المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وأما سماع الأخبار بنبوته من الجن وأجواف الأصنام ومن الكهان - إمتاع الأسماع - جـ ٣

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌[بقية فصل في أمارات نبوته]

- ‌ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

- ‌ذكر الاختلاف في أول سورة من القرآن أنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الاختلاف في شق [ (4) ] صدر [ (5) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، متى كان وأين وقع

- ‌ذكر مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصورة التي خلقه اللَّه تعالى عليها

- ‌ذكر كيفية إلقاء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تعليم جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

- ‌وأمّا إقامة جبريل عليه السلام أوقات الصّلاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّه أمّه فيها

- ‌ذكر الجهة [ (1) ] التي كان صلى الله عليه وسلم يستقبلها في صلاته

- ‌ذكر من قرن برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الملائكة

- ‌فصل في ذكر الفضائل التي خصّ اللَّه تعالى بها نبيّه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وشرفه بها على جميع الأنبياء

- ‌فأما أنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

- ‌وأما مخاطبة اللَّه له بالنّبوّة والرسالة ومخاطبة من عداه من الأنبياء باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قرفه به المكذبون، ونهي اللَّه تعالى العباد عن مخاطبته باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرفه المكذبون له

- ‌وأما مغفرة ذنبه من غير ذكره تعالى له خطا ولا زلّة

- ‌وأما أخذ اللَّه تعالى الميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه

- ‌وأما عموم رسالته إلى الناس جميعا وفرض الإيمان به على الكافة، وأنه لا ينجو أحد من النار حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أمر الكافّة بالتّأسي به قولا وفعلا

- ‌وأما اقتران اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم اللَّه تعالى

- ‌وأما تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم قبل تمام خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر التنويه [ (1) ] بذكر رسول صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام

- ‌وأما شرف أصله، وتكريم حسبه ونسبه، وطيب مولده

- ‌وأما أنّ أسماءه خير الأسماء

- ‌وأما قسم اللَّه تعالى بحياته صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما تفرده بالسيادة يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل وأن آدم ومن دونه تحت لوائه

- ‌فصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليهما وسلامه [ (1) ]

- ‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

- ‌ذكر المقام المحمود الّذي وعد اللَّه تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيه وإرشاد

- ‌إيضاح وتبيان

- ‌وأما حوض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الكوثر

- ‌وأما كثرة أتباعه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما الخمس التي أعطيها صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أنه بعث بجوامع الكلم وأوتي مفاتيح خزائن الأرض

- ‌وأما تأييده بقتال الملائكة معه

- ‌وأما أنه خاتم الأنبياء

- ‌وأما أن أمته خير الأمم

- ‌وأما ذكره في كتب الأنبياء وصحفهم وإخبار العلماء بظهوره حتى كانت الأمم تنتظر بعثته

- ‌ومن إعلامه في التوراة

- ‌ومن إعلامه في التوراة أيضا

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌وفي حكاية يوحنا عن المسيح

- ‌وفي إنجيل متى

- ‌وذكر شعيا طريق مكة فقال:

- ‌وأما سماع الأخبار بنبوّته من الجنّ وأجواف الأصنام ومن الكهّان

الفصل: ‌وأما سماع الأخبار بنبوته من الجن وأجواف الأصنام ومن الكهان

‌وأما سماع الأخبار بنبوّته من الجنّ وأجواف الأصنام ومن الكهّان

فخرج الحافظ أبو نعيم من حديث عبيد اللَّه بن عمرو بن محمد بن عقيل عن جابر رضي الله عنه قال: أول خبر قدم المدينة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاء في صورة طائر فوقع على حائط [ (1) ] دارها فقالت:

انزل بخبرنا وبخبرك، قال: إنه بعث بمكة نبي منع منا القرار وحرم علينا الزنا [ (2) ] .

وخرج من حديث الزهري عن علي بن الحسين قال: إن أول خبر قدم المدينة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من امرأة تدعى فاطمة بنت النعمان النجارية كان لها تابع فجاءها ذات يوم فقام على الجدار، فقالت: انزل، قال: لا، قد بعث الرسول الّذي حرم الزنا.

ومن حديث أشعث بن شعبة عن أرطاة بن المنذر قال: سمعت ضمرة يقول:

كانت امرأة بالمدينة يغشاها جان، فكان يتكلم ويسمعون صوته، قال: فغاب [ (3) ] فلبث ما لبث فلم يأتها ولم يختلف إليها، فلما كان بعد إذ هو يطلع من كوة فنظرت إليه فقالت: يا ابن لوذان! ما كانت لك عادة تطلع من الكوة فما بالك؟ فقال:

إنه خرج نبي بمكة وإني سمعت ما جاء به فإذا هو يحرم الزنا، فعليك السلام [ (4) ] .

[ (1) ] في (دلائل أبي نعيم) : «الحائط لهم» ، «ألا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك وتخبرنا ونخبرك؟ قال لها:

إنه قد بعث نبيّ بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار» .

[ (2) ] المرجع السابق: 1/ 107، حديث رقم (56)، أخرجه ابن سعد في (الطبقات) : 1/ 189، وأحمد، والطبراني في الأوسط، والبيهقي، كلهم عن جابر، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) : 8/ 243: ورجاله وثقوا.

[ (3) ] ف (خ) : «فغاب بعد» .

[ (4) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 107، حديث رقم (57)، قال السيوطي في (الخصائص) : 1/ 285:

أخرجه أبو نعيم عن أرطاة بن المنذر

ص: 396

ومن حديث الواقدي قال: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه: خرجنا في عير إلي الشام قبل [ (1) ] مبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما كنا بأفواه الشام وبها كاهنة، فتعرضنا لها فقالت: أتاني صاحبي فوقف على بابي فقلت: ألا تدخل؟ فقال: لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد بمكة [ (2) ] يدعو إلى اللَّه [ (3) ] .

قال الواقدي: وحدثني محمد بن عبد اللَّه عن الزهري قال: كان الوحي يسمع، فلما كان الإسلام منعوا، وكانت امرأة من بني أسد يقال لها سعيدة، لها تابع من الجن، فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها يصيح فذهب عقلها، فجعل يقول من صدرها: وضع العناق [ (4) ] ، ورفع الرفاق [ (5) ] ، وجاء أمر لا يطاق، أحمد حرم الزنا.

قال الواقدي: وحدثنا أبو داود سليمان بن سالم عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي، أن رجلا مر على مجلس بالمدينة فيه عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه فنظر إليه فقال: أكاهن أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين! هدي بالإسلام كل جاهل، ودفع بالحق كل باطل، وأقيم بالقرآن كل مائل، وغني بمحمد صلى الله عليه وسلم كل عائل، فقال عمر: متى عهدك بها؟ - يعني صاحبته- قال: قبيل الإسلام، أتتني فصرخت: يا سلام يا سلام، الحق المبين والخير الدائم، خير حلم النائم، اللَّه أكبر.

فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين! أنا أحدثك مثل هذا، واللَّه إنا لنسير في «دويّة» [ (6) ] ملساء لا يسمع فيها إلا الصدى، إذ نظرنا فإذا راكب مقبل أسرع

[ (1) ] في (دلائل أبي نعيم) : «قبل أن يبعث» .

[ (2) ] في المرجع السابق: «خرج أحمد، وجاء أمر لا يطاق، ثم انصرفت فرجعت إلى مكة، فوجدت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة يدعو إلى اللَّه عز وجل» .

[ (3) ](المرجع السابق) : 1/ 108، حديث رقم (58)، قال السيوطي في (الخصائص) : 1/ 258:

أخرجه أبو نعيم، وفيه الواقدي، وهو متروك.

[ (4) ] العناق: الكذب الفاحش. (القاموس المحيط) : 10/ 276.

[ (5) ] الرفاق: النزع إلى الهوى (المرجع السابق) : 10/ 119.

[ (6) ] في (خ) : «دواية» . والدوية مؤنث الدّوّ، وهو الفلاة الواسعة، أو المستوية من الأرض. (المرجع السابق) : 14/ 276.

ص: 397

من الفرس حتى كان منا على قدر ما يسمعنا صوته، قال: يا أحمد، يا أحمد، اللَّه أعلى وأمجد، أتاك ما وعدك من الخير يا أحمد، ثم ضرب راحلته حتى أتى من ورائنا، فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: الحمد للَّه الّذي هدانا بالإسلام وأكرمنا.

فقال رجل من الأنصار: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين مثل هذا وأعجب، قال عمر: حدّث، قال: انطلقت أنا وصاحبان لي نريد الشام حتى إذا كنا بقفرة من الأرض نزلنا بها، فبينا نحن كذلك لحقنا راكب وكنا أربعة قد أصابنا سغب [ (1) ] شديد فالتفت فإذا أنا بظبية عضباء [ (2) ] ترتع قريبا مني، فوثبت إليها، فقال الرجل الّذي لحقنا: خلّ سبيلها لا أبا لك، واللَّه لقد رأيتها ونحن نسلك هذه الطرق ونحن عشرة أو أكثر من ذلك فيختطف بعضنا فما هو إلا أن كانت هذه الظبية فما هاج بها أحد فأبيت وقلت: لا لعمر اللَّه لا أخلها، فارتحلنا وقد شددتها حتى إذا ذهب سدف [ (3) ] من الليل إذا هاتف يقول:

يا أيها الركب السراع الأربعه

خلوا سبيل النافر المفزعة

خلوا عن العضباء في الوادي سعه

لا تذبحن الظبية المروّعه

فيها لأيتام صغار منفعة

قال: فخليت سبيلها ثم انطلقنا حتى أتينا الشام، فقضينا حوائجنا ثم أقبلنا حتى إذا كنا بالمكان الّذي كنا فيه هتف هاتف من خلفنا:

إياك لا تعجل وخذها من ثقه

فإن شر السير سير الحقحقة [ (4) ]

قد لاح نجم فأضاء مشرقه

يخرج من ظلماء ضوق [ (5) ] موبقة [ (6) ]

ذاك رسول مفلح من صدّقه

اللَّه أعلا أمره وحققه

[ (1) ] السّغب: الجوع الشديد، وفي التنزيل: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: 14] .

[ (2) ] قال الزمخشريّ: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء: أي قصيرة اليد.

[ (3) ] السدف: ظلمة الليل، وهو بعد الجنح. (القاموس المحيط) : 19/ 146.

[ (4) ] الحقحقة: سير الليل في أوله، وقد نهي عنه (المرجع السابق) : 10/ 58.

[ (5) ] ضوق من الضيقة، وهي منزلة للقمر، وهو مكان نحس على ما تزعم العرب (المرجع السابق) :

10/ 209.

[ (6) ] موبقة: مهلكة: (المرجع السابق) : 10/ 370.

ص: 398

وله من حديث القسم بن محمد بن بكر عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها:

أنها كانت تحدث عن عمر بن الخطاب، ومن حديث محمد بن عمران بن موسى ابن طلحة، عن أبيه طلحة قال: كان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه يحدث قال: كنت جالسا مع أبي جهل وشيبة بن ربيعة، فقام أبو جهل فقال: يا معشر قريش! إن محمدا قد شتم آلهتكم وسفه أحلامكم وزعم أنه من مضى من آبائكم يتهافتون في النار تهافت الحمير، ألا ومن قتل محمدا فله عليّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة.

قال عمر فقمت فقلت: يا أبا الحكم، الضمان صحيح؟ قال: نعم، عاجل غير آجل، قال عمر: فقلت: واللات والعزى؟ قال أبو جهل: نعم يا عمر فأخذ أبو جهل بيدي فأدخلني الكعبة، فأشهد عليّ هبل- وكان هبل عظيم أصنامهم- وكانوا إذا أرادوا سفرا أو حربا أو سلما أو نكاحا، لم يفعلوا حتى حتى يأتوا هبل فيستأمروا، فأشهد عليه هبل وتلك الأصنام. قال عمر: فخرجت متقلدا السيف متنكبا [ (1) ] كنانتي أريد النبي صلى الله عليه وسلم، فمررت على عجل وهم يريدون قتله، فقمت انظر إليهم فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه! فقلت إن هذا لشأن! ما يراد بهذا إلا لحالي، ثم مررت بغنم فإذا هاتف [يهتف وهو يقول] [ (2) ] :

يا أيها الناس ذوو [ (3) ] الأجسام

ما أنتم وطائش الأحلام

ومسندو [ (4) ] الحكم إلى الأصنام

فكلكم أراه كالنعام

أما ترون ما أرى أمامي

من ساطع يجلو لذي الظلام

أكرمه الرحمن من إمام

قد جاء بعد الكفر بالإسلام

[ (1) ] في (خ) : «كانتي» ، والكنانة: بالكسر كنانة السهام، جعبة من جلد. (ترتيب القاموس) :

4/ 91.

[ (2) ] السياق مضطرب في (خ) ، وما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم) .

[ (3) ] في (خ) : «ذوي» ، وما أثبتناه من المرجع السابق، وهو حق اللغة.

[ (4) ] في (خ) : «ومسند» ، وما أثبتناه من المرجع السابق، وهو حق اللغة.

ص: 399

وبالصلاة والزكاة والصيام

والبر والصلوات للأرحام

ويزع [ (1) ] الناس عن الآثام

[مستعلن في البلد الحرام][ (2) ]

فقلت: واللَّه ما أراه إلا أن يرادني، ثم مررت بهاتف الضماد [ (3) ] وهو يهتف من جوفه فقال:

ترك الضماد [ (3) ] وكان يعبد وحده

بعد الصلاة مع النبي محمد

إن الّذي ورث النبوة والهدى

بعد ابن مريم من قريش مهتد

سيقول من عبد الضماد ومثله

ليت الضماد [ (3) ] ومثله لم يعبد

فاصبر أبا حفص فإنك لا مردّ

يأتيك عزّ غير عزّ بني عدي

لا تعجلن فأنت ناصر دينه

حقا يقينا باللسان وباليد

وتظهر دين اللَّه إن كنت مسلما

وتسطح بالسيف الصقيل المهنّد

جماجم قوم لا يزال حلومها

عكوفا على أصنامها بالمهنّد

قال عمر: فو اللَّه لقد علمت أنه أرادني، فجئت حتى دخلت على أختي، وإذا خبّاب بن الأرتّ عندها، وزوجها سعيد بن زيد، فلما رأوني ومعي السيف

[ (1) ] في (خ) : «ويزعر» ، وما أثبتناه من المرجع السابق، وهو حق اللغة.

[ (2) ] هذا العجز من (المرجع السابق) : 17/ 117، وهي مذكورة عقب قصة أخرى في الحديث رقم (64)، وهي: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المنجاب قال: حدثنا أبو عامر الأسدي عن ابن خرّبوذ المكيّ عن رجل من خثعم قال: كانت العرب لا تحرّم حلالا، ولا تحلّ حراما، وكانوا يعبدون الأوثان، ويتحاكمون إليها، فبينا نحن ذات ليلة عند وثن جلوس وقد تقاضينا إليه في شيء قد وقع بيننا أن يفرق بيننا، إذ هتف هاتف وهو يقول:

يا أيها الناس ذوو الأجسام

ما أنتم وطائش الأحلام

ومسندو الحكم إلى الأصنام

هذا نبيّ سيد الأنام

أعدل في الحكم من الحكام

يصدع بالنور وبالإسلام

ويزع الناس عن الآثام

مستعلن في البلد الحرام

قال: ففزعنا وتفرقنا من عنده، وصار ذلك الشعر حديثا، حتى بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة، ثم قدم المدينة، فجئت فأسلمت.

قال السيوطي في (الخصائص) : 1/ 265: وأخرجه الخرائطي وابن عساكر.

[ (3) ] الضماد: كما في (القاموس) ، (أساس البلاغة)، (اللسان) : هو أن تصادق المرأة اثنين أو ثلاثة في القحط، لتأكل عند هذا وهذا لتشبع، ولم أدر المقصود بها في سياق الباب، ولعله اسم لصنم كان يعبد من دون اللَّه قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 400

أنكروا، فقلت لهم: لا بأس عليكم، فدخلت، فقال خباب: يا عمر! ويحك أسلم، فدعوت بالماء فأسبغت الوضوء، وسألتهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: في دار أرقم بن الأرقم، فأتيتهم فضربت عليهم الباب، فخرج حمزة بن عبد المطلب، فلما رآني والسيف صاح بي- وكان رجلا عبوبا [ (1) ]- فصحت به،

فخرج إليّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما رآني ورأى ما في وجهي عرف فقال: استجيب لي فيك يا عمر! أسلم،

[فقلت] : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، فسر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وكنت رابع أربعين رجلا ممن أسلم، ونزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ (2) ]، فقلت: يا نبي اللَّه! اخرج، فو اللَّه لا يغلبنا المشركون أبدا، فخرجنا وكبّرنا حتى طاف النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه، فلم أزل أقاتل واحدا واحدا حتى أظهر اللَّه الدين.

وله من حديث الواقدي عن ابن ذؤيب عن مسلم عن جندب عن النضر بن سفيان الهذلي عن أبيه قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان عرّسنا من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض:

أيها [النيام][ (3) ] هبّوا فليس هذا بحين رقاد، قد خرج أحمد وطردت الجنّ كل مطرد، ففزعنا ونحن رفقة حزاورة [ (4) ] كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش لنبي خرج فيهم من بني عبد المطلب اسمه أحمد [ (5) ] .

وله من حديث خرّبوذ عن موسى بن عبد الملك بن عمير عن أبيه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه قال: هتف هاتف من الجن على أبي قبيس [ (6) ] بمكة فقال:

[ (1) ] كذا في (خ) ، ولعلها «عبعابا» وهي صفة للرجل إذا كان واسع الحلق والجوف، جليل الكلام.

(لسان العرب) : 1/ 575.

[ (2) ] الأنفال: 64.

[ (3) ] في (خ) : «النيا» .

[ (4) ] جمع حزوّر، وهو الغلام إذا اشتدّ وقوى. (لسان العرب) : 4/ 187.

[ (5) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 108، حديث رقم (59)، قال السيوطي في (الخصائص) : 1/ 259:

أخرجه ابن سعد: 1/ 161، وأبو نعيم وابن عساكر.

[ (6) ] جبل بمكة.

ص: 401

قبّح اللَّه رأي كعب بن فهر

ما أرق العقول والأحلام

دينها أنها يعنّف فيها

دين آبائها الحماة الكرام

حالف الجن حين يقضى [ (1) ] عليكم

ورجال النخيل والآطام

يوشك الخيل أن تراها [ (2) ] تهادى

تقتل القوم في بلاد التهام [ (3) ]

هل كريم منكم له نفس حرّ

ما جد الوالدين والأعمام؟

ضارب ضربة تكون نكالا

ورواحا من كربة واغتمام

قال [ابن عباس][ (4) ] : فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة وأصبح [ (5) ] المشركون يتناشدونه بينهم، وهمّوا بالمؤمنين، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له: مسعر واللَّه يخزيه، قال: فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل يقول:

نحن قتلنا مسعرا

لما طغى واستكبرا

وسفه الحق وسنّ المنكرا

قنّعته سيفا جروفا مبتّرا

بشتمه نبيّنا المطهّرا

فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ذلكم عفريت من الجن يقال له سمحج سميته عبد اللَّه، آمن بي فأخبرني أنه في طلبه منذ أيام، فقال علي بن أبي طالب: جزاك اللَّه خيرا يا رسول اللَّه [ (6) ] .

وروى من حديث ابن شهاب وعبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف سمعا كلاهما حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف قال: لما ظهر

[ (1) ] في (خ) : «بصرى» .

[ (2) ] في (خ) : «تردها» .

[ (3) ] في (الخصائص) : 1/ 261: «في البلاد العظام» .

[ (4) ] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم) .

[ (5) ] في المرجع السابق: «فأصبح» .

[ (6) ](المرجع السابق) : 1/ 109- 110، حديث رقم (60)، قال السيوطي في (الخصائص) :

1/ 261: ذكره أبو نعيم عن ابن عباس، ثم قال: وأخرج الفاكهي في (أخبار مكة) من حديث ابن عباس عن عامر بن ربيعة، فذكر مثله، وفيه موسى بن عبد الملك بن عمير، ضعّفه أبو حاتم، وذكره البخاري في كتاب (الضعفاء) .

ص: 402

- أي رسول اللَّه- صلى الله عليه وسلم قام رجل من الجن على أبي قبيس يقال له مسعر فقال:

قبّح اللَّه رأي كعب بن فهر

ما أرقّ العقول والأحلاما

حالف الجن حين [يقضي] عليكم

ورجال النخيل والآطاما

هل غلام منكم له نفس حرّ

ما جد الوالدين والأعماما

فأصبحت قريش يتناشدونه بينهم، [فإذا رجل من الجن يقال له سمحج يقول:] [ (1) ]

نحن قتلنا مسعرا لما طغى واستكبرا

بشتمه نبينا المطهرا

أوردته سيفا جروفا مبترا

إنا نذود من أراد البطرا

فسماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عبد اللَّه.

ومن حديث ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:

قال خزيم بن [ (2) ] فاتك لعمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ألا أخبرك ببدء [ (3) ] إسلامي؟ بينا أنا في طلب نعم لي إذ جنّ الليل بأبرق العزاف [ (4) ]، فناديت بأعلى صوتي: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهائه، وإذا هاتف يهتف بي:

عذ يا فتى باللَّه ذي الجلال

والمجد والنّعماء والإفضال

[واقرأ بآيات][ (5) ] من الأنفال

ووحد اللَّه ولا [تبال][ (6) ]

[قال:][ (7) ] فرعت من ذلك روعا شديدا، فلما رجعت إلى نفسي قلت:

يا أيها الهاتف ما تقول

أرشد عندك أم تضليل

بين لنا هديت ما السبيل [ (8) ]

[ (1) ] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق حيث أن السياق مضطرب في (خ) .

[ (2) ] في (خ) : «خزيم فاتك» ، في (المستدرك) :«خريم» .

[ (3) ] في (خ) : «بيدو» .

[ (4) ] ماء لبني أسد.

[ (5) ] في (خ) : «واقتن آيات» ، وما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم) .

[ (6) ] في (خ) : «تبالي» ، وما أثبتناه من المرجع السابق، وهو حق اللغة.

[ (7) ] زيادة من المرجع السابق.

[ (8) ] في المرجع السابق: «ما العويل» ، وما أثبتناه من (خ) ، وهو أجود للسياق.

ص: 403

قال: فقال:

هذا رسول اللَّه ذو الخيرات

يدعو إلى الخيرات والنجاة

يأمر بالصوم والصلاة

ويزع الناس عن الهنات

قال فأتبعت راحلتي وقلت:

أرشدني رشدا بها هديت

لا جعت يا هذا ولا عريت

ولا صبحت صاحبا مقيت

لا يثوينّ الخير إن ثويت [ (1) ]

قال: فأتبعني وهو يقول:

صاحبك اللَّه وسلم نفسكا

وبلغ الأهل [وسلّم][ (2) ] رحلكا

آمن به أفلح ربي حقكا

وانصر نبيا عزّ ربي نصركا

قال: فدخلت المدينة فاطلعت في المسجد، فخرج إليّ أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: ادخل رحمك اللَّه، قد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور فعلّمت ودخلت المسجد،

ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر وهو يقول: ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى صلاة يعقلها ويحفظها إلا دخل الجنة.

فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه لتأتيني على هذا ببينة أو لأنكلنّ بك، قال: فشهد له شيوخ [ (3) ] قريش عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه فأجاز شهادته [ (4) ] .

***

[ (1) ] في المرجع السابق: «هديتا» ، «عريتا» ، «مقيتا» ، «ثويتا» .

[ (2) ] في (خ) : «وأدى» .

[ (3) ] في (مجمع الزوائد) : 8/ 262: «شيخ من قريش» .

[ (4) ] أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) : 1/ 110- 111، حديث رقم (61)، قال في (الخصائص) :

2/ 188: أخرجه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر.

وأخرجه الحاكم في (المستدرك) : 3/ 720- 721، كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر خريم ابن فاتك الأسدي رضي الله عنه، حديث رقم (6606/ 2204) ، (6607/ 2205) ، وساق الحديث باختلاف يسير

إلى أن قال: فإذا هاتف يهتف بي ويقول:

ص: 404

_________

[ () ]

ويحك عذ باللَّه ذي الجلال

منزل الحرام والحلال

ووحّد اللَّه ولا تبال

ما هو ذو الحزم من الأهوال

إذ يذكروا اللَّه على الأميال

وفي سهول الأرض والجبال

وما وكيل الحق في سفال

إلا التقى وصالح الأعمال

قال: فقلت:

يا أيها الداعي بما يحيل

رشد يرى عندك أم تضليل؟

فقال:

هذا رسول اللَّه ذو الخيرات

جاء بياسين وحاميمات

في سور بعد مفصلات

محرمات محلات

يأمر بالصوم والصلاة

ويزجر الناس عن الهنات

قد كنّ في الأيام منكرات

قال: فقلت من أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أرض أهل نجده، قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به، فقال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء اللَّه تعالى، فاعتقلت بعيرا منها ثم أتيت المدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة، فقلت: يقضون صلاتهم ثم أدخل فإنّي لذاهب أنيخ راحلتي إذ

خرج أبو ذر رضي اللَّه تعالى عنه فقال: يقول لك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أدخل، فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الّذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك سالمة؟ أما أنه قد أدّاها إلى أهلك سالمة، قلت:

رحمه الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل رحمه الله،

قال خريم: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحسن إسلامه.

قال الذهبي في التخليص: «لا يصح» .

ص: 405