الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما عموم رسالته إلى الناس جميعا وفرض الإيمان به على الكافة، وأنه لا ينجو أحد من النار حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم
فاعلم أن الإيمان به صلى الله عليه وسلم هو التصديق بنبوته وإرسال اللَّه تعالى له وتصديقه في جميع ما جاء به من اللَّه وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول اللَّه، فإذا اجتمع التصديق بالقلب والنطق بالشهادة باللسان، تم الإيمان به والتصديق له، قال اللَّه تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا [ (1) ]، وقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (2) ]، وقال:
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ [ (3) ] الآية، فالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجب لا يتم الإيمان إلا به، ولا يصح الإسلام إلا معه، وقد تقرر بما تقدم ثبوت نبوته وصحة رسالته، فوجب الإيمان به وتصديقه فيما أتى به وتعيّن ذلك، قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً [ (4) ]، وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ (5) ]، وقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ (6) ]، وقال: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [ (7) ] ، أي على رسالتك يشهد لك بإظهار المعجزات على صدقك، إذ المعجزة في قوة قول اللَّه تعالى: صدق عبدي في أنه رسول، والثانية مقررة للأولى، لأنه إنما تثبت عموم دعوته بإخباره، وما ورد على لسانه، وخبره إنما يقبل إذا ثبت صدقه، وصدقه إنما ثبت بالمعجزات، فأذن نظم الدليل هكذا: محمد صلى الله عليه وسلم أتي بالمعجزات فهو صادق، وكل صادق يجب قبول خبره بعموم دعوته، وهو المطلوب.
وخرج مسلم من حديث يزيد بن زريع قال: حدثنا روح عن العلاء بن
[ (1) ] التغابن: 8.
[ (2) ] الفتح: 8.
[ (3) ] الفتح: 13.
[ (4) ] الفتح: 13.
[ (5) ] سبأ: 28.
[ (6) ] الأعراف: 158.
[ (7) ] النساء: 79.
عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه [ (1) ] .
وخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) : 1/ 314- 315، كتاب الإيمان، باب (8) الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى اللَّه تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام، حديث رقم (32) ، (33) ، (34) ، (35) ، (36) .
قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فمن قال لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه» ،
قال الخطابي رحمه الله: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا اللَّه، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف.
قال: ومعنى حسابه على اللَّه: أي فيما يستسرون به ويخفونه، دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة. قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسّر الكفر قبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل. ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما. هذا كلام الخطابي.
وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا اللَّه، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بها مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلا اللَّه، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في
الحديث الآخر: «وأني رسول اللَّه، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة» .
هذا كلام القاضي عياض.
قال الحافظ ابن حجر: ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كما جاء
في الرواية الأخرى لأبي هريرة، هي مذكورة في الكتاب:«حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي، وبما جئت به» .
واللَّه أعلم.
واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق- وهو الّذي ينكر الشرع جملة- فذكروا فيه خمسة أوجه، لأصحابنا أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة.
على اللَّه [ (1) ] .
وقال البخاري: فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه. ذكره في كتاب الإيمان.
[ (1) ]
قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا فعلوا ذلك» ،
فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم، إذ القول فعل اللسان.
قوله صلى الله عليه وسلم: «عصموا»
أي منعوا، وأصل العصمة من العصام وهو الخيط الّذي يشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء.
قوله صلى الله عليه وسلم: «حسابهم على اللَّه» ،
أي في أمر سرائرهم، ولفظة «على» مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على اللَّه في تحقيق الوقوع، وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم فيه، ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد، الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك مؤدي الجزية والمعاهد؟
الجواب من أوجه:
أحدها: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ.
ثانيها: أن يكون من العام الّذي خص منه البعض، لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب. فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
ثالثها: أن يكون من العام الّذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في قوله صلى الله عليه وسلم «أقاتل الناس» ، أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ:«أمرت أن أقاتل المشركين» . فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعادين ولا فيمن منع الجزية، أجيب بأن الممتنع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية، بدليل الآية.
رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها، التعبير عن إعلاء كلمة اللَّه، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعض بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة.
خامسها: أن يكون المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.
سادسها: أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا بما يؤديهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث وهو آخر الأجوبة. واللَّه تعالى أعلم (فتح الباري) : 1/ 102- 105، كتاب الإيمان باب (17) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ، حديث رقم (25) .
وخرج مسلم من حديث عبد اللَّه بن بريد عن يحى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهنيّ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن [الحميري][ (1) ] حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ما يقول [هؤلاء][ (2) ] في القدر فوفق لنا عبد اللَّه بن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، كان أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون ألا قدر، وأن الأمر أنف، [قال:
فإذا] [ (3) ] لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والّذي يحلف به
[ (1) ] في (خ) : «الحميدي» والتصويب من رواية مسلم.
[ (2) ] زيادة من رواية مسلم.
[ (3) ] في (خ) : «فقال إذا» والتصويب من رواية مسلم.
قوله: «فاكتنفته أنا وصاحبي» ، يعني صرنا في ناحيتيه، ثم فسّره فقال: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، وكنفا الطائر جناحاه، وفي هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به.
قوله: «فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ» معناه يسكت ويفوضه إليّ لإقدامي وجرأتي وبسطة لساني، فقد جاء عنه في رواية «لأني كنت أبسط لسانا» .
قوله: «ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم» ، هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل معناه يجمعونه، رواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان «يتفقرون» - بتقديم الفاء- وهو صحيح أيضا، معناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خفيّه. وروى في غير مسلم:«يتقفون» بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح أيضا، ومعناه يتتبعون.
قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: «يتقعرون» بالعين، وفسّره بأنهم يطلبون قعره، أي غامضه وخفيّه. ومنه تقعّر في كلامه إذا جاء بالغريب منه، وفي رواية أبي يعلي الموصلي:«يتفقهون» بزيادة الهاء، وهو ظاهر.
قوله: «وذكر من شأنهم» . هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بريدة الراويّ، عن يحى بن يعمر، وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء، وصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به.
قوله: «يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف» ، هو بضم الهمزة والنون، أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من اللَّه تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل، وهذا القول قول غلاتهم، وليس قول جميع القدرية، وكذب قائله وضلّ وافترى. عافانا اللَّه وسائر المسلمين.
عبد اللَّه بن عمر لو أن لأحد مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل اللَّه ما قبله اللَّه منه حتى يؤمن بالقدر، ثم
قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا له، يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال:
صدقت، قال:[فأخبرني][ (1) ] عن الإحسان، قال: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال:[فأخبرني][ (1) ] عن الساعة، قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، [قال:] [ (2) ][أمارتها][ (3) ] أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة [العالة][ (4) ] رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبث مليا، ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: اللَّه
[ () ] قوله: «قال- يعني ابن عمر رضي الله عنهما: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والّذي يحلف به عبد اللَّه بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل اللَّه منه حتى يؤمن بالقدر» ، هذا الّذي قاله ابن عمر رضي الله عنهما، ظاهر في تكفير القدرية.
قال القاضي عياض رحمه الله: هذا في القدرية الأول، الذين نفوا تقدم علم اللَّه تعالى بالكائنات، قال: والقائل بهذا كافر بلا خلاف، وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة.
قال غيره: ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة، فيكون من قبيل كفران النعم، إلا أن قوله: ما قبله اللَّه منه، ظاهر في التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم: لا يقبل عمله لمعصيته وإن كان صحيحا، كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، غير محوجة إلى القضاء عند جمهور العلماء، بل بإجماع السلف، وهي غير مقبولة، فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا. واللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 1/ 259، كتاب الإيمان، حديث رقم (1) .
[ (1) ] في (خ) : «أخبرني» والتصويب من رواية مسلم.
[ (2) ] زيادة للسياق من رواية مسلم.
[ (3) ] زيادة من (خ) .
[ (4) ] زيادة من رواية مسلم.
ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. هذا الحديث انفرد به مسلم [ (1) ] ، ولم يخرجه البخاري، وأخرجه أبو داود من طريق ابن بريدة بمثله
أو
[ (1) ] أخرجه مسلم في أول كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر اللَّه سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التبري ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه، حديث رقم (1) .
قوله: «لا يرى عليه أثر السفر» ضبطناه بالياء المثناة من تحت، المضمومة، وكذلك ضبطناه في الجمع بين الصحيحين وغيره، وضبطه الحافظ أبو حازم العدوي هنا:«نرى» بالنون المفتوحة، وكذا هو في مسند أبي يعلي الموصلي، وكلاهما صحيح.
قوله: «ووضع كفيه على فخذيه» ، معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه، وجلس على هيئة المتعلم. واللَّه تعالى أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ،
هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى، لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع، وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه، على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها، إلا أتي به،
فقال صلى الله عليه وسلم: أعبد اللَّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان،
فإن التتميم المذكور في حال العيان، إنما كان لعلم العبد باطلاع اللَّه سبحانه وتعالى عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذه الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى، في إتمام الخشوع والخضوع، وغير ذلك، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين، ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم، واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال اللَّه تعالى مطلعا عليه في سرّه وعلانيته.
قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.
قال: وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الّذي سميناه:[المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان] ، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات، عن أقسامه الثلاثة. واللَّه تعالى أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ،
فيه أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما، إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل يستدل به على ورعه، وتقواه، ووفور علمه.
قوله: «أن تلد الأمة ربتها» ، وفي الرواية الأخرى «ربها» على التذكير، وفي الأخرى «بعلها»
وقال: يعني السراري، ومعنى ربها وربتها، سيدها ومالكها، وسيدتها ومالكتها، قال الأكثرون من العلماء: هو إخبار عن كثره السراري وأولادهم، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال
_________
[ () ] الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما يعلمه بقرينة الحال، أو عرف الاستعمال.
وقيل: معناه أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول إبراهيم الحربي، وقيل: معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها ولا يدري، ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد، فإنه متصور في غيرهن، فإن الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة، أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا، وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها، وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد.
وأما بعلها، فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد، فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه. قال أهل اللغة: بعل الشيء ربه ومالكه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما والمفسرون في قوله سبحانه وتعالى:
أَتَدْعُونَ بَعْلًا: أي ربّا، وقيل: المراد بالبعل في الحديث، الزوج، ومعناه نحو ما تقدم، أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضا معنى صحيح، إلا أن الأول أظهر، لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى كان أولى، واللَّه أعلم.
واعلم أن هذا الحديث ليس فيه دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهن، وقد استدل إمامان من كبار العلماء به على ذلك، فاستدل أحدهما على الإباحة، والأخر على المنع، وذلك عجب منهما، وقد أنكر عليهما، فإنه ليس كل ما أخبر صلى الله عليه وسلم بكونه من علامات الساعة يكون محرما أو مذموما، فإن تطاول الرعاء في البنيان، وفشو المال، وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشّر، والمباح والمحرم، والواجب وغيره، واللَّه أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» ،
أما العالة فهم الفقراء، والعائل الفقير، والعيلة الفقر، وعال الرجل يعيل عيلة أي افتقر، والرعاء بكسر الراء وبالمد، ويقال فيهم الرعاة بضمّ الراء وزيادة الهاء بلا مدّ، ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والقافة، تبسط لهم الدنيا، حتى يتباهون في البنيان. واللَّه أعلم.
قوله: «فلبث مليا» هكذا ضبطناه، لبث آخره ثاء مثلثة من غير تاء، وفي كثير من الأصول المحققة «لبثت» بزيادة تاء المتكلم، وكلاهما صحيح، وأما «مليا» بتشديد الياء، فمعناه وقتا طويلا، وفي رواية أبي داود والترمذي، أنه قال ذلك بعد ثلاث، وفي شرح السنة للبغوي بعد ثالثة، وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله
في حديث أبي هريرة بعد هذا بم أدبر الرجل فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ردّوا عليّ الرجل، فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«هذا جبريل»
فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضي الله عنه لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال، وأخبر عمر رضي الله عنه بعد ثلاث، إذا لم يكن حاضرا وقت إخبار الباقين، واللَّه أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» ،
فيه أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها
نحوه، وقال فيه: فلبثت مليا [ (1) ]
وخرجه الترمذي بنحو حديث مسلم وقال في آخره: فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟
ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم [ (2) ] .
قال القاضي عياض: فقد قرر أن الإيمان محتاج [ (3) ] إلى العقد بالجنان، والإسلام
[ () ] دينا. واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف، والآداب واللطائف، بل هو أصل الإسلام. ومن فوائد هذا الحديث:
[1]
أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع.
[2]
أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه، ليتمكن من سؤاله، غير هائب منه ولا منقبض.
[3]
أنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله. (المرجع السابق) : 1/ 269- 275.
[ (1) ](صحيح سنن الترمذي) : 3/ 887، باب (17) في القدر، حديث رقم (3928- 4695)، (تحفة الأحوذي) : 12/ 300، كتاب السنة، باب (16) ، حديث رقم (4681) .
[ (2) ]
وأخرجه أيضا ابن ماجة، (صحيح ابن ماجة) : 1/ 16- 17، حديث رقم (53- 63) ، (54- 64)، وقال في آخره: «ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها فذلك من أشراطها وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذلك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا اللَّه، فتلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: 34] .
وأخرجه أيضا النسائي، وقال في أوله: «عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه، وإنا لجلوس ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مجلسه، إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها، وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلّم في طرف البساط فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام. قال: أدنو يا محمد،.. فما زال يقول: أدنو مرارا حتى وضع يده على ركبتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، أخبرني ما الإسلام
…
وساق الحديث باختلاف يسير. (صحيح سنن النسائي) : 3/ 1025- 1026، كتاب (47) الإيمان وشرائعة، باب (6) صفة الإيمان والإسلام، حديث رقم (4618) .
وأخرجه الإمام أحمد في المسند، وقال في آخره بعد قوله صلى الله عليه وسلم: ذاك جبريل جاءكم يعلمكم دينكم، قال: وسأله رجل من جهينة، أو مزينة فقال: يا رسول اللَّه، فيما نعمل؟ أفي شيء قد خلا أو مضى؟
أو في شيء يستأنف الآن؟ قال: في شيء قد خلا أو مضى، فقال رجل أو بعض القوم: يا رسول اللَّه فيما نعمل؟ قال: أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار. (مسند أحمد) : 1/ 46، مسند عمر بن الخطاب، حديث رقم (185) .
[ (3) ] في (خ)«يحتاج» ، وما أثبتناه من (الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض) .
به مضطر إلى النطق باللسان، وهذه الحالة المحمودة التامة، وأما الحال المذمومة:
فالشهادة باللسان دون تصديق القلب، وهذا هو النفاق، قال: وللفرق بين القول والعقد ما جعل في حديث جبريل عليه السلام، الشهادة من الإسلام، والتصديق من الإيمان، وبقيت حالتان [أخريان بين هذين][ (1) ] .
إحداهما: أن يصدق بقلبه ثم يخترم [ (2) ] قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه، فاختلف فيه فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة به، ورآه بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان [ (3) ] ، فلم يذكر سوى ما في القلب، وهذا مؤمن بقلبه غير عاص ولا مفرط بترك غيره، وهذا هو الصحيح في هذا الوجه.
الثانية: أن يصدق بقلبه ويطول مهلة وعلم ما يلزمه من الشهادة فلم ينطق بها جملة، ولا استشهد في عمره ولا مرة، فهذا اختلف فيه أيضا فقيل: هو مؤمن لأنه مصدق، والشهادة من جملة الأعمال، فهو عاص بتركها غير مخلد [في النار][ (4) ]، وقيل: ليس بمؤمن حتى يقارن عقده بشهادة، إذ الشهادة إنشاء عقد وإلزام إيمان، وهي مرتبطة مع العقد، ولا يتم التصديق مع المهملة إلا بها، وهذا هو الصحيح.
وخرج الحاكم من حديث عبد الرازق عن معمر عن أيوب عن سعيد بن هيثم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا دخل النار،
فجعلت أقول:
أين [ (5) ] تصديقها في كتاب اللَّه، [وقلّ ما سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدت
[ (1) ] تكملة من المرجع السابق.
[ (2) ] في (خ) و (الشفا)«يحترم» بالحاء، وما أثبتناه أجود للسياق، حيث اخترم فلان عنّا: مات وذهب، واخترمته المنية من بين أصحابه: أخذته من بينهم، واخترمهم الدهر وتخرّمهم أي اقتطعهم واستأصلهم، ويقال: خرمته الخوارم إذا مات. (لسان العرب) : 12/ 172 مادة خرم.
[ (3) ] في (خ) : «الإيمان» ، وما أثبتناه من (الشفا) .
[ (4) ] زيادة للسياق من هامش المرجع السابق.
[ (5) ] في (خ) : «أن» ، ما أثبتناه من (المستدرك) : 2/ 372، كتاب التفسير، تفسير سورة هود عليه السلام، حديث رقم (3309/ 446) .
تصديقه في كتاب اللَّه تعالى] [ (1) ]، حتى وجدت هذه الآية: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ (2) ]، قال: الأحزاب الملل كلها، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
***
[ (1) ] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ) ، وليست في (المستدرك) .
[ (2) ] هود: 17.