المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم - إمتاع الأسماع - جـ ٣

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌[بقية فصل في أمارات نبوته]

- ‌ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

- ‌ذكر الاختلاف في أول سورة من القرآن أنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الاختلاف في شق [ (4) ] صدر [ (5) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، متى كان وأين وقع

- ‌ذكر مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصورة التي خلقه اللَّه تعالى عليها

- ‌ذكر كيفية إلقاء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تعليم جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

- ‌وأمّا إقامة جبريل عليه السلام أوقات الصّلاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّه أمّه فيها

- ‌ذكر الجهة [ (1) ] التي كان صلى الله عليه وسلم يستقبلها في صلاته

- ‌ذكر من قرن برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الملائكة

- ‌فصل في ذكر الفضائل التي خصّ اللَّه تعالى بها نبيّه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وشرفه بها على جميع الأنبياء

- ‌فأما أنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

- ‌وأما مخاطبة اللَّه له بالنّبوّة والرسالة ومخاطبة من عداه من الأنبياء باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قرفه به المكذبون، ونهي اللَّه تعالى العباد عن مخاطبته باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرفه المكذبون له

- ‌وأما مغفرة ذنبه من غير ذكره تعالى له خطا ولا زلّة

- ‌وأما أخذ اللَّه تعالى الميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه

- ‌وأما عموم رسالته إلى الناس جميعا وفرض الإيمان به على الكافة، وأنه لا ينجو أحد من النار حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أمر الكافّة بالتّأسي به قولا وفعلا

- ‌وأما اقتران اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم اللَّه تعالى

- ‌وأما تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم قبل تمام خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر التنويه [ (1) ] بذكر رسول صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام

- ‌وأما شرف أصله، وتكريم حسبه ونسبه، وطيب مولده

- ‌وأما أنّ أسماءه خير الأسماء

- ‌وأما قسم اللَّه تعالى بحياته صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما تفرده بالسيادة يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل وأن آدم ومن دونه تحت لوائه

- ‌فصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليهما وسلامه [ (1) ]

- ‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

- ‌ذكر المقام المحمود الّذي وعد اللَّه تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيه وإرشاد

- ‌إيضاح وتبيان

- ‌وأما حوض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الكوثر

- ‌وأما كثرة أتباعه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما الخمس التي أعطيها صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أنه بعث بجوامع الكلم وأوتي مفاتيح خزائن الأرض

- ‌وأما تأييده بقتال الملائكة معه

- ‌وأما أنه خاتم الأنبياء

- ‌وأما أن أمته خير الأمم

- ‌وأما ذكره في كتب الأنبياء وصحفهم وإخبار العلماء بظهوره حتى كانت الأمم تنتظر بعثته

- ‌ومن إعلامه في التوراة

- ‌ومن إعلامه في التوراة أيضا

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌وفي حكاية يوحنا عن المسيح

- ‌وفي إنجيل متى

- ‌وذكر شعيا طريق مكة فقال:

- ‌وأما سماع الأخبار بنبوّته من الجنّ وأجواف الأصنام ومن الكهّان

الفصل: ‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

قال اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ (1) ]، وقال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ (2) ] ، فجمع تعالى بينهما بواو العطف المشتركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه صلى الله عليه وسلم، قال: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ (3) ]، وقال: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ (4) ]، وقال:

وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ (5) ]، وقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ (6) ] الآية، وقال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ (7) ] ، فجعل طاعة رسوله طاعته تعالى، وقرن طاعته بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، فبيّن أنه سبحانه وتعالى فرض على الكافة بأسرها طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فرضا مطلقا لا شرط فيه ولا استثناء، كما فرض تعالى طاعته ولم يقل من طاعتي، أو من كتابي أو بأمري، وحين فرض أمره ونهيه صلى الله عليه وسلم على الخلق طرا كفرض من التنزيل، لا يزاد في ذلك، ولا يطلب فيه تنبيه، كما أخبر تعالى عن قوم موسى عليه السلام أنهم قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ (8) ] ، وذلك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أولى بأمته وبأموالهم وأنفسهم وأهليهم وذراريهم منهم بأنفسهم، قال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ (9) ] ، وقع ذلك منهم بوفاقهم وكراهيتهم، فإنه تعالى حكم على من وجد في نفسه شيئا من

[ (1) ] النساء: 59، وفي (خ) :«ورسوله» .

[ (2) ] آل عمران: 32.

[ (3) ] النور: 54.

[ (4) ] النساء: 80.

[ (5) ] الحشر: 7.

[ (6) ] النساء: 69.

[ (7) ] النساء: 64.

[ (8) ] البقرة: 55.

[ (9) ] الأحزاب: 6.

ص: 132

حكمه صلى الله عليه وسلم وقضائه بالخروج من الإيمان، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (1) ] ، فأقسم سبحانه وتعالى بأن أحدا لا يؤمن حتى يحكّم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم مع تحكيمه إياه لا يجد في نفسه كرها لما قضى به عليه مما هو مخالف لهواه، بل يرضى بما حكم به، ويسلّم لأمره تسليما لا شائبة فيه من اعتراض ولا تعقيب.

وانظر- أعزك اللَّه وهداك- كيف أقسم تعالى بإضافة الرب إلى كاف الخطاب، يتبين لك تعظيمه تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى هنا: غاية، أي ينتفي عنهم الإيمان إلى هذه الغاية، فإذا وجد ما بعد الغاية كانوا مؤمنين، وفِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، في كل أمر دنيوي وأخروي وقع بينهم فيه تنازع وتجاذب، ومعنى يُحَكِّمُوكَ: يجعلوك حكما، وفي الكلام حذف تقديره: فتقضي بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا، أي ضيقا من حكمك.

وقال مجاهد: شكّا، لأن الشاكّ في ضيق من أمره حتى يلوح له الشأن، وقال الضحاك: إثما، أي سبب إثم، والمعنى: لا يخطر ببالهم ما يأثمون به من عدم الرضى، وقيل: هما وحزنا، ويسلموا: أي ينقادوا ويذعنوا لقضائك لا يعارضون فيه بشيء، قاله ابن عباس رضي الله عنهما والجمهور.

وقيل: معناه ويسلموا: أي سارعوا فيه لحكمك، ذكره الماوردي، وأكد تعلق الفعل بالمصدر على سبيل صدور التسليم حقيقة.

قال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول في التزام محبته والتسليم لما جاء به، وقالوا: وما أرسل اللَّه من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه، وقالوا: من يطع الرسول في سنته يطع اللَّه في فرائضه.

وسئل سهل بن عبد اللَّه عن شرائع الإسلام فقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ (2) ]، وقال السمرقندي: يقال: أطيعوا اللَّه في فرائضه والرسول في سننه، وقيل: أطيعوا اللَّه فيما حرّم عليكم والرسول فيما بلغكم، ويقال: أطيعوا اللَّه

[ (1) ] النساء: 65.

[ (2) ] الحشر: 7.

ص: 133

بالشهادة له بالربوبية، والنبي بالشهادة له بالنّبوّة.

وخرج البخاري في كتاب الأحكام من حديث الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع [من][ (1) ] أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني [ (2) ] . وخرجه مسلم [ (3) ] مثله

[ (1) ] زيادة في السياق.

[ (2) ]

قوله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع اللَّه» ،

هذه الجملة منتزعه من قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، أي أني لا آمر إلا بما أمر اللَّه به، فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى لأن اللَّه أمر بطاعتي فمن أطاعني فقد أطاع أمر اللَّه له بطاعتي، وفي المعصية كذلك. والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهي عنه، والعصيان بخلافه.

قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن أطاع أميري فقد أطاعني» ، في رواية (همام)، و (الأعرج) وغيرهما عند مسلم:«ومن أطاع الأمير» ،

ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلا فهو أمير الشارع، لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده توحيد الجواب في الأمرين، وهو

قوله: صلى الله عليه وسلم: «فقد أطاعني» ،

أي عمل بما شرعته، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر، أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث.

وأما الحكم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ووقع

في رواية همام أيضا: «ومن يطع الأمير فقد أطاعني» بصيغة المضارعة، وكذا «ومن يعص الأمير فقد عصاني»

وهو أدخل في إرادة تعميم من خوطب ومن جاء بعد ذلك.

قال ابن التين: قيل: كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يؤمرهم عليهم، والانقياد لهم، إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولا هم البلاد، فلا يخرجوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة.

قال الحافظ في الفتح: هي عبارة الشافعيّ في (الأم) ، ذكره في سبب نزولها، وعجبت لبعض شيوخنا الشراح من الشافعية، فكيف قنع بنسبة هذا الكلام إلى ابن التين، معبرا عنه بصيغة «قيل» ، وابن التين إنما أخذه من كلام الخطابي؟

ووقع عند أحمد، وأبي يعلي، والطبراني، من حديث ابن عمر، قال:«كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال: ألستم تعلمون أن من أطاعني فقد أطاع اللَّه، وأن من طاعة اللَّه طاعتي؟ قالوا: بلى نشهد، قال: فإن من طاعتي أن تطيعوا أمراءكم» . وفي لفظ: «أئمتكم» .

وفي الحديث وجوب طاعة ولاه الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم، المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد، واللَّه أعلم. (فتح الباري) :

13/ 139- 141، كتاب الأحكام، باب (1) أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، حديث رقم (7137) .

[ (3) ](مسلم بشرح النووي) : 12/ 464، كتاب الإمارة، باب (8) وجوب طاعة الأمراء من غير

ص: 134

سواء، فطاعة الرسول من طاعة اللَّه، إذ اللَّه أمر بطاعته، وطاعته امتثال لما أمر اللَّه به وطاعة له.

وقد حكى اللَّه تعالى عن الكفار في دركات [ (1) ] جهنم يوم تقلب وجوههم في النار يقولون: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [ (2) ] فتمنوا طاعته حيث لا ينفعهم التمني.

وخرج البخاري ومسلم من حديث ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب قالا: كان أبو هريرة يحدث أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم [ (3) ] .

وخرجه البخاري من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان

[ () ] معصية وتحريمها في المعصية، حديث رقم (32)، (33) :

قال الإمام النووي: أجمع العلماء على وجوبها في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية، قال العلماء:

المراد بأولي الأمر، من أوجب اللَّه طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم. وقيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء والعلماء، وأما من قال: الصحابة خاصة فقد أخطأ. (المرجع السابق) .

[ (1) ] دركات النار: منازل أهلها، والنار دركات، والجنة درجات، والدّرك إلى أسفل، والدّرج إلى فوق.

(لسان العرب) : 10/ 422 مادة درك.

[ (2) ] الأحزاب: 66.

[ (3) ](مسلم بشرح النووي) : 15/ 118، كتاب الفضائل، باب (37) توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع، ونحو ذلك، حديث رقم (130) .

قال الإمام النووي: مقصود أحاديث الباب أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن إكثار السؤال والابتداء بالسؤال عما لا يقع، ذكره ذلك لمعان:

* منها أنه ربما كان سببا لتحريم شيء على المسلمين فيلحقهم به المشقة.

* ومنها أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل ويسوؤه، ولهذا أنزل اللَّه تعالى في ذلك قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ* ومنها أنهم أحفوه صلى الله عليه وسلم بالمسألة، والحفوة المشقة والأذى، فيكون ذلك سببا لهلاكهم.

(المرجع السابق) .

ص: 135

قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ذكره في كتاب الاعتصام [ (1) ] .

[ (1) ](فتح الباري) : 13/ 312، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب (2) ، الاقتداء بسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقول اللَّه تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، حديث رقم (7288) .

قال الإمام النووي: هذا من جوامع الكلم، وقواعد الإسلام، ويدخل فيه كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بالمقدور، وكذا الوضوء، وستر العورة، وحفظ بعض الفاتحة، وإخراج بعض زكاة الفطر لمن لم يقدر على الكل، والإمساك في رمضان لمن أفطر بالعذر ثم قدر في أثناء النهار، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها.

وقال غيره: فيه أن من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأن الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصح توبة الأعمى عن النظر المحرم، والمجبوب عن الزنا، لأن الأعمى والمجبوب قادران على الندم فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود، إذ لا يتصور منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه.

* واستدل به على أن من أمر بشيء فعجز عن بعضه ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدل المزني على أن [ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه] ، ومن ثم كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد.

واستدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات، لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع المشقة في الترك، وقيد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد.

فإن قيل: أن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضا، إذ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، فجوابه أن الاستطاعة تطلق باعتبارين، كذا قيل، والّذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة، لا يدل على المدعي مع الاعتناء به، بل هو من جهة الكف، إذ كل أحد قادر على الكف لولا داعية الشهوة مثلا، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف، بل كل مكلف قادر على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر بحسب الاستطاعة دون النهي.

وعبّر الطوفي في هذا الموضوع بأن ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم النهي عنه قد تتخلف، واستدل له بجواز أكل المضطر الميتة، وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة.

وقال ابن فرج في (شرح الأربعين) : قوله صلى الله عليه وسلم: «فاجتنوه» ، هو على إطلاقه، حتى يوجد ما يبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان، كما نطق به القرآن.

والتحقيق أن المكلف في ذلك كله ليس منهيا في تلك الحال، وأجاب الماوردي بأن الكف عن المعاصي ترك وهو سهل، وعمل الطاعة فعل وهو يشق، فلذلك لم يبح ارتكاب المعصية ولو مع العذر لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر لأن العمل قد يعجز المعذور عنه.

ص: 136

_________

[ () ] وادعى بعضهم أن قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي وقد قيد بالاستطاعة واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي، أن العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي، فإن تصور العجز فيه محصور في الاضطرار.

وزعم بعضهم أن قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، نسخ قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بحق تقاته، امتثال أمره واجتناب نهية مع القدرة لا مع العجز.

واستدل به على أن المكروه يجب اجتنابه لعموم الأمر باجتناب المنهي عنه، فشمل الواجب والمندوب.

وأجيب بأن قوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ، يعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر وهو الأمر.

وقال الفاكهاني: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض وهو المحرم، وتارة لا معه وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما.

واستدل به على أن المباح ليس مأمورا به، لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه. وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به، لم يرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعم وهو الإذن.

واستدل به على أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا عدمه، وقيل: يقتضيه، وقيل: يتوقف فيما زاد على مرة، وحديث الباب قد يتمسك به لذلك، لما في سببه أن السائل قال في الحج: أكل عام؟ فلو كان مطلقة يقتضي التكرار أو عدمه لم يحسن السؤال ولا العناية بالجواب. وقد يقال: إنما سأل استظهارا أو احتياطا.

وقال المازري: يحتمل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحج في اللغة قصد تكرار، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر. وقد تمسك به من قال بإيجاب العمرة، لأن الأمر بالحج إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحج لا يجب إلا مرة، فيكون العود إليه مرة أخرى دالا على وجوب العمرة.

* واستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في الأحكام

لقوله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت» ،

وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحى إليه ذلك في الحال.

* واستدل به على أن جميع الأشياء على الإباحة، حتى يثبت المنع من قبل الشارع.

* واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك.

قال البغوي في (شرح السنة) : المسائل على وجهين:

أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به لقوله تعالى:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما.

ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم،

ص: 137

وخرج البخاري ومسلم من حديث أبي أمامة عن بريدة عن أبي بريدة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثلي ومثل ما بعثني اللَّه به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعينيّ وإني أنا النذير العريان، فالنجاء [النجاء][ (1) ] ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني [فاتبع][ (2) ] ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق.

لفظهما فيه متقارب، ولم يقل فيه مسلم: فنجوا. ذكره البخاري في كتاب الاعتصام [ (3) ] .

..

[ () ] ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف،

فعند أحمد من حديث معاوية: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الأغلوطات» ،

قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعي أيضا:«إن اللَّه إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليظ، فلقد رأيتهم أقل الناس علما» .

وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل» ، وقال ابن العربيّ:«كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم، فأما بعد فقد أمن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع» ، قال: «وإنه لمكروه إن لم يكن حراما، إلا للعلماء، فإنّهم فرعوا ومهدوا، فنفع اللَّه من بعدهم بذلك، ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم.

وينبغي أن يكون محل الكراهية للعالم، إذا شغله ذلك عما هو أعم منه، وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندر، ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله، واللَّه المستعان.

* واستدل به على أن الاشتغال بالأهم المتاح إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال:

عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع.

فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن اللَّه ورسوله، ثم يجتهد في تفهم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميات، يتشاغل بتصديقه واعتقاد أحقيته، وإن كان من العمليات، بذل وسعه في القيام به فعلا وتركا، فإن وجد وقتا زائدا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمة مصروفة عن سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع، مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدال. (المرجع السابق) :

325-

328.

[ (1) ] في (خ) : «النجاء» مرتين خلافا لرواية البخاري.

[ (2) ] في (خ) : «واتبع» ، وما أثبتناه من رواية البخاري.

[ (3) ](فتح الباري) : 13/ 311، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب (2) الاقتداء بسنن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقول اللَّه تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، حديث رقم (7283) .

ص: 138

وفي كتاب الرقاق [ (1) ] .

[ (1) ](المرجع السابق) : 11/ 383، كتاب الرقاق، باب (26) الانتهاء عن المعاصي، حديث رقم (6482) .

قوله صلى الله عليه وسلم: «ما بعثني اللَّه» ،

العائد محذوف، والتقدير بعثني اللَّه به إليكم.

قوله صلى الله عليه وسلم: «أتى قوما»

التنكير فيه للشيوع.

قوله صلى الله عليه وسلم: «بعيني» ،

بالإفراد، وللكشميهني بالتثنية بفتح النون والتشديد، قيل: ذكر العينين إرشادا إلى أنه تحقّق عنده ما أخبر عنه، تحقّق من رأى شيئا بعينه، لا يعتريه وهم، ولا يخالطه شك.

قوله صلى الله عليه وسلم: «وإني أنا النذير العريان» ،

قال ابن بطال: النذير العريان، رجل من خثعم، حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة، فقطع يده ويد امرأته، فانصرف إلى قومه فحذرهم، فضرب به المثل في تحقيق الخبر.

قال الحافظ في الفتح: وسبق إلى ذلك يعقوب بن السكيت وغيره، وسمّى الّذي حمل عليه (عوف ابن عامر اليشكري) ، وأن المرأة كانت من بني كنانة، وتعقب باستبعاد تنزيل هذه القصة على لفظ الحديث، لأنه ليس فيها أنه كان عريانا.

وزعم ابن الكلبي أن النذير العريان امرأة من بني عامر بن كعب، لما قتل المنذر بن ماء السماء أولاد أبي داود- وكان جار المنذر- خشيت على قومها، فركبت جملا ولحقت بهم وقالت: أنا النذير العريان.

ويقال: أول من قاله أبرهة الحبشي لما أصابته الرمية بتهامة وقد سقط لحمه. وذكر أبو بشر الآمدي:

أن زنبرا- بزاي ونون ساكنة ثم موحدة- ابن عمرو الخثعميّ، كان ناكحا في آل زبيد، فأرادوا أن يغزوا قومه، وخشوا أن ينذر بهم، فحرسه أربعة، فصادف منهم غرة، فقذف ثيابه وعدا، وكان من أشدّ الناس عدوا فأنذر قومه.

وقال غيره: الأصل فيه أن رجلا لقي جيشا فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عريانا فتحققوا صدقه، لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقة لهذه القرائن، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه ولما جاء به مثلا بذلك، لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقة، تقريبا لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه.

ويؤيد

ما أخرجه الرامهرمزيّ في الأمثال، وعند أحمد أيضا بسند جيد، من حديث عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال:«خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس، مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا أن يأتيهم، فبعثوا رجلا يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو، فأقبل لينذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه أيها الناس أتيتم ثلاث مرات» . وأحسن ما فسّر به الحديث من الحديث.

وأخرجه أبو الشيخ بنحوه في كتاب (الأمثال في الحديث النبوي)، وقال: رجاله رجال الصحيح.

ص 297، حديث رقم (253) .

وهذا كله يدل على أن العريان من التعري، وهو المعروف في الرواية.

قوله صلى الله عليه وسلم: «فالنجاء النجاء» ،

بالمد فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية، وبالقصر فيهما تخفيفا، وهو منصوب على الإغراء، أي اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنهم لا يطيقون مقاومة ذلك

ص: 139

وخرج البخاري من حديث سعيد بن ميناء قال: حدثنا- أو سمعت- جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه يقول: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا:

[بأن][ (1) ] لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل [من][ (2) ] المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل [من][ (2) ] المأدبة، فقالوا:

أولوها له بفقهها، [قال] [ (3) ] بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم [ (2) ] ، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم [ (2) ] فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدا صلى الله عليه وسلم [ (2) ] فقد عصى اللَّه، ومحمد فرق بين

[ () ] الجيش. قال الطيبي: في كلامه أنواع من التأكيدات:

* أحدها: «بعيني» . * ثانيهما: «وإني أنا» . * ثالثها: «العريان» ، لأنه الغاية في قرب العدو، ولأنه الّذي يختص في إنذاره بالصدق.

قوله: «فأطاعه طائفه» ، كذا فيه بالتذكير، لأن المراد بعض القوم.

قوله: «فأدلجوا» ، بهمزة قطع ثم سكون، أي ساروا أول الليل، أو ساروا الليل كله، على الاختلاف في مدلول هذه اللفظة.

قوله: «على مهلهم» ، بفتحتين، والمراد به الهينة والسكون، وبفتح أوله وسكون ثانيه الإمهال، وليس مرادا هنا، وفي رواية مسلم «على مهلتهم» بزيادة تاء تأنيث، وضبطه النووي بضم الميم وسكون الهاء وفتح اللام.

قوله: «وكذبته طائفة» ، قال الطيبي: عبّر في الفرقة الأولى بالطاعة، وفي الثانية بالتكذيب، ليؤذن بأن الطاعة مسبوقة بالتصديق، ويشعر بأن التكذيب مستتبع للعصيان.

قوله: «فصبّحهم الجيش» ، أي أتاهم صباحا، هذا أصله، ثم كثر استعماله، حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان.

قوله: «فاجتاحهم» ، بجيم ثم حاء مهملة، أي استأصلهم، من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته، والاسم: الجائحة، وهي الهلاك، وأطلقت على الآفة لأنها مهلكة.

قال الطيبي: شبه صلى الله عليه وسلم نفسه بالرجل، وإنذاره بالعذاب القريب بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن كذّب الرجل في إنذاره ومن صدّقه.

[ (1) ] كذا في (خ) ورواية البخاري: «إن» .

[ (2) ] زيادات من رواية البخاري.

[ (3) ] كذا في (خ) ، ورواية البخاري «فقال» .

ص: 140

الناس [ (1) ][ (2) ]

[ (1) ](فتح الباري) : 13/ 310، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب

[ (2) ] الاقتداء بسنن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقول اللَّه تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، حديث رقم (7281) .

قوله: «حدثنا أو سمعت» ، القائل ذلك سعيد بن ميناء، والشّاك هو سليم بن حيان، شك في أيّ الصيغتين قالها شيخه سعيد.

قوله: «جاءت ملائكة» ، لم أقف على أسمائهم ولا أسماء بعضهم، ولكن

في رواية سعيد بن أبي هلال المعلقة عقب هذا عن الترمذي أن الّذي حضر في هذه القصة جبريل وميكائيل، ولفظة:«خرج علينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوما فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي..» ،

فيحتمل أنه كان مع كل منهما غيره. واقتصر في هذه الرواية على من باشر الكلام منهم ابتداء وجوابا، ووقع في حديث ابن مسعود عند الترمذي، وحسنه وصححه ابن خزيمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم توسّد فخذه فرقد، وكان إذا نام نفخ، قال: فبينا أنا قاعد، إذ أنا برجال عليهم ثياب بيض، اللَّه أعلم بما بهم من الجمال، فجلست طائفة منهم عند رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وطائفة منهم عند رجليه.

قوله: «إن لصاحبكم هذا مثلا قال: فاضربوا له مثلا» ، كذا للأكثر، وسقط لفظ «قال» من رواية أبي ذر.

قوله: «فقال بعضهم: إنه نائم

إلى قوله: يقظان» ، قال الرامهرمزيّ: هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره، يقال: رجل يقظ، إذا كان ذكي القلب، وفي حديث ابن مسعود، فقالوا بينهم: ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلا.

وفي رواية سعيد بن أبي هلال: فقال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال:«اسمع سمع أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك» . ونحوه في حديث ربيعة الجرشي، عند الطبراني، زاد أحمد في حديث ابن مسعود، فقالوا: اضربوا له مثلا، ونؤول أو نضرب وأولوا، وفيه: ليعقل قلبك.

قوله: «مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة» ، في حديث ابن مسعود:«مثل سيد بنى قصرا» ، وفي رواية أحمد:«بنيانا حصينا ثم جعل فيها مأدبة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجاب أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه- أو قال- عذبه» . وفي رواية أحمد «عذب عذابا شديدا.

والمأدبة بسكون الهمزة وضم الدال بعدها موحدة، وحكى بالفتح، وقال ابن التين: عن أبي عبد الملك الضم والفتح لغتان فصيحتان،

وقال الرامهرمزيّ نحوه في حديث «القرآن مأدبة اللَّه»

قال:

وقال لي أبو موسى الحامض: من قاله بالضم أراد الوليمة، ومن قاله بالفتح أراد أدب اللَّه الّذي أدب به عباده. قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يتعين الضم.

قوله: «فبعث داعيا» ، في رواية سعيد:«ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه» .

قوله: «فقال بعضهم: أوّلوها بفقهها» ، قيل: يؤخذ منه حجة لأهل التعبير، أن التعبير إذا وقع في المنام اعتمد عليه. قال ابن بطال: قوله: «أولوها له» يدل على أن الرؤيا ما عبرت في النوم، أ. هـ.

وفيه نظر لاحتمال الاختصاص بهذه القصة، لكون الرائي النبي صلى الله عليه وسلم، والمرئي الملائكة، فلا يطرد ذلك في حق غيرهم.

ص: 141

_________

[ () ] قوله: «فقالوا: الدار الجنة» ، أي الممثل بها، زاد في رواية سعيد بن أبي هلال:«فاللَّه هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول اللَّه» . وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: «أما السيد فهو اللَّه رب العالمين، وأما البنيان فهو الإسلام، والطعام الجنة، ومحمد الداعي» ، فمن اتبعه كان في الجنة.

قوله: «فمن أطاع محمدا فقد أطاع اللَّه» ، أي لأنه رسول صاحب المأدبة، فمن أجابه ودخل في دعوته أكل من المأدبة، وهو كناية عن دخول الجنة، ووقع بيان ذلك في رواية سعيد، ولفظه:«وأنت يا محمد رسول اللَّه، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها» .

قوله: «ومحمد فرق بين الناس» ، كذا لأبي ذر بتشديد الراء فعلا ماضيا، ولغيره بسكون الراء والتنوين، وكلاهما متجه. قال الكرماني: ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد، بل تشبيه المركّب بالمركّب، مع قطع النظر عن مطابقة المفردات من الطرفين. أ. هـ.

وقد وقع في غير هذه الطريق ما يدل على المطابقة المذكورة، زاد في حديث ابن مسعود:«فلما استيقظ قال: سمعت ما قال هؤلاء، هل تدري من هم؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، والمثل الّذي ضربوا: الرحمن بنى الجنة ودعا إليها عباده»

الحديث.

تنبيه:

قال الحافظ في الفتح: تقدم في كتاب المناقب من وجه آخر عن سليم بن حيان بهذا الإسناد، «قال النبي صلى الله عليه وسلم مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة»

الحديث. وهو حديث آخر، وتمثيل آخر، فالحديث الّذي في المناقب- وهو الحديث رقم (3534) - يتعلق بالنّبوّة وكونه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. وهذا يتعلق بالدعاء إلى الإسلام، وبأحوال من أجاب أو امتنع، وقد وهم من خلطهما كأبي نعيم في (المستخرج) ، فإنه لما ضاق عليه مخرج حديث الباب، ولم يجده مرويا عنده، أورد حديث اللبنة، ظنا منه أنهما حديث واحد، وليس كذلك لما بينته.

وسلّم الإسماعيلي من ذلك، فإنه لما لم يجده في مروياته،

أورده من روايته عن الفربري، بالإجازة عن البخاري بسنده، وقد روى يزيد بن هارون بهذا السند حديث اللبنة، أخرجه أبو الشيخ في (كتاب الأمثال) ، من طريق أحمد بن سنان الواسطي عنه، وساق بهذا السند حديث «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا» أ

لحديث، لكنه عن أبي هريرة لا عن جابر، وقد ذكر الرامهرمزيّ حديث الباب في (كتاب الأمثال) معلقا فقال: وروى يزيد بن هارون، فساق السند ولم يوصل سنده بيزيد، وأورد معناه من مرسل الضحاك بن مزاحم.

[ (2) ] زاد في رواية البخاري بعد قوله: «ومحمد فرّق بين الناس» ، تابعه قتيبة عن ليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال «عن جابر، خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم

» .

قوله: «تابعه قتيبة عن ليث» ، يعني ابن سعد، «عن خالد» ، يعني ابن يزيد، وهو أبو عبد الرحيم المصري أحد الثقات.

قوله: «عن سعيد بن أبي هلال عن جابر قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا اقتصر على هذا القدر من الحديث، وظاهر أن بقية الحديث مثله، وقد بينت ما بينهما من الاختلاف، وقد وصله الترمذي عن قتيبة بهذا السند، ووصله أيضا الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، وأبو نعيم من طريق أبي العباس

ص: 142

_________

[ () ] السراج، كلاهما عن قتيبة، ونسب السراج في روايته الليث وشيخه كما ذكرته. قال الترمذي بعد تخريجه: هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد اللَّه.

قال الحافظ ابن حجر: وفائدة إيراد البخاري له، رفع التوهم عمن يظن أن طريق سعيد بن ميناء موقوفة، لأنه لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى بهذه الطريق لتصريحها، ثم قال الترمذي: وجاء من غير وجه عن النبي بإسناد أصحّ من هذا. قال: وفي الباب عن ابن مسعود، ثم ساقه بسنده وصححه، وقد بينت ما فيه أيضا بحمد اللَّه تعالى. ووصف الترمذي له بأنه مرسل، يريد أنه منقطع بين سعيد وجابر، وقد اعتضد هذا المنقطع بحديث ربيعة الجرشي عند الطبراني، فإنه بنحو سياقه وسنده جيد، وسعيد بن أبي هلال غير سعيد بن ميناء الّذي في السند الأول، وكل منهما مدني، لكن ابن ميناء تابعي، بخلاف ابن أبي هلال.

والجمع بينهما إما بتعدد المرئي، وهو واضح، أو بأنه منام واحد، حفظ فيه بعض الرواة ما لم يحفظ غيره، وتقدم طريق الجمع بين اقتصاره على جبريل وميكائيل في حديث، وذكره الملائكة بصيغة الجمع في الجانبين الدال على الكثرة في آخر، وظاهر رواية سعيد بن أبي هلال أن الرؤيا كانت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم لقوله:«خرج علينا فقال: إني رأيت في المنام» .

وفي حديث ابن مسعود أن ذلك كان بعد أن خرج إلى الجن فقرأ عليهم، ثم أغفى عند الصبح فجاءوا إليه حينئذ. ويجمع بأن الرؤيا كانت على ما وصف ابن مسعود، فلما رجع إلى منزله خرج على أصحابه فقصها، وما عدا ذلك فليس بينهما منافاة، إذ وصف الملائكة برجال حسان، يشير إلى أنهم تشكلوا بصورة الرجال.

وقد أخرج أحمد والبزار والطبراني، من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، نحو أول حديث سعيد بن أبي هلال، لكن لم يسمّ الملكين، وساق المثل على غير سياق من تقدم، قال:

«إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر، انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء، أتتبعوني؟ قالوا: نعم، فانطلق بهم فأوردهم، فأكلوا، وشربوا، وسمنوا، فقال لهم: إن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه، وحياضا أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق، واللَّه لنتبعه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه» .

وهذا إن كان محفوظا قوى الحمل على التعدد، إما للمنام وإما لضرب المثل، ولكن عليّ بن زيد ضعيف من قبل حفظه. قال ابن العربيّ في حديث ابن مسعود: إن المقصود «المأدبة» ، وهو ما يؤكل ويشرب، ففيه رد على الصوفية الذين يقولون: لا مطلوب في الجنة إلا الوصال، والحق أن لا وصال لنا إلا بانقضاء الشهوات الجسمانية والنفسانية والمحسوسة والمعقولة، وجماع ذلك كله في الجنة.

(أ. هـ) .

وليس ما ادّعاه من المرد بواضح، قال: وفيه أن من أجاب الدعوة أكرم، ومن لم يجبها أهين، وهو بخلاف قولهم: من دعوناه فلم يجبنا فله الفضل علينا، فإن أجابنا فلنا الفضل عليه، فإنه مقبول في النظر، وأما حكم العبد مع المولى، فهو كما تضمنه هذا الحديث. (المرجع السابق) : 317- 320.

ص: 143

وله من حديث فليح: حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قالوا: [يا رسول اللَّه] [ (1) ] ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي [ (2) ] » . ذكره والّذي قبله في كتاب الاعتصام.

***

[ (1) ] ما بين الحاصرتين تكملة من رواية البخاري.

[ (2) ](فتح الباري) : 13/ 310، كتاب الاعتصام بالسنة، باب (2) الاقتداء بسنن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقول اللَّه تعالى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً، حديث رقم (7280) .

قوله: «فليح» ، بالفاء والمهملة، مصغر، هو ابن سليمان المدني، وشيخه هلال بن علي، هو الّذي يقال له ابن ميمونة.

قوله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبي» ،

بفتح الموحّدة، أي امتنع، وظاهره أن العموم مستمر، لأن كلّا منهم لا يمتنع من دخول الجنة، ولذلك قالوا:«ومن يأبى» فبين لهم أن إسناد الامتناع إليهم عن الدخول، مجاز عن الامتناع عن سننه، وهو عصيان الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أحمد والحاكم من طريق صالح بن كيسان عن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه «لتدخلن الجنة إلا من أبي وشرد على اللَّه شراد البعير» ،

وسنده على شرط الشيخين، وله شاهد عن أبي أمامة عن الطبراني، وسنده جيد، والموصوف بالإباء وهو الامتناع، إن كان كافرا فهو لا يدخل الجنة أصلا، وإن كان مؤمنا، فالمراد منعه من دخولها مع أول داخل، إلا من شاء اللَّه تعالى.

ص: 144