الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
25
- ثم أكد تعذيب الله لمن تولى وكفر بقوله: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25)} ؛ أي: رجوعهم بيعد الموت، فهو تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر؛ أي: إن إلينا رجوعهم بالموت والبعث، لا إلى أحد سوانا، لا استقلالًا ولا اشتراكًا، كما قال تعالى؛ {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} ، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} فتقديم (1) الخبر للتخصيص والمبالغة، فإنه يفيد معنى أن يقال: إن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، كما أن مبدأهم وصدورهم كان منه، وفيه تخويف شديد، فإن رجوع العبد العاصي العصر إلى مالكه الغضوب في غاية الصعوبة، ونهاية العسرة، وجمع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى {من} ، كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها، ويقال: آب يؤب أوبًا وإيابًا إذا رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص:
وَكُلُّ ذِيْ غَيْبَةٍ يَؤُوبُ
…
وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَؤُوبُ
وقرأ الجمهور (2): {إِيَابَهُمْ} بتخفيف الياء مصدر آب: بمعنى رجع، وقرأ أبو جعفر وشيبة: بتشديدها. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في المعيام والقيام، وقيل: هما لغتان بمعنى، قال الواحدي: وأما إيابهم بتشديد الياء، فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج.
26
- {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} بمقتضى وعيدنا، لا وجوبًا، لا على غيرنا {حِسَابَهُمْ}؛ أي: جزاءهم بعد رجوعهم إلينا بالبعث، فنحن نحاسبهم على النقير والقطمير من نياتهم وأعمالهم، و {ثُمَّ} (3) للتراخي في الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإياب، لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني بين إيابهم وحسابهم، لا بين كون إيابهم إليه تعالى، وحسابهم عليه تعالى، فإنهما أمران مستمران، والمعنى: أي: لا مفر للمعرضين، ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به، فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم، وسنحاسبهم على ما كسبت أيديهم. وفي هذا تسلية لقلب رسوله صلى الله عليه وسلم، وإزالة أحزانه وآلامه لتكذيبهم إياه، وإصرارهم على معاندته، وفي "الإرشاد": وفي تصدير (4) الجملتين بـ {إِنَّ} ، وتقديم خبرها، وعطف الثانية على
(1) روح البيان.
(2)
الشوكاني.
(3)
روح البيان.
(4)
أبو السعود.
الأولى بكلمة {ثُمَّ} المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لشديد العذاب ما لا يخفى.
الإعراب
{هَلْ} : حرف استفهام للاستفهام التعجبي التشويقي إلى استماع حديث الغاشية، وقيل بمعنى: قد. {أَتَاكَ} : فعل ومفعول به {حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} : فاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة إنشائية، {وُجُوهٌ}: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل والوصف المقدر {يَوْمَئِذٍ}: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ {خَاشِعَةٌ} ، و {خَاشِعَةٌ}: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حديث الغاشية، {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)}: خبران آخران للمبتدأ، وقيل:{خَاشِعَةٌ} عاملة {نَاصِبَةٌ} صفات لـ {وُجُوهٌ} ، والخبر جملة {تَصْلَى} ، {تَصْلَى}: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على {وُجُوهٌ} ، {نَارًا}: مفعول به {حَامِيَةً} : صفة {نَارًا} ، والجملة خبر رابع لـ {وُجُوهٌ}. {تُسْقَى}: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {وُجُوهٌ} ، والجملة خبر خامس لـ {وُجُوهٌ}. {مِنْ عَيْنٍ}: متعلق بـ {تُسْقَى} {آنِيَةٍ} : صفة {عَيْنٍ} .
{لَيْسَ} : فعل ماضٍ ناقص {لَهُمْ} : خبرها مقدم {طَعَامٌ إ} : اسمها مؤخر، وجملة {لَيْسَ} مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر مترتب على ما سبق، كأنه قيل: وما هو طعامهم بعدما ذكر شرابهم؟، قيل: ليس لهم طعام إلخ، {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ، {مِنْ ضَرِيعٍ}: صفة {طَعَامٌ} ، أو بدل منه على القاعدة، ويجوز أن يكون في محل النصب على الاستثناء {لَا}: نافيه، {يُسْمِنُ}: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على {ضَرِيعٍ} ، والجملة صفة لـ {ضَرِيعٍ} ، وجملة {وَلَا يُغْنِي} معطوفة على جملة {لَا يُسْمِنُ}. {مِنْ جُوعٍ}: متعلق بـ {يُغْنِي} . {وُجُوهٌ} :
مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل. {يَوْمَئِذٍ}: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ {نَاعِمَةٌ} ، و {نَاعِمَةٌ}: خبر {وُجُوهٌ} ، والجملة مستأنفة، أو معطوفة بعاطف مقدر على جملة قوله: وجوه يومئذ خاشعة {لِسَعْيِهَا} : متعلق بـ {رَاضِيَةٌ} ، و {رَاضِيَةٌ}: خبر ثانٍ لـ {وُجُوهٌ} . {فِي جَنَّةٍ} : خبر ثالث لـ {وُجُوهٌ} . {عَالِيَةٍ} : صفة {جَنَّةٍ} : {لَا} : نافية {تَسْمَعُ} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على المخاطب تقديره: أنت {فِيهَا} : متعلق بـ {تَسْمَعُ} ، {لَاغِيَةً}: مفعول به؛ لأنه مصدر بمعنى: لغوًا، جاء على وزن فاعلة، كالعاقبة والعافية، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ {جَنَّةٍ} ولكنها سببية، {فِيهَا}: خبر مقدم. {عَيْنٌ} مبتدأ مؤخر. {جَارِيَةٌ} : صفة لـ {عَيْنٌ} والجملة الاسمية صفة ثالثة لـ {جَنَّةٍ} ، {فِيهَا}: خبر مقدم، {سُرُرٌ}: مبتدأ مؤخر، {مَرْفُوعَةٌ}: صفة لـ {سُرُرٌ} ، والجملة الاسمية صفة رابعة لـ {جَنَّةٍ} ، {وَأَكْوَابٌ} معطوفة على {سُرُرٌ}:{مَوْضُوعَةٌ} : صفة {أَكْوَابٌ} ، {وَنَمَارِقُ}: معطوفة على {سُرُرٌ} ، {مَصْفُوفَةٌ}: صفة لـ {نَمَارِقُ} ، {وَزَرَابِيُّ}: معطوف على {سُرُرٌ} ، و {مَبْثُوثَةٌ}: صفة لـ {زَرَابِيُّ} .
{أَفَلَا} : الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه السياق، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف {لا} : نافية {يَنْظُرُونَ} : فعل وفاعل {إِلَى الْإِبِلِ} : متعلق بـ {يَنْظُرُونَ} ، و {يَنْظُرُونَ}: تعدى إلى {الْإِبِلِ} بواسطة {إِلَى} ، وتعدى إلى {كَيْفَ خُلِقَتْ} على سبيل التعليق، وقد تبدل الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها، وإن لم يكن فيه استفهام على خلاف في ذلك. اهـ "فتوحات". والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة والتقدير: أينكرون البعث فلا ينظرون، والجملة المحذوفة مستأنفة مسوقة لتقرير ما مضى من حديث الغاشية. {كَيْفَ}: اسم استفهام عن الحال في محل النصب على الحال بـ {خُلِقَتْ} ، {خُلِقَتْ}: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على {الْإِبِلِ} ، والجملة الفعلية في محل الجر بدل من {الْإِبِلِ} بدل اشتمال، {وَإِلَى السَّمَاءِ}: جار ومجرور معطوف على قوله: {إِلَى الْإِبِلِ} ، وجملة قوله:{كَيْفَ رُفِعَتْ} بدل من {السَّمَاءِ} بدل اشتمال، وكذا قوله {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
سُطِحَتْ (20)}: معطوفان على قوله: {إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} ممثالان له في إعرابه.
{فَذَكِّرْ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا دعوتهم إلى الإيمان بالله، وبما جئت به من البعث والنشور والحساب، وبالاستدلال عليها بالنظر إلى هذه المخلوقات المذكورة، ولم يقبلوا ذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ذكرهم. {ذكر} : فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، ومفعوله محذوف تقديره: فذكرهم، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {إِنَّمَا}: أداة حصر {أَنْتَ} : مبتدأ {مُذَكِّرٌ} : خبر، والجملة الاسمية جملة تعليلية مسوقة لتعليل الأمر بالتذكير {لَسْتَ}: فعل ناقص، واسمه {عَلَيْهِمْ}: متعلق بـ {بِمُصَيْطِرٍ} ، {بِمُصَيْطِرٍ} خبر {ليس} و {الباء}: زائدة، وجملة {ليس} معطوفة على ما قبلها بعاطف مقدر على كونها تعليلية {إِلَّا}: أداة استثناء متصل {مَن} : اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من مفعول {ذَكِّرْ} المحذوفة، أو من الهاء في {عَلَيْهِمْ} ، {تَوَلَّى}: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر صلة {مَن} الموصولة {وَكَفَرَ}: معطوف على {تَوَلَّى} ، {فَيُعَذِّبُهُ} {الفاء}: تعليلية {يعذبه الله} : فعل ومفعول به، وفاعل. {الْعَذَابَ}: مفعول مطلق {الْأَكْبَرَ} صفة لـ {الْعَذَابَ} ، والجملة الفعلية جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت:{إِلَّا} : حرف استثناء منقطع بمعنى لكن. {مَن} : اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة {تَوَلَّى} صلته، {وَكَفَرَ}: معطوف على {تَوَلَّى} {فَيُعَذِّبُهُ} : {الفاء} : رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لشبه الموصول بأسماء الشرط في العموم، {يعذبه}: فعل ومفعول به {اللَّهُ} : فاعل. {الْعَذَابَ} : مفعول مطلق مبين للنوع، {الْأَكْبَرَ} . صفة لـ {الْعَذَابَ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب {إِنَّ}: حرف نصب {إِلَيْنَا} : جار ومجرور خبر مقدم لـ {إِنَّ} {إِيَابَهُمْ} : اسم {إِنَّ} مؤخر، وجملة {إِنَّ} جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها سيقت لتعليل التعذيب، {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب رتبي، كما مر
{إِنَّ} : حرف نصب {عَلَيْنَا} : خبر مقدم لـ {إِنَّ} . {حِسَابَهُمْ} اسمها مؤخر، وجملة {إِنَّ} معطوفة على جملة {إِنَّ} الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} الغاشية: اسم من أسماء القيامة سميت بذلك؛ لأنها تغشى الناس بشدائدها وأهوالها، يقال: غشية يغشاه؛ أي: غطاه، وكل ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاشٍ له، وفي "المختار": الغشاء: الغطاء كما في قوله تعالى: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} بضم الغين وفتحها وكسرها، وفي "المصباح": ويقال: إن الغاشية تعطل القوى المحركة، والأوردة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مفرط، وقيل: الغشي: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وغشيته أغشاه - من باب: تعب -: أتيته، والإسم: الغشيان - بالكسر -.
{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)} والناصبة: التعبة، يقال: نصب - من باب علم -: إذا تعب في العمل، والمعنى. تعمل أعمالًا شاقة.
{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)} من قولهم: صلي النار بالكسر؛ أي: قاسى حرها، وفيه إعلال بالقلب، أصله: تصلي، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. {حَامِيَةً}؛ أي: متناهية في الحر، من قولهم: حميت النار إذا اشتد حرها.
وقوله: {تُسْقَى} أصله: تسقي، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح.
{نَارًا} ألفه منقلبة عن واو لتصغيره على نويرة.
{مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} والعين: ينبوع الماء، والآنية: الشديدة الحر، وفي "القاموس": وأنى الحميم: انتهى حره، فهو آن، وبلغ هذا أناه ويكسر؛ أي: غايته.
{إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبًا سمي: بالشبرق، وفي "القاموس": والضريع - كأمير -: الشبرق، أو يبيسه، أو نبات رطبه يسمى: الشبرق، ويابسه: الضريع، لا تقربه دابة لخبثه، والسلاء والعوسج:
الرطب، أو نبات في الماء الآجن له عروق لا تصل إلى الأرض، أو شيء من جهنم أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار، ونبات منتن يرمي به البحر، ويبيس كل شجر، والخمر أو رقيقها، والجلد على العظم تحت اللحم. وفي "الكشاف": الضريع: يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا، فإذا يبس تحامته الإبل، وهو سم قاتل، قال أبو ذؤيب:
رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى
…
وَعَادَ ضَرِيْعًا بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ
{نَاعِمَةٌ} ؛ أي: ذات بهجة وحسن وجمال، اسم فاعل من نعم الشيء بالضم نعومةً؛ أي: صار ناعمًا لينًا.
{رَاضِيَةٌ} : فيه إعلال بالقلب، أصله: راضوة من الرضوان، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة.
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10)} فيه إعلال أيضًا، أصله: عالوة من العلو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة ..
{لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11)} ؛ أي: لغوًا وكذبًا وبهتانًا؛ لأنه مصدر على وزن فاعلة، كالعاقبة والعافية، كما مر، وفيه إعلال بالقلب أيضًا، أصله؛ لاغوة من لغا يلغو، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة.
{فِيهَا سُرُرٌ} جمع سرير، وهو ما يجلس أو ينام عليه، وأفضله ما كان مرفوعًا عن الأرض. {وَأَكْوَابٌ}: جمع: كوب بالضم، وهو ما لا عروة له، ولا خرطوم من الكيزان. {مَوْضُوعَةٌ}؛ أي: معدة ومهيأة للشرب.
{وَنَمَارِقُ} جمع: نمرقة بضم النون وفتحها، والراء مضمومة فيهما لغتان أشهرهما الأول، وهو الوسادة الصغيرة، وفي "القاموس": والنمرقة مثلثة: الوسادة الصغيرة، أو الميثرة، أو طنفسة فوق الرحل. قال الشاعر:
كُهُوْلٌ وَشُبَّانٌ حِسَانٌ وُجُوْهُهُمْ
…
عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوْفَةٍ وَنَمَارِقِ
{وَزَرَابِيُّ} جمع: زربي بكسر الزاي، وزربية، وهو البساط، أصله: زرابيي بوزن فعاليل، فأدغمت ياء فعاليل في الياء لام الكلمة، وأصل الزرابي: أنواع النبات إذا احمرت واصفرت وفيها خضرة، ويقال: أزرب النبات إذا صار كذلك،
سموا بها البسط لشبهها به.
{مَبْثُوثَةٌ} ؛ أي: مفرقة في المجالس بحيث يرى في كل مجلس شيء منها، كما يرى في بيوت ذوي الثراء، وفي "القاموس": الزرابي: النمارق والبسط، أو كل ما يبسط ويتكأ عليها، الواحدة: زربي بالكسر، ويضم، والطنافس أيضًا: جمع طنفسة بتثليث الطاء والفاء، ففيه تسع لغات، وهي المسماة الآن بالسجادة.
{إِلَى الْإِبِلِ} بكسرتين وتسكن الباء، مفرد يقع على الجمع، وليس بجمع ولا اسم جمع، يجمع على: آبال، كما في "القاموس"، وقال بعضهم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، كنساء وقوم، وإنما واحده بعير وناقة وجمل.
{وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)} ورفع السماء: إمساك ما فوقنا من شموس وأقمار ونجوم.
{وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19)} ونصب الجبال: إقامتها أعلامًا للسائرين، وملجأً للحائرين.
{وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)} وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها لقامة عليها، والمشي في مناكبها {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)} أصل {لَسْتَ}: ليس، فلما لحقت به تاء الفاعل المتحركة .. سكن آخر الفعل - وهو السين - فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: لست بوزن فلت، و {مسيطر}: اسم فاعل جاء مصغرًا ولا مكبر له، كقولهم: رويد والثريا وكميت ومبيقر ومبيطر ومهيمن، وقرىء {بمسيطر} بفتح الطاء، وهذه القراءة غريبة شاذة، فقد قال في "تاج العروس": سيطر: جاء على وزن فيعل، فهو مسيطر بكسر الطاء، ولم يستعمل فعله مجهولًا، وننتهي في كلام العرب إلى ما انتهوا إليه، فلا نزيد على ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التشويقي في قوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)} ؛ لدلالته
على تشويق السامع إلى استماع حديث الغاشية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في لفظ {الْغَاشِيَةِ} ؛ لأنه حقيقة في كل ما أحاط بالشيء من جميع جهاته، ككمام الثمار التي أحاطت بلبها مع الإحاطة في كل.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} ؛ لأن المراد أصحابها، ففيه إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ومنها: التتميم في قوله: {لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)} ، فقوله:{لَا يُغْنِي} جملة لا يمكن طرحها من الكلام؛ لأنه لما قال: {لَا يُسْمِنُ} .. ساغ للمتوهم أن يتوهم أن هذا الطعام الذي ليس من جنس طعام البشر انتفت عنه صفة الإسمان، ولكن بقيت له صفة الإغناء، فجاءت جملة:{وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} تتميمًا للمعنى المراد، وهو أن هذا الطعام انتفت عنه صفة إفادة السمن والقوة، كما انتفت عنه صفة إماطة الجوع وإزالته.
ومنها: تنكير {جُوعٍ} في هذه الجملة للدلالة على التحقير أي: لا يغني من جوع ما.
ومنها: تأخير نفي الإغناء عن الإسمان لمراعاة الفواصل، والتوسل به إلى التصريح بنفي كلا الأمرين، إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفي الإسمان ضرورة استلزام نفي الإغناء عن الجوع إياه، بخلاف العكس، ولذلك كرر {لَا} لتأكيد النفي.
ومنها: تقديم حكاية أهل النار على حكاية أهل الجنة؛ لأنه أدْخَلُ في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها.
ومنها: ترك العطف في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8)} على ما قبلها إيذانًا بكمال تباين مضمون الجملتين.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: {فَذَكِّرْ} و {مُذَكِّرٌ} ، وقوله:{فَيُعَذِّبُهُ} ، و {الْعَذَابَ} .
ومنها: المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9)} قابل بينها وبين سابقتها {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)} .
ومنها: حذف المفعول في قوله: {فَذَكِّرْ} ؛ أي: الناس؛ لإفادة العموم.
فائدة: واعلم أنه يجوز حذف المفعول به لغرض:
إما لفظي: كتناسب الفواصل؛ أي: رؤوس الآي، وذلك كما في قوله تعالى:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} ، والأصل:{وما قلاك} ، فحذف المفعول ليناسب قوله:{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)} ، وكالإيجاز، كما في قوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} والأصل: فإن لم تفعلوه، ولن تفعلوه؛ أي: الإتيان بسورة من مثله.
وإما معنوي: كاحتقاره، نحو:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} ؛ أي: لأغلبن الكافرين، فحذف المفعول زيادة في امتهانه واحتقاره، أو لاستهجانه واستقباح التصريح به، كقول عائشة رضي الله عنها: ما رأى منى، ولا رأيت منه؛ أي: العورة.
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)} لإفادة التخصيص والمبالغة في الوعيد، فإنه يفيد معنى أن يقال: إن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، كما أن مبدأهم وصدورهم كان منه تعالى.
ومنها: العطف بـ {ثُمَّ} للدلالة على التراخي في الرتبة لا في الزمان، لأنه قد يكون مباشرة بعد الإياب، ولكين التفاوت بين الموقفين أمر لا تكتنه أهواله، ولا يدري أحد مداه.
ومنها: مجيء الخبر مؤكدًا بـ {إِنَّ} ، كأنهم بحاجة إلى تأكيد هذا الأمر الذي أشاحوا عنه، ولم يتدبروه لترددهم فيه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
خلاصة ما تضمنته هذه السورة من المقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
1 -
وصف أهل الجنة، ووصف أهل النار.
2 -
ذكر عجائب الصنعة الإلهية.
3 -
أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتذكير بما أرسل إليه من الشرائع (1).
والله سبحانه وتعالى أعلم
(1) إلى هنا تمت سورة الغاشية بعون الله ذي العطايا الفاشية، ليلة الثلاثاء وقت السحر من ليلة عيد الفطر من شهر شوال من شهور سنة: 1/ 10/ 1416 هـ ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.