الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعضها بعضًا، فكلما انقضى زمن .. يتجدد لهم زمن آخر، ما قال تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)} ،
24
- ثم بين أحوالهم فيها، فقال:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا} فِيها جملة مستأنفة؛ أي: لا يحسون في جهنم {بَرْدًا} ينتفعون به، ويميلون إليه {وَلَا شَرَابًا} يزيل عطشهم
25
- {إِلَّا حَمِيمًا} ؛ أي: ماءً حارًا بلغ الناية في حره {وَغَسَّاقًا} ؛ أي: صديدًا منتنًا يسيل من جلودهم أي لا يذوقون في جهنم بردًا يبرد حر السعير عنهم إلا غساق، ولا شرابًا يرويهم من شدة العطش إلا الحميم، فهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شرابًا يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة من بواطنهم، ولكن يجدون الماء الحار المغلي، وما يسيل من جلودهم من الصديد والقيح والعرق، وسائر الرطوبات المستقذرة.
والخلاصة (1): أنهم لا يذوقون فيها شرابًا إلا الحميم البالغ الغاية في السخونة، أو الصديد المنتن، ولا بردًا إلا الماء الحار المغلي، قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم، ومن الشراب الغساق، وكذا قال الربيع بن أنس فهم لا يذوقون إلا من هذا وهذا؛ أي: الحميم والغساق، أما الحميم: فهو الحار الذي انتهى حره، وزاد عن درجة الغليان، فإن طلبوا الماء .. سقوا من هذا الحميم، فقطّع أمعاءهم، وصهر ما في بطونهم والجلود، وأما الغساق .. فهو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو لا يستطاع من برد ونتن، لا يواجه نتنه وقذارته، يقال: غسق الجرح إذا سال منه ماء أصفر، فهو القيح والصديد تعافه الأنفس، وتمجه الطباع، وهم يعاقبون بالشيء وضده، فالحميم: حار في منتهى الحرارة، والغساق: بارد في أشد البرودة المؤلمة، روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن دلوًا من غساق يراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا"، ونقل ابن كثير في تفسير سورة ص عن كعب الأحبار قال: قال كعب: {وَغَسَّاقًا} عين في جهنم، يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي، فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه كله ما يجر
(1) المراغي.
الرجل ثوبه. رواه ابن أبي حاتم، وقرأ أبو عمرو (1) والمنقري وابن يعمر:{أن جهنم} بفتح الهمزة، والجمهور: بكسرها، وقرأ عبد الله وعلقمة وزيد بن علي وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وطلحة والأعمش وحمزة وقتيبة وسورة وروح:{لَبِثِيْنَ} بغير ألف بعد اللام، وقرأ الجمهور: بألف بعدها، والفرق بين القراءتين: أن فاعلًا يدل على من وجد منه الفعل ولو مرة، وفَعِلًا من شأنه ذلك، ولكن مع المبالغة، كحاذر وحذر.
فائدة: وقد ذكر الإِمام الطبري في تفسيره "جامع البيان" خمسة أقوال في معنى الأحقاب (2):
أحدها: أن معنى أحقابًا: لا انقطاع لها كلما مضى حقب .. جاء بعده حقب آخر، والحقب: ثمانون سنة من سنين الآخرة، قاله قتادة والربيع.
ثانيها: أن الأحقاب: ثلاث وأربعون حقبًا، كل حقب سبعون خريفًا، كل خريف سبع مئة سنة، كل سنة ثلاث مئة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة، قاله مجاهد.
ثالثها: أن الله تعالى لم يذكر شيئًا إلا وجعل له مدة يثقطع إليها، ولم يجعل لأهل النار مدة، بل قال فيهم:{لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} ، فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النار، ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده، قاله الحسن.
رابعها: أن مجاز الآية {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} لا يذوقون في تلك الأحقاب بردًا ولا شرابًا، إلا حميمًا وغساقًا، ثم يلبثون فيها لا يذوقون فيها إلا الحميم والغساق من أنواع العذاب، فهذا توقيت لأنواع العذاب، لا لمكثهم في النار، فإنه أبدي، وهذا أحسن الأقواد بنظر المفسر؛ أعني: الطبري.
خامسها: أنه يعني به أهل التوحيد، قاله خالد بن معدان. وروى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها
(1) البحر المحيط.
(2)
الطبري.