المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال - تحبير الوريقات بشرح الثلاثيات

[وليد الصعيدي]

الفصل: خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال

خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.

قال: وأما النصاري فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط وأما النقل بالطريق

المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبىٍّ أصلاً، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص " ا. هـ

حراسة حدود السنة (1)

* قال عبد الرحمن بن مهدي لابن المبارك أما تخشى على هذا الحديث أن يفسدوه؟ قال: " كلا فأين جهابذته ".

* وعن عبدة بن سليمان المروزي قال: قلت لابن المبارك: أما تخشى على العلم أن يجيء المبتدع فيزيد في الحديث ما ليس منه؟ قال: لا أخشى هذا بعيش الجهابذة النقاد.

‌المبحث الثانى

بعض أخلاق طالب العلم

طالب العلم ليس كغيره من الناس لذلك كان لابد له مع نفسه وقفات، يزكيها ويطهرها لتتأهل لهذا النور الذى ستسعى فيه فى الدنيا والآخرة، ويستضيء به الفئام من الناس، وقد أكثر أهل العلم عن الحديث فى هذا الجانب المهم، ومنهم من أفرد فيه مؤلفات، لذلك فقد أحببت أن أُُذََِّكِّر ببعض ما ذكره أهل العلم من هذه الأخلاقيات، وليس كل الأخلاقيات، وكان ذلك لأنى رأيت أن هذا الشرح سيقع فى يد من يُرجى منهم الخير، ويكونوا أسوةً لمن بعدهم، فأردت أن لا أحرم نفسى من التذكير بهذا الشأن من منطلق قول الله تعالى " وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ "

(الذاريات، 55) ونرجوا من الله القبول والثواب والهداية ..

***********

وأول ما يحتاج إليه طالب العلم وغيره ونفتقده فى هذه الأيام هو:

الأدب:

(1) التمهيد، حـ1، 60

ص: 14

فعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها ".

وقال الحسن: "إن كان الرجل ليخرج في أدب واحدٍ السنةَ والسنتين".

وقال الإمام مالك رحمه الله: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل

علمه.

وقد أشرف الليث بن سعد على بعض أصحاب الحديث فرأى منهم شيئا كرهه فقال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب، أحوج منكم إلى كثير من العلم!

وقال سفيان الثوري: "كانوا لايخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة "

وقال ابن المبارك: "طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم".

وقال أيضا: "كاد الأدب أن يكون ثلثي العلم".

وفى وصية عبد الملك بن مروان لمؤدب أبنائه، كى يؤدبهم عيها قال:" واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب ".

وقال الخطيب البغدادى (1): " والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً وأشد الخَلْق تواضعاً وأعظمهم نزاهة وتديناً وأقلهم طيشاً وغضباً، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ويصدفوا عن أرذلها وأدونها ". ثم روى عن أبي عاصم أنه قال: " من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا فيجب أن يكون خير الناس".

وقال أبو عبد الله البوشنجى (2): من أراد العلم والفقه بغير أدب فقد اقتحم أن يكذب على الله ورسوله.

وقال أبو عبيد بن سلام (3): " مادققت على محدثٍ بابه قط، لقول الله تعالى: "" وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا "

وقال ابو زكريا العنبري (4):

(1) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/ 78

(2)

تهذيب الكمال، حـ15 (ترجمة البوشنجى)

(3)

تدريب الراوى للخطيب، 366

(4)

تدريب الراوى للخطيب، حـ1، 80

ص: 15

" علم بلا أدب كنار بلا حطب وأدب بلا علم كروح بلا جسم، وانما شبهت العلم بالنار لما روينا عن سفيان بن عيينة انه قال: ما وجدت للعلم شبها الا النار نقتبس منها ولا ننتقص عنها. "

وقال شيخنا الشيخ الحوينى معلقاً على هذه الرواية فى شرحه لكتاب العلم من صحيح البخارى:

" وهذا معناه: أن الأدب هو وقود العلم، ومعناه أيضاً: أن العلم لا يصل إلا بأدب. وخلاصة الكلام: العلم لا يصل إلا بحكمة." وقال مرةً: " وهذا يعني أن المرء إذا كان خلواً من الأدب فلا ينتفع في نفسه بعلمه، ولا ينفع غيره."

وقال الشيخ سلمان العودة معلقاً على هذا الأثر: " علم بلا أدب كنار بلا حطب" فمعناه والله

أعلم: أن العلم يقتبس منه فلا ينقص، مثل النار الذي يوضع عليها الحطب يقتبس الناس منها فلا تنقص، فالعلم الذي ليس معه أدب هو كالنار التي ليس معها حطب، وما هو مصير النار إذا لم يكن معها حطب؟ أن تخبو وتنطفئ، وكذلك طالب العلم إذا لم يتحل بالأدب والخلق الحسن، فسرعان ما يعرض عن العلم ويشتغل بالدنيا. وروى الإمام الدارمي في سننه أن الحسن البصري رحمه الله تكلم في مسألة من مسائل الفقه في مجلس من المجالس، فقال له رجل اسمه عمران المنقري: يا إمام! ما هكذا يقول الفقهاء! كأنه رأى أن ما قرره الحسن البصري مخالف لما يقرره أهل العلم والفقه فقال له الحسن البصري: " وهل رأيت فقيهاً قط- أي هل سبق أنك رأيت فقيهاً في حياتك- إنما الفقيه: العالم بأمر الله، الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، المداوم على عبادة ربه تبارك وتعالى "، فهكذا كانوا يفهمون العلم، وكانت حياتهم تطبيقاً لهذا الفهم." ا-هـ

وقال أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري أنشدنا أبو حاتم سهل بن محمد (1):

إن الجواهر درها ونضارها

هن الفدى لجواهر الآداب

فإذا كثرت أو ادخرت ذخيرة تسمو بزينتها على الأصحاب

(1) أدب الاملاء والاستملاء، للسمعانى، حـ1، 2

ص: 16

فعليك بالأدب المزين أهله كيما تفوز ببهجة وثواب

* ومن جملة الآداب ما ذكره عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده قال:

" علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروهم الشعر يشجعوا

وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رِعَة (1)، وأحسنهم

أدبا، وجنبهم السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رِعَة وأسوأهم أدبا، ومرهم فليستاكوا عرضا، وليمصوا الماء مصا، ولا يعبوه عبا، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إذ الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولوا أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب ".

ثانياً: إجلال المشايخ والأقران والتواضع لهم:

عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه "(2)

ويقول النووى فى التقريب: " وينبغى أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع، ويعتقد جلالة شيخه ورجحانه ويتحرى رضاه "

ومن أشهر ما يروى فى ذلك ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه عن نفسه قال:

" وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار فإن كنت لآتي باب أحدهم فأقيل ببابه ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كنت أبتغي بذلك طيب نفسه".

(1) ورُعَ ورُوعاً ووراعة وتَوَرَّعَ والاسم الرِّعةُ، ويقال فلان سَيءُ الرِّعةِ أَي قليل الورَعِ، وقال الأَصمعي: الرِّعةُ الهَدْيُ وحُسْنُ الهيئةِ أَو سُوء الهيئة. (اللسان، حـ8،388)

(2)

رواه الإمام أحمد بسند حسن، وحسنه الألبانىُّ فى صحيح الترغيب

ص: 17

وما قاله أبو عبيد سابقاً هو من اٌلإجلال أيضا، قال:" ما دققت على محدثٍ بابه قط " فيا له من

أدب.

وقال أبو الحسين ابن العالى (1): سمعت منصور بن العباس يقول: صح عندى أن اليوم الذى

توفى فيه أبو عبد الله البوشنجى بنيسابور، سُئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن مسألة، وكان شيع جنازته، فقال: لا أفتى حتى نواريه لحده.

وذكر الذهبىُّ (2): أن أبا عبد الله البوشنجىِّ دخل علي أصحاب داود بن علىِّ يوما، وجلس في أخريات الناس، ثم إنه تكلم مع داود، فأعجب به، وقال: لعلك أبو عبد الله البوشنجي؟ قال: نعم فقام إليه، وأجلسه إلى جنبه، وقال:" قد حضركم من يفيد ولا يستفيد ".

وقال أبو زكريا العنبري: شهدت جنازة الحسين القباني، فصلى بنا عليه أبو عبد الله البوشنجي، فلما أرادوا الانصراف، قدمت دابة أبي عبد الله البوشنجىِّ، وأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وأخذ إمام الأئمة بركابه، وأبو بكر الجارودي، وإبراهيم بن أبي طالب يسويان عليه ثيابه، فلم يمنع واحدا منهم، ومضى. ا. هـ

وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال:

" ويحكم! هو يُسأل عنا، ولا نُسأل عنه! هو إمام يقتدى به ".

ثالثاً: الإعتراف بعدم إحاطته بطرق العلم كلها، وعدم انتقاص الآخرين بمثل ذلك:

قال ابن عبد البر فى التمهيد (3):- مدافعاً عن العلماء الذين وقع لهم بعض الأخطاء فى العلم -

(1) تهذيب الكمال، حـ15، ترجمة البوشنجى (5025)

(2)

السير، حـ 10، 549 (ترجمة البوشنجى)

(3)

التمهيد، ابن عبد البر، حـ8، 69

ص: 18

" وأخبار الآحاد عند العلماء من علم الخاصة لا ينكر على أحد جهل بعضها والإحاطة بها ممتنعة، وما أعلم أحدا من أئمة الأمصار مع بحثهم وجمعهم إلا وقد فاته شيء من السنن المروية من طريق الآحاد وحسبك بعمر بن الخطاب فقد فاته من هذا الضرب أحاديث فيها سنن ذوات عدد من رواية مالك في الموطأ، ومن رواية غيره أيضا، وليس ذلك بضار له ولا ناقص من منزلته، وكذلك سائر الأئمة لا يقدح في أمانتهم ما فاتهم من إحصاء السنن إذ ذاك يسير في جنب كثير ولو لم يجز للعالم أن يفتي ولا أن يتكلم في العلم حتى يحيط بجميع السنن ما جاز ذلك لأحد أبدا، وإذا علم العالم أعظم السنن وكان ذا فهم ومعرفة بالقرآن واختلاف من قبله من العلماء جاز له القول بالفتوى .. وبالله التوفيق.

وقيل للإمام مالك: العالم يخطىء. فقال: الذي دل عليه من الخير أكثر، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟! ولو لم يأمر بالمعروف إلا من ليس فيه شيء ما أمر أحداً.

رابعاً: الدفاع والذب عن العلماء:

فى " الميزان ": قال ابن معين: وجدت بخط مروان بن معاوية الفزارى - شيخ الإمام أحمد، وابن معين- " وكيع رافضى "، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني.

وليكن حاديك فى ذلك دائماً، قول الشاعر:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا ما اجتمعنا في المجالس للفخر

خامساً: الاهتمام والتصحيح وعدم اللحن:

قال ابن كثير رحمه الله " ينبغى لطالب الحديث أن يكون عارفاً بالعربية.

وقال الأصمعى: " أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل فى قوله: " من كذب علىّ متعمداً

فليتبوأ مقعده من النار"

" وعن عياش بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: " جاء الدَّراورْدِى - يعنى عبد العزيز بن محمد - إلى أبى يعرض عليه الحديث، فجعل يقرأ ويلحن لحناً منكراً فقال له أبى: ويحك يا دراوردى أنت كنت بإقامة لسانك قبل هذا الشأن أحرى ". (1)

(1) مراتب طلب العلم وطرق تحصيله، للشيخ رسلان، 109

ص: 19

وعن حاجب بن سليمان قال: " سمعت وكيعاً يقول أتيت الأعمش أسمع منه الحديث، وكنت ربمالحنتُ، فقال لى: يا أبا سفيان تركت ما هو أولى بك من الحديث فقلت: يا أبا محمد، وأي شيء أولى بى من الحديث؟ فقال النحو. فأملى علىَّ الأعمشُ النحوَ، ثم أملى علىَّ الحديث."(1)

سادساً: العمل بالعلم وعدم كتمانه:

إذا ما لم يفدْك العلمُ خيرا

فخير منه أن لو قد جهلتا

وإن ألقاك فهمُك في مهاو

فليتك ثم ليتك ما فهمتا

أما عن العمل بالعلم فقد قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " والمعنى كما قال السعدى رحمه الله بتصرف- اعملوا بمقتضى علمكم، يعطكم علما وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.

وعن أبى برزة كما فى صحيح الترغيب والترهيب (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل الذى يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضئ على الناس وتحرق نفسها ".

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: " ويلٌ لمن لا يعلم ولا يعمل مرة وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات "

وقال بشر الحافي: " يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث "

وقال عمرو بن قيس الملائي: " إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله "

وقال وكيع: " إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به "

وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع: " كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به "

وقال أحمد بن حنبل: " ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا شيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام دينارا ".

(1) مراتب طلب العلم وطرق تحصيله، 109

(2)

(صحيح لغيره) كتاب العلم، باب الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ويقول ولا يفعله / 130

ص: 20

وأما عن تبليغه فقد قال ابن المبارك: " من بخل بالعلم ابتلي بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينسى أو يتبع السلطان "

وقال سفيان الثوري: " من بخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث أن ينساه أو يموت ولا ينتفع به أو تذهب كتبه "

وقال ابن معين وبن راهويه: " من بخل بالحديث وكتم على الناس سماعهم لم يفلح ".

وقال مطرف (1): " وكان مالك إذا ودعه أحد من طلبة العلم عنده، يقول لهم: اتقوا الله في هذا العلم ولا تنزلوا به دار مضيعة، وبثوه ولا تكتموه.

وقال ابن القاسم: كنا إذا ودعنا مالكاً يقول: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه.

سابعاً: أخذ العلم عن أهله، والتواضع لهم وإن كنتَ أسن منهم.

ومن ذلك ما رواه البخارى فى كتاب الحدود من حديث ابن عباس قال: "كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف .... الحديث "

وانظر مَن ابن عباس سناً وأين كان ابن عباس أثناء تضحيات ابن عوف فى أول أمر الإسلام، ولم يمنعه من ذلك الجلوس بين يدى ابن عباس، يقول ابن الجوزى معلقاً على هذا الحديث:

" أما إقراء ابن عباس لمثل عبد الرحمن بن عوف ففيه تنبيه على أخذ العلم من أهله وإن صغرت أسنانهم أو قلت أقدارهم. وقد كان حكيم ابن حزام يقرأ على معاذ بن جبل فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال إنما أهلكَنا التكبر "(2)

وقد سبق من ذلك ما ذكرته فى المقدمة من كلام النووى فى التقريب:

" وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعى التام فى التحصيل وأخذ العلم ممن

دونه فى نسبٍ أو سنٍ أو غيره ".

ثامناً: الإكثار من مجالسة أهل العلم؛ أهل الآخرة.

(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، 58

(2)

كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزى، حـ1، 41

ص: 21

قال خالد بن حميد (1): سمعت الإمام مالك يقول: " عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله، ويدعوك لحال الآخرة فعلُه، وإياك ومجالسة من يعلك قوله، ويعيبك دينه ويدعوك إلى الدنيا فعله.

وقال محذراً من مجالسة أهل البدع: " التقرب من أهل الباطل هلكة ".

وقال ابن المقفع فى الأدب الصغير (2): " وعلى العاقل أن لا يخادن ولا يُصاحبَ ولا يجاورَ من الناس، ما استطاعَ، إلا ذا فضلٍ في العلم والدينِ والأخلاقِ فيأخذُ عنهُ، أو موافقاً لهُ على إصلاحِ ذلك فيؤيدُ ما عندهُ، وإن لم يكن لهُ عليهِ فضلٌ. فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين. وليس لذي الفضلِ قريبٌ ولا حميمٌ أقربُ إليهِ ممن وافقهُ على صالحِ الخصال فزادهُ وثبتهُ. ولذلك زعم بعضُ الأولينَ أن صُحبةَ بليدٍ نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبةِ لبيبٍ نشأ مع الجهال " ا. هـ

وليكن جلوسك للفائدة، فلتسمع أكثر مما تتكلم، يقول ابن المقفع:" وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول ".

تاسعاً: إذا تحملت علماً لا تضعه عند غير أهله.

ودليل ذلك ما قاله عبد الرحمن ابن عوف لعمر بن الخطاب كما فى حديث أنس السابق لما أراد عمر أن يحذر الناس من أناس تكلموا بما لا يجوز فقال له ابن عوف (3): " يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم - أى موسم الحج- يجمع رعاع الناس وغوغاءهم فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها

"

(1) ترتيب المدارك وتقريب المسالك، 58

(2)

الأدب الكبير والأدب الصغير، 3

(3)

البخارى (6830) باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت

ص: 22

قال ابن الجوزى معلقاً على الحديث (1):

وفي هذا تنبيه على ألا يودع العلم عند غير أهله ولا يحدَّث القليل الفهم بما لا يحتمله فهمه

ومن هذا المعنى قال الشافعي:

أأنثر دراً بين سارحة النعم أأنظم منثورا لراعية الغنمْ

لئن سلم الله الكريم بفضله وصادفتُ أهلا للعلوم وللحكمْ

بثثت مفيداً واستفدت ودادَهم وإلا فمخزونٌ لدي ومكتتمْ

ومن منح الجهالَ علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلمْ.

وقال ابن المقفع فى الأدب (2): " اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع. فإنه ليس في كل حِين يحسنُ كلُ صواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع. فإن أخطأك ذلك أَدخلتَ المحنة على عقلك وقولك، حتى تأتي به إن أتيت به في غير موضعه وهو لا بهاء ولا طلاوة له ".

عاشراً: أن لا تتكلم إلا بما علمت وعقلت وفهمت، لئلا تقع فى الكذب على الله ورسوله.

قال صلى الله عليه وسلم:" من يقل علىَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ".

وفى حديث أنس السابق قال عمر رضي الله عنه فى خطبته: " فإني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب عليَّ

الحديث " ففى هذين الحديثين تهويل للقول بغير علم، فإنه محرم.

وقال الإمام مالك لابن وهب: " اتق الله واقتصر على علمك فإنه لم يقتصر أحدٌ على علمه إلا نفع وانتفع ".

وقال سعيد بن جبير: " قد أحسن من انتهى إلى ماسمع "

الحادى عشر: قلة الكلام.

وكان الإمام مالك يكره كثرة الكلام ويعيبه، قال وقد ذُكر الكلام ومراجعة الناس:" من صنع هذا ذهب بهاؤه "، وقال:" لا يوجد إلا في النساء والضعفاء ".

وكان يقال: " نعم الرجل فلان إلا أنه يتكلم كلام شهر في يوم ".

(1) كشف المشكل، 41

(2)

الأدب الكبير والأدب الصغير، 20

ص: 23