الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 -
وفيه أن المفتى إذا سئل عن شىءٍ وعلم أن للسائل حاجةً إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه، وهذا ما فعله سلمة من ذكر نفث النبىِّ على جرحه ولم يرد فى سؤال يزيد.
8 -
وفيه التلطف فى السؤال. حيث أن يزيد سأل سلمة بكنيته، فقال يا أبا مسلم، والكنية أقرب إلى القلب من الاسم.
9 -
وفيه أنه يجوز السؤال عن الخصوصيات إذا كان فيها منفعة للعامة، وخاصةً إذا جاءت قرينةٌ
توحى بذلك فجرح سلمة من خصوصياته إلا أن صحبة سلمة للنبى (صلى الله عليه وسلم) جعل يزيد يقدم أن من وراء جرحه هذا حدثاً ينتفع به، وينفع به من وراءه فسأله عنه.
الحديث الرابع والخامس عشر
14 -
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ عَلَامَ تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ؟ قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ اكْسِرُوهَا وَهرِيِقُوهَا قَالُوا أَلَا نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ اغْسِلُوا " قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ الْحُمُرِ الْأَنَسِيَّةِ بِنَصْبِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ (2477)
15 -
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا أَمْسَوْا يَوْمَ فَتَحُوا خَيْبَرَ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَامَ أَوْقَدْتُمْ هَذِهِ النِّيرَانَ قَالُوا لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ قَالَ أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوا قُدُورَهَا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ نُهَرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ ذَاكَ. (5497)
الشرح:
أما الحديث الأول فقد قال القسطلانىُّ فى "إرشاد السارى": " هذا الحديث تاسع ثلاثيات البخارى "
وأخرجه البخارىُّ فى كتاب المظالم، باب " هل تكسر الدِّنانُ التى فيها خمر أو تُخرَّقَ الزّقِّاق؟ "
والحديث الثانى قال الكرمانىُّ عنه فى "شرح البخارى": " هذا هو سابع عشر الثلاثيات "
وقد أخرجه البخارىُّ فى كتاب الذبائح والصيد، باب " آنية المجوس، والميتة " فقد روى شيخا البخارىِّ الحديث عن يزيد عن أبى سلمة، وتعدّدُ الطرق تعطى بعض الفوائد، كحل إشكال، أو إيضاح شيءٍ مبهم، أو زيادة فائدة.
والحديث ينقل لنا ما قد أصاب الناس ليلة فتحوا خيبر من جوعٍ شديد، فإنهم قد وجدوا حمراً أهليةً فذبحوها، ووضعوها على القدور، فعلم النبىُّ (صلى الله عليه وسلم) بذلك فحرمها، وأمرهم بإهراقها وكسر
الآنية، ثم خفف الحكم بجواز استخدام هذه الآنية بعد غسلها. قال ابن الجوزى (1):
" أراد التغليظ عليهم فى طبخهم ما نهى عن أكله فلما رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأوانى "
وقوله " قال أبو عبد الله " هو المصنف؛ الإمام البخارى، وقوله "الأَنَسِيَّة" -بفتح الهمزة - نسبةً إلى الأنس بالفتح - بسكون النون وفتحها - ضد الوحشة، والمشهور فى الروايات بكسر الهمزة وسكون النون نسبةً إلى الإنس أى بنى آدم لأنها تألفهم وهى ضد الوحشية.
وهما روايتان حكاهما القلضى عياض وآخرون، كما نقل ذلك النووىُّ عنهم.
والحديث ينقل لنا بعض أحكام الأطعمة والآنية، وتصور لنا مجتمع الصحابة، فى أنصع صوره حيث استجابوا لأمر النبى (صلى الله عليه وسلم) رغم جوعهم.
وفيه أربع مسائل:
الأولى: حكم لحوم الحمر الإنسية.
(1) الفتح، كتاب المظالم، حـ5، 148
روى البخارى من حديث أبى ثعلبة قال: " حرم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحوم الحمر الأهلية " وعند البخارى من حديث أنس أن النبى (صلى الله عليه وسلم) أمر منادياً فنادى فى الناس: " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس "
قال النووى: " قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافا لهم إلا عن ابن عباس (1)، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثها الكراهة " ا. هـ
وقد جاءت روايتان عن النبى (صلى الله عليه وسلم) عند أبى داود والطبرانىُّ بحل الحمر الأهلية إلا أنهما بهما مقال كما ذكر ابن حجر وقال: " لو ثبتا لاحتمل أن يكون قبل التحريم ".
وقال القرطبى: " قوله " فإنها رجس " فيستفاد منه تحريم أكلها، وهو دال على تحريمها لعينها لا لمعنى خارج، فالأمر بإكفاء القدور وغسلها لا يكون إلا للمتنجس "
والتقيد بقوله (صلى الله عليه وسلم)" الأهلية " يؤخذ منه جواز أكل الحمر الوحشية .. قاله ابن حجر.
الثانية: حكم الآنية التى استخدمت فى المحرمات.
قال ابن حجر: " المعتمد فيه التفصيل: فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز" ا. هـ
فإذا لم يوجد غيرها فإنها تُغسل ويؤكل فيها لقول النبى (صلى الله عليه وسلم) لأبى ثعلبة الخشنىِّ كما عند البخارىِّ: " أما ما ذكرت أنك بأرض قوم أهلِ الكتاب تأكل في آنيتهم فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها ..... الحديث "
الثالثة: كيف التوفيق بين تحريم لحوم الحمر الإنسية وبين آية الأنعام:
(1) فقد ثبت عنه أنه احتج بآية الأنعام، وسيُذكر الرد على ذلك فى المسألة الثالثة، ومرةً علل تحريم النبى لها بمخافة قلة الظهر، ومرةً توقف فى النهى عنها.
" قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
…
الآية " (الأنعام، 145) وما شابهها من آيات، ولم يذكر فيها الحُمُر؟
قال ابن القيم فى الزاد (1): " فإنه لم يكن قد حرم حين نزول هذه الآية من المطاعم إلا هذه الأربعة والتحريم كان يتجدد شيئا فشيئا فتحريم الحمر بعد ذلك تحريم مبتدأ لما سكت عنه النص لا أنه رافع لما أباحه القرآن ولا مخصص لعمومه، فضلا عن أن يكون ناسخا والله أعلم " ا. هـ
وقال ابن حجر (1): " والجواب عن آية الأنعام أنها مكية وخبر التحريم متأخر جدا فهو مقدم، وأيضا
فنص الآية خبر عن الحكم الموجود عند نزولها، فإنه حينئذ لم يكن نزل في تحريم المأكول إلا ما ذكر
فيها، وليس فيها ما يمنع أن ينزل بعد ذلك غير ما فيها، وقد نزل بعدها في المدينة أحكام بتحريم أشياء غير ما ذكر فيها كالخمر في آية المائدة، وفيها أيضا تحريم ما أهل لغير الله به والمنخنقة إلى آخره وكتحريم السباع والحشرات " ا. هـ
الرابعة: العلة فى تحريم الحمر الإنسية.
(1) زاد المعاد، حـ3، صـ 304
روى عن الصحابة كثيرٌ من العلل، لكن يقدم قول النبى صلى الله عليه وسلم عن غيره من الأمة حتى ولو كانوا الصحابة أنفسهم، قال ابن القيم:" وصح عن النبى صلى الله عليه وسلم تعليل التحريم بأنها رجس وهذا مقدم على قول من قال من الصحابة: إنما حرمها لأنها كانت ظهر القوم وحمولتهم فلما قيل له: فني الظهر وأكلت الحمر حرمها، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها لم تخمَّس، وعلى قول من قال: إنما حرمها لأنها كانت حول القرية وكانت تأكل العذرة، وكل هذا في الصحيح لكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) مقدم على هذا كله، لأنه مِنْ ظن الراوي وقوله بخلاف التعليل بكونها رجسا " ا. هـ
الخامسة: ما معنى لجاهد مجاهد؟
(لجاهِدٌ) بكسر الهاء وتنوين الدال (مُجاهدٌ) بضم الميم وتنوين الدال أيضا.
ولها معنيان عند أهل العلم، قال النووى (1):
وفسروا لجاهد بالجاد في علمه وعمله، أي: لجاد في طاعة الله، والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي.
وقال القاضي: فيه وجه آخر جمع اللفظين توكيدا، قال ابن الأنباري: العرب إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر على غير بنائه زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه فيقولون: جاد مجد، وليل لائل وشعر شاعر، ونحو ذلك.
قال القاضي: ورواه بعض رواة البخاري وبعض رواة مسلم: (لجاهَدَ) بفتح الهاء والدال على أنه فعل ماض (مَجاهدَ) بفتح الميم ونصب الدال بلا تنوين، قال: والأول هو الصواب. والله أعلم.
وفى الحديث جملةٌ من الفوائد ذكرها ابن حجر:
1 -
الذكاة لا تطهر ما لا يحل أكله.
2 -
وأن كل شيء تنجس بملاقاة النجاسة يكفي غسله مرةً واحدةً لإطلاق الأمر بالغسل فإنه يصدق بالامتثال بالمرة، والأصل أن لا زيادة عليها.
3 -
وأن الأصل في الأشياء الإباحة لكون الصحابة أقدموا على ذبحها وطبخها كسائر الحيوان من قبل أن يستأمروا مع توفر دواعيهم على السؤال عما يشكل.