الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما ذكره في كتب الأنبياء وصحفهم وإخبار العلماء بظهوره حتى كانت الأمم تنتظر بعثته
فقد قال اللَّه جل ذكره: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ (1) ]، فقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، يخرج اليهود والنصارى من عموم قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، ويخصها بأمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وقوله: الَّذِي يَجِدُونَهُ، أي يجدون نعته أو اسمه أو صفته، مكتوبا عندهم. وقوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، قال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، عبادة الأصنام وقطع الأرحام، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، وهو ما كانت العرب تستطيبه، وقيل: هي الشحوم التي حرمت على بني إسرائيل، والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وهو ما كانت العرب تستخبثه، وما كانوا يستحلون من الميتة والدم ولحم الخنزير، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، الإصر الثقل، قاله قتادة ومجاهد وسعيد ابن جبير، والإصر: العهد، قاله ابن عباس والضحاك والحسن، فجمعت الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال، فوضع بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد، وثقل تلك الأعمال من تحريم السبت والشحوم والعروق، والتشديد في البول، ومجانبة الحائض في كل حال، وتحريق الغنائم بالنار.
وقال الزجاج: ذكر الأغلال تمثيل، فقد كان عليهم أن لا يقبل في القتل دية، ولا يعمل في يوم السبت عمل، وأن لا تقبل توبتهم إلا بقتل أنفسهم
…
إلى غير ذلك.
[ (1) ] 157: الأعراف.
وقد ذكر صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع من التوراة باسمه وصفته على ما سيرد إن شاء اللَّه.
وذكرت صفته في الإنجيل في فصل (الفارقليط) من إنجيل يوحنا [ (1) ] ، هذا مع ما لحق الكتابين من التحريف والتبديل، فبقي ذكره صلى الله عليه وسلم فيهما من قبيل المعجزة، لأن اجتهاد أمتين عظيمتين على إزالة ذكره من كتابين لطيفي الحجم ثم لا يستطيعون ذلك معجزة لا شك فيه، وتعجيز إلهي لا ريب فيه.
حدّث سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب قال: أوحى اللَّه تعالى إلى أشعياء [ (2) ] أن قم من قومك، أوح على لسانك، فقام أشعياء خطيبا، فلما قام أطلق اللَّه لسانه بالوحي، فحمد اللَّه وسبحه وقدسه وهلله، ثم قال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي، ويا جبال أوبي، فإن اللَّه يريد أن [يفضّ][ (3) ] شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطفاهم لنفسه، وخصهم بكرامته، فذكر معاتبة اللَّه إياهم، ثم قال: وزعموا أنهم [ (4) ] لو شاءوا أن يطلعوا على الغيب [بما][ (5) ] توحي إليهم الشياطين والكهنة اطلعوا، وكلهم مستخف بالذي يقول ويسرّه، وهم يعلمون أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما يبدون وما يكتمون، وأني قد قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء أثبته، وحتما حتمته على نفسي، وجعلت دونه أجلا مؤجلا، لا بدّ أنه واقع. فإن صدّقوا بما ينتحلون من علم الغيب [فليخبروك][ (6) ] متى هذه [المدة][ (7) ] ، وفي أي زمان تكون، [وإن][ (8) ] كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون [فليأتوا][ (9) ] بمثل هذه القدرة التي بها أمضيته، فإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون [فيؤلفوا][ (9) ] مثل هذه الحكمة التي بها أدبّر مثل ذلك القضاء إن كانوا صادقين، وإني قضيت يوم خلقت السموات
[ (1) ] لعله في نسخة لم تمتد إليها يد التحريف، حيث لم أجد ذلك في النسخة التي عندي، وهي المترجمة من اللغة اليونانية.
[ (2) ] أشعياء: أحد أنبياء بني إسرائيل.
[ (3) ](في دلائل أبي نعيم) : «يفضّ» ، وفي (خ) :«يقصّ» .
[ (4) ] كذا في (خ)، وفي المرجع السابق:«إن شاءوا» .
[ (5) ] كذا في (خ)، وفي المرجع السابق:«لما» .
[ (6) ] كذا في (خ)، وفي المرجع السابق:«فيخبرونك» .
[ (7) ] في المرجع السابق: «العدّة» .
[ (8) ] في المرجع السابق: «فإن» .
[ (9) ] في المرجع السابق: «فلؤلفوا» .
والأرض أن أجعل النبوة في غيرهم، وأن أحول الملك عنهم، وأجعله في الرعاء، والعز في الأذلاء، والقوة في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والكثرة في الأقلاء، والمدائن في الفلوات، والآجام [والمفاوز][ (1) ] في الغيطان، والعلم في الجهلة، [والحكمة][ (2) ] في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا [ (3) ] ، وعلى يدي من أثبته، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون؟ [ (4) ] .
وزاد وهب بن منبه في روايته [ (5) ] فإنّي [سأبعث][ (6) ] لذلك نبيا أميا، أعمى من عميان، ضالا من ضالين، أفتح به آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأعينا عميا، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل، المصطفى المرفوع، الحبيب المتحبب المختار. لا يجزي [بالسيئة][ (7) ] السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، بالمؤمنين رحيم [ (8) ] ، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لا يتزيئ بالفحش، ولا قوال بالخنا [ (9) ] ، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى زاد ضميره، والحكمة معقولة، والصدق والوفاء طبيعته،
[ (1) ] في (خ) : «والمعادن» .
[ (2) ] في (خ) : «والحكم» .
[ (3) ] في (خ) : «على هذا» .
[ (4) ] هذا الحديث لم أجده غير عند أبي نعيم، وسعيد بن بشير أربعة كلهم ضعفاء، وهم:[1] سعيد ابن بشير الأزدي، ويقال: البصري، مولاهم أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو سلمة من البصرة، ويقال:
من واسط. [2] سعيد بن بشير الأنصاري النجاري أو البخاري. [3] سعيد بن بشير القرشيّ.
[4]
سعيد بن بشير صاحب قتادة. ترجمتهم في: (المغني في الضعفاء الكبير) : 1/ 256، (الضعفاء المتروكين) : 1/ 314، 315، (الضعفاء الكبير) : 2/ 100، 101، (تهذيب التهذيب) :
4/ 10، (الكامل في ضعفاء الرجال) : 3/ 369، 390، (لسان الميزان) : 3/ 30، (المجروحين) : 1/ 318، 319، (التاريخ الكبير) : 3/ 460، ولعل في بعض أسمائهم تشابه، واللَّه تعالى أعلم.
[ (5) ][الآجام في الصحاري، والبراري في المفاوز والغيطان] ، هذه الزيادة من (دلائل أبي نعيم) .
[ (6) ] في المرجع السابق: «مبتعث» .
[ (7) ] زيادة للسياق من (خ) .
[ (8) ] في (دلائل أبي نعيم) : «رحيما بالمؤمنين» .
[ (9) ] الخنا: الفاحش من القول، وفي (الخصائص) بعد قوله:«بالخنا» : [لو يمر إلى جانب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو مشى على القصب الرعراع لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا] .
والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدى به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمّي به بعد النكرة، وأكثر به القلّة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلّف به بين قلوب وأهواء متشتتة، وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمرا [ (1) ] بالمعروف وناهيا [ (2) ] عن المنكر، وتوحيدا بي [ (3) ] ، وإيمانا بي، وإخلاصا وتصديقا لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب والأرواح والوجوه [ (4) ] التي أخلصت إلي [ (5) ] الهمم، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم. يصفون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجدا [ (6) ] ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم، ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني، وهو مني بريء، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطا، [ليكونوا][ (7) ] شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبروني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويكبرون ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبانا بالليل ليوثا بالنهار، ينادي مناديهم في جو السماء، لهم دوي كدوي النحل، طوبى لمن كان منهم وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم [ (8) ] .
[ (1) ] في (دلائل أبي نعيم) : أمرا.
[ (2) ] في (المرجع السابق) : ونهيا.
[ (3) ] في (المرجع السابق) : «بي» في الموضعين، وما أثبتناه من (خ) ، فهو أجود للسياق.
[ (4) ] في (دلائل أبي نعيم) : «الوجوه والأرواح» .
[ (5) ] في (المرجع السابق) : «لي» ، وفي (خ)«إلى الهمم» ، «ألهمتهم» .
[ (6) ] كذا في (خ) ، وفي (الخصائص)، لكن في (المرجع السابق) :«وركوعا وسجودا» .
[ (7) ] زيادة من المرجع السابق.
[ (8) ] هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم وأبو نعيم، عن وهب بن منبه، وفيه عبد المنعم بن إدريس القصاص المشهور، قال الذهبي: ليس يعتمد عليه، وقال أحمد بن حنبل:
كان يكذب على وهب بن منبه، وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره، (انظر ميزان
وفي رواية: ولا صخاب في الأسواق، ولو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا، وأستنقذ به قياما من الناس عظماء من الهلكة، أجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين، والشهداء والصالحين، وأمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعزّ من نصرهم، وأؤيد من دعا إليهم، أجعل دائرة السوء على من خالفهم وبغى عليهم، وأراد أن ينزع شيئا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الّذي بدأت به أوّلهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم.
وقال عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بلغني أن بني إسرائيل لما أصابهم ما أصابهم من ظهور بخت نصّر عليهم، وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية، في قرية ذات نخل، ولما خرجوا من أرض الشام جعلوا يميزون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن، يجدون نعتها نعت يثرب، فينزل بها طائفة منهم ويرجون أن يلقوا محمدا فيتبعونه، حتى نزل من بني هارون من حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه [آت][ (1) ] ، ويحثون أبناءهم على اتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم وكفروا به وهم يعرفونه.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد [ (2) ] عن سلمة بن سلامة [ (3) ] قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوما من بيته [- وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم
[ () ] الاعتدال) : 2/ 668، ترجمة رقم (5270) .
وفيه أيضا إدريس بن سنان، وقد ضعفه ابن عدي، وقال عنه الدار الدّارقطنيّ: متروك.
[ (1) ] هذه الكلمة غير واضحة في (خ) ، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ (2) ][أخى بنى عبد الأشهل] ، زيادة من رواية ابن إسحاق.
[ (3) ][ابن وقش، وكان سلمة من أصحاب بدر] ، زيادة من رواية ابن إسحاق.
بيسير-] [ (1) ] حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا، عليّ بردة لي مضطجعا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة، والحساب والميزان، والجنة والنار، قال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا: ويحك وتكون دارا فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والّذي أحلف به، ولودّ أن حظه من تلك النار أعظم تنور في [هذه][ (1) ] الدار، يحمونه ثم يدخلونه إياه [فيطبقونه][ (2) ] عليه، [ثم][ (3) ] ينجو من تلك النار غدا، [قالوا] [ (4) ] ويحك. وما آية ذلك؟ قال: نبي [يبعث][ (5) ] من هذه البلاد- وأشار بيده نحو مكة واليمن- قالوا: [فمتى][ (6) ] تراه؟ [فرمى بطرفه فرآني وأنا مضطجع بفناء باب أهلي][ (7) ] وأنا أحدث القوم سنا فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فو اللَّه ما ذهب الليل والنهار حتى بعث اللَّه نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو حيّ بين أظهرنا فآمنا به، وكفر به بغيا وحسدا، فقلنا:[ويلك][ (8) ] يا فلان، ألست الّذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال:
بلى ولكن ليس به. وذكر الواقدي أن اليهودي اسمه يوشع [ (9) ] .
وقال الخرائطي [ (10) ] : حدثنا عبد اللَّه بن أبي سعيد قال: حدثنا حازم بن عقال ابن حبيب بن المنذر بن أبي الحصن بن السموأل بن عاديا قال: حدثني جامع بن حيران ابن جميع بن عثمان بن سماك بن أبي الحصن بن السموأل بن عاديا قال: لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة، اجتمع إليه قومه من غسان فقال: إنه حضر من أمر اللَّه ما ترى، وقد كنا نأمرك في شبابك أن تتزوج فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمس بنين، وليس لك ولد غير مالك، فقال: لن يهلك هالك،
[ (1) ] زيادة للسياق من (خ) .
[ (2) ] رواية ابن إسحاق: «فيطينونه» .
[ (3) ] رواية ابن إسحاق: «بأن ينجو» .
[ (4) ] رواية ابن إسحاق: «فقالوا له: ويحك يا فلان، فما..» .
[ (5) ] رواية ابن إسحاق: «نبي مبعوث من نحو هذه البلاد..» .
[ (6) ] رواية ابن إسحاق: «ومتى» .
[ (7) ] كذا في (خ)، وفي رواية ابن إسحاق:«قال فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنا» .
[ (8) ] في رواية ابن إسحاق: «ويحك»
[ (9) ](سيرة ابن هشام) : 2/ 38.
[ (10) ] في (خ) : «الخوائطي» ، والخبر بتمامه وزيادة في (البداية والنهاية) : 2/ 404- 405.
ترك مثل مالك، إن الّذي يخرج النار من [الورسة][ (1) ] ، قادر [على][ (2) ] أن يجعل لمالك نسلا، ورجالا بسلا، وكل إلى موت، ثم أقبل على مالك وقال: أي بني، المنيّة ولا الدنيّة، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد، القبر خير من الفقر، ومن قلّ ذلّ، ومن كرم الكريم الدفع عن الحريم، الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، إنه ليس ينفلت منها ملك متوج، ولا لئيم معلج، سلّم ليومك، حياك ربك، ثم أنشأ يقول:
شهدت السبايا يوم آل محرّق
…
وأدرك عمري صيحة اللَّه في الحجر
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا
…
ولا سوقه إلا إلى الموت والقبر
فعلّ الّذي أردى ثمودا وجرهما
…
سيعقب لي نسلا على آخر الدهر
يقربهم من آل عمرو بن عامر
…
عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر
فإن تكن الأيام أبلين جدّتي
…
وشيّبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا فاعلا فوق عرشه
…
عليما بما نأتي من الخير والشرّ
ألم يأت قومي أن للَّه دعوة
…
يفوز بها أهل السعادة والبشر
إذا بعث المبعوث من آل غالب [ (3) ]
…
بمكة فيما بين زمزم [ (4) ] والحجر
هنالك فابغوا نصرة ببلادكم
…
بني عامر إن السعادة في النّصر
ثم قضى من ساعته.
وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم [بن عبد الرحمن بن عوف][ (5) ]، عن يحيى بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن [سعد] [ (6) ] بن زرارة قال: حدثني من [شئت] من رجال قومي عن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال: واللَّه إني
[ (1) ] في (خ) : «الوسة» ، لعل الصواب ما أثبتناه، فهو يخدم المعنى، لأن «الورسة» من ورس النبت رءوسا: اخضرّ. (لسان العرب) : 6/ 254، قال محققه: وهذا من أبلغ الإعجاز، حيث تخرج النار من الورسة، وهذا ما لا يستطيعه إلا اللطيف الخبير جلّ وعلا.
[ (2) ] زيادة في السياق.
[ (3) ] إشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
[ (4) ] في (البداية والنهاية) : «بين مكة والحجر» .
[ (5) ] زيادة في النسب من رواية ابن إسحاق (2) في (خ) : «أسعد» .
[ (6) ] في (خ) : «تثبت» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[لغلام][ (1) ][يفعه][ (2) ] ابن [سبع سنين أو ثمان][ (3) ] ، أعقل [كل][ (4) ] ما سمعت، إذا سمعت يهوديا يصرخ [بأعلى صوته] [ (4) ] على أطمة بيثرب: يا معشر يهود! فلما اجتمعوا إليه [ (5) ] وقالوا له: ويلك، مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الّذي ولد به. وفي رواية: طلع الليلة نجم أحمد نبي هذه الأمة الّذي ولد به [ (6) ] .
وفي رواية الواقدي: هذا كوكب أحمد قد طلع، هذا كوكب لا يطلع إلا بالنّبوّة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد. وفيه قصة. وفي رواية له: قال: لما صاح اليهودي من فوق الأطم: هذا كوكب أحمد قد طلع، وهو لا يطلع إلا بالنّبوّة، قال: وكان أبو قيس من بني عدي بن النجار قد ترهّب ولبس المسوح، فقالوا:
يا أبا قيس! انظر ما يقول هذا اليهودي، قال: فانتظاري الّذي صنع بي هذا، فأنا أنتظره حتى أصدقه وأتبعه.
وقال ابن إسحاق: عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، حدثنا محمد بن عمرو بن حزم قال: حدثت عن صفية بنت حيي أنها قالت: كنت أحبّ ولد أبي [ (7) ] إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع [ولد لهما][ (8) ] إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة [ونزل][ (9) ] قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب [مغلّين][ (10) ]، قالت: فلم يرجعا حتى [كانا][ (11) ] مع غروب الشمس فأتيا
[ (1) ] في (خ) : «غلام» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (2) ] في (خ) : «يومئذ» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (3) ] في (خ) : «ابن ثمان سنين أو سبع» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (4) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.
[ (5) ] في المرجع السابق: «حتى إذا اجتمعوا إليه» .
[ (6) ] قال ابن إسحاق «فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقلت: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة؟ فقال: ابن ستين، وقدمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين» (سيرة ابن هشام) 1/ 295- 296.
[ (7) ] في (خ) : «والداي» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (8) ] في (خ) : «ولدهما» .
[ (9) ] في (خ) : «فنزل في قباء» .
[ (10) ] في (خ) : «مغليين» .
[ (11) ] في (خ) : «كان» .
كالّين كسلانين [ساقطين][ (1) ] ، يمشيان الهوينا، قالت: فمشيت إليهما كما كنت أصنع، فو اللَّه ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الهم [ (2) ]، قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حييّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم واللَّه قال [ (3) ] : أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال [ (3) ] : فما في نفسك منه؟ قال: عداوته واللَّه ما بقيت [أبدا][ (4) ] .
قال ابن إسحاق: وكان من حديث مخيريق وكان حبرا عالما، وكان رجلا غنيا كثير الأموال من النخل، وكان يعرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد في علمه [وغلب عليه إلف دينه][ (5) ]، فلم يزل على ذلك حتى إذا كان يوم أحد- وكان يوم أحد يوم السبت- قال: يا معشر يهود! واللَّه إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت [لكم][ (5) ] ، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت هذا اليوم [فأموالي][ (6) ] لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع [فيها][ (7) ] ما أراه اللَّه، فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل،
فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما بلغني [ (8) ]- يقول: مخيريق خير يهود،
وقبض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمواله فعامة صدقات رسول [اللَّه][ (9) ] صلى الله عليه وسلم بالمدينة فيها.
وقال يونس بن بكير عن أبي جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال في قوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ (9) ] : ذكر قصة المعراج وما أعطي الأنبياء، فقال له ربّه: قد
[ (1) ] زيادة للسياق من رواية ابن إسحاق.
[ (2) ] في ابن إسحاق: «الفمّ» .
[ (3) ] في (خ) : «قالت» .
[ (4) ] زيادة من (خ)، والأثر في (سيرة بن هشام) : 3/ 52.
[ (5) ] زيادة للسياق من رواية ابن إسحاق.
[ (6) ] في (خ) : «فمالي» .
[ (7) ] في (خ) : «فيه» .
[ (8) ] زيادة للسياق من رواية ابن إسحاق.
[ (9) ] سقط في (خ)، وأثبتناه من رواية ابن إسحاق. (سيرة ابن هشام) : 3/ 51- 52.
(9)
أول سورة الإسراء.
اتخذتك خليلا فهو في التوراة مكتوب: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما، وشرحت صدرك، ورفعت ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك أمة وسطا، وأرسلتك رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا، وأنزلت عليك الفرقان فيه تبيان كل شيء، فقال إبراهيم عليه السلام للأنبياء: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال سموأل اليهودي لتبع- وهو يومئذ أضلهم-: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي مولده مكة، واسمه أحمد، وهذه دار هجرته.
وقال عكرمة عن ابن عباس، قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر، يجدون صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندهم قبل أن يبعث، وأن دار هجرته المدينة، فلما ولد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قالت أحبار يهود: ولد أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبأ قالوا: قد تنبأ أحمد، كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه.
وقال عاصم بن عمرو بن قتادة عن نملة بن أبي نملة عن أبيه أبي نملة قال:
كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ويعلمون الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلى المدينة، فلما ظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حسدوا، وبغوا، وأنكروا.
وقال عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ عن أبيه قال: سمعت أبي مالك بن سنان يقول: جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم- ونحن يومئذ في هدنة من الحرب- فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظلّ خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم، فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي- كالمستهزئ به-: ما صفته؟ قال:
رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه، وهذا البلد مهاجره، قال: فرجعت إلى قومي بني خدرة. وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟
كل يهود يثرب تقول هذا. قال أبي مالك بن سنان: فخرجت حتى جئت قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الّذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذا مهاجره.
قال أبو سعيد: فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة، أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لو أسلم الزبير وذووه من رؤساء يهود لأسلّم كلهم، إنما هم له تبع.
وقال عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مسلمة قال: لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع فسمعته يقول:
وإني لغلام في إزار قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت، ثم أشار بيده إلى بيت اللَّه، فمن أدركه فليصدقه، فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا، ولم يسلّم حسدا وبغيا.
وعن عبد اللَّه بن سلام قال: ما تمت سبع حتى صدق بالنبيّ صلى الله عليه وسلم أحمد لما كان يهود يثرب يخبرونه، وأن تبع مات مسلما. وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه:
كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبّئ، وأنه لا نبي بعده، اسمه أحمد، مهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة ونزلها أنكروه وحسدوا وبغوا.
وعن زياد بن لبيد أنه كان على أطم من آطام المدينة فسمع: يا أهل يثرب!! - ففزع عنا وفزع الناس-: قد ذهبت واللَّه نبوة بني إسرائيل، هذا نجم طلع بمولد أحمد، وهو نبي آخر الأنبياء، ومهاجره إلى يثرب.
وقال داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن عن الحرث بن خزمة قال: كان يهود المدينة ويهود خيبر ويهود فدك يخبرون بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه خارج [من نحو هذا البيت][ (1) ] ، وأن مهاجره إلى يثرب واسمه أحمد، وأنه يقتلهم قتل الذّر حتى يدخلهم في دينه، وأنه ينزل عليه كتاب اللَّه كما نزل على موسى التوراة، ويخبرون بصفته، فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أنكروه وحسدوه.
[ (1) ] زيادة للسياق.
وقال مسلم بن يسار عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: ما كان في الأوس والخزرج رجل أوصف لمحمد صلى الله عليه وسلم منه- يعني من بني عامر- كان يألف اليهود ويسائلهم عن الدين، ويخبرونه بصفة رسول اللَّه، وأنّ هذه دار هجرته، ثم خرج إلى يهود تيماء فأخبروه بمثل ذلك، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى، فأخبروه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن مهاجره يثرب.
فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين الحنفية، فأقام مترهبا لبس المسوح، وزعم أنه على دين إبراهيم عليه السلام، وأنه ينتظر خروج النبي، فلما ظهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة لم يخرج إليه، وأقام على ما كان عليه.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حسد وبغى ونافق، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! بم بعثت؟ فقال: بالحنفية، فقال: أنت تخلطها بغيرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
أتيت بها بيضاء، أين ما كان يخبرك الأحبار من اليهود والنصارى من صفتي؟ فقال:
لست بالذي وصفوا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: كذبت، فقال: ما كذبت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: الكاذب أمانة اللَّه وحيدا طريدا، قال: آمين،
ثم رجع إلى مكة فكان مع قريش يتبع دينهم، وترك ما كان عليه [ (1) ] .
وذكر محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة قال: هل تدري علام كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية [ (2) ] ، وأسد بن
[ (1) ](سيرة ابن هشام) : 3/ 128.
[ (2) ] قال إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن ابن إسحاق- وهو أحد رواه المغازي- عنه: أسيد بن سعية بضم الألف، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق- وهو قول الواقدي وغيره-: أسيد بفتحها، قال الدار الدّارقطنيّ: وهذا هو الصواب، ولا يصح ما قاله إبراهيم عن ابن إسحاق.
وبنو سعية هؤلاء، فيهم أنزل اللَّه عز وجل: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [113- 115: آل عمران]، وسعية أبوهم يقال له: ابن العريض، وهو بالسين المهملة، والياء المنقوطة باثنتين.
وأما سعنة بالنون، فزيد بن سعنة، حبر من أحبار اليهود، كان قد داين النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه يتقاضاه قبل الأجل، فقال: ألا تقضيني يا محمد؟! فإنكم يا بني عبد المطلب مطل، وما أردت إلا
عبيد، نفر من بني [هدل][ (1) ] ، [أو هذيل، أتوا بني قريظة، فكانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإسلام، قال: قلت: لا، قال: فإن رجلا من يهود أهل الشام، يقال له: ابن الهيّبان][ (2) ]، قدم علينا قبيل الإسلام [بسنوات] [ (3) ] فحل بين أظهرنا [قال لي:] [ (4) ] واللَّه ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا أقحطنا [ (5) ] قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق، فيقول: لا واللَّه حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فيقولون [ (6) ] :
كم؟ فيقول: صاع [ (6) ] من تمر أو مدان [ (6) ] من شعير [عن كل إنسان حي][ (7) ]، قال: فنخرجها، فيخرج بنا إلى ظاهر حرّتنا فيستسقي لنا، فو اللَّه ما يبرح مجلسه حتى تمرّ [السحاب الشراج سائله][ (8) ] ونسقي [به][ (9) ] ، فعل [ (10) ] ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث [ (11) ]، قال: ثم حضرته الوفاة [عندنا][ (12) ]، فلما عرف أنه ميت قال: أيا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض الجوع والبؤس؟ قال: قلنا: إنك [ (13) ] أعلم، قال: فأني قدمت هذا [ (14) ] البلد
[ () ] أعلم علمكم، فارتعد عمر، ودار، كأنه في فلك، وجعل يلحظ يمينا وشمالا، وقال: تقول هذا لرسول اللَّه يا عدوّ اللَّه؟!
فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنا إلى غير هذا منك أحوك يا عمر: أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التّبعة، قم فاقضه عني، فو اللَّه ما حلّ الأجل، وزده عشرين صاعا بما روعته.
وفي حديث آخر أنه قال: دعه، فإن لصاحب الحق مقالا، ويذكر أنه أسلم لما رأى من موافقة وصف النبي صلى الله عليه وسلم لما كان عنده في التوراة، وكان يجده موصوفا بالحلم، فلما رأى من حلمه ما رأى أسلم، وتوفي غازيا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. ويقال في اسمه: سعية بالياء كما في الأول، ولم يذكره الدار الدّارقطنيّ إلا بالنون.
[ (1) ] في (خ) : «وهل» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (2) ] في (خ) : السياق مضطرب فيما يبين الحاصرتين، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق، والهيّبان: من المسمين بالصفات، يقال: قطن هيّبان: أي منتفش، والهيبان: أيضا الجبان.
[ (3) ] في رواية ابن إسحاق: «بسنين» .
[ (4) ] زيادة من رواية ابن إسحاق.
[ (5) ] في رواية ابن إسحاق: «فكنا إذا قحط عنا المطر» .
[ (6) ] في رواية ابن إسحاق: «فنقول» ، «صاعا» ، «مدّين» .
[ (7) ] ما بين الحاصرتين ليس في رواية ابن إسحاق.
[ (8) ] ما بين الحاصرتين ليست في رواية ابن إسحاق.
[ (9) ] زيادة من (خ) .
[ (10) ] في رواية ابن إسحاق: «قد فعل» .
[ (11) ] في (خ) : «ثلاثا» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق، وهو حق اللغة.
[ (12) ] زيادة من رواية ابن إسحاق.
[ (13) ] في (خ) : «اللَّه أعلم» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق.
[ (14) ] في رواية ابن إسحاق: «هذه البلدة» .
أتوكف [ (1) ] خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلدة مهاجره، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقنّ [ (2) ] إليه يا معاشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.
فلما بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة، قال: هؤلاء الفتية- كانوا شبابا أحداثا-: يا بني قريظة، واللَّه إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا، فأحرزوا دماءهم وأموالهم [وأهليهم][ (3) ] .
وقال ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ منهم [ (4) ]، قال:
قالوا: فينا واللَّه وفيهم نزلت هذه القصة، كنا قد علوناهم ظهرا في الجاهلية- ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب- فكانوا يقولون: إن نبيا يبعث الآن نتبعه قد أظلّ زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث اللَّه رسوله من قريش واتّبعناه كفروا به، يقول اللَّه تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ، إلى قوله: عَذابٌ مُهِينٌ [ (5) ] .
وعن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول اللَّه قبل مبعثه، فلما بعثه اللَّه من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور: يا معشر يهود، اتقوا اللَّه وأسلموا، قد كنتم تستفتحون علينا بمحمد وإنا أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم: ما هو بالذي كنا نذكر لكم، ما جاءنا بشيء نعرفه! فأنزل اللَّه تعالى في ذلك من قولهم ولما
[ (1) ] التوكف: التوقع والانتظار، وفي حديث ابن عمير: أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي ينتظرونها ويسألون عنها. وفي التهذيب: أي يتوقعونها، فإذا مات الميت سألوه: ما فعل فلان وما فعل فلان؟ يقال:
هو يتوكف الخبر أي يتوقعه، ونقول: ما زلت أتوكفه حتى لقيته. (لسان العرب) : 9/ 364.
[ (2) ] في (خ) : «يسبقنكم» .
[ (3) ] في (خ)«وأهاليهم» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق فهي أجود، وبها جاء التنزيل: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [6: التحريم](سيرة ابن هشام) : 2/ 39- 40 وهامشهما، وفي آخر هذا الأثر قال ابن إسحاق:(فهذا ما بلغنا من أخبار يهود) .
[ (4) ] في رواية ابن إسحاق: «عن رجال من قومه» .
[ (5) ] هذا الأثر مختصر من رواية ابن إسحاق، (سيرة ابن هشام) : 2/ 37.
جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ (1) ] .
وقال عطاء والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنه: كانت يهود [بني][ (2) ] قريظة و [بني][ (2) ] النضير من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون- يدعون- على الذين كفروا يقولون: اللَّهمّ إنا نستنصرك بحق النبي الأمي ألا تنصرنا عليهم فينصرون، فلما جاءهم ما عرفوا- يريد محمدا صلى الله عليه وسلم ولم يشكوا فيه- وكانوا يتمنونه ويقولون لجميع العرب: هذا محمد قد أظلنا، هذا أوان مجيئه، واللَّه لنقتلنكم معه قتل عاد وإرم، وكان الناس من لدن اليمن إلى الشام وجميع الدنيا قد عظموا شأن قريظة والنضير لخصال كثيرة: أنهم أهل كتاب وأحبار ورهبان وربانيون، لكثرة الأموال التي كانت لهم، ولأنهم كانوا من ولد هارون عليه السلام، وكان الناس يرغبون إليهم، ويسألونهم عن الدين، وكانوا إذا استنصروا على أحد من العرب استنصروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ويذكرونه بالجميل.
عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يهود أهل المدينة قبل قدوم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة يستفتحون عليهم، يستنصرون يدعون عليهم باسم نبي اللَّه فيقولون: اللَّهمّ ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك، وبكتابك الّذي تنزل عليه، وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان، وكانوا يرجون أن يكون منهم، فكانوا إذا قالوا ذلك نصروا على عدوهم.
وعن قتادة قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب يقولون: اللَّهمّ ابعث النبي الّذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم، فلما بعث اللَّه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم كفروا به حين رأوه بعث من غيرهم، حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول اللَّه.
وعن ابن أبي نجيح عن علي البارقيّ في قوله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أن اليهود كانوا يقولون: اللَّهمّ ابعث هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، يستفتحون ويستكثرون على الناس.
[ (1) ] 89: البقرة.
[ (2) ] زيادة للسياق والبيان.
وقال قتادة عن كعب الأحبار: كان سبب استنقاذ بني إسرائيل من أرض بابل، رؤيا بخت نصّر، فإنه رأى رؤيا فزع منها، فدعا كهنته وسحرته فأخبرهم بما أصابه من الكرب في رؤياه، وسألهم أن يعبروها له، فقالوا: قصّها علينا، قال: قد نسيتها! فأخبروني بتأويلها، قالوا: فإنا لا نقدر حتى تقصها علينا، فغضب وقال:
اخترتكم واصطفيتكم لمثل هذا، أذهبوا فقد أجلتكم ثلاثة أيام، فإن أتيتموني بتأويلها وإلا قتلتكم! وشاع ذلك في الناس، فبلغ دانيال وهو محبوس، فقال لصاحب السجن وهو إليه محسن: هل لك أن تذكرني للملك؟ فإن عندي [تأويل][ (1) ] رؤياه، وإني أرجو أن تنال عنده بذلك منزلة، ويكون سبب عافيتي، قال له صاحب السجن: إني أخاف عليك سطوة الملك، لعل غم السجن حملك على أن تتروح بما ليس عندك فيه علم، مع أني أظن إن كان أحد عنده في هذه الرؤيا علم فأنت هو، قال دانيال: لا تخف عليّ فإن لي ربا يخبرني بما شئت من حاجتي، فانطلق صاحب السجن فأخبر بخت نصّر بذلك، فدعا دانيال فأدخل عليه- وكان لا يدخل عليه أحد إلا سجد- فوقف دانيال فلم يسجد، فقال الملك لمن في البيت: اخرجوا، فخرجوا، فقال بخت نصّر لدانيال: ما منعك أن تسجد لي؟ قال دانيال: إن لي ربا آتاني هذا العلم الّذي سمعت به على أن لا أسجد لغيره، فخشيت أن أسجد لك فينسلخ عني هذا العلم، ثم أصير في يدك أميا لا ينتفع بي فتقتلني، فرأيت ترك سجدة أهون من القتل، وخطر سجدة أهون من الكرب والبلاء الّذي أنت فيه، فتركت السجود نظرا إلى ذلك، فقال بخت نصّر: لم يكن قط أوثق في نفسي منك حين وفيت لإلهك، أعجب الرجال عندي الذين يوفون لأربابهم العهود، فهل عندك علم بهذه الرؤيا التي رأيت، قال نعم عندي علمها وتفسيرها، رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب، ووسطه من فضة، وسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته، قذفه اللَّه بحجر من
[ (1) ] زيادة للسياق.
السماء فوقع في قبة رابية فدقه حتى طحنه، فاختلط ذهبه وفضته، ونحاسه وحديدة وفخاره، حتى تخيل إليك أنه لو اجتمع جميع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك، ولو هبت ريح لأذرته، ونظرت إلى الحجر الّذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها، فصرت لا ترى إلا السماء والحجر، قال له بخت نصّر: صدقت! هذه الرؤيا التي رأيت، فما تأويلها؟ قال دانيال: أما الصنم فأمم مختلفة في أوّل الزمان وفي أوسطه وفي آخره، وأما الذهب فهذا الزمان وهذه الأمة التي أنت فيها وأنت ملكها، وأما الفضة فابنك يملكها من بعدك، وأما النحاس فإنه الروم، وأما الحديد ففارس، وأما الفخار فأمتان يملكها من بعدك امرأتان: إحداهما في مشرق اليمن والأخرى في غربي الشام، وأما الحجر الّذي قذف به الصنم فدين يقذف اللَّه به هذه الأمم في آخر الزمان ليظهره عليها، فيبعث اللَّه نبيا أميا من العرب فيدوّخ اللَّه به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوّخ أصناف الصنم، ويظهره على الأديان والأمم، كما رأيت الحجر ظهر على الأرض وانتشر فيها حتى يملأها، فيمحص اللَّه به الحق ويزهق الباطل، ويهدي [به][ (1) ] أهل الضلالة، يعلم به الأميين، ويقوي به الضعيف ويعزّ به الأذلاء، وينصر به المستضعفين. قال بخت نصّر: ما أعلم أحدا استعنت منذ وليت الملك على شيء غلبني غيرك، ولا أحد له عندي يدا أعظم من يدك، وأنا جازيك بإحسانك.. وذكر القصة.
ورويت هذه القصة أيضا عن وهب بن منبه، وقال ابن إسحاق: كان فيما بلغني عما وضع عيسى ابن مريم عليه السلام فيما جاءه من اللَّه تعالى لأهل الإنجيل في الإنجيل من صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [ (2) ] : اللَّهمّ [ (3) ] من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتكم [ (4) ] صنائع ما كانت لكم [ (5) ] خطيئة، ولكن [من][ (6) ] الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني ولكن لا بدّ أن تتم الكلمة [ (7) ] التي في الناموس أنهم
[ (1) ] زيادة للسياق، (دلائل أبي نعيم) : 1/ 83- 85، حديث رقم (44) تفرد به أبو نعيم.
[ (2) ] [مما أثبت يحنّس الحواري لهم، حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم عليه السلام في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال: من أبغضني
…
] ما بين الحاصرتين تكملة من رواية ابن إسحاق.
[ (3) ] زيادة في (خ) .
[ (4) ] في رواية ابن إسحاق: «بحضرتهم لم يصنعها أحد قبلي ما كانت..» .
[ (5) ]«لهم»
[ (6) ] زيادة للسياق من رواية ابن إسحاق. في (خ) : «المملكة» .
[ (7) ] في (خ) : «فجاءوا» .
أبغضوني [مجّانا][ (1) ] ، أي باطلا، فلو قد جاء المنحمنّا [هذا][ (2) ] الّذي أرسله اللَّه إليكم من عند الرب وروح القدس هذا الّذي من عند الرب خرج [ (3) ] ، فهو شهيد [ (4) ] عليّ وأنتم أيضا، لأنكم قديما كنتم معي [في] [ (2) ] هذا قلت لكم كي لا تشكوا. قالوا: والمنحمنّا بالسريانية محمد، وهو بالرومية البرقليطس [ (5) ] ، صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي بعض أهل العلم، أنه وجد عند حبر من أحبار يهود عهدا من كتاب إبراهيم خليل الرحمن فيه:(مود مود)، فقلت له: أنشدك باللَّه ما هذان الحرفان؟ قال: اللَّهمّ عمّر من ذكر محمد. وحدثني علي بن نافع الجرشيّ قال: قرأت في بيت مجرش كتابا كتبه الحبشة حين ظهروا على اليمن- وكانوا نصارى أهل كتاب-: مصلحا محمدا رشيدا أمما. وقال زياد: سيد الأمم.
وقال الواقدي: حدثني محمد بن سعيد الثقفي، وعبد الرحمن بن عبد العزيز ابن عبد اللَّه بن عثمان بن سهل بن حنيف، وعبد الملك بن عيسى الثقفي، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلي بن كعب الثقفي، ومحمد بن يعقوب بن عتبة عن أبيه وغيرهم، كل قد حدثني من هذا الحديث طائفة، قال: قال المغيرة بن شعبة في خروجه إلى المقوقس مع بني مالك أنهم لما دخلوا على المقوقس قال لهم: كيف خلصتم إليّ ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: لصقنا بالبحر وقد خضناه على ذلك، قال: فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه؟ قالوا: ما تبعه منا رجل واحد، قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين مجدد لا يدين به الآباء ولا يدين به الملك، ونحن على ما كان عليه آباؤنا، قال: فكيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خالفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن: مرة تكون عليهم الدبرة، ومرة تكون له.
قال: ألا تحدثونني وتصدقونني؟ إلى ماذا يدعو؟ قالوا: يدعو إلى أن يعبد اللَّه وحده لا شريك له، ونخلع ما كان يعبد الآباء، ويدعو إلى الصلاة والزكاة، قال: وما الصلاة والزكاة؟ ألهما وقت يعرف وعدد ينتهى إليه؟ قال: يصلون
[ (1) ] في (خ) : «فجاءوا» .
[ (2) ] زيادة للسياق.
[ (3) ] في (خ) : «يخرج» .
[ (4) ] في (خ) : «وهو يشهد» .
[ (5) ] في (خ) : «البلقليطس» ، وما أثبتناه من رواية ابن إسحاق (سيرة ابن هشام) : 2/ 63- 64، باب صفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل.
في اليوم والليلة خمس صلوات كلها لمواقيت، وعدد قد سموه له، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالا نصف دينار، وكل إبل بلغت خمسا شاة، قال: ثم أخبروه بصدقة الأموال كلها.
قال: أفرأيتم إذا أخذها أين يضعها؟ قال: يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم ووفاء العهد وتحريم الزّنا والرّبا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير اللَّه. قال:
هو نبي مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى ابن مريم، وهذا الّذي تصفون منه بعثت به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد فيظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر ومقطع النحور، ويوشك قومه أن يدافعونه بالراح.
قال: فقلنا لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا، قال: فأخفض رأسه وقال:
أنتم في اللعب!؟ قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسبا، قال:
كذلك والمسيح، الأنبياء تبعث في نسب قومها، قال: فكيف صدق حديثه؟ قال:
قلنا: ما يسمى إلا الأمين من صدقه، قال: انظروا في أمركم، أترونه يصدق فيما بينكم وبينه ويكذب على اللَّه؟.
قال: فمن اتبعه؟ قلنا: الأحداث، قال: هم والمسيح أتباع الأنبياء قبله، قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة؟ قلنا: خالفوه فأوقع بهم وسباهم وتفرقوا في كل وجه، قال: هم قوم حسّد حسدوه، أما إنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف.
قال المغيرة: فقمنا من عنده وقد سمعنا كلاما ذللنا لمحمد صلى الله عليه وسلم وخضعنا وقلنا:
ملوك العجم يصدقونه ويخافونه في بعد أرحامهم منه، ونحن أقرباؤه وجيرانه لم ندخل معه وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا؟.
قال المغيرة: فرجعت إلى منزلنا فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها، وسألت أساقفتها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان أسقف من القبط هو رأس الكنيسة، أبى [يحسر][ (1) ] كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم، لم أر أحدا إلا يصلي الصلوات الخمس أشدّ اجتهادا منه، فقلت: أخبرني هل بقي أحد من الأنبياء؟ قال: نعم، وهو آخر الأنبياء ليس بينه وبين عيسى ابن مريم أحد، وهو نبي قد أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربيّ، اسمه أحمد.
ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، ليس بالأبيض ولا بالآدم، يعفي شعره ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزئ بما لقي من الطعام، سيفه على عاتقه، ولا يبالي بمن لاقى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم، هم له أشد حبا من أولادهم وآبائهم، يخرج من أرض القرظ، ومن حرم يأتي وإلى حرم يهاجر إلى أرض سباخ ونخل، يدين بدين إبراهيم عليه السلام.
قال المغيرة بن شعبة: زدني في صفته، قال: يأتزر على وسطه، يغسل أطرافه، ويحض بما لا يحض به الأنبياء قبله، كان النبي يبعث إلى قومه وبعث إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى، ومن كان قبله مشدّدا عليهم، لا يصلون إلا في الكنائس والبيع، قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره وما سمعت من ذلك.
فذكر الواقدي [ (2) ] حديثا طويلا في رجوعه من عند المقوقس ومجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: فأسلمت ثم أخبرته صلى الله عليه وسلم عن مخرجنا من الطائف وقدومنا الإسكندرية، وأخبرته بما قال الملك وما قال الأساقفة الّذي كنت أسائلهم وأسمع منهم ومن رؤساء القبط والروم فأعجب ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأحب أن يسمعه أصحابه، فكنت أحدثهم ذلك في اليومين والثلاثة.
وخرج الحسن بن سفيان من حديث ملازم بن عمرو، حدثنا عبد اللَّه بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه قال: خرجنا وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ منه
[ (1) ] هذه الكلمة غير واضحة في (خ) ، ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ (2) ](المغازي) : 3/ 964- 965.
ومضمض منه وصبّ لنا في إداوة ثم قال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعكم وانضحوا مكانها من هذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، قلنا: إن البلد [بعيد][ (1) ] والحر شديد والماء ينشف، قال: فأمدّوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبا،
قال: فخرجنا وتشاححنا على حمل الإداوة أينا يحملها؟ فجعلها نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم بيننا نوبا، على كل رجل يوما وليلة، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، ففعلنا الّذي أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم وراهبنا يومئذ من طيِّئ- فأذّنا، فقال الراهب لما سمع الأذان:
دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا [ (2) ] ثم هرب فلم ير بعد [ (3) ] .
وللطبراني من حديث يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم بن كليب قال: حدثني أبي قال: أخبرني الفلتان بن عاصم قال: كنا قعودا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد فشخص بصره إلى رجل يمشي في المسجد فقال: أفلان، قال: لبيك يا رسول اللَّه- ولا ينادي الكلام إلا قال برسول اللَّه- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال: لا! قال: أتقرأ في التوراة؟
قال: نعم، قال: والإنجيل؟ قال: نعم، قال: والقرآن؟ قال: لا، قال: والّذي نفسي بيده لو تشاء لقرأته، قال: ثم ناشده: هل تجدني في التوراة والإنجيل؟ فقال:
سأحدثك مثلك ومثل هيئتك ومخرجك، وكنا نرجو أن تكون منّا، فلما خرجت تخوفنا أن تكون هو أنت، فنظرنا فإذا ليس هو أنت! قال: فلم ذاك، قال: إن معه من أمته سبعين ألفا ليس عليهم حساب ولا عذاب، وإنما معك نفر يسير، قال: فو الّذي نفسي بيده لأنا هو، إنهم لأمتي، وإنهم لأكثر من سبعين ألفا،
وقد بشر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كعب بن لؤيّ بن غالب كما ستراه في أخباره.
وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن جدعان عن سعيد بن المسيب قال:
بينما العباس في زمزم إذ جاء كعب الأحبار فقال له العباس: ما منعك أن تسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى أسلمت الآن في عهد عمر رضي الله عنهم؟
[ (1) ] في (خ) : «ببعد» .
[ (2) ] التلعة: ما ارتفع من الأرض وما انخفض منها، فهي من أسماء الأضداد.
[ (3) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 90- 91، حديث رقم (47) قال في (الخصائص) : 1/ 217: أخرجه ابن أبي شيبة، وابن سعد، والبيهقي، وأخرجه أيضا النسائي في كتاب المساجد من طريق رجاله ثقات.
فقال: إن أبي كتب لي كتابا من التوراة ودفعه إليّ وقال: اعمل بهذا واتبعه، وأخذ علي حق الوالد على الولد أن لا أفضّ هذا الخاتم، وختم على سائر كتبه، فلما رأيت الإسلام قد ظهر ولم أر إلا خيرا قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عليك علما، ففضضت هذا الخاتم فإذا فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فجئت الآن وأسلمت. وقد تقدم في ذكر حلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصفحه، حديث إسلام زيد بن سعنة، وفيه:
قال زيد: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد سوى آيتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما.
وخرّج ابن حبان من حديث أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد [ (1) ] قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام:
قد خرج نبي في بلدك أو هو خارج قد خرج نجمه، فارجع فصدّقه واتّبعه وآمن به.
ولأبي نعيم من حديث سلمة بن كهيل عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، عن دحية الكلبي قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر صاحب الروم بكتاب، فاستأذنت فقلت: استأذنوا لرسول رسول اللَّه، فأتى قيصر فقيل: إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول اللَّه، ففزعوا لذلك وقال: أدخلوه، فدخلت عليه وعنده بطارقته، فأعطيته الكتاب فقرئ عليه فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه إلى قيصر صاحب الروم، فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط الشعر فقال:
لا يقرأ الكتاب اليوم، لأنه بدأ بنفسه، وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم، قال: فقرئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم قيصر فخرجوا من عنده ثم بعث إليّ فدخلت إليه فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأسقف فدخل عليه وكان صاحب أمرهم يصدرون عن قوله ورأيه، فلما قرأ الكتاب قال الأسقف: هو واللَّه الّذي بشرنا به عيسى وموسى الّذي كنا ننتظره، قال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأسقف: أما أنا فإنّي مصدقه ومتبعه، فقال قيصر: إني أعرف أنه كذلك، ولكن
[ (1) ] مرويات أسامة بن زيد في (صحيح ابن حبان)(16) حديثا ليس من بينها هذا الحديث- ر:
(الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) : 18/ 97 (فهرس الرواة) .
لا أستطيع أن أفعل، فإن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم [ (1) ] .
وله من حديث العلاء بن الفضل بن أبي سوية بن خليفة قال: حدثني أبي عن جده أبي سوية بن خليفة- وكان خليفة مسلما- قال: سألت محمد بن عدي ابن ربيعة بن سوادة بن حبتم بن سعد فقلت كيف سماك أبوك محمدا؟ فضحك ثم قال: أخبرني- أي عدي بن ربيعة- قال: خرجت أنا وسفيان بن مجاشع ويزيد ابن ربيعة وأسامة بن مسكة نريد ابن جفنة، فلما قربنا منه نزلنا إلى شجرات وغدير فقلنا: لو اغتسلنا وادهنا ولبسنا ثيابنا من قشف السفر، فجعلنا نتحدث فأشرف علينا ديراني [ (2) ] من قائم له فقال: إني أسمع بلغة قوم ليس بلغة أهل هذه البلاد، قلنا: نحن قوم من مضر، قال: من أي المضريين؟ قلنا: من خندف [ (3) ]، قال:
إنه سيبعث وشيكا نبي منكم فخذوا نصيبكم منه تسعدوا، قلنا: ما اسمه؟ قال:
محمد.
فأتينا ابن جفنة فقضينا حاجتنا ثم انصرفنا، فولد لكل رجل منا ابن فسماه محمدا يدور على ذلك الاسم [ (4) ] .
[ (1) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 101- 102، حديث رقم (53)، وقال الحافظ في (الفتح) :«وأخرجه ابن إسحاق مرسلا عن بعض أهل العلم» ، (سيرة ابن هشام) : 6/ 14، هامش (1) ، (2)، (مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة) : 35- 37، (المصباح المضيء) :
2/ 68- 71، (الاستيعاب) : 2/ 461 ترجمة دحية الكلبي رقم (701) .
[ (2) ] الديرانيّ: صاحب الدير، أو المقيم فيه، نسبة إلى الدّير، على غير قياس.
[ (3) ] خندف: هي ليلى بنت حلوان بن عمران، زوجة إلياس بن مضر والد مدركة، قال مجد الدين الفيروزآبادي في (القاموس المحيط) : 2/ 115: خرج إلياس في نجعة فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها ابنه عمرو فأدركها، وخرج عامر- ابنه الثاني- فتصيدها وطبخها، وانقمع عمير. ابنه الثالث في الخباء، وخرجت أمهم- تسرع، فقال لها إلياس: أين تخندفين؟ فقالت: ما زلت أخندف في أثركم، فلقبوا: مدركة، وطابخة، وقمعة، وخندف.
[ (4) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 93- 94، حديث رقم (49) ، والحديث أخرجه البيهقي والطبراني، والخرائطي في (الهواتف) - ر:(الخصائص) : 1/ 57، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : رواه البغوي وابن سعد، وابن شاهين، وابن السكن وغيرهم. وقال في (الإصابة) :
هو من طريق العلاء بن الفضل بن أبي سويّة المنقري، حدثني أبو الفضل بن عبد الملك، عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية، عن أبيه أبي سوية، عن أبيه خليفة بن عبدة. قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) : 8/ 232: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم.
وسيأتي في التعريف لعبد المطلب ذكر اليهودي الّذي نظر في أنفه وقال له: أرى في إحدى يديك ملكا وفي أنفك نبوة، وذكر وفادته على سيف بن ذي يزن وإخباره إياه أنه يولد له ولد اسمه محمد، وبشّر بنبوته.
قال أبو بكر بن عبد اللَّه بن الجهم عن أبيه عن جده قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش فقلت: إني رأيت الليلة وأنا نائم كأن شجرة نبتت من ظهري قد نال رأسها السماء، وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها، أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا.
ورأيت العرب والعجم ساجدين لها، وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا، ساعة تختفي وساعة تزهر.
ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخّرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا، فقلت: لمن النصيب؟ فقال: لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها.
فانتبهت مذعورا فزعا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب، يدين له الناس، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج، ويقول: كانت الشجرة أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به فيقول: السبّة والعار [ (1) ] !!.
عن الحرث بن عبد اللَّه الأزدي قال: لما نزل أبو عبيدة اليرموك وضم إليه قواصيه وجاءتنا جموع الروم فذكر أن ماهان صاحب جيش الروم بعث رجلا من كبارهم وعظمائهم يقال له: جرجير إلى أبي عبيدة بن الجراح، فأتى أبا عبيدة فقال:
إني رسول ماهان إليك، وهو عامل ملك الروم على الشام، وعلى هذه الحصون،
[ (1) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 99- 100، حديث رقم (51) ، انفرد به أبو نعيم، وفيه خالد بن إلياس، متروك الحديث، (البداية والنهاية) : 2/ 387- 388.
وهو يقول لك: أرسل إلى الرجل الّذي كان قبلك أميرا، قد ذكر لي أن ذلك الرجل له عقل وله فيكم حسب، وقد سمعنا أن ذوي الأحساب أفضل عقولا من غيرهم، فنخبره بما نريد، ونسأله عما تريدون، فإن وقع بيننا وبينكم أمر لنا فيه ولكم صلاح أخذنا الحظ من ذلك وحمدنا اللَّه عليه، وإن لم يتفق ذلك بيننا وبينكم فإن القتال من وراء ما هناك.
فدعا أبو عبيدة خالدا فأخبره بالذي جاء فيه الروميّ وقال لخالد: ألقهم فادعهم إلى الإسلام، فإن قبلوا وإلا فافرض عليهم الجزية، فإن أبوا فأعلمهم أنا سنناجزهم حتى يحكم اللَّه بيننا وبينهم. قال: وجاءهم رسولهم الرومي عند غروب الشمس فلم يمكث إلا يسيرا حتى حضرت الصلاة فقام المسلمون يصلون، فلما قضوا صلاتهم قال خالد للرومي: قد غشينا الليل، ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبك إن شاء اللَّه، فارجع إليه فأعلمه.
فجعل المسلمون ينتظرون الرومي أن يقوم إلى صاحبه فيرجع إليه ويخبره بما اتعدوا عليه، فأخذ الرومي لا يبرح وينظر إلى رجال من المسلمين وهم يصلون فيدعون اللَّه ويتضرعون إليه، ثم أقبل على أبي عبيدة فقال: أيها الرجل! متى دخلتم هذا الدين ومتى دعوتم الناس إليه؟ فقال: منذ بضع وعشرين سنة، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول، ومنا من أسلم بعد ذلك.
فقال: هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتي من بعده رسول؟ قال: لا، ولكن أخبرنا أنه لا نبي بعده، وأخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه، قال الرومي، وأنا على ذلك من الشاهدين، وأن عيسى قد بشرنا براكب الجمل، وما أظنه إلا صاحبكم، فأخبرني هل قال صاحبكم في عيسى شيئا؟ وما قولكم أنتم فيه؟.
قال أبو عبيدة: قول صاحبنا هو قول اللَّه وهو أصدق القول وأبرّه: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ (1) ]، وقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [ (2) ] إلى قوله: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ.
[ (1) ] 59: آل عمران.
[ (2) ] 171: النساء.
قال: ففسّر له الترجمان هذا بالرومية، فقال: أشهد أن هذا صفة عيسى نفسه، وأشهد أن نبيكم صادق، وأنه الّذي بشرنا به عيسى وأنكم قوم صدق، وقال لأبي عبيدة: أدع لي رجلين من أوائل أصحابك إسلاما هما فيما ترى أفضل.
فدعا له معاذ بن جبل وسعيد بن جبير وزيد بن عمرو بن نفيل، فقيل له:
هذا من أفضل المسلمين فضلا ومن أوائل المسلمين إسلاما، فقال لهم الرومي:
أتضمنون لي الجنة إن أنا أسلمت وجاهدت معكم؟ قالوا: نعم، إن أنت أسلمت واستقمت ولم تغيّر حتى تموت وأنت على ذلك فإنك من أهل الجنة، قال: فإنّي أشهدكم أني من المسلمين، فأسلّم، ففرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ودعوا له بخير.
وخرج أبو نعيم من حديث أبي بشر محمد بن عبيد اللَّه قال: حدثني عطاء بن عجلان عن بهز بن حوشب عن كعب بن ماتع الحميري أن إسلامه كان [عند] مقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام، وأخبرني كيف كان بدء أمره، قال:
إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل اللَّه على موسى عليه السلام، وكان لم يدخر عني شيئا مما كان يعلم.
فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني! إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما نبي يبعث قد أظل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك ولا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينت عليهما، لا تعرض لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا، فإنّ اللَّه إن يرد بك خيرا ويخرج ذلك الّذي تتبعه.
قال: ثم إنه مات فدفناه، ولم يكن شيء أحب إلي من أن يكون المأتم قد انقضى حتى انظر ما في الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة، ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول اللَّه، خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجرة بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ويجزئ بالسيئة الحسنة، ويعفو ويصفح.
أمته الحمادون الذين يحمدون اللَّه على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في
صدورهم، وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
قال: فلما قرأت ذلك قلت في نفسي: وهل علمني أبي شيئا هو خير لي من هذا؟ فمكثت ما شاء اللَّه، ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة وهو يظهر مرة ويستخفي أخرى فقلت: هو ذا، فلم يزل كذلك حتى قيل لي: قد أتى المدينة، فقلت في نفسي إني لأرجو أن يكون إياه، وكانت تبلغني وقائعه: مرة له، ومرة عليه، ثم بلغني أنه توفى، فقلت في نفسي: لعله ليس بالذي كنت أظن حتى بلغني أن خليفته قد قام مقامه، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده، فقلت في نفسي:
لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أنهم هم الذين أرجو وانظر سيرتهم وأعمالهم.
فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع اللَّه لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دينهم، فو اللَّه إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول اللَّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ (1) ]، قال:
فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبّ إليّ من الصباح فغدوت على المسلمين.
قال: وحدثني عطاء عن شهر بن حوشب عن كعب قال: قلت لعمر رضي الله عنه بالشام عند انصرافه أنه مكتوب في الكتب: أن هذه البلاد التي كان بنو إسرائيل أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، سره مثل علانيته، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد سواء في الحق عنده، أتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار، متراحمون متواضعون متبارون، فقال عمر رضي الله عنه: ثكلتك أمك! أهو ما تقول؟ فقال: إي والّذي يسمع ما أقول، فقال:
الحمد للَّه الّذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا ورحمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
[ (1) ] 47: النساء.
وله من حديث المسعودي عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد عن أبيه، عن جده سعيد بن زيد، أن زيد بن عمرو وورقة ابن نوفل خرجا يلتمسان الدين، حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ قال: من بيت إبراهيم، قال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين، قال:
ارجع فإنه يوشك أن يظهر الّذي تطلب في أرضك، فرجع وهو يقول: لبيك حقا حقا، تعبّدا ورقّا، البرّ أبغي لا الحال، وهو كمن قال: آمنت بما آمن به إبراهيم وهو يقول: أبقي لك فإنّي واهم، مهما تجشمني فإنّي جاشم، ثم يخر فيسجد.
وله من حديث النضر بن مسلمة قال: حدثنا محمد بن موسى أبو غزية، عن علي بن عيسى بن جعفر عن أبيه عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه عامر ابن ربيعة العدوي قال: لقيت زيد بن عمرو بن نفيل وهو خارج من مكة يريد حراء يصلي فيها، وإذا هو قد كان بينه وبين قومه يوفي صدر النهار في ما أظهر من خلافهم، واعتزال آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم.
فقال زيد بن عمرو: يا عمر إني خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم خليل اللَّه وما كان يعبد وابنه إسماعيل من بعده، وما كانوا يصلون إلى هذه القبلة، وأنتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب اسمه أحمد، ولا أراني أدركه، فأنا يا عامر أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك يا عامر ما نعته حتى لا يخفى عليك، قلت: هلم.
قال: هو رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليس يفارق عينيه حمره، وهو خاتم النبوة واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فإنّي بلغت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم عليه السلام، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون: لم يبق نبي غيره.
قال عامر: فوقع في نفسي الإسلام من يومئذ، فلما تنبأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كنت حليفا في قومي، وكان قومي أقل قريش عددا، فلم أقدر على اتباعه ظاهرا فأسلمت
سرا، وكنت أخبرت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بما أخبرني به زيد بن عمرو فترحم عليه وقال:
قد رأيته في الجنة يسحب ذيلا له أو ذيولا له [ (1) ] .
وله من حديث أبي بكر الهذلي عن عكرمة بن عباس قال: قال العباس:
خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب منهم أبو سفيان بن حرب فقدمت اليمن، وكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبي سفيان والنفر، ويصنع أبو سفيان يوما ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومي الّذي كنت أصنع فيه: هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إليّ غداك؟ قلت: نعم.
فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت [إليه][ (2) ] الغداء، فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني فقال: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول اللَّه؟ قلت أيّ بني أخي؟ قال: إياي تكتم؟ وأيّ بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد، قلت: وأيهم؟ هو محمد بن عبد اللَّه؟.
قلت: قد فعل؟ قال: قد فعل [ (3) ]، وأخرج كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان: أخبرك أن محمدا أقام بالأبطح فقال: أنا رسول اللَّه أدعوكم إلى اللَّه، قال العباس: قلت: لعله يا أبا حنظلة صادق، فقال: مهلا يا أبا الفضل، فو اللَّه ما أحب أن تقول هذا، إني لأخشى أن تكون كنت على صبر من هذا الحديث، يا بني عبد المطلب إنه واللَّه ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة كل واحد منهما قامته، نشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟.
قلت: نعم قد سمعت، قال: فهذه واللَّه شؤمتكم، قلت: فلعلها يمنتنا، قال:
فما كان يبعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد اللَّه بن خرافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث وفيه حبر من أحبار اليهود، فقال له اليهودي: ما هذا الخبر؟! بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الّذي قال ما قال.
[ (1) ](دلائل أبي نعيم) : 1/ 100- 101، حديث رقم (52)، رواه ابن سعد في (الطبقات) : 1/ 161، والفاكهي بإسناده ثم ذكر الحديث. وانظر الإصابة أيضا، ويظهر أن إسناده عنده مقبول، و (الخصائص) : 1/ 61.
[ (2) ] في (خ) : «إلى» ، وما أثبتناه أجود للسياق.
[ (3) ] في (خ) : «بلى قد فعل» ، وما أثبتناه حق اللغة.
قال أبو سفيان: صدقوا، وأنا عمه، قال اليهودي: أخو أبيه؟ قال نعم، قال:
فحدثني عنه، قال: لا تسألني، ما كنت أحب أن يدعي هذا الأمر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه، فرأى اليهودي أنه يغمص عليه ولا يحب أن يعيبه، فقال: ليس به بأس على اليهود وتوراة موسى.
قال العباس: فنادى إلى الحبر فجئت وخرجت حتى جلست هذا المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان والحبر، فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمي عن رجل منا، زعم أنه رسول اللَّه فأخبرك أنه عمه وليس بعمه، ولكن ابن عمه، وأنا عمه وأخو أبيه، قال: أخو أبيه؟ قلت: أخو أبيه، فأقبل على أبي سفيان فقال:
صدق، قال نعم صدق، فقلت: سلني، فإن كذبت فيرده عليّ.
فقلت: نشدتك هل كانت لابن أخيك صبوة أو سفهة؟ قلت: لا، وإله عبد المطلب، ولا كذب ولا خان، وإن كان اسمه عند قريش الأمين، قال: هل كتب بيده؟ قال العباس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان أنه مكذّبي ورادّ عليّ، فقلت: لا يكتب، فوثب الحبر وترك رداءه وقال: ذبحت يهود وقتلت يهود.
قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك، قلت: قد رأيت، فهل لك أيا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقتك، وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك.
قال: لا أؤمن به حتى أرى الخيل في كذا، قلت: ما تقول؟ قال: كلمة جاءت على فمي إلا أني أعلم أن اللَّه لا ينزل خيلا تطلع من كذا.
قال العباس: فلما استفتح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل قد طلعت من كذا، قلت: يا أبا سفيان! تذكر الكلمة؟ قال: إي واللَّه، إني أذكرها، والحمد للَّه الّذي هداني للإسلام.
وله من حديث إسماعيل بن الطريح بن إسماعيل الثقفي قال: حدثني أبي عن عمران بن الحكم عن معاوية بن أبي سفيان عن أبيه قال: خرجت أنا وأمية بن معاوية
ابن أبي الصلت الثقفي تجارا إلى الشام، فكلما نزلنا منزلا أخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا، وكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاءوه وأكرموه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيوتهم، ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم الكتاب نسأله؟ قلت: لا أرب لي فيه، واللَّه لئن حدثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدثني بما أكره لأرحل منه.
قال: فذهب وخالفه فتى من النصارى فدخل عليه فقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلت: لست على دينه، قال: وإن، فإنك تسمع منه عجبا وتراه، ثم قال لي الثقفيّ: أنت قلت: لا، ولكني قريشيّ، قال: فما يمنعك من الشيخ؟ فو اللَّه إنه ليحبكم ويوصي بكم، قال: وخرج من عندنا ومكث أمية حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه ثم انحذل إلى فراشه، فو اللَّه ما نام ولا قام حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقه على صبوحه [ (1) ] ، ما يكلمنا وما نكلمه.
ثم قال: ألا ترحل؟ فرحلنا، فسرنا بذلك ليلتين من همه، ثم قال لي في الليلة الثالثة: ألا تحدث أبا سفيان؟ قلت: وهل بك من حديث؟ واللَّه ما رأيت مثل الّذي رجعت به من عند صاحبك، قال: أما إن ذلك شيء لست فيه، إنما ذلك شيء وجلت به من منقلبي، قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟
قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب، فضحك ثم قال: بلى واللَّه يا أبا سفيان لنبعثن ولنحاسبن، وليدخلن فريق الجنة وفريق النار، قلت: ففي أيهما أنت أخبرك صاحبك؟ قال: لا علم لصاحبي بذلك في ولا في نفسه.
قال: فكنا في ذلك ليلتين يعجب مني وأضحك منه، حتى قدمنا على غوطة دمشق فبعنا متاعنا فأقمنا شهرين وارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاءوه أهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاء بعد ما انتصف النهار، فلبس ثوبيه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ورمى بنفسه على فراشه، فو اللَّه ما نام ولا قام، وأصبح كئيبا حزينا لا يكلمنا ولا نكلمه.
[ (1) ] الغبوق: شراب اللبن في المساء، والصبوح: شرابه في الصباح، والمقصود هنا كناية عن الاضطراب وعدم الاتزان.
ثم قال: ألا نرحل؟ قلت: بلى إن شئت، فرحلنا لذلك [من بيته وحزبه] [ (1) ] ليالي ثم قال لي: يا أبا سفيان! هل لك في المسير فنقدم أصحابنا؟
فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة ثم قال: هيا صخر، قلت: ما تشاء، قال:
حدثني عن عتبة بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي واللَّه، قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟ قلت: أي واللَّه، قال: وكريم الطرفين وسيط في العشيرة؟
قلت: نعم، قال: فهل تعرف في قريش من هو أفضل منه؟ قلت: لا واللَّه ما أعلمه، قال: أمحوج؟ قلت: لا، بل هو ذو مالك كثير، قال: وكم أتى له من السن؟ قلت: قد زاد على المائة، قال: فالشرف والسن والمال أزرين به، قلت:
ولم ذلك يردى به؟ قال: لا واللَّه بل يزيده خيرا.
قال: هو ذاك، هل لك في المبيت؟ قلت: لي فيه، فاضطجعنا حتى مرّ الثقل، فسرنا على ناقتين نحيلتين حتى إذا برزنا قال: هيا صخر [ (2) ][عن][ (1) ] عتبة ابن ربيعة، قلت: هيا فيه، [] [ (3) ] قال: وذو مال؟ قلت: وذو مال، قال: أتعلم في قريش أسود [ (4) ] ؟ قلت: لا واللَّه ما أعلمه، قال: كم أتى له من السن؟ قلت قد زاد على المائة، قال: فإن الشرف والمال أزرين به، قلت: كلا واللَّه، ما أرى ذلك به وأنت قائل شيئا فقلته، قال: لا تذكر حديثي حتى يأتي منه ما هو آت، ثم قال: فإن الّذي رأيت أصابني أني جئت هذا العالم فسألته عن أشياء ثم قلت: أخبرني من هذا النبي الّذي ينتظر.
قال: هو رجل من العرب، قلت: قد علمت أنه من العرب، فمن أي العرب هو؟ قال: من أهل بيت تحجه العرب، قلت: وفينا بيت تحجه العرب؟ قال:
هو في إخوانكم من قريش، قال: فأصابني واللَّه شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من يدي فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون إياه.
فقلت: فإذا كان فصفه لي، قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بدء
[ (1) ] كذا في (خ) .
[ (2) ] في (خ) هيا فيه.
[ (3) ] في (خ) : تكرار من الناسخ لعبارة: «أيجتنب
…
إلى ويفعل ذلك» .
[ (4) ] من السيادة.
أمره يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو محوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده الملائكة.
قلت: وما آية ذلك؟ قال: قد رجعت الشام منذ هلك عيسى ابن مريم ثلاثين رجعة كلها مصيبة، وبقيت رجعة عامة فيها مصائب، قال أبو سفيان: فقلت له:
هذا واللَّه الباطل، لئن بعث اللَّه رسولا لا يأخذه إلا مسنا شريفا.
قال أمية: والّذي أحلف به إن هذي لكذا يا أبا سفيان يقول: إن قول النصراني حق، هل لك في المبيت؟ قلت: لي فيه، فبتنا حتى جاءنا الثقل، ثم خرجنا حتى إذا كنا بيننا وبين مكة ليلتان أدركنا راكب من خلفنا فسألناه، فإذا هو يقول:
أصاب أهل الشام بعدكم رجفة دمّرت أهلها، وأصابهم فيها مصائب عظيمة.
قال أبو سفيان: فأقبل على أمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان، قلت: أي واللَّه، وأظن أن ما حدّثك صاحبك حق، قال: وقدمنا مكة فقضيت ما كان معي، ثم انطلقت حتى جئت اليمن تاجرا فكنت بها خمسة أشهر، ثم قدمت مكة، فبينا أنا في منزلي جاءني الناس يسلمون ويسألون عن بضائعهم.
***
[ثم جاءني محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (1) ] وهند عندي تلاعب صبيا لها، فسلم عليّ ورحب بي، وسألني عن سفري ومقامي، ولم يسألني عن بضاعته، ثم قام، فقلت لهند: واللَّه إن هذا ليعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته، فقالت: وما علمت شأنه؟ قلت: - وفزعت- ما شأنه؟ قالت: يزعم أنه رسول اللَّه، فأيقظتني وذكرت قول النصراني ووجمت [ (2) ] حتى قالت هند:
مالك؟ فانتبهت وقلت: إن هذا لهو الباطل، هو أعقل من أن يقول هذا، قالت:
بلى، واللَّه إنه ليقول ذلك، فبوأنا عليه، وإن له لصاحبه على دينه، قلت: هذا الباطل، وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت لقيته فقلت: إن بضاعتك قد بلغت كذا وكذا، وكان فيها خير، فأرسل فخذها، ولست بآخذ منك فيها ما آخذ من قومك، فأبى عليّ وقال: إذا لا آخذها، قلت: فأرسل وخذها وأنا آخذ منك ما آخذ من قومك، فأرسل إلي بضاعته فأخذها، وأخذت منه ما كنت آخذ من قومه غيره.
ولم أنشب أن خرجت تاجرا إلى اليمن فقدمت الطائف، فنزلت على أمية بن أبي الصلت فقلت له: أبا عثمان! هل تذكر حديث النصراني؟ قال: أذكره، قلت: قد كان، قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد اللَّه، قال: ابن عبد المطلب؟
قلت: ابن عبد المطلب، ثم قصصت عليه خبر هند، قال: فاللَّه يعلم يتصبب عرقا ثم قال: واللَّه يا أبا سفيان لعله، إنّ صفته لهي، ولئن ظهر وأنا حيّ لأبلين اللَّه نصره عذرا.
قال: ومضيت إلى اليمن فلم أنشب أن جاءني هنالك استهلاله، فأقبلت حتى نزلت إلى أمية بن أبي الصلت بالطائف فقلت: يا أبا عثمان! قد كان من أمر الرجل
[ (1) ] ما بين الحاصرتين عنوان في (خ) ، إلا أنها بداية فقرة جديدة، وقد أثبتناها كما هي في (خ) .
[ (2) ] وجم: سكت على غيظ. (لسان العرب) 12/ 630.
ما قد بلغك وسمعت، قال: قد كان لعمري، قلت: فأين أنت يا أبا عثمان عنه؟
قال: واللَّه ما كنت لأؤمن لرسول من غير ثقيف أبدا، قال أبو سفيان: وأقبلت إلى مكة، فو اللَّه ما أنا ببعيد حتى جئت مكة فوجدت أصحابه يضربون ويعزفون، فجعلت أقول: فأين جنده من الملائكة؟ قال: فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة [ (1) ] .
وله من حديث الليث بن سعيد عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن معاوية ابن أبي سفيان، أن أمية بن أبي الصلت كان بعزة أو قال: بإيلياء، فلما قفلنا قال لي: يا أبا سفيان! هل لك أن تتقدم على الرفقة فنتحدث؟ قلت: نعم، ففعلنا، فقال لي: يا أبا سفيان، إيه عن عتبة بن ربيعة، قلت: إيه عن عتبة بن ربيعة، قال: كريم الطرفين، ويجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: نعم، قال: وشريف حسن، قال: السن والشرف أزريا به، فقلت له: كذبت، ما ازداد شيئا إلا ازداد شرفا، قال: يا أبا سفيان! إنها لكلمة ما سمعت أحدا يقولها لي منذ تنصرت، لا تعجل عليّ حتى أخبرك، قلت: هات.
قال إني أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه، فكنت أظن بل كنت لا أشك أني هو! فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه، قال أبو سفيان: فضرب الدهر من ضربه.
[وأوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (2) ] وخرجت في ركب من قريش أريد اليمن في تجارة، فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: يا أمية! قد خرج النبي الّذي كنت تنعته، قال: أما إنه حق فأتبعه، قلت: ما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما يمنعني إلا الاستحياء من نسيات
[ (1) ] نفست عليه بالشيء أنفسه نفاسة، إذا ضننت به ولم تحب أن يصل إليك. (القاموس المحيط) : 6/ 238.
[ (2) ] ما بين الحاصرتين عنوان في (خ) ، إلا أنها بداية فقرة جديدة، وقد أثبتناها كما هي في (خ) .
ثقيف، كنت أحدثهن أني هو، ثم يرينني تابعا لغلام من بني عبد مناف، ثم قال ابن مية: فكأني بك يا أبا سفيان إن خالفته قد ربطت كما يربط الجدي، ثم يؤتى بك إليه فيحكم فيك بما يريد!.
وله من حديث ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يهودي سكن مكة يتّجر بها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال في مجلس: يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قال القوم:
ما نعلمه، قال: اللَّه أكبر، أما إن أخطأكم فلا بأس، انظروا واحفظوا يا معشر قريش ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الآخر، بين كتفيه علامة فيها شعيرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين، وذاك أن عفريتا من الجن أدخل إصبعه في فيه ومنعه من الرضاع، فتصدع القوم من مجلسهم وهم يعجبون من قوله وحديثه، فلما صاروا إلى منزلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: ولد لعبد اللَّه بن عبد المطلب الليلة غلام وأسموه محمدا.
فالتقى القوم فقالوا: هل سمعتم حديث اليهودي وقد بلغكم مولد هذا الغلام؟
فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر فقال: اذهبوا بي حتى انظر إليه، فخرجوا به حتى دخلوا على آمنة بنت وهب فقالوا: أخرجي إلينا ابنك فأخرجته آمنة، فكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع مغشيا عليه، فلما أفاق قالوا له: ويلك! ما لك؟ قال: ذهبت واللَّه النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ أما واللَّه ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب.
وكان في النفر يومئذ هشام والوليد ابنا المغيرة، ومسافر بن أبي عمرو وعبيدة ابن الحرث بن عبد المطلب، وعتبة بن ربيعة في نفر من بني عبد مناف وغيرهم من قريش.
وله من حديث محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى (عيصا) من أهل الشام، وكان متخفّرا [ (1) ] بالعاص بن وائل، وكان اللَّه قد أتاه علما كثيرا، وجعل فيه منافع كثيرة
[ (1) ] خفير القوم: مجيرهم، الّذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده.
لأهل مكة من طب ورفق وعلم، وكان يلزم صومعة له، ويدخل مكة في كل سنة فيلقي الناس ويقول: يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة، يدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته، وتاللَّه ما تركت الحمر والحمير [والأميّ][ (1) ] ، ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه.
فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد، فيقال له:
فصفه، فيقول: لا، ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لا نبي من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يفضي إليه من الأذى يوما.
ولما كان ظهور اليوم الّذي ولد فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج عبد اللَّه بن عبد المطلب حتى أتى (عصيا) فوقف في أصل صومعته ثم نادى: يا (عصيا)، فناداه:
من هذا؟ فقال: أنا عبد اللَّه، فأشرف عليه فقال: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الّذي كنت أحدثكم عليه يوم الإثنين، ويبعث يوم الإثنين، ويموت يوم الإثنين.
قال: فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمدا، قال: واللَّه لقد كنت أشتهي أن يكون فيكم هذا المولود أهل البيت لثلاث خصال بها نعرفه، فقد أتى عليه منها أن نجمه طلع البارحة، وأنه ولد اليوم، وأن اسمه محمدا، انطلق إليه فإن الّذي كنت أحدثكم عنه ابنك.
قال: فما يمنعك أن تأتيني؟ ولعله لن يولد يومنا هذا مولودون عدة، قال:
قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن اللَّه يشبّه علمه على العلماء لأنه حجة، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياما ثلاثة، يظهر الوجع ثم يعافي، فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده أحد قط، ولم يبغ على أحد كما يبغى عليه، وإن تعش حتى تبدو معالمه ثم يدعو يظهر لك من قومك ما لا يحتمله إلا على ذلّ، فاحفظ لسانك ودار عنه.
قال: فما عمره؟ قال: إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين، يموت في وتردونها من السنين، في إحدى وستين أو ثلاث وستين، أعمار جلّ أمته، قال:
[ (1) ] كذا في (خ) .
وحمل برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في عاشوراء المحرم، وولد يوم الاثنين لثنتي عشر ليلة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل.
وله من حديث النضر بن سلمة قال: حدثنا يحيى بن إبراهيم بن أبي قتيلة عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن جده أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية أن يسرح نضلة بن معاوية الأنصاري وهو من أصحابه في ثلاثمائة فارس إلى حلوان فيغير على قراها، لعل اللَّه يفيدهم إبلا ورقيقا، فلما انتهى كتاب عمر إلى سعد دعا سعد نضلة فعقد له [لواء] [ (1) ] وقال: اخرج، فسار نضلة حتى إذا شارف حلوان فرّق أصحابه في ثلاث رساتق منها، فأغاروا فأصابوا إبلا ورقيقا وشاءا كثيرا، فانصرفوا فتبعهم المشركون، فكرّ عليهم نضلة وأصحابه فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن اللَّه صرف وجوه المشركين وولوا، وسار نضلة في أصحابه معهم الغنائم، وأرهق القوم صلاة العصر، فنادى نضلة أصحابه فقال لهم: سوقوا الغنائم إلى سفح الجبل وعليكم بالصلاة.
ثم نزل فأذّن فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، فأجابه كلام من الجبل: كبّرت كبيرا يا نضلة، فقال نضلة: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال: أخلصت للَّه إخلاصا حرمت جسدك على النار، قال: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، قال: نبي بعث خاتم النبيين، وصاحب شفاعة يوم القيامة، قال: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، قال: البقاء لأمة محمد وهو الفلاح، قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، قال: كبّرت كبيرا، قال:
لا إله إلا اللَّه، قال أخلصت للَّه إخلاصا.
قال: فتعجب نضلة وأصحابه، فقال نضلة: من أنت يرحمك اللَّه؟ أهاتف من الجن؟ أم عبد صالح جعل اللَّه لك في هذا الجبل رزقا؟ حدثنا ما حالك؟ أرنا وجهك، قال: فانشق الجبل عن رأس كأن هامته رحى، شديد بياض الرأس واللحية، عليه ثياب الصوف، فقال: أنا زريب بن يرثلمي وصيّ العبد الصالح عيسى ابن مريم، سألته فطلب إلى ربه حين رفع، فوهب لي عمرا إلى أن يهبط عليّ. فإن لي في هذا الجبل رزقا، فأقرئ عمر بن الخطاب السلام وقل: سدّد
[ (1) ] زيادة للسياق.
وقارب وأبشر، حضر الأمر ونعم العبد أنت.
ثم انسدّ الجبل فنادوا كثيرا فلا جواب، فأخبر نضلة سعدا فكتب بذلك سعد إلى عمر رضي الله عنه فأجابه: يا سعد، ذاك رجل من أوصياء عيسى ابن مريم عليه السلام، أعطى فيها رزقا وعمرا فسل عنه، فركب سعد فأقام بفناء الجبل أربعين يوما فلم يجب بشيء، فكتب سعد بذلك إلى عمر رضي الله عنه.
ورواه الواقدي: حدثني عبد العزيز بن عمر، حدثنا جعونة بن نضلة قال:
كنت في الجبل يوم فتح حلوان، فطلبنا المشركين في الشعب فأمعنّا فيه، فحضرت الصلاة فانتهيت إلى ماء فنزلت [عن فرسي][ (1) ] فأخذت بعنانه، فتوضأت ثم صعدت صخرة فأذّنت، فلما قلت: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.. فذكره.
وقد روى من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر تفرد [به][ (2) ] عبد الرحمن الراسبي وفيه ضعف ولين.
وله من حديث إسحاق بن أبي إسحاق الشيبانيّ عن أبيه عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام عن أبيه قال: إني أجد فيما أقرأ من الكتب أنه ترفع راية بمكة، اللَّه مع صاحبها، وصاحبها مع اللَّه، يظهره اللَّه على جميع القرى.
وقال أبو محمد عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة: إعلام نبينا صلى الله عليه وسلم الموجودة في كتب اللَّه المتقدمة، قول اللَّه عز وجل في السفر الأول من التوراة لإبراهيم عليه السلام:
قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه وكثّرته وعظّمته جدا جدا، وسيلد اثنى عشر عظيما، وأجعله لأمة عظيمة، ثم أخبر موسى عليه السلام مثل ذلك في السفر وزاد فقال: لما هربت من سارة تراءى لها ملك اللَّه وقال: يا هاجر أمة سارة! ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإنّي سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصوا كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا وتسميه إسماعيل، لأن اللَّه قد سمع خشوعك، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. [ (3) ]
[ (1) ] في (خ) : «عرفوسي» .
[ (2) ] في (خ) : «عنه» .
[ (3) ](العهد القديم) : سفر التكوين، الإصحاح السادس عشر، وفيه: 7- فوجدها ملاك الرب على
قال ابن قتيبة: فتدبّر هذا القول فإن فيه دليلا بينا على أن المراد به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق، ولا كانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع، وكيف يكون ذلك والنبوة والملك في ولد إسرائيل والعيص، وهما ابنا إسحاق؟ فلما بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل، فدانت له الملوك وخضعت له الأمم، ونسخ اللَّه به كل شرعة، وختم به النبيين، وجعل الخلافة والملك في أهل بيته إلى آخر الزمان، فصارت أيديهم فوق أيدي الجميع، وأيدي الجميع مبسوطة بالخضوع، قال:
***
[ () ] عين الماء في البرية. على العين التي في طريق شور* 8- وقال يا هاجر جارية ساراى من أين أتيت وإلى أين تذهبين. فقالت: أنا هاربة من وجه مولاتي ساراى* 9- فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يدها* 10- وقال لها ملاك الرب: تكثيرا أكثّر نسلك فلا يعد من الكثرة* 11- وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك* 12- وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده على كل واحد ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن» .