الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثاً: كتب غريب الحديث:
هذا النوع من التأليف ظهر مبكراً - من مطلع القرن الثالث - ونظراً لأنه منذ ظهرت كتب الغريب لم يخل قرن من التأليف فيها كما يلاحظ ذلك في وفيات مؤلفيها، والتأليف فيها لم يزل ينمو ويتطور، ولم يبلغ نضوجه إلا بعد القرن الخامس الهجري، لذلك كله أخَّرت الكلام عنها إلى هذا الموضع، والله من وراء القصد.
والمراد بكتب الغريب تلك التي تجمع الكلمات الغريية أو الغامضة المعنى – سواء - من القرآن أو من الحديث لتفسيرها وشرح المشكل من معانيها.
قال أبو سليمان الخطابي: "الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم، كالغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل، ومنه قولك للرجل إذا نحيته أو أقصيته: أغرب عني: أى أبعد. ثم إن الغريب من الكلام على وجهين:
أحدهما: أن يراد به بعيد المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا عن بُعْد ومعاناة فكر.
والوجه الآخر: أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هو كلام القوم وبيانهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم وقال له قائل: أسألك عن حرف من الغريب، فقال: هو كلام القوم، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه". 1
1 الخطابي أبو سليمان حمد: مقدمة كتابه الغريب 1 / 70.
وقال الحافظ ابن الصلاح: "غريب الحديث: هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها".
ثم قال: "هذا فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي". 1
وقال الحافظ السيوطي: "وقد أكثر العلماء التصنيف فيه، قيل: أول من صنَّفه النضر، ثم الأصمعي، وكتبهم صغيرة قليلة، وألَّف بعدهم أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه المشهور، فاستقصى وأجاد". 2
من أشهر المصنفات في غريب الحديث:
1-
غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ) مطبوع في أربع مجلدات.
2-
غريب الحديث لمحمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي (ت 231 هـ) لم يطبع فيما أعلم.
3-
غريب الحديث لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت 276 هـ) ، وهو ذيل واستدراك على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، طبع في ثلاث مجلدات.
4-
غريب الحديث لأبي اسحاق ابراهيم بن اسحاق الحربي
1 أبو عمرو ابن الصلاح: علوم الحديث ص: 245.
2 انظر: تدريب الراوي للسيوطي 2 / 184 – 185.
(ت هـ28 هـ) طبع منه المجلد الخامس فقط، والباقى مفقود فيما أعلم.
قال الكتانى: "وهو كتاب حافل، أطاله بالأسانيد وسياق المتون بتمامها، ولو لم يكن في المتن من الغريب إلا كلمة واحدة، فهجر لذلك كتابه مع كثرة فوائده وجلالة مؤلفه". 1
5-
غريب الحديث لأبي سليمان حمد - بسكون الميم - الخطابي (ت 388 هـ) مطبوع في ثلاث مجلدات، وهو ذيل على أبي عبيد وابن قتيبة، تتبع ما فاتهما ونبه على أغاليط لهما.
6-
الغريبين - غريب القرآن والحديث - لأبى عبيد أحمد بن محمد الهروي (ت 401 هـ) طبع منه المجلد الأول، وهو مرتب على حروف المعجم ترتيباً دقيقاً، استفاد فيه كثيراً من كتاب شيخه أبي منصور الأزهري "تهذيب اللغة".
7-
ولأبى موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصبهاني (ت 581 هـ) ذيل عليه سمَّاه: "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" وهو مطبوع.
8-
الفائق في غريب الحديث لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري المعتزلي (ت 538 هـ) وهو مطبوع.
9-
غريب الحديث لأبي الفرج ابن الجوزي (ت 597 هـ) مطبوع.
1 انظر: الرسالة المستطرفة ص: 155 – 156.
10-
" النهاية في غريب الحديث " لمجد الدين المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (ت 606 هـ) طبع في خمس مجلدات بتحقيق الدكتور محمود الطناحي.
وهناك كتب أخرى في الغريب كـ "الدلائل" لأبي محمد القاسم بن ثابت السرقسطي الفقيه المحدث وغيره. 1
نماذج من كتب الغريب:
سأكتفي بعرضٍ موجزٍ لكتابين من أهم كتب الغريب أولهما يمثل منهج المتقدمين في التصنيف في هذا الفن، وهو "غريب الحديث" لأبى عبيد القاسم بن سلام، وثانيهما يمثل منهج المتأخرين وكيف تطور التدوين في هذا الفن، وهو كتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير - رحم الله الجميع -.
الأول: كتاب أبي عبيد: "غريب الحديث"
المؤلف:
أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الحافظ الإمام المجتهد، ولد سنة (156 هـ) وتوفي بمكة سنة (224 هـ) . 2
موضوعه:
شرح الكلمات الغريبة المعنى الغامضة الفهم، الواردة في الأحاديث النبوية.
1 انظر: تدريب الراوي 2 / 185 – 186، الرسالة المستطرفة ص: 154 – 158، مقدمة تحفة الأحوذي، الفصل الثامن والعشرون ص: 111 – 112.
2 انظر ترجمة أبي عبيد في: سير أعلام النبلاء 10 / 490 – 509
منهج أبي عبيد في كتاب الغريب:
1-
رتب كتابه على المسانيد، وساق الأحاديث بأسانيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عقب على كل حديث بشرح غريبه موضحاً المعنى مع الاستشهاد لما فسرها به من القرآن والحديث ومن كلام العرب وشعرهم.
2-
قال الخطابي - بعد أن ذكر كتب الغريب -: "ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيء منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه". 1
3-
على الرغم من جودة كتاب أبي عبيد وسعة معلوماته وكثرة فوائده إلا أن في الوقوف على الفائدة منه عسر ومشقة، نظراً لترتيبه على المسانيد، وفي المسانيد ما فيها من صعوبة الوقوف على الحديث فيها. 2
مكانة كتاب أبي عبيد:
قال أبو عبيد: "كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما استفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت
1 انظر: مقدمة الخطابي لكتابه الغريب 1/47-50.
2 طبع كتاب أبي عبيد في حيدر آباد في أربع مجلدات، وقد حصل في هذه الطبعة خلل من جهتين: الأولى: أنه طبع على نسخة غير مسندة، وهذا فوَّت فوائد كثيرة تحصل بمعرفة أسانيد المؤلف رحمه الله، والثانية: أن هذه الطبعة كانت غفلاً من أية فهارس لتيسير الاستفادة من الكتاب مع عسر ومشقة ترتيبه، لكن الله تعالى يسر للدكتور محمود الطناحي أن وضع فهارس علمية مفيدة لهذه الطبعة، وقد نشرت هذه الفهارس في العدد الرابع من مجلة البحث العلمي بجامعة أم القرى لعام 1401 هـ.
ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة". 1
قال الخطابي: "فكان أول من سبق إليه - الغريب – ودلَّ من بعده عليه: أبو عبيد ابن سلام، فإنه قد انتظم بتصنيفه عامة ما يحتاج إلى تفسير من مشاهير غريب الحديث، فصار كتابه إماماً لأهل الحديث به يتذاكرون وإليه يتحاكمون". 2
وقال أحمد بن يوسف: "لما عمل أبو عبيد كتابه "الغريب" عُرض على عبد الله بن طاهر، فاستحسنه وقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيقٌ أن لا يحوج إلى طلب المعاش، فأجرى له عشرة آلف درهم في الشهر". 3
الثاني: كتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير
المؤلف:
مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (ت 606 هـ) صاحب التصانيف الكثيرة. 4
منهج ابن الأثير في كتاب "النهاية في غريب الحديث والأثر".
1-
رتبه على حروف المعجم ترتيباً دقيقاً، معتبراً أصل الكلمة الثلاثي، وقد حوى كتابه علماً غزيراً، ويعتبر أجمع كتاب في غريب الحديث والأثر.
1 تاريخ بغداد 12 /407، وسير أعلام النبلاء 10 / 496.
2 انظر: مقدمة الخطابي لكتابه الغريب 1 / 47 – 50.
3 انظر: ترجمة أبي عبيد في سير أعلام النبلاء 10 / 490 – 509.
4 انظر: سير أعلام النبلاء 21 / 488 – 491.
2-
قال المؤلف رحمه الله: "ولما وقفت على كتابه -يعني أبا موسى المديني - الذي جعله مكملاً لكتاب الهروي ومتمماً له، وهو في غاية من الحسن والكمال، وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين فإن وجدها فيه وإلا طلبها من الكتاب الآخر، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدة، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة، فرأيت أن أجمع ما فيها من غريب الحديث مجرداً من غريب القرآن" إلى أن قال: "وجعلت على ما فيه من كتاب الهروي هاء بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى سيناً، وما أضفته من غيرهما مهملاً بغير علامة، ليتميز ما فيهما على ما ليس فيهما، وجميع ما في هذا الكتاب من غريب الحديث والآثار ينقسم قسمين:
أحدهما: مضاف إلى مسمى.
والآخر: غير مضاف، فما كان غير مضاف، فإن أكثره والغالب عليه من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الشيء القليل الذي لا تعرف حقيقته، هل هو من حديثه أو غيره، وقد نبهنا عليه في مواضعه، وأما ما كان مضافاً إلى مسمى، فلا يخلو إما أن يكون ذلك المسمى هو صاحب الحديث واللفظ له، وإما أن يكون راوياً للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره، وأما أن يكون سبباً في ذكر ذلك الحديث أضيف إليه، وإما أن يكون له فيه ذكر عرف الحديث به واشتهر بالنسبة إليه وقد سمَّيته "النهاية في غريب الحديث والأثر". 1
1 ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر 1 / 10 – 12.
3-
قال الحافظ السيوطي: "وهو أحسن كتب الغريب وأجمعها وأشهرها وأكثرها تداولاً". 1
1 السيوطي: تدريب الراوي 2 / 185