المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر - إمتاع الأسماع - جـ ٣

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌[بقية فصل في أمارات نبوته]

- ‌ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

- ‌ذكر الاختلاف في أول سورة من القرآن أنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الاختلاف في شق [ (4) ] صدر [ (5) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، متى كان وأين وقع

- ‌ذكر مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصورة التي خلقه اللَّه تعالى عليها

- ‌ذكر كيفية إلقاء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تعليم جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

- ‌وأمّا إقامة جبريل عليه السلام أوقات الصّلاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّه أمّه فيها

- ‌ذكر الجهة [ (1) ] التي كان صلى الله عليه وسلم يستقبلها في صلاته

- ‌ذكر من قرن برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الملائكة

- ‌فصل في ذكر الفضائل التي خصّ اللَّه تعالى بها نبيّه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وشرفه بها على جميع الأنبياء

- ‌فأما أنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

- ‌وأما مخاطبة اللَّه له بالنّبوّة والرسالة ومخاطبة من عداه من الأنبياء باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قرفه به المكذبون، ونهي اللَّه تعالى العباد عن مخاطبته باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرفه المكذبون له

- ‌وأما مغفرة ذنبه من غير ذكره تعالى له خطا ولا زلّة

- ‌وأما أخذ اللَّه تعالى الميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه

- ‌وأما عموم رسالته إلى الناس جميعا وفرض الإيمان به على الكافة، وأنه لا ينجو أحد من النار حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أمر الكافّة بالتّأسي به قولا وفعلا

- ‌وأما اقتران اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم اللَّه تعالى

- ‌وأما تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم قبل تمام خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر التنويه [ (1) ] بذكر رسول صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام

- ‌وأما شرف أصله، وتكريم حسبه ونسبه، وطيب مولده

- ‌وأما أنّ أسماءه خير الأسماء

- ‌وأما قسم اللَّه تعالى بحياته صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما تفرده بالسيادة يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل وأن آدم ومن دونه تحت لوائه

- ‌فصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليهما وسلامه [ (1) ]

- ‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

- ‌ذكر المقام المحمود الّذي وعد اللَّه تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيه وإرشاد

- ‌إيضاح وتبيان

- ‌وأما حوض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الكوثر

- ‌وأما كثرة أتباعه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما الخمس التي أعطيها صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أنه بعث بجوامع الكلم وأوتي مفاتيح خزائن الأرض

- ‌وأما تأييده بقتال الملائكة معه

- ‌وأما أنه خاتم الأنبياء

- ‌وأما أن أمته خير الأمم

- ‌وأما ذكره في كتب الأنبياء وصحفهم وإخبار العلماء بظهوره حتى كانت الأمم تنتظر بعثته

- ‌ومن إعلامه في التوراة

- ‌ومن إعلامه في التوراة أيضا

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌وفي حكاية يوحنا عن المسيح

- ‌وفي إنجيل متى

- ‌وذكر شعيا طريق مكة فقال:

- ‌وأما سماع الأخبار بنبوّته من الجنّ وأجواف الأصنام ومن الكهّان

الفصل: ‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

قال اللَّه تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ (3) ]، قال قتادة والحسن وزيد بن أسلّم: قدم صدق هو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم.

وعن أبي سعيد الخدريّ: هي شفاعة نبيهم محمد، وهو شفيع صدق عند ربهم.

[ (1) ] الشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرا له ومسائلا عنه. وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى. ومنه الشفاعة في القيامة، قال تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [48:

المدثر] ، أي لا تشفع لهم.

وقوله: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها [85: النساء] ، أي من انضم إلى غيره وعاونه، وصار شفعا له أو شفيعا في فعل الخير أو الشّر وقوّاه، شاركه في نفعه وضرّه.

وقيل الشفاعة ها هنا: أن يشرع الإنسان لآخر طريق خير أو طريق شرّ، فيقتدي به، فصار كأنه شفع له، وذلك كما

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» . [رواه مسلم مطولا] .

وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [3: يونس] ، أي يدبر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر، إلا أن يأذن للمدبرات والمقسمات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه.

واستشفعت بفلان على فلان فتشفّع لي إليه. وشفّعه: أجاب شفاعته. ومنه الحديث: «القرآن شافع مشفّع» . [رواه ابن حبان] . وإن فلانا ليستشفع به. قال الشاعر:

مضى زمن والناس يستشفعون بي

فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع

(بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) : 3/ 328- 329.

[ (2) ] الفزع: الذّعر والفرق. وربما جمع على الأفزاع، وإن كان مصدرا يقال: فزع- بالكسر-: خفا.

قال تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [89: النمل] . وفزع أيضا: استغاث. والإفزاع:

الإخافة والإغاثة.

والتفزيع من الأضداد، يقال: فزّعه إذا أخافه. وفزّع عنه: كشف عنه الفزع. قال تعالى: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [23: سبأ]، أي كشف عنها الفزع. (المرجع السابق) : 4/ 191.

[ (3) ] يونس: 2.

ص: 263

خرج البخاري وأبو داود من حديث مسدد قال: حدثنا يحيى عن الحسن بن ذكوان قال: حدثنا أيوب قال: حدثني عمران بن الحصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميون. ذكره البخاري في الرقاق في باب صفة الجنة والنار، وذكره أبو داود في كتاب السنة في باب الشفاعة

ولفظهما فيه سواء [ (1) ] .

وخرج البخاري من حديث همام عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميون [ (1) ] . ذكره في الرقاق في كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ (2) ] .

[و] من حديث هشام عن قتادة عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليصيبن أقواما سفع من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم اللَّه تعالى الجنة بفضل رحمته يقال لهم: الجهنميون [ (3) ] .

وللترمذي من طريق عن الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه [ (4) ] .

وله من حديث سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أتاني آت من عند ربي فخيّرني بين أن يدخل نصف

[ (1) ] سبق الإشارة إليه وشرحه.

[ (2) ] الأعراف: 56.

[ (3) ] سبق الإشارة إليه.

[ (4) ] رواه الترمذي رقم (2437) في صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة، وأبو داود رقم (4739) في السنة، باب في الشفاعة، ورواه أيضا ابن ماجة رقم (4310) في الزهد، باب ذكر الشفاعة، وهو حديث صحيح، وأخرجه الترمذي أيضا من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما مثله، وزاد فيه: قال الراويّ: فقال لي جابر: «يا محمد! من لم يكن من أهل الكبائر، فما له وللشفاعة؟» رقم (2438) في صفة القيامة، باب رقم (12) وهو حديث حسن.

ص: 264

أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئا [ (1) ] .

وخرج أبو بشر بن محمد بن أحمد بن حماد الدولابي من حديث محمد بن عوف ابن سفيان الطائي قال: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثنا أنس بن مالك عن أم حبيبة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أريت ما [يلقى][ (2) ] أمتي بعدي وسفك بعضهم دماء بعض، [فأحزنني وشق ذلك عليّ][ (3) ] ، وسبق ذلك من اللَّه [تعالى][ (3) ] كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته [أن يوليني الشفاعة فيهم يوم القيامة ففعل][ (4) ] .

وخرج مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابرا رضي الله عنه يقول: سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه يقول: إن اللَّه تبارك وتعالى يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة [ (5) ] .

وخرج من حديث حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر ابن عبد اللَّه يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن اللَّه تعالى يخرج قوما من النار بالشفاعة؟

[ (1) ] حديث رقم (2443) في صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة، وإسناده حسن، وفي (خ) :

«وهي لمن مات» ، وفي الترمذي:«وهي نائلة من مات..» .

[ (2) ] في (خ) : «تلقى» .

[ (3) ] ما بين الحاصرتين زيادة عن رواية (المستدرك) .

[ (4) ]

كذا في (خ)، وفي (المستدرك) :«فسألته أن يوليني الشفاعة فيهم يوم القيامة ففعل» . والحديث رواه الحاكم في (المستدرك) : 1/ 138- 139، حديث رقم (227/ 228) من كتاب الإيمان وقال في آخره: هذا حديث حسن صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والعلة عندهما فيه أن أبا اليمان حدّث به مرتين، فقال مرة: عن شعيب، عن الزهري، عن أنس، وقال مرة:

عن شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس.. وقد قدمنا القول في مثل هذا أنه لا ينكر أن يكون الحديث عند إمام من الأئمة عن شيخين، فمرة يحدث به هذا، ومرة عن ذاك. وقد حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن عمر، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا إبراهيم بن هانئ النيسابورىّ قال:

قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزهري والّذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها.

قال الحاكم: هذا كالأخذ باليد، فإن إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون. وقال الذهبي في (التلخيص) بنحو كلام الحاكم.

[ (5) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (84) ، حديث رقم (317) .

ص: 265

قال: نعم [ (1) ] .

وخرجه البخاري من حديث حماد عن عمرو عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج من النار [قوم][ (2) ] بالشفاعة كأنهم الثّعارير، قلنا: ما الثعارير؟ قال:

الضغابيس» [وفي رواية][ (2) ] : «إن اللَّه يخرج ناسا من النار فيدخلهم الجنة» وفي أخرى: «إن اللَّه يخرج قوما من النار بالشفاعة» ] [ (3) ] .

وخرج من حديث حماد، عن عمرو، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يخرج من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير» . قلت: وما الثعارير؟

قال: الضغابيس. وكان قد سقط فمه، فقلت لعمرو [بن دينار] [ (3) ] : أبا محمد، سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج بالشفاعة من النار» ؟ قال: نعم [ (4) ] . ذكره في كتاب الرقاق.

ولمسلم من حديث أبي أحمد الزبيري، حدثنا قيس بن سليم العنبري، قال:

حدثني يزيد الفقير، حدثنا جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أم قوما يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة» [ (5) ] .

[ (1) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (84)، من حديث رقم (318) . وكلاهما في (مسلم بشرح النووي) : 3/ 51.

[ (2) ] زيادة للسياق من (جامع الأصول) : 10/ 550، و (الثعارير) : صغار القثاء، وهي الضغابيس أيضا، واللفظة بالثاء المعجمة والعين المهملة. وذكرها الهروي في حرف الغين المعجمة، وبعدها الراء المهملة، وبعدها الزاي المعجمة «كما تنبت التغاريز» والتاء معجمة بنقطتين من فوق قبل الغين، وقال:

هي فسيل النخل إذا حولت من موضع إلى موضع فغرزت فيه، الواحدة تغريز وتنبيت. وقال مثله في التقدير: التناوير، لنور الشجر، والتقاصيب لما قصّب من الشعر. قال: وقد رويت «الثعارير» يعني الأول، والوجه الأول، وهو الرواية، وتعضده الرواية الأخرى التي قال فيها:«الضغابيس» .

[ (3) ] ما بين الحاصرتين تكملة من (جامع الأصول) ، والحديث أخرجه البخاري في الرقاق باب (51) ، حديث رقم (6558) ، ومسلم في الإيمان، باب (84) أدنى أهل الحجنة منزلة فيها، حديث رقم (317) ، (318) .

[ (4) ] انظر التعليق السابق.

[ (5) ] أخرجه مسلم في الإيمان، باب (84) أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم (319) .

ص: 266

وله من حديث ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يسأل عن الورود فقال: «نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا، انظر أي ذلك فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء اللَّه، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر، سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم، كأضواء نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها» [ (1) ] .

[قال كاتبه: هكذا وقع في رواية هذا الحديث «عن كذا وكذا، انظر» .

وقال الحفاظ: هو كلام فاسد غير مستقيم، وصوابه:«على كوم» ، وهو جمع كومة، وهو المكان المشرف، أي نحن فوق الناس، فلم يذكر المؤلف اللفظة أو المكنى عنه، فكنى عنها بكذا وكذا، وفسرها بقوله:«أي ذلك فوق الناس» ، وقوله:«انظر» أي تأمل هذا الموضع واستثبت فيه، فظنه الناسخ من الحديث

[ (1) ](المرجع السابق)، حديث رقم (316) قوله:«حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل ويذهب حراقه ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها» ، وهكذا هو في جميع الأصول ببلادنا «نبات الشيء» ، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين، وعن بعض رواة مسلم «نبات الدمن» ، يعني بكسر الدال وإسكان الميم، وهذه الرواية هي الموجودة في (الجمع بين الصحيحين) لعبد الحق، وكلاهما صحيح، لكن الأول هو المشهور الظاهر، وهو بمعنى الروايات السابقة «نبات الحبة في حميل السيل «، وأما «نبات الدمن» فمعناها أيضا كذلك، فإن الدمن البعر، والتقدير: نبات ذي الدمن في السيل، أي كما ينبت الشيء الحاصل في البعر، والغثاء الموجود في أطراف النهر، والمراد التشبيه به في السرعة والنضارة، وقد أشار صاحب (المطالع) إلى تصحيح هذه الرواية، ولكن لم ينقح الكلام في تحقيقها، بل قال: عندي أنها رواية صحيحة، ومعناه سرعة نبات الدمن مع ضعف ما ينبت فيه، وحسن منظره. واللَّه تعالى أعلم.

(مسلم بشرح النووي) : 3/ 50- 51.

ص: 267

فألحقه بمتنه، ولا يخفى ما فيه من التخليط] [ (1) ] .

[وقال الشيخ محيي الدين النووي: «

هكذا في جميع الأصول من صحيح مسلم، واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف» ] [ (1) ] .

[وقال الحافظ عبد الحق في كتابه (الجمع بين الصحيحين) : «هذا الّذي وقع في كتاب مسلم تخليط» ][ (1) ] .

[وقال القاضي عياض: «هذه صورة الحديث في جميع النّسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف» ][ (1) ] .

[وفي طريق ابن أبي خيثمة من حديث أنس بن مالك: «يحشر الناس يوم القيامة على تل وأمتي على تل» ][ (1) ] .

[وفي رواية: «يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل» ،

قال القاضي عياض: «.... فجمع النقلة الكلّ ونسّقوه على أنه من متن الحديث كما تراه.... وقد تابعه عليه جماعة من المتأخرين» ] [ (1) ] .

وخرج من حديث محمد بن [بشر][ (2) ] حدثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: أتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك [ (3) ] ؟ يجمع اللَّه يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي [ (4) ] ، وينفذهم البصر [ (4) ] ، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون، من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون:

يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة

[ (1) ] ما بين الحاصرتين غير واضح في التصوير الميكروفيلمي للمخطوطة (خ) ، وقد قمنا بصياغة هذه العبارات بحيث تفيد المعنى الّذي أراده المصنف من خلال الأجزاء الواضحة في الميكروفيلم.

[ (2) ] في (خ) : «عبيد» .

[ (3) ] في (خ) : «بم يجمع» .

[ (4) ] في (خ) : «فيبصرهم الناظر» ، «ويسمعهم الداعي» .

ص: 268

فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟.

فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.

فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى الأرض، وسمّاك اللَّه عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، لا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟

فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها، على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

فيأتون إبراهيم فيقولن: أنت نبي اللَّه وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم:

إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا موسى، أنت رسول اللَّه فضّلك اللَّه برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غصبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى صلى الله عليه وسلم.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول اللَّه، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

فيأتون فيقولون: يا محمد، أنت رسول اللَّه، وخاتم الأنبياء، وغفر لك

ص: 269

ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشتفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح اللَّه على ويلهمني من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال:

يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والّذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين [ (1) ] من مصاريع الجنة، لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى [ (2) ] .

[ (1) ] المصراعان- بكسر الميم- جانبا الباب، وهجر- بفتح الهاء والجيم- مدينة عظيمة، هي قاعدة بلاد البحرين، وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث «إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر» ، تلك قرية من قرى المدينة، كانت القلال تصنع بها، وهي غير مصروفة. (مسلم بشرح النووي) : 3/ 69، (معجم البلدان) موضع رقم (12637) .

[ (2) ] بصرى- بضم الباء- مدينة معروفة، بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل، وهي مدينة حوران، وبينها وبين مكة شهر (المرجع السابق) ، (معجم البلدان) موضع رقم (1949) .

والحديث أخرجه مسلم في الإيمان، باب (84) ، حديث رقم (327)، قوله صلى الله عليه وسلم:«يجمع اللَّه يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر» ،

أما الصعيد فهو الأرض الواسعة المستوية، وأما ينفذهم البصر، فهو بفتح الياء وبالذال المعجمة، وذكر الهروي وصاحب (المطالع) وغيرهما، أنه روي بضم الياء، وبفتحها، قال صاحب (المطالع) : رواه الأكثرون بالفتح، وبعضهم بالضم.

وأما معناه، فقال الهروي: قال أبو عبيد: معناه ينفذهم بصر الرحمن تبارك وتعالى، حتى يأتي عليهم كلهم. وقال غير أبي عبيد: أراد تخرقهم أبصار الناظرين لاستواء الصعيد، واللَّه تبارك وتعالى قد أحاط الناس أولا وآخرا. هذا كلام الهروي.

وقال صاحب (المطالع) : معناه أنه يحيط بهم الناظر، لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض، أي ليس فيها ما يستتر به أحد عن الناظرين. قال: وهذا أولى من قول أبي عبيد: يأتي عليهم بصر الرحمن سبحانه وتعالى، لأن رؤية اللَّه تعالى تحيط بجميعهم في كل حال، في الصعيد المستوى وغيره، هذا قول صاحب (المطالع) .

قال الإمام أبو السعادات الجزري بعد أن ذكر الخلاف بين أبي عبيد وغيره، في أن المراد بصر الرحمن سبحانه وتعالى، أو بصر الناظر من الخلق: قال أبو حاتم: أصحاب الحديث يروونه بالذال المعجمة، وإنما هو بالمهملة، أي يبلغ أولهم وآخرهم، حتى يراهم كلهم ويستوعبهم، من نفد الشيء وأنفدته.

قال: وحمل الحديث على بصر الناظر أولى من حمله على بصر الرحمن تبارك وتعالى. مختصرا من (مسلم بشرح النووي) : 3/ 67- 68.

ص: 270

ولمسلم من حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: وضعت بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحب الشاة إليه، فنهس نهسة فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون كيفه؟ قالوا: كيفه يا رسول اللَّه؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين، وساق الحديث بمعنى حديث أبي حيان عن أبي زرعة. وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعل كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم.

قال: والّذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة، قال: لا أدري أي ذلك قال [ (1) ] .

وله من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبو مالك عن ربعي [بن خراش][ (2) ]، عن حذيفة قالا: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يجمع اللَّه تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون، يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل اللَّه، قال: فيقول إبراهيم:

لست بصاحب ذاك، إنما كنت خليلا من وراء وراء [ (3) ] أعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم، الّذي كلّمه اللَّه تكليما، فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست بصاحب ذاك، اذهبوا إلى عيسى كلمة اللَّه وروحه، فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم: لست بصاحب ذاك.

[ (1) ](المرجع السابق) : 3/ 69- 70، حديث رقم (328) .

[ (2) ] زيادة للنسب من (خ) .

[ (3) ]

قوله: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» ،

قال صاحب (التحرير) : هذه الكلمة تذكر على سبيل التواضع، أي لست لتلك الدرجة الرفيعة، قال: وقع لي معنى مليح فيه، وهو أن معناه أن المكارم التي أعطيتها كانت بوساطة سفارة جبريل عليه السلام، ولكن ائتوا موسى فإنه حصل له سماع الكلام بغير واسطة، قال: وإنما كرر «وراء وراء» ، لكون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حصل له السماع بغير واسطة، وحصل له الروية، فقال إبراهيم عليه السلام: أنا وراء موسى الّذي هو وراء محمد صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين وسلّم. هذا كلام صاحب التحرير، وأما ضبط «وراء وراء» ، فالمشهور فيه الفتح فيهما بلا تنوين، ويجوز عند أهل العربية بناؤهما على الضم، على خلاف بين أهل اللغة، فليراجع في مظانه.

(المرجع السابق) .

ص: 271

فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم [ (1) ] ، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أوّلكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمرّ البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين، ثم كمرّ الريح، ثم كمرّ الطير، وشدّ الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم [قائم][ (2) ] على الصراط، يقول: ربّ سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا.

قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والّذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفا [ (3) ] .

وخرج البخاري ومسلم من حديث مالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، قال: حدثني أبي، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: يدخل اللَّه أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار،

[ (1) ] وأما إرسال الأمانة والرحم، فهو لعظم أمرهما، وكثير موقعهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها اللَّه تعالى، قال صاحب (التحرير) : في الكلام اختصار، والسامع فهم أنهم تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما. (المرجع السابق) .

[ (2) ] في (خ) : «ونبيم على الصراط» ، وما أثبتناه من (المرجع السابق) قوله:«فيمر أولهم كالبرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم» ، أما شدّ الرجال فهو بالجيم جمع رجل، هذا هو الصحيح المعروف المشهور.

ونقل القاضي أنه في رواية ابن ماهان بالحاء، قال القاضي: وهما متقاربان في المعنى، وشدّها:

عدوها البالغ وجريها.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «تجري بهم أعمالهم» ،

فهو كالتفسير،

لقوله صلى الله عليه وسلم، «فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح.. إلخ»

معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم.

قوله: «والّذي نفس أبي هريرة بيده أن قعر جهنم لسبعون خريفا» ، هكذا هو في بعض الأصول «لسبعون» بالواو، وهذا ظاهر، وفيه حذف تقديره أن مسافة قعر جهنم سير سبعين سنة، ووقع في بعض الأصول والروايات: لسبعين بالياء، وهو صحيح أيضا، أما على مذهب من يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على جره، فيكون التقدير سير سبعين.

وأما على أن قعر جهنم مصدر، قال: قعرت الشيء إذا بلغت قعره، ويكون «سبعين» ظرف زمان، وفيه خبر «أن» ، التقدير أن بلوغ قعر جهنم لكائن في سبعين خريفا، والخريف السنة. واللَّه تعالى أعلم. (المرجع السابق) .

[ (3) ] والحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (84) ، حديث رقم (329)، وفي (خ) بعد قوله: وراء وراء» «اعمدوا إلى ابني إبراهيم خليل اللَّه» ، وهو تكرار من الناسخ.

ص: 272

ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون منها حمما قد امتحشوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحيا، فينبتون فيه كما تبنت الحبة إلى جانب السيل، ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية؟ هذا لفظ مسلم، وعند البخاري:«فيخرجون منها قد اسودّوا، وقال: «من خردل من خير» [ (1) ] .

وأخرجاه من حديث وهيب، حدثنا حجاج بن الشاعر، حدثنا عمرو ابن عون، أخبرنا خالد، كلاهما عن عمرو بن يحيى بهذا الإسناد [وقالا] [ (2) ] : فيلقون في نهر يقال له: الحياة، ولم يشكّا، وفي حديث خالد: كما تنبت الغثاءة في جانب السيل، وفي حديث وهيب: كما تنبت الحبة في حمئة أو حميلة السيل [ (3) ] ، [ذكره البخاري في باب صفة الجنة والنار، وذكره مسلم في باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار] .

وخرج مسلم من حدث بشر بن المفضل عن أبي مسلمة عن أبي نصرة عن أبي سعيد [الخدريّ][ (4) ] قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما أهل النار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم- أو قال:

- بخطاياهم- فأماتهم [اللَّه][ (4) ] إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة [ (5) ] فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل [ (6) ] : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل،

فقال رجل من القوم: كأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية [ (7) ] .

[ (1) ] رواه البخاري في الرقاق، باب صفة الجنة والنار حديث رقم (6560) ، ومسلم في الإيمان باب (84) أدنى أهل الجنة منزلة فيها.

[ (2) ] في (خ) : «وقال» .

[ (3) ] ذكره مسلم في كتاب الإيمان باب (82) إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار حديث رقم (305) ، والبخاري كما في تعليق (7) .

[ (4) ] زيادة من (خ) .

[ (5) ] في (خ) : «في الشفاعة» .

[ (6) ] في (خ) : «فقيل» .

[ (7) ]

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (82) إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث رقم (304)، قوله صلى الله عليه وسلم:«فأماتهم» ،

أي أماتهم إماتة، وحذف للعلم به، وفي بعض النسخ «فأماتتهم» بتاءين، أي أماتتهم النار

ص: 273

وخرج البخاري ومسلم من حديث حماد بن زيد، أخبرنا معبد بن هلال الغزي قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك رضي الله عنه وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره فقال له [ثابت] [ (1) ] : يا أبا حمزة، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد [رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (1) ] قال: إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم [صلى الله عليه وسلم] [ (1) ] فيقولون [ (2) ] : اشفع لذريتك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم [عليه السلام][ (3) ] فإنه خليل اللَّه، فيأتون إبراهيم صلى الله عليه وسلم فيقول: لست لها [بأهل][ (4) ] ، ولكن عليكم بموسى [عليه السلام][ (3) ] فإنه كليم اللَّه، فيؤتى موسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست لها، ولكن

[ () ] وأما معنى الحديث، فالظاهر أن الكفار الذين هم أهل النار والمستحقون للخلود لا يموتون فيها ولا يحيون حياة ينتفعون بها ويستريحون معها، كما قال اللَّه تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها [36: فاطر]، وكما قال تعالى: ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى، [13:

الأعلى] ، وهذا جار على مذهب أهل الحق أن نعيم أهل الجنة دائم، وأن عذاب أهل الخلود في النار دائم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن ناس أصابتهم النار

إلخ» فمعناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم اللَّه تعالى إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها اللَّه تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدّرها اللَّه تعالى، ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحما، فيحملون ضبائر كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيصب عليهم ماء الحياة، فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوتهم بعد ذلك، ويصيرون إلى منازلهم وتكمل أحوالهم. فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه.

وحكى القاضي عياض رحمه الله فيه وجهين: أحدهما: أنها إماتة حقيقية. والثاني: ليس بموت حقيقي، ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام. قال: ويجوز أن تكون آلامهم أخفّ، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه واللَّه تعالى أعلم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم، «ضبائر» ، فكذا هو في الروايات والأصول، «ضبائر ضبائر» مكررة مرتين، وهو منصوب على الحال، وهو بفتح الضاد المعجمة، وهو جمع ضبارة، بفتح الضاد وكسرها لغتان، حكاهما القاضي عياض، وصاحب (المطالع) ، وغيرهما، أشهرها الكسر، ولم يذكر الهروي وغيره إلا الكسر، ويقال فيها أيضا إضبارة بكسر الهمزة، قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة، وروي:

«ضبارات في ضبارات» . واللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 3/ 40- 41.

[ (1) ] زيادة من (خ) .

[ (2) ] في (خ)، والبخاري:«فيقولون: اشفع» ، وفي رواية مسلم:«فيقولون له: اشفع» .

[ (3) ] زيادة من رواية مسلم.

[ (4) ] زيادة من (خ) .

ص: 274

عليكم بعيسى فإنه روح اللَّه وكلمته، فيؤتى عيسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتي فأقول: أنا لها، فأنطلق فاستأذن على ربي عز وجل فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه إلا أن [ (1) ] يلهمنيه اللَّه عز وجل، ثم أخرّ له [ (2) ] ساجدا فيقال [ (3) ] لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب [ (4) ] أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها. قال البخاري:

فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفّع، فأقول: رب [ (5) ] أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه [ (6) ] مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها. وقال البخاري: فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي، فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه

، وقال البخاري: فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل.

هذا حديث أنس الّذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان قلنا: لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة، قال: فدخلنا عليه فسلمنا عليه، قلنا [ (7) ]

[ (1) ] في مسلم: «الآن» ولعلها خطأ مطبعي، وفي (خ)، والبخاري:«إلا أن» .

[ (2) ] في (خ)، ومسلم:«ثم أخرّ له» ، وفي البخاري:«ثم أخرّ لربنا ساجدا» .

[ (3) ] في (خ)، ومسلم:«فيقال لي» ، وفي البخاري:«فيقول» .

[ (4) ] في (خ)، والبخاري:«يا رب أمتي» ، وفي مسلم:«رب أمتي» .

[ (5) ] في (خ) : «رب أمتي» ، وفي البخاري ومسلم:«يا رب أمتي» .

[ (6) ] في رواية مسلم أيضا، «فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار» ، وهو مطابق لرواية البخاري.

[ (7) ] كذا في (خ) والبخاري، وفي مسلم:«فقلنا» .

ص: 275

يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة، [قال] [ (1) ] : هيه، قال: فحدثناه الحديث فقلنا هيه، قلنا: ما زادنا، قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع، ولقد ترك شيئا ما أدري أنسى الشيخ أم كره [ (2) ] أن يحدثكم فتتكلوا، قلنا له، حدثنا، فضحك وقال:

خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه: ثم أرجع إلى ربي [عز وجل][ (3) ] في الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن [قال][ (4) ] : لا إله إلا اللَّه، قال: ليس [ (5) ] ذلك لك، أو قال: ليس ذلك [ (6) ] إليك، ولكن وعزتي وكبريائي، وعظمتي وجبريائي [ (7) ] لأخرجن من قال: لا إله إلا اللَّه. قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك، أراه قال: قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميع. اللفظ لمسلم [ (8) ] .

وقال البخاري في أوله: اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره فوافقناه يصلي [ (9) ] الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم.. الحديث وقال فيه: ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد، وقال فيه: خلق الإنسان عجولا، وقال في آخره: فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا اللَّه. هذا آخر الحديث عنده، ذكره في كتاب التوحيد

[ (1) ] في (خ) : «فقال» ، وما أثبتناه من رواية البخاري ومسلم.

[ (2) ] في رواية مسلم: «أو كره» .

[ (3) ] زيادة من (خ) .

[ (4) ] في (خ) : «يقول» .

[ (5) ] في البخاري: «فليس» .

[ (6) ] في مسلم: «ليس ذاك» .

[ (7) ] كذا في (خ) ، ومسلم، وفي البخاري:«وعظمتي لأخرجن» .

[ (8) ] حديث رقم (326) من كتاب الإيمان، باب (84) أدنى أهل الجنة منزلة فيها، من صحيح مسلم.

[ (9) ] في (خ) : «فصلى» والتصويب من رواية البخاري.

ص: 276

في باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم [ (1) ] .

وخرج في هذا الباب حديث أبي بكر بن عيّاش عن حميد قال: سمعت أنسا قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة [شفعت][ (2) ] فقلت: يا رب أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء،

فقال أنس: كأني انظر إلى أصابع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [ (3) ] .

وخرج البخاري ومسلم من حديث أبي عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يجمع اللَّه الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك [وقال ابن عبيد: فيلهمون من ذلك][ (4) ] فيقولون: لو استشفعنا [على][ (5) ] ربنا عز وجل حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا [ (6) ] فيقول: لست هناكم فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها [ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه اللَّه، فيأتون نوحا صلى الله عليه وسلم فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها][ (7) ] ولكن ائتوا إبراهيم الّذي اتخذه اللَّه خليلا، فيأتون إبراهيم عليه السلام

[ (1) ] أخرجه البخاري برقم (5710) . قوله: «وهو يومئذ جميع» في رواية مسلم، وفي رواية البخاري «وهو جميع» ، أي مجتمع العقل، وهو إشارة إلى أنه كان حينئذ لم يدخل في الكبر، الّذي هو مظنة تفرق الذهن، وحدوث اختلاط الحفظ.

وأخرجه البخاري أيضا في التوحيد، باب (19) قول اللَّه تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، حديث رقم (7410)، وفي باب (37) في قوله عز وجل: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً، حديث رقم (7515) ، وفي تفسير سورة البقرة، باب (1) قول اللَّه تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، حديث رقم (4476) ، وفي الرقاق، باب (51) صفة الجنة والنار حديث رقم (6565) .

[ (2) ] في (خ) : «تشفعت» .

[ (3) ] أخرجه البخاري في التوحيد، باب (36) كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث رقم (7509) .

[ (4) ] ما بين الحاصرتين تكملة من صحيح مسلم.

[ (5) ] في (خ) : «إلى» .

[ (6) ] في (خ) بعد قوله: «مكاننا هذا» قال: فيأتون آدم عليه السلام وهو تكرار من الناسخ، والتصويب من صحيح مسلم.

[ (7) ] ما بين الحاصرتين سقط في (خ) .

ص: 277

فيقول: لست هناكم [ويذكر][ (1) ] خطيئته التي أصحاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الّذي كلمه اللَّه وأعطاه التوراة، قال: فيأتون موسى عليه السلام فيقول:

لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح اللَّه وكلمته، فيأتون عيسى روح اللَّه وكلمته عليه السلام فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فيأتوني فاستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع [فيحد لي حدا][ (2) ] فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني ثم يقال [لي] [ (3) ] : يا محمد، قل تسمع، وسل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع [فيحد لي حدا] [ (2) ] فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. قال:[فلا][ (4) ] أدري في الثالثة أو في الرابعة قال:

فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب الخلود، واللفظ لمسلم [ (5) ] ولم يذكر البخاري فيه قوله: فيهتمون لذلك، ولا فيلهمون لذلك، ولا قوله: التي أصاب فيستحي ربه منها في المواضع الثلاثة. وقال في آخره: حتى ما بقي في النار إلا من حبسهم القرآن، فكان قتادة يقول عند هذا: إلا من وجب عليه الخلود. ذكره في كتاب الرقاق [ (6) ] .

وخرج مسلم من حديث ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس قال:

قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيهتمون بذلك أو يلهمون ذلك، بمثل حديث أبي عوانة، وقال في الحديث: ثم آتيه الرابعة فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن [ (7) ] .

لم يذكر مسلم من الحديث غير هذا، وذكر بعده

[ (1) ] في (خ) : «فيذكر» .

[ (2) ] في (خ) : «فنخر ساجدا» وهو خطأ بين.

[ (3) ] زيادة من (خ) .

[ (4) ] في (خ) : «ولا» .

[ (5) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (84) أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم (322) .

[ (6) ] أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب (51) صفة الجنة والنار، حديث رقم (6565) .

[ (7) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (84) ، أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم (323) .

ص: 278

حديث معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجمع اللَّه المؤمنون يوم القيامة فيلهمون لذلك بمثل حديثهما، وذكر في الرابعة: فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود [ (1) ] .

وأخرجه البخاري من هذه الطريق ولفظه: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجمع المؤمنون يوم القيامة لذلك فيقولون، لو استشفعنا إلى ربنا

الحديث بنحو حديث أبي عوانة عن قتادة، وقال فيه في ذكر نوح وأنه أول رسول بعثه اللَّه إلى أهل الأرض، وقال فيه: فأستأذن على ربي ويؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وهكذا في موضعين بعد هذا، ثم أرجع فإذا رأيت ربي كما قال في هذا، وقال في الرابع: ثم أرجع فأقول: رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود [ (2) ] .

وخرج البخاري في تفسير سورة البقرة من طريق مسلم بن إبراهيم، أخبرنا هشام، [حدثنا] [ (3) ] قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك اللَّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحى ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه اللَّه إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي ويقول: ائتوا خليل [ (4) ] الرحمن، فيأتون فيقول: لست هناكم، [ائتوا موسى، عبدا كلمه اللَّه وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم][ (5) ] فيستحي من ربه [فيقول][ (6) ] : ائتوا عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمة اللَّه وروحه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدا، عبدا غفر

[ (1) ] المرجع السابق، حديث رقم (324) .

[ (2) ] سبق الإشارة إليه.

[ (3) ] في (خ) : «أخبرنا» .

[ (4) ] في (خ) : «كليم» .

[ (5) ] ما بين الحاصرتين سقط من (خ) .

[ (6) ] زيادة للسياق من البخاري.

ص: 279

اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني فأنطلق حتى [ (1) ] استأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء ثم يقال: ارفع رأسك [وسل][ (2) ] تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع [فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة][ (2) ] ثم أعود الرابعة: فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود. قال أبو عبد اللَّه [ (3) ] : إلا من حبسه القرآن يعني قول اللَّه تعالى: خالِدِينَ فِيها [ (4) ] .

وخرج في كتاب التوحيد من حديث همام بن يحيى عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهمّوا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا [ (5) ] فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس: خلقك اللَّه بيده، وأسكنك جنته [ (6) ] ، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، لتشفع [ (7) ] لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيقول لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته التي أصاب- أكله من الشجرة وقد نهى عنها- ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه اللَّه إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب- سؤاله ربه تعالى بغير علم- ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: [إني][ (8) ] لست هناكم ويذكر ثلاث [كذبات][ (9) ] كذبهن، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه اللَّه التوراة وكلّمه وقرّبه نجيا، قال: فيأتون موسى فيقول: إني لست هناكم، ويذكر خطيئته، التي أصاب- قتله النفس- ولكن ائتوا عيسى عبد اللَّه ورسوله، وروح اللَّه وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،

[ (1) ] في (خ) : «فأستأذن» .

[ (2) ] زيادة للسياق من البخاري.

[ (3) ] هو الإمام البخاري.

[ (4) ] الحديث أخرجه البخاري في التفسير باب (1) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، حديث رقم (4476)، واختلف في المراد بالأسماء: فقيل أسماء ذريته، وقيل أسماء الملائكة، وقيل أسماء الأجناس دون أنواعها، وقيل أسماء كل ما في الأرض، وقيل أسماء كل شيء حتى القصعة. (فتح الباري) : 8/ 202- 203.

[ (5) ] في (خ) : «إلى اللَّه» .

[ (6) ] في (خ) : «الجنة» .

[ (7) ] في (خ) : «اشفع» .

[ (8) ] زيادة للسياق من البخاري.

[ (9) ] في (خ) : «كلمات» .

ص: 280

فيأتوني [ (1) ] فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعي، فيقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: وأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه [ (2) ] ، فيحدّ لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة.

قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه [ (3) ]، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحدّ لي حدا، فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وسمعته [ (4) ] يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة فاستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثم أشفع فيحدّ لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة، قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما [ (5) ] يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية:

عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً، قال: وهذا المقام المحمود الّذي وعده [ (6) ] نبيكم صلى الله عليه وسلم [ (7) ] .

وخرج مسلم من حديث مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة يدعوها [ (8) ] ،

[ (1) ] في (خ) : «قال: فيأتوني» .

[ (2) ] في (خ) : «يعلمنيه ثم أشفع» .

[ (3) ] في (خ) : «تعط» .

[ (4) ] في (خ) : «وقد سمعته» .

[ (5) ] في (خ) : «حتى لا يبقى» .

[ (6) ] في (خ) : «وعد» .

[ (7) ] أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب (24) قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ، حديث رقم (7440) .

[ (8) ] في (خ) : «يدعو بها» .

ص: 281

فأريد [ (1) ] أن أختبئ [ (2) ] دعوتي شفاعة [ (3) ] لأمتي يوم القيامة [ (4) ] .

ومن حديث ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة، وأردت إن شاء اللَّه أختبئ [ (5) ] دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (6) ] . خرجه البخاري من حديث شعيب عن الزهري ولفظه: لكل نبي دعوة، وأريد إن شاء اللَّه أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. ذكره في كتاب التوحيد في المشيئة والإرادة [ (7) ] .

وخرج مسلم من حديث يونس عن ابن شهاب أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة يدعوها، فأنا أريد إن شاء اللَّه أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة،

فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو هريرة: نعم [ (8) ] .

وخرج البخاري من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة [مستجابة][ (9) ] يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة [ (10) ] . ذكره في أول كتاب الدعاء.

وخرج مسلم من حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مستجابة، [فتعجل كل نبي دعوته][ (11) ] وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي [ (12) ] نائلة إن

[ (1) ] في (خ) : «وأنا أريد» .

[ (2) ] في (خ) : «أخبي» .

[ (3) ] في (خ) : «شفاعتي» .

[ (4) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (86) اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث رقم (334) .

[ (5) ] في (خ) : «أخبي» .

[ (6) ] المرجع السابق، حديث رقم (335) .

[ (7) ] حديث رقم (7474) .

[ (8) ] مسلم في كتاب الإيمان، باب (86) اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث رقم (337) .

[ (9) ] زيادة للسياق من البخاري.

[ (10) ] ذكره البخاري في أول كتاب الدعاء، باب (1) لكل نبي دعوة مستجابة، حديث رقم (6304) .

[ (11) ] زيادة للسياق من صحيح مسلم.

[ (12) ] في (خ) : «وهي» .

ص: 282

شاء اللَّه من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئا [ (1) ] .

وأخرجه الترمذي من هذه الطريق، ولم يقل فيه: فتعجل كل نبي دعوته.

وقال: هذا حديث حسن صحيح [ (2) ] .

وخرج مسلم من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (3) ] .

وله من حديث شعبة عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد إن شاء اللَّه أن أؤخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (4) ] .

[و][ (5) ] وله من حديث ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر ابن عبد اللَّه رضي الله عنه يقول عن النبي للَّه: لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (6) ] .

وله من حديث معاذ بن [ (7) ] هشام قال: أخبرنا [ (8) ] أبي عن قتادة، أخبرنا [ (8) ] أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة دعاها [ (9) ] لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة [ (10) ] . وذكر له طرقا أخر. وخرجه البخاري تعليقا

[ (1) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب (86) ، اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث رقم (338) .

[ (2) ] رواه الترمذي رقم (3597) في الدعوات، باب رق (141)، ط (الموطأ) : 1/ 22 في القرآن، باب ما جاء في الدعاء.

[ (3) ] رواه مسلم في كتاب الإيمان باب (86) اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث رقم (339) .

[ (4) ] المرجع السابق، حديث رقم (340)، في (خ) :«أدّخر» .

[ (5) ] زيادة للسياق.

[ (6) ] المرجع السابق، حديث رقم (345) .

[ (7) ] في مسلم: «معاذ يعنون ابن هشام» .

[ (8) ] كذا في (خ)، وفي مسلم:«حدثنا» .

[ (9) ] في (خ) : «دعا بها» .

[ (10) ] المرجع السابق، حديث رقم (341) .

ص: 283

في كتاب الدعاء [ (1) ] .

وخرج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث أحمد بن عبد اللَّه قال: أخبرنا زهير ابن معاوية، أخبرنا أبو خالد الأسدي، أخبرنا عون بن أبي جحيفة السواري عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال: انطلقت في وفد فأتينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأنخنا الباب وما في الناس أبغض إلينا من رجل نلج عليه، فما خرجنا حتى ما في الناس رجل أحب إلينا من رجل دخلنا عليه، فقال قائل منا: يا رسول اللَّه! ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان بن داود؟ فضحك ثم قال: لعل لصاحبكم عند اللَّه أفضل من ملك سليمان بن داود! إن اللَّه لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذا عصوه فأهلكوا بها، وإن اللَّه أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي

[ (1) ]

أخرجه البخاري في الدعوات، باب (1) ، لكل نبي دعوة مستجابة، حديث رقم (6304) ، (6305) .

قوله صلى الله عليه وسلم: «وأريد. أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة» ،

وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة «فأريد إن شاء اللَّه أن أختبئ» ،

وزيادة «إن شاء اللَّه» في هذا للتبرك،

ولمسلم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة «وإني اختبأت» ،

وفي حديث أنس «فجعلت دعوتي» ، وزاد «يوم القيامة» ، وزاد أبو صالح «فهي نائلة إن شاء اللَّه من مات من أمتي لا يشرك باللَّه شيئا.

وقوله صلى الله عليه وسلم «من مات» في محل نصب على المفعولية، و «لا يشرك» في محل نصب على الحال، والتقدير: شفاعتي نائلة من مات غير مشرك، وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤخرها ثم عزم ففعل، ورجا وقوع ذلك، فأعلمه اللَّه به، فجزم به.

وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الدعوات المجابة، ولا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة.

وقيل: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة» ، أي أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل:

لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما بإهلاكهم وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة، فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب، وقيل: لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح:

لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ، وقول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي، وقول سليمان:

وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، حكاه ابن التين.

والمراد بهذا الحديث أن كل نبي دعا على أمته بالإهلاك إلا أنا فلم أدع، أعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على أذاهم، والمراد بالأمة أمة الدعوة لا أمة الإجابة....

ص: 284

يوم القيامة [ (1) ] .

وخرج البخاري من حديث سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد بن أبي سعيد [المقبري][ (2) ] عن سعيد عن أبي هريرة أنه قال: قيل [ (3) ] يا رسول اللَّه، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال [رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم][ (4) ] لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا اللَّه خالصا من قلبه، أو نفسه [ (5) ] . ذكره في كتاب العلم وترجم عليه باب الحرص

[ () ] وتعقبه الطيبي- وفي نسخة القرطبي- بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على أحياء من العرب، ودعا على أناس من قريش بأسمائهم، ودعا على رعل، وذكوان، ودعا على مضر، قال: والأولى أن يقال: إن اللَّه جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته، فنالها كل منهم في الدنيا، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه لما دعا على بعض أمته، نزل عليه لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فبقي تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة، وغالب من دعا عليهم لم يرد إهلاكهم، وإنما أراد ردعهم ليتوبوا.

وأما جزمه أولا بأن جميع أدعيتهم مستجابة، ففيه غفلة عن

الحديث الصحيح: «سألت اللَّه ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة» .

قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم.

وقال ابن الجوزي: هذا من حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم، لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه أنه آثر أمته على نفسه، ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمته، لكونهم أحوج إليها من الطائعين.

وقال النووي: فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم، واعناؤه بالنظر في مصالحهم، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم.

وأما قوله: «فهي نائلة» ، ففيه دليل لأهل السنة أن من مات غير مشرك لا يخلد في النار، ولو مات مصرا على الكبائر. مختصرا من (فتح الباري) : 11/ 116- 117.

[ (1) ] له شواهد من أحاديث الباب على صحته.

[ (2) ] زيادة في النسب من البخاري.

[ (3) ] في (خ) : «قال» .

[ (4) ] زيادة للسياق من البخاري.

[ (5) ] ذكره البخاري في كتاب العلم، باب (32) الحرص على الحديث، حديث رقم (99) . قوله صلى الله عليه وسلم: أولى منك» ، فيه فضل أبي هريرة رضي الله عنه، وفضل الحرص على تحصيل العلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا اللَّه» ،

احتراز من المشرك، والمراد مع قوله: محمد رسول اللَّه، لكن قد يكتفي بالجزء الأول من كلمتي الشهادة، لأنه صار شعارا لمجموعهما كما تقدم في الإيمان

ص: 285

على الحديث. وخرجه في كتاب الرقاق من حديث إسماعيل بن جعفر عن عمرو

إلى آخره، وقال: خالصا من قبل نفسه [ (1) ] .

وخرجه النسائي بنحوه [ (2) ] .

وخرج مسلم من حديث ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلى قول اللَّه عز وجل في إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي

[ (3) ] الآية، وقال عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ (4) ]، فرفع يديه وقال: اللَّهمّ أمتي.. أمتي [ (5) ] ، وبكي، فقال اللَّه عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بما قال

[ () ] قوله صلى الله عليه وسلم: «خالصا» احتراز من المنافق، ومعنى أفعل في قوله:«أسعد» الفعل، لا أنها أفعل التفضيل، أي سيد الناس، كقوله تعالى: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، ويحتمل أن يكون أفعل التفضيل على بابها، وأن كل أحد يحصل له سعد بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإنه صلى الله عليه وسلم يشفع في الخلق لإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في الكفار بتخفيف العذاب كما صح في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، ويشفع في بعضهم بعدهم دخولها بعد أن استوجبوا دخولها، ويشفع في بعضهم بدخول الجنة بغير حساب، ويشفع في بعضهم برفع الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص.

قوله صلى الله عليه وسلم: «من قلبه، أو نفسه» شك من الراويّ، وللمصنف في الرقاق:«خالصا من قبل نفسه» ، وذكر ذلك على سبيل التأكيد كما في قوله تعالى: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.

وفي الحديث دليل على اشتراط النطق بكلمتي الشهادة، لتعبيره بالقول في قوله صلى الله عليه وسلم:«من قال» ، واللَّه تعالى أعلم. مختصرا من (فتح الباري) 1/ 257- 258.

[ (1) ] ذكره البخاري في كتاب الرقاق، باب (51) صفة الجنة والنار، حديث رقم (6570)، وقال النووي: الشفاعة خمس:

[1]

في الإراحة من هول الموقف. [2] في إدخال قوم الجنة بغير حساب.

[3]

في إدخال قوم حوسبوا فاستحقوا العذاب أن لا يعذبوا.

[4]

في إخراج من أدخل النار من العصاة.

[5]

في رفع الدرجات.

[ (2) ] لم أجده في (سنن النسائي) .

[ (3) ] 36: إبراهيم، وتمامها: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

[ (4) ] 118: المائدة.

[ (5) ] في (خ) : «اللَّهمّ أمتي اللَّهمّ أمتي» .

ص: 286

وهو أعلم، فقال اللَّه: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤك [ (1) ] .

***

[ (1) ] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب (87) دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم، حديث رقم (346) : وسنده: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو ابن الحارث، أن أبا بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص

وهذا أتم من السند المذكور في (خ) .

وهذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد:

منها بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، واعتنائه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم.

ومنها استحباب رفع اليدين في الدعاء.

ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها اللَّه شرفا بما وعدها اللَّه تعالى بقوله: سنرضيك في أمتك ولا نسؤك، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، أو أرجأها.

ومنها بيان عظم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند اللَّه تعالى، وعظيم لطفه سبحانه به صلى الله عليه وسلم والحكمة في إرسال جبريل لسؤاله صلى الله عليه وسلم إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بالمحل الأعلى، فيسترضى ويكرم بما يرضيه واللَّه تعالى أعلم.

وهذا الحديث موافق لقول اللَّه عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، وأما قوله تعالى:

ولا نسؤك، فقال صاحب (التحرير) : هو تأكيد للمعنى، أي لا نحزنك، لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم، ويدخل الباقي النار، فقال تعالى: نرضيك ولا ندخل عليك حزنا، بل ننجي الجميع واللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي) : 3/ 78- 79.

ص: 287