
المبحث الخامس: السند الذي وصلت لنا به الثلاثيات.
المبحث السادس: المؤلفات حول الثلاثيات
تمهيد
وكانت هذه المباحث فى هذا الباب بين يدى الشرح تمهيداً وتوطئةً بين يديه، لتتأهل النفس وتستعد لما يتلى عليها، انطلاقاً من قول ابن الجوزى فى صيد الخاطر:" إنما الصواب توطئة المضجع قبل النوم ".
ثم إنه كان ولا بد أن نقدم بين يدى هذا الشرح كلاماً عن قيمة الإسناد فى الإسلام، ومدى اهتمام أهل العلم بذلك، وتوخيهم الصحة والضبط لأن الأمر أمر دين، فكان المبحث الأول:" قيمة الإسناد فى الإسلام ".
وأيضا توجيه بعض النصائح التربوية لى ولطلبة العلم، فكان المبحث الثانى:" بعض آداب طالب العلم ".
ثم ترجمة لإمامنا وفقيه هذه الأمة ومحدثها الإمام البخارى رحمه الله، فكان مبحث:" ترجمة البخارى".
ثم لما كان الشرح لم يرتبط بترتيب البخارى رأيت أن أسرد هذه الأحاديث سردا بترتيبها فى صحيح البخارى وكما قُرِئت على المشايخ، ثم أردفتها بذكر السند الذى وصلت لنا الثلاثيات به.
ثم لتتم الفائدة فكان من الواجب ذكر المؤلفات حول هذا الموضوع والتى صنفها أهل العلم، ليقف عليها من يريد الاستزادة ومعظم هذه الشروح وللأسف مازالت مخطوطة ولم تخرج للنور، قيد الله لها من يخرجها.
والله من وراء القصد، ونسأله أن يرزقنا الإخلاص فى القول والعمل، وما قل وكفي خير مما أكثر وألهى.
المبحث الأول
قيمة الإسناد فى الإسلام
مدى الاهتمام بمعرفة الرواة:
نقل مسلم فى مقدمة صحيحه (1) جملة من كلام أهل العلم بسنده عن قيمة الإسناد والنهى عن الرواية عن الضعفاء، وكذلك ابن عبد البر فى بداية التمهيد (2) كثيراً من ذلك عن الصحابة والتابعين حول قيمة هذا الأمر، ومدى الإهتمام به، ومن ذلك:
* قال أبو هريرة: " إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه "
* وعن شعيب بن الحبحاب قال غدوت إلى أنس بن مالك، فقال:
يا شعيب ما غدا بك؟ فقلت: يا أبا حمزة غدوت لأتعلم منك، وألتمس ما ينفعني فقال يا شعيب: إن هذا العلم دين فانظر ممن تأخذه.
وقال النووي فى التقريب: " الإسناد خصيصة لهذه الأمة، وسنة بالغة مؤكدة "
وعن عامر بن سعد أن عقبة بن نافع قال لبنيه، وثبت أيضاً عن صهيب:
" يا بَنيَِّ لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من ثقة "
* وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شهد له بالطلب.
* وعن ابن سيرين قال: إنما هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه.
* وعن سليمان بن موسى قال: لا يؤخذ العلم من صُحُفِي.
* وعن المغيرة عن إبراهيم قال: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
قال المغيرة: " كنا إذا أتينا الرجل لنأخذ عنه نظرنا إلى سمته وصلاته ".
* وقد روى جماعة عن هُشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال:
" كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى هديه وسمته وصلاته ثم أخذوا عنه ".
* وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يتهم بالكذب فقالوا: انشره فانه دين.
* وعن حماد بن زيد أنه قال:
كلمنا شعبة في أن يكف عن أبان ابن أبي عياش لسِنِّهِ وأهل بيته، فقال لي:
" يا أبا إسماعيل لا يحل الكف عنه لأن الأمر دين ".
(1) مقدمة مسلم، 69: 114
(2)
التمهيد، حـ1 (45، ..... )
* وعن الربيع بن خثيم قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير " عشر مرات، كان له كعتق رقاب أو رقبة، قال الشعبي: فقلت للربيع بن خثيم: من حدثك بهذا الحديث فقال عمرو بن ميمون الأودى فلقيت عمرو بن ميمون فقلت من حدثك بهذا الحديث فقال عبد الرحمن بن أبي ليلى فلقيت ابن أبي ليلى فقلت من حدثك؟
قال أبو أيوب الأنصاري؛ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا كان الناس على البحث عن الإسناد وما زال الناس يرسلون الأحاديث ولكن النفسَ أسكنُ عند الإسناد وأشدُ طمأنينة.
* وعن نصر بن حماد يعني الوراق قال: كنا قعودا على باب شعبة نتذاكر الحديث فقلت: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني قال:
" كنا نتناوب رعية الإبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت ذات يوم والنبي صلى الله عليه وسلم حوله أصحابه فسمعته يقول: من توضأ ثم صلى ركعتين ثم استغفر الله غفر له. قلت: بخ بخ قال فجذبني رجل من خلف، فالتفت، فإذا عمر بن الخطاب فقال ما لك تبخبخ؟! فقلت عجبا بها، قال: لو سمعت التي قبلها كانت أعجب وأعجب، قلت: وما قال؟ قال: قال صلى الله عليه وسلم " من شهد أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله قيل له ادخل من أي أبواب الجنة شئت " قال: قال نصر: فخرج علينا شعبةُ فلطمني ثم رجع، فدخل، قال: فتنحيت ناحية أبكي، ثم خرج، فقال: ما له بعدُ يبكي؟! فقال له عبد الله بن إدريس: " إنك أسأت إليه " قال: انظر ما يُحَدِّث به عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنا قلت لأبي إسحاق من حدثك؟ قال: حدثنا عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لأبي إسحاق: أو سمع عبد الله من عقبة؟! قال فغضب، ومسعر بن كدام حاضر، فقال لي مسعر: أغضبت الشيخ، فقلت: ليصححن هذا الحديث أو لأرمين بحديثه، فقال لي مسعر: " هذا عبد الله بن عطاء بمكة"، قال شعبة: فرحلت إلى مكة لم أرد الحج أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته فقال: سعد بن إبراهيم حدثني، قال شعبة: فلقيت مالك بن أنس فسألته عن سعد فقال: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام، فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم بالمدينة فسألته، فقال: الحديث من عندكم؛ حدثني زياد بن مخراق، قال شعبة: فلما ذكر زياد بن مخراق قلت: أي شيء هذا! بينما هو كوفي إذ صار مدنيا إذ صار بصريا، قال شعبة فرحلت إلى البصرة فلقيت زياد بن مخراق فسألته، فقال: ليس الحديث من بانتك (كذا) فقلت حدثني به، قال: لا ترده، قلت: حدثني به، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت ومن لي بهذا الحديث لو صح لي مثل هذا عن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم كان أحب إليَّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين "
طلب السند العالى
للسند العالى قيمةٌ عظيمةٌ عند العلماء، فقد كانوا يبحثون عنه ويحرصون عليه ويسافرون من أجله.
قال النووى فى التقريب: " وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استُحبَّت الرحلة "
وقال السيوطى فى التدريب (1): قال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه ".
وقال محمد بن أسلم الطوسي: " قرب الإسناد قُربُ -أو قربةٌ- إلى الله ".
وقال العلائى: " لا ريب في اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى من عنده الإسناد العالي".وقد ذموا النزول فى الإسناد، فقال ابن المدينى:" النزول شؤم ".
وقال ابن معين: " الإسناد النازل قرحةٌ فى الوجه ".
ولكن السند العالى يجب أن يكون عن الرجال العدول، فإن روى الحديث بعلوٍ عن جاهلٍ أوضعيف فليس بعالٍ، أما أن يروى نفس الحديث بنزول ورجاله ثقات فهو العالى.
لذلك قال ابن المبارك: " ليس جودة الحديث قُرْْبَ الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال"
وقال السِّلفي (2): " الأصل الأخذ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، والنازل حينئذ هو العالي في المعنى عند النظر والتحقيق، قال ابن الصلاح ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث وإنما هو علو من حيث المعنى ".ا. هـ
وقال بعضهم فى ذلك (3): ان النزول اذا ما كان عن ثبت
…
اعلى لكم من علو غير ذي ثبت
وقد جمعت ثلاثيات البخارى هذه بين قرب الإسناد وجودة الرجال.
أمثلة من رحلاتهم.
الرحلة كانت المصدر الوحيد فى الحصول على العلم، حتى أن بعض أهل العلم كان لا يعُد الذى لا رحلة له من العلماء.
(1) تدريب الراوى، 387
(2)
السابق، 387
(3)
الجامع لأخلاق الراوى والسامع، حـ1، 124
وسأل عبدُ الله بن أحمد أباه عمن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلاً عنده علم فيكتب عنه أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال يرحل يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة، يسأم الناس لسماعه منهم.
ومن الرحلات ما يلى:
فى عهد الأنبياء:
ومن أشهر ذلك فى القرآن رحلة موسى للخضر عليهما السلام فقد ذكر لنا القرآن الكريم هذه القصة بطولها، لنعلم أن الكل يحتاج إلى التعلم حتى الأنبياء أنفسهم.
فى عهد الصحابة:
ومن أشهرها أيضاً وهي العمدة فى هذا الباب، رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس.
قال: بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه، فابتعت بعيراً، فشددت عليه رحلي وسرت شهراً حتى قدمت الشام، فأتيت عبدَ الله بن أنيس فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني، فقال لي: جابر؟ فقلت: نعم، فرجع فأخبره فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت حديث بلغني عنك سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن اسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا بُهما "، قلنا: ما بهما؟ قال ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب: " أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا
أحد من أهل النار عنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة، قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات.
وفى عهود السلف:
نقل ابن عبد البر (1) بعض كلام أهل العلم فى ذلك فقال: قال سعيد بن المسيب: " إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد ".
(1) جامع بيان العلم وفضله - 141،142
وعن صالح ابن صالح الهمدانى قال: حدثنا الشعبي بحديث ثم قال لي: أعطيتكه بغير شيء وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه.
وعن بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: " إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه ".
وقال الشعبي: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة حكمة ما رأيت
سفره ضاع " ا. هـ
رحلة يوسف الشيرازى وأبو الوقت (1):
قال يوسف بن أحمد الشيرازي في " أربعين البلدان " له:
لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر
بلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعولي بعد الله عليك، وقد كتبت ما وقع إليّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة أنفاسك، وأحظى بعلو إسنادك.
فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، لو كنت عرفتني حق معرفتي، لما سلمت علي، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا، يا ولدي، تعلم أني رحلت أيضا لسماع " الصحيح " ماشيا مع والدي من هراة إلى الداوودي ببوشنج ولي دون عشر سنين، فكان والدي يضع على يدي حجرين، ويقول: احملهما.
فكنت من خوفه أحفظهما بيدي، وأمشي وهو يتأملني، فإذا رآني قد عييت أمرني أن ألقي حجراً واحدا، فألقي، ويخف عني، فأمشي إلى أن يتبين له تعبي، فيقول لي: هل عييت؟ فأخافه، وأقول: لا. فيقول: لم تقصر في المشي؟ فأسرع بين يديه ساعة، ثم أعجز، فيأخذ الآخر، فيلقيه، فأمشي حتى أعطب، فحينئذ كان يأخذني ويحملني، وكنا نلتقي جماعة الفلاحين وغيرهم، فيقولون: يا شيخ عيس ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك إلى بوشنج، فيقول:
(1) سيرأعلام النبلاء، حـ 15، 103
" معاذ الله أن نركب في طلب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نمشي، وإذا عجز أركبته على رأسي إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاء ثوابه.
فكان ثمرة ذلك من حسن نيته أني انتفعت بسماع هذا الكتاب وغيره، ولم يبق من أقراني أحد سواي حتى صارت الوفود ترحل إلي من الأمصار.
ومن الأمثلة ما ذُكر سابقاً عن رحلة شعبة بن الحجاج فى حديث الوضوء، فيا لها من همم، ويا لهم من رجال استخدمهم ربهم لحمل هذه الأمانة فرحمة الله على الجميع.
قيمة الإسناد فى الدين (1):
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين "(2).
وروى الحاكم وغيره عن مطر الوراق فى قوله تعالى: " أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ" قال: إسناد الحديث.
قال سفيان بن عيينة (3): " حدث الزهرى يوماً بحديث، فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهرى:
" أترقى السطح بلا سلم ".
* وعن الحسين بن الحسن المروزي قال سمعت ابن المبارك يقول:
" لولا الإسناد لقال كل من شاء ما شاء ولكن إذا قيل له عن مَن بقي ".
* وعن أحمد بن حنبل يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: الإسناد من الدين ".
* قال يحيى وسمعت شعبة يقول: " إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد ".
* والأوزاعي قال: " ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد ".
* وقال ابن عون: كان الحسن يحدثنا بأحاديث لو كان يسندها كان أحب إلينا.
وقال السيوطى فى التدريب (4): " قال ابن حزمٍ: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإتصال
(1) 1 التمهيد، حـ1، 57
(2)
رواه البيهقىُّ، وصححه الألبانى كما فى مشكاة المصابيح (رقم 248)
(3)
تدريب الراوى، 378
(4)
السابق، 377