الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من تحقق اليوم المذكور، ووقوعه بلا محالة، وأردتم بيان الأصلح لكم .. فأقول لكم: من شاء أن يتخذ مرجحًا إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم .. فعل ذلك بالإيمان والطاعة.
وفي "التأويلات النجمية": {مَآبًا} ؛ أي: مرجعًا؛ أي: رجوعًا من الدنيا إلى الآخرة، ومن الآخرة إلى رب الدنيا والآخرة لأنهما حرامان غير مقصودين عند أهل الله، بل غاية مقصودهم رضا ربهم، لا نعيمها.
ومعنى الآية (1): أي ذلك اليوم متحقق لا ربب يه، ولا مفر منه، وأنه يوم تبلى فيه السرائر، وتنكشف فيه الضمائر، أما أيام الدنيا .. فأحوال الخلق فيها مكتوبة، وضمائرهم غير معلومة، فمن شاء اتخاذ مرجع حسن عند ربه .. عمل عملًا صالحًا يقربه من ربه، ويدنيه من كرامته وثوابه، ويباعد بينه وبين عقابه،
40
- ثم زاد في تخويف الكيفار وانذارهم، فقال:{إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ} ؛ أي (2): خوفناكم بما ذكر، في هذه السورة من الآيات الناطقة بالبعث، وبما بعده من الدواهي، أو بها وبسائر القوارع الواردة في القرآن، والخطاب لمشركي العرب وكفار قريش؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، وفي بعض التفاسير؛ الظاهر عموم الخطاب كعموم {من} لأن في إنذار كل طائفة فائدة لهم. {عَذَابًا قَرِيبًا} هو عذاب الآخرة، وقربه لتحقق إتيانه حتمًا، ولأنه قريب بالنسبة إليه تعالى وممكن وان رأوه بعيدًا وغير ممكن، فسيرونه قريبًا، لقوله تعالى:{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)} ، وقوله:{يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ} بدل من {عَذَابًا} ، أو ظرف لمضمر هو صفة له؛ أي: عذابًا كائنًا يوم ينظر المرء؛ أي: يشاهد {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من خير أو شر، وهو تثنية يد، أصله: يدان، سقطت نونها بالإضافة، و {مَا} ؛ إما موصولة منصوبة بـ {يَنُظرُ} ؛ لأنه يتعدى بنفسه وبإلى، والعائد محذوف؛ أي: ما قدمته، أو استفهامية منصوبة بـ {قَدَّمَتْ} معلقة بـ {يَنُظرُ}؛ أي: يوم ينظر المرء أيَّ شيء قدمت يداه، فالمرء عام للمؤمن والكافر؛ لأن كل أحد يرى عمله في ذلك اليوم مثبتًا في صحيفة عمله، خيرًا كان أو شرًا، فيرجو المؤمن ثواب الله على صالح عمله، ويخاف الكافر عقاب الله على سيء عمله، وأما الكافر .. فكما قال تعالى:{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي} وقيل:
(1) المراغي.
(2)
روح البيان.
المراد بالمرء: الكافر؛ لقوله: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ} ، فيكون الكافر ظاهرًا وضع موضع المضمر؛ لزيادة الذم؛ أي: يا قوم، فالمنادى محذوف، ويجوز أن تكون {يا} لمحض التحسر، ولمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه، والمراد بالكافر: الجنس العام. {كُنْتُ تُرَابًا} في الدنيا، فلم أخلق، ولم أكلف، وهو في محل رفع على أنه خبر {ليت} ، أو ليتني كنت ترابًا في هذا اليوم، فلم أبعث؛ لما يرى مما قد أعده الله له من أنواع العذاب، كقوله:{لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} إلى قوله: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)} ، وقيل: يحشر الله الحيوان، فيقتص للجمّاء من القرناء نطحتها؛ أي: قصاص المقابلة، لا قصاص التكليف، ثم يرده ترابًا، فيود الكافر حاله، ما قال صلى الله عليه وسلم:"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء". وهذا صريح في حشر البهاثم، واعادتها لقصاص المقابلة، لا للجزاء ثوابًا وعقابًا.
وقيل: الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم، فتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين قال: خلقتني من نار، وخلقته من طين، وقيل: ترابًا؛ أي: متواضعًا لطاعة الله تعالى، لا جبارًا ولا متكبرًا، وقيل: المراد بالكافر: أبو جهل، وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. قال مقاتل: نزل قوله تعالى: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقوله:{وَيَقُولُ الْكَافِرُ} في أخيه الأسد بن عبد الأسد. وقيل: أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى اعتبارًا بعموم اللفظ، ولا ينافيه خصوص السبب، كما تقدم غير مرة. وقرأ الجمهور:{الْمَرْءُ} بفتح الميم، وابن أبي إسحاق بضمها، وضعفها أبو حاتم، ولا ينبغي أن تضعف؛ لأنها لغة قوم يتبعون حركة الميم لحركة الهمزة، فيقولون: مرؤ ومرأ ومرىء، على حسب الإعراب، وأما مؤمنو الجن .. فلهم ثواب وعقاب، فلا يعودون ترابًا، وهو الأصح، فيكون مؤمنوهم مع مؤمني الإنس في الجنة، أو في الأعراف، ونعيمهم ما يناسب مقامهم، ويكون كفارهم مع كفار الإنس في النار، وعذابهم بما يلائم شأنهم.
ومعنى الآية: أي هذا العذاب القريب يوم ينظر المرء ما صنعه في حياته الأولى من الأعمال، فإن كان قد آمن بربه، وعمل عمل الأبرار .. فطوبى له وحسن مآب، وإن كان قد كذب به وبرسوله .. فله الويل وأليم العذاب، ويقول الكافر من شدة ما يلقى، ومن هول ما يرى:{لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} يريد: ليتني لم أكن من
المكلفين، بل كنت حجرًا أو ترابًا، لا يجري عليه تكليف حتى لا يعاقب هذا العقاب، وفي الآية إيماءٌ إلى ما يكون عليه المؤمنون من الاستبشار والسرور بما رأوه.
الإعراب
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)} .
{عَمَّ} : {عن} : حرف جر {ما} : اسم استفهام في محل الجر بـ {عن} مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة، وقرىء:{عما} بإثبات الألف على الأصل، ولكنه قليل أو ضرورة، وعليه قول حسان بن ثابت:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِيْ لَئِيْمٌ
…
كَخِنْزِيْرِ تَمَرَّغَ فِيْ رَمَادِ
الجار والمجرور متعلق بـ {يَتَسَاءَلُونَ} و {يَتَسَاءَلُونَ} : فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، والاستفهام فيه لتفخيم الشأن، كأنه قال: عن أي شيء يتساءلون، كأنه لا نظير له، نظير قولهم: ما الغول؟ وما العنقاء؟؛ أي: أيُّ شيء من الأشياء هو. {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)} : جار ومجرور وصفة متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله؛ أي: يتساءلون عن النبأ العظيم، والجملة المحذوفة مستأنفة مسوقة لبيان ذلك الشيء المستفهم عنه.
{الَّذِي} : اسم موصول في محل الجر، صفة ثانية لـ {لنبأ} {هُمْ}: مبتدأ {فِيهِ} : متعلق بـ {فِيهِ} و {مُخْتَلِفُونَ} : خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول.
{كَلَّا} : حرف ردع وزجر للمتسائلين استهزاء {سَيَعْلَمُونَ} : {السين} : حرف استقبال وتنفيس {يعلمون} : فعل وفاعل مرفوع بالنون، ومفعوله محذوف تقديره: ما يحل بهم، والجملة مستأنفة {ثُمَّ}: حرف عطف وترتيب مع تراخ، {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4)}: تأكيد لفظي للجملة التي قبلها، ولا يضر توسط حرف العطف؛ لأنه للتأكيد، والنحاة
يأبون ذلك إلا أن يكون عطفًا، وإن أفاد التأكيد، ويمكن أن يجاب عنه بأن ثمة تغايرًا ملحوظًا، وهو: أن الوعيد الثاني أشد من الأول، وبهذا الاعتبار صار مغايرًا لما قبله، ولذا عطف بـ {ثُمَّ}. {أَلَمْ}:{الهمزة} للاستفهام التقريري {لَمْ} : حرف جزم {نَجْعَلِ} : فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، {الْأَرْضَ}: مفعول أول لـ {جعل} ، {مِهَادًا}: مفعول ثانٍ؛ لأن الجعل بمعنى التصيير، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق، فيكون {مِهَادًا}: حالًا مقدرة، {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)}: معطوف على {الْأَرْضَ مِهَادًا} ، والجملة الفعلية مستأنفة. مسوقة لبيان قدرته تعالى على البعث، وإيراد الدلائل عليه، وذكر منها تسعة كما عددناها بالأرقام في مبحث التفسير، {وَخَلَقْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ما قبله؛ لأنه بمعنى: وجعلنا الأرض مهادًا {أَزْوَاجًا} : حال من المفعول، أي: متجانسين متشابهين ذكورًا وإناثًا، {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)}: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ما قبله أيضًا، {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)}: فعل وفاعل ومفعولان أيضًا، معطوف على ما سبق، {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} معطوف أيضًا، وهي مماثلة لما قبلها، و {مَعَاشًا}: مصدر ميمي بمعنى: المعيشة، وقد وقع هنا ظرفًا للزمان؛ أي: وقت معاش. {وَبَنَيْنَا} : فعل وفاعل معطوف أيضًا على سابقه، {فَوْقَكُمْ}: ظرف مكان متعلق بـ {بنينا} . {سَبْعًا} : مفعول به؛ أي: سبع سموات {شِدَادًا} صفة لـ {سَبْعًا} .
{وَجَعَلْنَا سِرَاجًا} : فعل وفاعل ومفعول به، معطوف أيضًا. {وَهَّاجًا}: صفة {سِرَاجًا} ، والجعل هنا بمعنى الخلق، {وَأَنْزَلْنَا}: فعل وفاعل معطوف أيضًا {مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} : متعلق بـ {وَأَنْزَلْنَا} ، {مَاءً} ،: مفعول به {ثَجَّاجًا} : صفة له {لِنُخْرِجَ} : {اللام} : حرف جر وتعليل، {نخرج}: فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي {بِهِ}: متعلق بـ {نخرج} ، {حَبًّا}: مفعول به لـ {نخرج} ، {وَنَبَاتًا}: معطوف على {حَبًّا} {وَجَنَّاتٍ} : معطوف على {حَبًّا} أيضًا، وعلامة نصبه الكسرة؛ لأنه من جمع المؤنث السالم، {أَلْفَافًا}: صفة لـ {جَنَّاتٍ} ؛ أي: بساتين ملتفة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام،
والجار والمجرور متعلق بـ {أَنْزَلْنَا} أيضًا؛ أي: أنزلنا منها ما لإخراجنا به حبًا
…
إلخ. {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} : ناصب واسمه ومضاف إليه؛ {كَانَ} : فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على {يَوْمَ الْفَصْلِ} {مِيقَاتًا}: خبر {كان} ، وجملة {كَانَ} في محل الرفع خبر {إنَّ} ، وجملة {إنَّ} مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأن سائلًا سأل لما أقام الأدلة على البعث، فقال: ما وقت البعث؟ فأجاب بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} الخ. {يَوْمَ يُنْفَخُ} : بدل من {يَوْمَ الْفَصْلِ} ، وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلًا من {مِيقَاتًا} ، أو منصوب بفعل محذوف تقديره: أعني. {يُنْفَخُ} فعل مضارع مغبر الصيغة {فِي الصُّورِ} : جار ومجرور في محل الرفع، نائب فاعل لـ {يُنْفَخُ} ، وجملة {يُنْفَخُ} في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ}. {فَتَأْتُونَ}:{الفاء} : عاطفة {تأتون} : فعل مضارع مرفوع بالنون، والواو: فاعل، والجملة معطوفة على جملة {يُنْفَخُ}. {أَفْوَاجًا}: حال من فاعل {تأتون} ، {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ}: فعل ونائب فاعل، معطوف على {تأتون} ، وعدل فيه إلى المضي إشارة إلى تحقق الوؤوع، وقيل: الواو حالية، والجملة في محل النصب على الحال؛ أي: فتأتون والحال أن السماء قد فتحت، {فَكَانَتْ}:{الفاء} : عاطفة، {كانت}: فعل ماضٍ ناقص معطوف على {فُتِحَتِ} ، واسمها ضمير يعود على {السَّمَاءُ} ، {أَبْوَابًا}: خبرها، {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ}: فعل ونائب فاعل، معطوف على {يُنْفَخُ} ، {فَكَانَتْ}: فعل ماضٍ ناقص معطوف على {سُيِّرَتِ} ، واسمها ضمير يعود على {الْجِبَالُ}. {سَرَابًا}: خبرها، {إِنَّ جَهَنَّمَ}: ناصب واسمه، وجملة {كَانَتْ مِرْصَادًا} خبره، وجملة {إِنَّ} مستأنفة {كَانَتْ}: فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على {جَهَنَّمَ}. {مِرْصَادًا}: خبرها؛ أي: راصدة للمعذبين بها مترقبة لهم، أو مرصدة بمعنى: معدة؛ فهو إما من رصد الثلاثي بمعنى ترقب، وإما من أرصد الرباعي؛ أي: أعده {لِلطَّاغِينَ} متعلق بـ {مِرْصَادًا} ، و {مَآبًا}: خبر ثانٍ لـ {مِرْصَادًا} ؛ أي: مثابة يثوبون إليها ويرجعون، ويجوز تعلق {لِلطَّاغِينَ} بـ {مَآبًا} .
{لَابِثِينَ} : حال مقدرة من الضمير المستكن في {لِلطَّاغِينَ} ، {فِيهَا} متعلقان به
{أَحْقَابًا} : ظرف متعلق بـ {لَابِثِينَ} ، {لَا}: نافية، {يَذُوقُونَ}: فعل وفاعل. {فِيهَا} : متعلق بـ {يَذُوقُونَ} . {بَرْدًا} : مفعول به. {وَلَا شَرَابًا} : معطوف على {بَرْدًا} ، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستكن في {لَابِثِينَ}؛ أي: لابثين هم فيها حال كونهم غير ذائقين، فهي حال متداخلة، أو صفة لـ {أَحْقَابًا} ، وقيل: مستأنفة {إِلَّا} أداة استثناء مفرغ {حَمِيمًا} : بدل من {شَرَابًا} ؛ لأن الكلام غير موجب، {وَغَسَّاقًا}: معطوف على {حَمِيمًا} ، وهذا أسهل مما سلكه المفسرون، فقد قال بعضهم: إنه استثناء منقطع، وعليه جرى في "الكشاف" قال:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} ينفس عنهم حر النار، {وَلَا شَرَابًا} يسكن عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميمًا، وتبعه الجلال، وقال أبو حيان: والظاهر أنه متصل من قوله: {وَلَا شَرَابًا} . {جَزَاءً} : مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: جوزوا بذلك جزاء، {وِفَاقًا}: صفة لـ {جَزَاءً} ، والجملة المحذوفة مستأنفة. {إِنَّهُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {كَانُوا}: خبره، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتعليل قوله:{جَزَاءً} . {كَانُوا} : فعل ناقص واسمه، وجملة {لَا يَرْجُونَ} خبرها {حِسَابًا}: مفعول {يَرْجُونَ} ؛ أي: محاسبة. {وَكَذَّبُوا} : فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة {كَانُوا} على كونها خبرًا؛ لأن {بِآيَاتِنَا} جار ومجرور، متعلق بـ {كَذَّبُوا} ، {كِذَّابًا}: مفعول مطلق منصوب بـ {كَذَّبُوا} ؛ أي: تكذيبًا. {وَكُلَّ شَيْءٍ} ، {الواو}: اعتراضية {كل شيء} : منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وأحصينا كل شيء أحميناه {أَحْصَيْنَاهُ} : فعل وفاعل، {كل شيء}: مفعول به، والجملة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المسبب وسببه، فإن قوله الآتي {فَذُوقُوا} مسبب عن تكذيبهم، وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله:{جَزَاءً وِفَاقًا (26)} . {أَحْصَيْنَاهُ} : فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب {كِتَابًا}: يجوز أن يكون مصدرًا من معنى {أَحْصَيْنَاهُ} ؛ أي: أحصيناه إحصاءًا؛ أي: كتبناه كتابًا؛ لأن أحصيناه بمعنى: كتبنا؛ لالتقاء الإحصاء والكتابة في معنى الضبط والتحصيل، أو يكون مصدرًا لـ {أحصينا} ، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى مكتوبًا، {فَذُوقُوا}:{الفاء} : عاطفة لقول محذوف على {كَذَّبُوا} تقديره: فقيل لهم: ذوقوا إلخ {ذوقوا} إلخ نائب فاعل محكي لقيل المحذوف، وجملة
القول المحذوف معطوفة على {كَذَّبُوا} ، وإن شئت قلت:{ذوقوا} : فعل أمر وفاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لقيل، ومفعول الذوق محذوف، تقديره: فذوقوا جزاءكم، ومفعول به أوّل معطوف على {ذوقوا}. {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ} ناصب وفعل منصوب بالفتحة ومفعول به {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {عَذَابًا}: مفعول به ثانٍ.
{إِنَّ} : حرف نصب {لِلْمُتَّقِينَ} : خبرها مقدم {مَفَازًا} : اسمها مؤخر والجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لبيان أحوال أهل الجنة، {حَدَائِقَ}: بدل من {مَفَازًا} : بدل بعض من كل {وَأَعْنَابًا} : معطوف على {حَدَائِقَ} {وَكَوَاعِبَ} : معطوف على {حَدَائِقَ} أيضًا، {أَتْرَابًا}: صفة لـ {كواعب} ، {وَكَأْسًا}: معطوف على {حَدَائِقَ} أيضًا، {دِهَاقًا}: صفة لـ {كَأْسًا} ، {لَا}: نافية، {يسمعون}: فعل وفاعل {فِيهَا} ، متعلق بـ {يَسْمَعُونَ} ، {لَغْوًا}: مفعول به، {وَلَا كِذَّابًا}: معطوف على {لَغْوًا} ، والجملة الفعلية في محل النصب حال من {لِلْمُتَّقِينَ} ، {جَزَاءً}: مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره: جزاهم الله بذلك جزاء، والجملة المحذوفة مستأنفة، {مِنْ رَبِّكَ}: صفة لـ {جَزَاءً} ، {عَطَاءً}: بدل من {جَزَاءً} ، وفي هذا البدل سر لطيف، وهو الإلماع إلى أن ذلك تفضل وعطاء، و {جَزَاءً} مبني على الاستحقاق، و {حِسَابًا}: نعت لـ {عَطَاءً} ، والمعنى: كافيًا، فهو مصدر أقيم مقام الوصف، كما مر، أو باقٍ على مصدريته مبالغة، {رَبِّ السَّمَاوَاتِ}: بدل من {رَبِّكَ} . {وَالْأَرْضِ} : معطوف على {السَّمَاوَاتِ} {وَمَا} : اسم موصول في محل الجر معطوف على {السَّمَاوَاتِ} {بَيْنَهُمَا} : ظرف مكان، متعلق بمحذوف صلة {وَمَا} ، {الرَّحْمَنِ} بدل من {رَبِّ} ، أو نعت له {لَا}: نافية، {يَمْلِكُونَ}: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة {مِنْهُ} متعلق بـ {يَمْلِكُونَ} ، {خِطَابًا}: مفعول به {يَوْمَ} : ظرف متعلق بـ {لَا يَمْلِكُونَ} ، أو بـ {لَا يَتَكَلَّمُونَ} ، {يَقُومُ الرُّوحُ}: فعل وفاعل، {وَالْمَلَائِكَةُ} معطوف على {الرُّوحُ} ، والجملة الفعلية في محل الجر بإفة الظرف إليه، {صَفًّا}: حال من الفاعل، أي:
مصطفين، وجملة {لَا يَتَكَلَّمُونَ} تأكيد لقوله:{لَا يَمْلِكُونَ} ، أو مستأنفة. {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {مَن}: اسم موصول في محل الرفع بدل من الواو في {يَتَكَلَّمُونَ} ، أو في محل النصب على الاستثناء؛ لأن الكلام غير موجب {أَذِنَ}: فعل ماضٍ {لَهُ} : متعلق بـ {أَذِنَ} . {الرَّحْمَنُ} : فاعل، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة، {وَقالَ}: فعل ماضٍ معطوف على {أَذِنَ} ، وفاعله ضمير مستتر يعود على {مَنْ} ، {صَوَابًا}: صفة لمصدر محذوف؛ أي: قولًا صوابًا.
{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39)} .
{ذَلِكَ} : مبتدأ {الْيَوْمُ} : بدل منه، {الْحَقُّ}: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة {فَمَن}:{الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصح عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر بهذه المثابة، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم:{من شاء} : {من} : اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، كما مَرَّ مرارًا {شَاءَ}: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ {من} الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على {من} ، ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: فمن شاء اتخاذ مآب إلى ربه. {اتَّخَذَ} : فعل ماضٍ في محل الجزم بـ {من} الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على {من} الشرطية، {إِلَى رَبِّهِ}: متعلق بـ {مَآبًا} ، و {مَآبًا}: مفعول {اتَّخَذَ} ، وجملة {من} الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
{إِنَّا} : ناصب واسمه، وجملة {أَنْذَرْنَاكُمْ} خبره، وجملة {إن} مستأنفة، {أَنْذَرْنَاكُمْ}: فعل وفاعل ومفعول به أول، و {عَذَابًا} مفعول به ثانٍ، {قَرِيبًا} صفة {عَذَابًا}. {يَوْمَ}: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف صفة لـ {عَذَابًا}؛ أي: عذابًا قريبًا كائنًا {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ} ، أو متعلق بـ {عَذَابًا} ، {يَوْمَ يَنْظُرُ}: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ {يَوْمَ} ، {مَا}: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ {يَنْظُرُ} . {قَدَّمَتْ} : فعل ماضٍ، والتاء علامة تأنيث
الفاعل {يَدَاهُ} : فاعل ومضاف إليه مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى، والجملة صلة لـ {مَا} الموصولة {وَيَقُولُ الْكَافِرُ}: فعل وفاعل، معطوف على {يَنْظُرُ الْمَرْءُ} {يَا}: حرف تنبيه، أو حرف نداء، والمنادى محذوف؛ أي: يا هؤلاء القوم، وجملة النداء في محل النصب مقول {وَيَقُولُ} ، {لَيْتَنِي}: ليت حرف تمنٍّ ونصب، والنون نون الوقاية؛ لأنها تقي حركة البناء الأصلي في الحرف، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها، {كُنْتُ تُرَابًا}: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة {كان} في محل الرفع خبر {ليت} وجملة {ليت} في محل النصب مقول لـ {يَقُولُ} . والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
{عَمَّ} أصله: عن ما، والأصل في {ما} الاستفامية أنها إذا جرت حذف ألفها، ما ذكره ابن مالك بقوله:
وَمَا فِي الاسْتِفهامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ
…
ألِفُهَا وَأوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وقد وقف عليها ابن كثير في رواية البزي عنه بهاء السكت على خلاف عنه، وفي ذلك قال الشاطبي:
وَفِيْمهْ وَممَّهْ قِفْ وَعَمَّهْ لِمَهْ بِمَهْ
…
بِخُلْفِ عَنِ الْبَزِّيِّ وَادْفَعْ مُجَهِّلَا
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} ؛ أي: عن أي شيء يسأل بعضهم بعضًا من التساؤل الذي يدل على المشاركة.
{عَنِ النَّبَإِ} والنبأ: الخبر الذي يعني به ويهتم بشأنه، والمراد به: خبر البعث من القبور، والعرض على مالك يوم الدين.
{كَلَّا} كلمة تفيد رد ما تقدم من الكلام ونفيه. {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} : تأكيد لفظي لما قبله على ما قاله ابن مالك، ولا يضر توسط حرف العطف، والنحويون يمنعون هذا، ولا يسمونه إلا عطفًا، وإن أفاد التأكيد. اهـ "سمين".
وقيل: الأول عند النزع، والثاني: في القيامة. وقيل: الأول للبعث، والثاني: للجزاء. اهـ "بيضاوي". وقال زاده: ثم موضوعة للتراخي الزمانى، وقد استعمل هنا للتراخي الرتبي تشبيهًا لتباعد الرتبة بتباعد الزمان. اهـ.
{مِهَادًا} والمهاد - بكسر الميم -: البساط والفراش، وقال بعضم: المهاد: مصدر ماهدت بمعنى مهدت، كسافرت بمعنى: سفرت، أطلق على الأرض الممهودة؛ أي: المبسوطة المفروشة كالمهد للصبي، ويجوز أن يكون جمع مهد، ككعاب جمع كعب، وجمعه لاختلاف أماكن الأرض من القرى، والبلدان والصحارى والعمران، أو للتصرف فيها بأن جعل بعضها مزارع وبحضها مساكن إلى غير ذلك.
وقرىء: {مهدًا} على تشبيهها بمهد الصبي، وهو ما يمهد له فينوم عليه تسمية للممهود بالمصدر، ففي الكلام حينئذٍ تشبيه بليغ.
{وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)} جمع وتد، كأكتاف وكتف، وهو ما يدق في الأرض ليربط إليه الحبل الذي تشد به الخيمة، وقيل: هو ما يوتد ويحكم به المتزلزل المتحرك من اللوح وغيره.
{وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)} ؛ أي: أصنافًا ذكورًا وإناثًا، ليسكن كل من الصنفين إلى الآخر، وينتظم أمر المعاشرة والمعاش، ويتسنى التناسل، واحدها: زوج، ويطلق على الذكر والأنثى، ويقال لكل واحد من القرينين المزدوجين: حيوانًا أو غيره؛ كالخف والنعل، ولا يقال للإثنين زوج، بل زوجان، ولذا كان الصواب أن يقال: قرضته بالمقراضين، وقصصته بالمقصين؛ لأنهما اثنان، لا بالمقراض وبالمقص، كذا قال الحريري في "درة الغواص"، وقال صاحب "القاموس": يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج. انتهى. ولعله من قبيل الاكتفاء بأحد الشقين عن الآخر، وزوجة للمرأة لغة رديئة، لقوله تعالى:{يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، ويقال لكل ما يقترن بآخر مماثلًا له، أو مضادًا: زوج، ولذا قال بعضهم في الآية: وخلقناكم حال كونكم معروضين لأوصاف متقابلة، كل واحد منها مزدوج بما يقابله؛ كالفقر والغنى، والصحة والمرض، والعلم والجهل، والقوة والضعف، والذكورة والأنوثة، والطول والقصر، إلى غير ذلك.
وبه يصح الابتلاء، فإن الفاضل يشتغل بالشكر، والمفضول بالصبر، ويعرف قدر النعمة عند الترقي من الصبر إلى الشكر، وكل ذلك دليل على كمال القدرة ونهاية الحكمة.
{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ} والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد إليه، ولذا قلَّ النوم في أهل رياضة النفس؛ لقلة الرطوبات فيهم. {سُبَاتًا}؛ أي: راحةً أو موتًا؛ أي: كالموت، والمسبوت: الميت من السبت، وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة، ومنه سمي يوم السبت؛ لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستة أيام، فقطع عمله يوم السبت، فسمي بذلك، وقيل: السبات - بضم السين -: قطع الحركة لتحصيل الراحة.
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)} ؛ أي: كاللباس، واللباس: ما يلبسه الإنسان ليستر به جسمه ويغطيه.
{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} ؛ أي: وقتًا لتحصيل أسباب المعاش والحياة، وهو مصدر ميمي من عاش يعيش عيشًا ومعاشًا ومعيشة وعيشة، وعلى هذا لا بد من تقدير المضاف، ولذا قدروا لفظ الوقت، ويحتمل أن يكون اسم زمان على صيغة مفعل، فلا حاجة حينئذٍ إلى تقدير المضاف، وتفسيره بوقت معاش إبراز لمعنى صيغة اسم الزمان، وتفصيل لمفهومها، وأصله: معيشًا بوزن: مفعل، نقلت حركة الياء إلى العين، فسكنت، لكنها قلبت ألفًا. لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال.
{سَبْعًا شِدَادًا} ؛ أي: سبع سموات قوية محكمة، لا فطور فيها، ولا تصدع.
{سِرَاجًا وَهَّاجًا} والسراج: ما يضيء وينير، والوهاج: المتلألىء، والمراد به: الشمس.
{مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} والمعصرات: السحائب، والغيوم إذا أعصرت؛ أي: حان وقت أن تعصر الماء، فيسقط منها. {مَاءً ثَجَّاجًا}؛ أي: كثير الانصباب عظيم السيلان، والمراد به: المطر، والثج: الانصباب بكثرة وشدة، ويقال: ثج الماء بنفسه؛ أي: انصب، وثججته أنا؛ أي: صببته ثجًا وثجوجًا، فيكون لازمًا ومتعديًا، وفي "المختار": ثج الماء والدم: سال، وبابه رد، ومطر ثجاجٌ؛ أي: منصب جدًّا، والثج أيضًا: سيلان دماء الهدي، وهو لازم، تقول منه ثج الدم يثج بالكسر ثجًا بالفتح.
{حَبًّا} والحب: ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير والذرة ونحوها من
المطعومات، والحب والحبة - يعني بالكسر - يقال في بزور الرياحين.
{وَنَبَاتًا} والنبات: ما تقتات به الدواب من التبن والحشيش.
{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)} والجنات: واحدها جنة، وهي الحديقة والبستان فيه الشجر أو النخل، والجنات الألفاف: الملتفة الأغصان لتقاربها، وطول أفنانها، ولا واحد لها؛ كالأوزاع والأخياف كما مر. وقيل: واحدها لف بكسر اللام وفتحها، وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف كشريف وأشراف، والأوزاع والأخياف كلاهما بمعنى الجماعات.
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} هو يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأن الله يفصل فيه بحكمه بين الخلائق {كَانَ مِيقَاتًا}؛ أي: حدًا تنتهي عنده الدنيا، وأصله: موقاتًا بوزن مفعال، قلبت الواو لسكونها إثر كسرة.
{فِي الصُّورِ} والصور في الأصل: البوق الذي ينفخ فيه فيحدث صوتًا، وقد جرت عادة الناس إذا سمعوه أن يهرعوا إليه، ويجتمعوا عند النافخ.
{أَفْوَاجًا} جمع فوج، وهو جماعة من الناس، وفي "المفردات": الفوج: الجماعة المارة المسرعة.
{وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ} ؛ أي: انشقت وتصدعت من هيبة الله تعالى بعد أن كانت لا فطور فيها.
{فَكَانَتْ أَبْوَابًا} ؛ أي: ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة.
{وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ} ؛ أي: زالت عن أماكنها وتفتت صخورها.
{فَكَانَتْ سَرَابًا} ؛ أي: كالسراب، فهي بعد تفتتها ترى كأنها جبال، وليست بجبال، بل غبارًا متراكمًا، والسراب: ما تراه نصف النهار كأنه ماء، قال الراغب: هو اللامع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين؛ أي: ذهابه وجريانه، وتنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها، ويضرب به المثل في الكذب والخداع، يقال: هو أخاع من السراب، يعني: أنها تصير شيئًا كلا شيء، لتفرق أجزائها، وانبثاث جواهرها.
{كَانَتْ مِرْصَادًا} والمرصاد: اسم للمكان الذي يرصد فيه؛ كالمنهاج اسم
للمكان الذي ينهج فيه؛ أي: يسلك، قال الراغب: المرصاد: موضع الرصد كالمرصد، وهو هنا: موضع يرتقب فيه خزنتها المستحقين لها.
{لِلطَّاغِينَ} ؛ أي: للذين طغوا في مخالفة ربهم، ومعارضة أوامره. {أَحْقَابًا} جمع حقب بضمتين، وواحد الحقب: حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان.
{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} والبرد: برد الهواء، وقد يراد به: النوم، ومن أمثالهم: منع البرد البرد؛ أي: أصابه من شدة البرد ما منعه النوم.
{وَلَا شَرَابًا} ؛ أي: شرابًا يسكن عطشهم، ويزيل الحرقة عن بواطنهم.
{إِلَّا حَمِيمًا} وهو الماء الحار المغلي. {وَغَسَّاقًا} ؛ أي: قيحًا وصديدًا وعرقًا دائم السيلان من أجسادهم. {جَزَاءً وِفَاقًا (26)} ؛ أي: موافقًا أعمالهم السيئة. {لَا يَرْجُونَ} لا يتوقعون {حِسَابًا} ؛ أي: محاسبة على أعمالهم، أو ثواب حساب.
{كِذَّابًا} ؛ أي: تكذيبًا، وفعال من باب فعل المضاعف شائع فيما بين الفصحاء مطرد، مثل: كلم كلامًا.
{كِتَابًا} مصدر مؤكد لـ {أَحْصَيْنَاهُ} من غير لفظه كما مر.
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)} مفازًا: مصدر ميمي من فاز الثلاثي، وأصله مفوز بوزن مفعل بفتح العين، نقلت حركة الواو إلى الفاء فسكنت، ثم أبدلت ألفًا لتحركها أصالة، وفتح ما قبلها في الحال؛ أي: إن لهم فوزًا بالنعيم الدائم، والثواب الجسيم. {حَدَائِقَ} جمع حديقة؛ أي: بساتين، فيها أنواع الثمر والحجر، والهمزة فيه مبدلة من الياء الواقع في الاسم المفرد المؤنث الواقعة ثالثًا حرف مد زائدًا.
{وَأَعْنَابًا} جمع: عنب، وهو ثمر الكرم .. {وَكَوَاعِبَ} جمع كاعب، وهي التي نهض ثدياها وتكعبا. {أَتْرَابًا}: جمع ترب، وهي التي سنها من سن صاحبتها. {وَكَأْسًا} والكأس: إناء من بلور للشراب. {دِهَاقًا} ؛ أي: ممتلئة، يقال: أدهق الحوض؛ أي: ملأه، قال خداش:
أَتَانَا عَامِرٌ يَبْغِي قِرَانَا
…
فَأتْرَعْنَا لَهُ كَأْسًا دِهَاقَا
{لَغْوًا} واللغو: الباطل من الكلام الذي يلغى ولا يعتبر لعدم إفادته. {وَلَا كِذَّابًا} ؛ أي: تكذيبًا. {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ} الهمزة فيه مبدلة من ياء، أصله: جزاي،
أبدلت ياؤه همزة لتطرفها إثر ألف زائدة. {عَطَاءً} ؛ أي: تفضلًا منه، وإحسانًا، أصله: عطاو، أبدلت الواو همزة؛ لتطرفها إثر ألف زائدة. {حِسَابًا}؛ أي: كافيًا لهم، تقول: أعطاني فلان حتى أحسبني؛ أي: حتى كفاني بعطائه، قال الشاعر:
فَلَمَّا حَلَلْتُ بِهِ ضَمَّنِيْ
…
فَأوْلَى جَمِيْلًا وَأَعْطَى حِسَابَا
أي: أعطى ما كفى. {خِطَابًا} الخطاب: المخاطبة والمكالمة. {الرُّوحُ} جبريل عليه السلام، {مَآبًا} المآب: المرجع. {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ} الإنذار: الإخبار بالمكروه قبل وقوعه {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ} والمرء: الإنسان ذكرًا كان أو أنثى {مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ؛ أي: ما صنعه في حياته الأولى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإبهام في قوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} للإيذان بفخامة شأن المسؤول عنه وهوله، وخروجه عن حدود الأجناس المعهودة، كأنه خفي جنسه، فيسأل عنه، فالاستفهام ليس على حقيقته، بل لمجرد التفخيم، فإن المسؤول عنه ليس بمجهول بالنسبة إلى الله تعالى؛ إذ لا يخفى عليه خافية.
ومنها: ذكر السؤال أولًا بقوله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)} ، ثم ذكر الجواب بقوله:{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)} : لأن هذا الأسلوب أقرب إلى التفهيم والإيضاح.
ومنها: وصف النبأ بقوله: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)} بعد وصفه بالعظيم؛ تأكيدًا لخطره إثر تأكيد، وإشعارًا بمدار التساؤل عنه.
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: {هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} على عامله اهتمامًا به، ورعايةً للفواصل.
ومنها: جعل الصلة فيه جملة اسمية للدلالة على الثبات؛ أي: هم راسخون في الاختلاف فيه.
ومنها: الإطناب بتكرار الجملة للوعيد والتهديد في قوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)} للمبالغة في التأكيد والتشديد.
ومنها: الإتيان بـ {ثُمَّ} في الجملة الثانية، للدلالة على أن الوعيد الثاني أبلغ وأشد.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)} أصل الكلام: جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، والجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغًا، ومثله:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)} ؛ أي: كاللباس في الستر والإخفاء، فوجه الشبه: الستر؛ لأن كلًّا من اللباس والليل يستر المتلبس به؛ أي: يستركم عن العيون إذا أردتم النجاة بأنفسكم من عدو يلاحقكم، أو بياتًا له، إذا أردتم إنزال الوقيعة به في منأى عن العيون، أو يعينكم على إخفاء ما لا ترغبون في أن يطلع عليه أحد.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)} وبين: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} قابل بين الليل والنهار، والراحة والعمل، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {فَكَانَتْ أَبْوَابًا} ؛ أي: كالأبواب في التشقق والانصداع، فحذفت الأداة ووجه الشبه، فصار بليغًا.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)} للدلالة على التحقق، وكذا قوله:{وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)} .
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: {فَكَانَتْ سَرَابًا} ؛ أي: كانت كالسراب الذي يرى نصف النهار كأنه ماء؛ أي: فصارت بتسييرها مثل السراب؛ أي: شيئًا كلا شيء.
ومنها: الكناية في قوله: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} ؛ لأنه كناية عن التأبيد؛ أي: ماكثين فيها أبدًا.
ومنها: الطباق بين {بَرْدًا} و {حَمِيمًا} .
ومنها: الأمر الذي يراد به الإهانة والتحقير في قوله: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)} ، وفيه أيضًا لالتفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغةً في التوبيخ والإهانة.
ومنها: التخصيص في قوله: {وَأَعْنَابًا} بعد التعميم في قوله: {حَدَائِقَ} إظهارًا لفضلها على سائر الفواكه.
ومنها: ذكر العام بعد الخاص في قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا} ، والروح هو جبريل داخل في الملائكة، فقد ذكر مرتين: مرة استقلالًا، ومرة في ضمن الملائكة تنبيهًا على جلالة قدره.
ومنها: إظهار {الرَّحْمَنِ} في موضع الإضمار في قوله: {إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} للإيذان، بأن مناط الإذن هو الرحمة البالغة، لا أن أحدًا يستحقه عليه تعالى.
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: {إِلَى رَبِّهِ مَآبًا} اهتمامًا به، ورعاية للفواصل.
ومنها: التعبير بالجزء عن الكل في قوله: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} إشعارًا بأن أكثر الأعمال تزوال بها.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة
تضمنت هذه السورة المقاصد التالية:
1 -
سؤال المشركين عن البعث ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
2 -
تهديد المشركين على إنكارهم إياه.
3 -
إقامة الأدلة على إمكان حصوله.
4 -
أحداث يوم القيامة.
5 -
ما يلاقيه المكذبون من العذاب.
6 -
فوز المتقين بجنات النعيم.
7 -
إن هذا اليوم حق لا ريب فيه.
8 -
إنذار الكافرين بالعذاب الأليم، وتمنيهم في ذلك اليوم أن لو كانوا ترابًا.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (1).
* * *
(1) فرغنا من تسويد هذه السورة في تاريخ: 2/ 7/ 1416 هـ. سنة ألف وأربع مئة وست عشرة هجرية.