الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما مغفرة ذنبه من غير ذكره تعالى له خطا ولا زلّة
فقد خرج الحاكم من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: قال ابن عباس: إن اللَّه فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء وعلى جميع أهل السماء، وفضله على أهل الأرض، قالوا: يا ابن عباس!! بم فضله على أهل السماء؟ قال:
قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ (1) ]، وقال لمحمد: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ (2) ] الآية، قالوا: فبم فضّله على أهل الأرض؟ قال: قال اللَّه تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ (3) ] ، الآية، وقال لمحمد: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ (4) ] ، فأرسله إلى الجن والإنس، قال الحاكم: هذا حديث صحيح.
واعلم أن من تقدم الرسول صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء ذكر اللَّه تعالى أحوالهم [و][ (5) ] ما كان منهم يقصّه تعالى على ما غفره لهم، قال تعالى في قصه موسى: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً [ (6) ]، وقال: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [ (7) ] ، فقصّ تعالى ما غفر له وسأل فيه المغفرة، وقال تعالى عن داود: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ* إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ* قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ [ (8) ] ، فقصّ تعالى على
[ (1) ] الأنبياء: 29.
[ (2) ] الفتح: 1، 2.
[ (3) ] إبراهيم: 4.
[ (4) ] سبأ: 28.
[ (5) ] زيادة للسياق.
[ (6) ] القصص: 33.
[ (7) ] القصص: 16.
[ (8) ] ص: 21- 24.
ما كان فيهم، ولم يقصّ على خطأ كان من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إكراما له وتشريفا، فقال عز من قائل: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [ (1) ] ، وهذا غاية الفضل والشرف، لأنه تشريف النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون هناك ذنب، ولكنه تعالى استوعب في هذه الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية التي أنعم اللَّه بها على عباده، فلم تبق نعمة يمكن أن تكون من اللَّه تعالى على عباده إلا وقد جمعها لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإن جميع النعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [ (1) ]، وجميع النعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [ (1) ] ، ودنيوية، وإن كانت هنا المقصود بها الدين، وهي قوله:
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [ (1) ] ، وقدم الأخروية على الدنيوية، وقدم في الدنيوية الدينية على غيرها تقديما للأهم فالمهم، فانتظم بذلك تعظيم قدر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بإتمام نعم اللَّه تعالى عليه، المتفرقة في غيره، ولهذا قال: جعل ذلك غاية الفتح المبين الّذي عظمه وفخمه بإسناده إليه بنون العظمة، وجعله خاصا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله:
لك.
وقد أشار ابن عطية إلى هذا فقال: وإنما المعنى: التشريف بهذا الحكم، ولو لم يكن له ذنب البتة. انتهى.
وقد ذكر الناس أقوالا أخر، منها: ما يجب تأويله، ومنها ما يجب ردّه، فمن ذلك ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ أي ما يكون، وهذا يمكن تأويله على ما قدمناه، أي مما يكون لو كان، والمعنى أنك يا سيد المرسلين بحالة لو كان لك ذنوب ماضية ومستقبلة لغفرنا جميعها لك لشرفك عندنا.
ومنها قول مقاتل: لِيَغْفِرَ لَكَ ما كان في الجاهلية، وهذا مردود، لأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليس له جاهلية، ومن قال: ليغفر لك ما كان قبل النبوة فهو مردود
[ (1) ] أول سورة الفتح.
أيضا، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم قبل النبوة وبعدها.
ومنها قول سفيان الثوري: ليغفر لك ما كان في الجاهلية ما علمت وما لم تعلم، وهو مردود بمثل الّذي قبله، ومنها قول عطاء الخراسانىّ: ليغفر لك ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعوتك على حذف مضاف.
ومنها ما حكى عن مجاهد: ليغفر لك ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد، وهذا قول باطل، فإنه لم يكن في قصه مارية وامرأة زيد ذنب أصلا، وقد أوردنا ما جاء في قصتيهما عند ذكر أزواجه وسراريه صلى الله عليه وسلم، وليس فيهما ما يعدّ زلة ولا ذنبا، ومن اعتقد ذلك فقد أخطأ.
ومنها قول الزمخشريّ: جميع ما فرط منك، وهذا مردود بشيئين: أحدهما:
عصمة الأنبياء، وقد أجمعت الأمة على عصمتهم فيما يتعلق بالتبليغ وفي غير ذلك من الكبائر ومن الصغائر الرذيلة التي تحط مرتبتهم، ومن المداومة على الصغائر، فهذه الأربعة مجمع عليها، واختلفوا في الصغائر التي لا تحط مرتبتهم، فذهبت المعتزلة، وكثير من غيرهم إلى جوازها، والمختار المنع لأنا مأمورون بالاقتداء في كل ما يصدر منهم في قول وفعل، فكيف يقع منهم ما لا ينبغي، ونؤمر بالاقتداء بهم فيه؟
وتجاسر قوم على الأنبياء فنسبوا إليهم تجويزها عليهم مطلقا، وهم محجوجون بما تقدم من الإجماع، ثم إن الذين جوزوا الصغائر لم يجوزوها بنص ولا دليل، وإنما أخذوا ذلك من هذه الآية وأمثالها، وقد ظهر بجواب هذه، وفي كل موضع من الباقيات يذكر جوابه إن شاء اللَّه تعالى.
والذين جوزوا الصغائر التي ليست برذائل، قال ابن عطية: اختلفوا هل وقع ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم أو لم يقع؟ قال كاتبه: والحق الّذي لا مرية فيه أنه لم يقع، وكيف يستحيل خلاف ذلك وأحواله صلى الله عليه وسلم منقسمة إلى قول وفعل؟ أما القول، فقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ (1) ] ، وأما الفعل،
[ (1) ] النجم: 3- 4.
فإجماع الصحابة المعلوم منهم قطعا على اتباعه والتأسي بما يفعله في كل ما يفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير، لما عندهم في ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله عليه السلام في السر والخلوة يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم صلى الله عليه وسلم أو لم يعلم.
والثاني: أنا لو سلمنا بعدم العصمة- وحاش للَّه- فإنه لا يناسب ما تشير إليه الآية من التعظيم والامتنان، وجعل ذلك غاية الفتح المبين، المقرون بالتعظيم، فحمله على ذلك مخل بالبلاغة، والمعنى الّذي حملنا عليه الآية يناسب البلاغة، فوجب المصير إليه، وقوله: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [ (1) ] أعيد لفظه لمّا بعد عما عطف عليه، وليكون المبتدأ والمنتهي بالاسم الظاهر، والضميران في الوسط، وأتت هذه النعم الأربع بلفظ الغيبة، وجاء الفتح قبلها بضمير المتكلم تعظيما لأمر الفتح، لأن المغفرة وإن كانت عظيمة فهي عامة، قال تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ (2) ] وكذلك إتمام النعمة، قال تعالى: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [ (3) ] ، وهكذا الهداية، قال تعالى: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ (4) ] ، ومثله النصر، قال تعالى:
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [ (5) ]، وأما الفتح: فإنه لم يتفق لغير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقيل في الاسم مع النصر: إنه تعظيم له، ولهذا قلّ ما ذكر اللَّه تعالى النصر من غير إضافة إليه أو اقتران باسمه ليطمئن القلب بذكر اللَّه تعالى، فيحصل الصبر، وبه يحصل النصر، واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وقال سفيان عن عيينة قال: عن ميسرة قال ابن عبد اللَّه: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب، قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ (6) ]، وقال عبد اللَّه بن يزيد المصري: ليس هذا لنبي قبله ولا بعده، يعني قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ [ (6) ] ، فبدأ سبحانه بالعفو قبل العقاب.
[ (1) ] الفتح: 3.
[ (2) ] النساء: 48.
[ (3) ] المائدة: 3.
[ (4) ] البقرة: 142.
[ (5) ] الصافات: 172.
[ (6) ] التوبة: 43.