الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر تعليم جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة
قال أبو عمر بن عبد اللَّه: ومعلوم أن الجنابة لم يفترض الغسل منها قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع أهل السير أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم افترضت عليه الصلاة بمكة والغسل من الجنابة، وأنه لم يصل قط بمكة إلا بوضوء مثل وضوئه بالمدينة ومثل وضوئنا اليوم، وهذا لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند.
وخرج الإمام أحمد من حديث [ابن] لهيعة عن عقيل عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل أتاه أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة ماء فنضح بها فرجة [ (1) ] .
وروى الواقدي من حديث معمر عن الزهري وقتادة والكلبي قالوا: علم جبريل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة، واقرأه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ (2) ] ، فأتى خديجة رضي الله عنها فأخبرها بما أكرمه اللَّه عز وجل به، وعلمها الوضوء فصلت معه، وكانت أول خلق صلى معه [ (3) ] .
ومن حديث أبي معشر عن محمد بن قيس قال: فحص جبريل بعقبه الأرض فنبع ماء، فعلم جبريل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء، فمضمض ثم استنشق وغسل وجهه وذراعيه، ومسح رأسه وغسل رجليه، ثم نضح تحت إزاره ثم صلّى ركعتين، فانصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مسرورا فجاء إلى خديجة رضي الله عنها فحدثها وأراها ما أراه جبريل، ثم صلت معه ركعتين [ (3) ] .
وقال الواقدي: وكان علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة رضي الله عنهما يلزمان
[ (1) ](مسند أحمد) : 5/ 165- 166، حديث رقم (17026) .
[ (2) ] أول سورة العلق.
[ (3) ] سبق الإشارة إليهم في سياق الغزوات.
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان يخرج إلى الكعبة أول النهار ويصلي صلاة الضحى- وكانت تلك صلاة لا تنكرها قريش- وكان إذا صلّى في سائر اليوم بعد ذلك قعد عليّ أو زيد يرصدانه [ (1) ] .
وروى عن سلمة بن [][ (2) ] عن عميرة بنت عبيد اللَّه بن كعب بن مالك عن بنت أبي بحراة قالت: كانت قريش لا تنكر صلاة الضحى إنما تنكر غيرها، وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فيصلون فرادى ومثنى، قال الواقدي: كانوا يصلون الضحى والعصر، ثم نزلت الصلوات الخمس قبل الهجرة، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم نزل تمامها بالمدينة للمقيم، وبقيت صلاة المسافر ركعتين.
وقال مقاتل بن سليمان: فرض اللَّه تعالى على المسلم في أول الإسلام صلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالضحى، ثم فرض الخمس في ليلة المعراج، وقد جاء أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلّى عند زوال الشمس في أول النبوة، ولما نزلت سورة المزمل بمكة كان قيام الليل فرضا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين، فشق ذلك عليه وعليهم، فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [ (3) ] .
وقال عطاء بن السائب ومقاتل بن سليمان: نزل قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [ (3) ] بالمدينة، والأول أصح، وقيل: نسخ قيام الليل في حقه بقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [ (4) ] ، ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس، وقيل: نسخ عن الأمة وبقي فرضه عليه، وقيل:
إنما كان مفروضا عليه دونهم، وعن ابن عباس رضي الله عنه: كان بين نزول أول المزمل وآخرها سنة.
[ (1) ] سبق الإشارة إليهم في سياق الغزوات.
[ (2) ] ما بين القوسين في (خ) كلمة غير واضحة، لم أجد لها توجيها فيمن اسمه «سلمة» ، فيما بين يدي من كتب الرجال.
[ (3) ] سورة المزمل، آية/ 20.
[ (4) ] سورة الإسراء، آية/ 79.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السّير أن الصلاة إنما فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء، ولكنهم اختلفوا في هيئتها حين فرضت، فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيدت في صلاة الحضر، فأكملت أربعا، وأقرت صلاة السفر على ركعتين، وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد ابن إسحاق.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنها فرضت أربعا وفي السفر ركعتين، وقال نافع بن جبير: أنها فرضت في أول ما فرضت أربعا إلا المغرب، فإنّها فرضت ثلاثا، والصحيح ركعتين، وكذلك قال الحسن البصري وهو قول ابن جريج.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث القشيري وغيره ما يوافق ذلك، ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الزوال عند الإسراء، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها وهيئتها.
وقال إسحاق الحربي: أول ما فرضت الصلاة بمكة، ركعتان في أول النهار وركعتان في آخره، وذكر حديث عائشة قالت: فرض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين ثم زاد فيها في الحضر، هكذا حدث ابن الحربي عن أحمد بن الحجاج عن ابن المبارك عن ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت:
فرض على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين. الحديث، وليس في حديث عائشة هذا دليل على صحة ما ذهب إليه من قال: أن الصلاة فرضت ركعتين في أول النهار وركعتين في آخره، وليس يوجد هذا في أثر صحيح، بل في حديث عائشة دليل على أن الصلاة التي فرضت ركعتين ركعتين في الصلوات الخمس ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، لأن الإشارة بالألف واللام إلى الصلاة في حديث عائشة هذا هي إشارة إلى الصلاة المعهودة، وهذا هو الظاهر المعروف في الكلام، وقد أجمع العلماء أن الصلوات الخمس إنما فرضت في الإسراء، والظاهر من حديث عائشة أنها أرادت تلك الصلاة، واللَّه أعلم.
وأورد من طريق النسائي حديث الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو عمر يعني الأوزاعي أنه سأل الزهري عن صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة إلى المدينة فقال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض اللَّه الصلاة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أول ما فرضها ركعتين ركعتين ثم أتمت في الحضر أربعا، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى [ (1) ] ، فهذا ومثله يدلك على أنها الصلاة المعهودة، وهي الخمس المفترضة في الإسراء به لا صلاتان، ومن ادّعى غير ذلك كان عليه الدليل من كتاب أو سنة، ولا سبيل له إليه.
وقال جماعة من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من صلاة الليل على نحو قيام الليل من رمضان من غير توقيت ولا تحديد، لا بركعات معلومات ولا بوقت محصورة، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وقامه المسلمون معه نحوا من حول حتى شق عليهم ذلك فأنزل اللَّه التوبة عنهم والتخفيف في ذلك، ونسخه بقوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ (2) ] ، فنسخ آخر السورة أولها، فضلا منه ورحمة، فلم تبق في الصلاة فريضة إلا الخمس، ألا ترى إلى
حديث طلحة بن عبيد اللَّه في الأعرابي النجدي إذا سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عما عليه من الصلاة فقال: الصلوات الخمس، فقال: هل على غيرها؟ فقال: لا.
ذكر وكيع عن مسعر عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: لما نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل [ (3) ] آخرها، وكان بين أولها وآخرها حول.
وعن عائشة مثله بمعناه وقالت: فجعل قيام الليل تطوعا بعد فريضة. وعن الحسن مثله قال: فنزلت الرخصة بعد حول.
قال كاتبه: حديث عائشة خرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث مالك عن صالح بن كيسان عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت:
[ (1) ](صحيح سنن النسائي) : 1/ 99، حديث رقم (44) .
[ (2) ] سورة المزمل، آية/ 20.
[ (3) ] في (خ) : «نزلت» .
فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
وقال البخاري: فرض اللَّه الصلاة حين فرضها
…
الحديث مثله، ذكره في كتاب الصلاة، وخرجه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت في صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر
…
الحديث، ذكره البخاري في أبواب تقصير الصلاة [ (1) ] .
وخرجه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض اللَّه الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى [ (2) ] .
[ (1) ](فتح الباري) : 2/ 724، حديث رقم (1090) .
[ (2) ](صحيح مسلم بشرح النووي) : 5/ 201، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (2) من أحاديث الباب.
اختلف العلماء في القصر في السفر، فقال الشافعيّ ومالك بن أنس، وأكثر العلماء: يجوز القصر والإتمام، والقصر أفضل، ولنا قول: أن الإتمام أفضل، ووجه أنهما سواء، والصحيح المشهور أن القصر أفضل.
وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب ولا يجوز الإتمام، ويحتجون بهذا الحديث، وبأن أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان القصر.
واحتج الشافعيّ وموافقوه بالأحاديث المشهورة في صحيح مسلم وغيره، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فمنهم القاصر، ومنهم المتمم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة وغيرها، وهو ظاهر قول اللَّه عز وجل: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، وهذا يقتضي رفع الجناح والإباحة.
وأما حديث: فرضت الصلاة ركعتين، فمعناه فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار، وثبتت دلائل جواز الإتمام، فوجب المصير إليها، والجمع بين دلائل الشرع. (المرجع السابق) : 201- 202.
ورواية البخاري: عائشة رضي الله عنها: «فرض اللَّه الصلاة- حين فرضها- ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى» ، وفي رواية، قالت:«فرض اللَّه الصلاة- حين فرضها- ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» .
وفي أخرى، قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى. قال الزهري: قلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟
وخرجه البخاري من حديث يزيد بن ذريع، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الأولى، تابعه عبد الرزاق عن معمر، ذكره البخاري في كتاب الهجرة [ (1) ]، وأما حديث ابن عباس فخرجه النسائي [ (2) ] من حديث أبي عوانة عن بكير الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال:
فرضت الصلاة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، قال ابن عبد البر: انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما انفرد به.
وخرج ابن أبي شيبة من حديث عبيدة بن حميد عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب.
قال ابن عبد البر: قول الشعبي هذا أصله حديث عائشة رضي الله عنها، وقد يمكن أن يأخذه عن الأسود عن مسروق عن عائشة، فأكثر ما عنده عن عائشة هو عنهما.
[ () ] قال: تأولت كما تأول عثمان» .
أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج الرواية الثانية الموطأ وأبو داود، وأخرج الثانية والثالثة النسائي رواه البخاري في الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، وفي تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، ومسلم في صلاة المسافرين باب صلاة المسافرين وقصرها، والموطأ في قصر الصلاة في السفر، وأبو داود في الصلاة، باب صلاة المسافر، والنسائي في الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة- ر:(جامع الأصول في أحاديث الرسول) : 5/ 184- 185، حديث رقم (3249) .
[ (1) ](فتح الباري) : 7/ 341، كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ، من أين أرّخوا التاريخ، حديث رقم (3935)، وقال فيه:«فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي» ، أي بمكة، وقوله:
«تركت» أي على ما كانت عليه من عدم وجوب الزائد، بخلاف صلاة الحضر، فإنّها زيدت في ثلاث منها ركعتان، فالمعنى: أقرت صلاة السفر على جواز الإتمام، وإن كان الأحب القصر.
[ (2) ](صحيح سنن النسائي) : 1/ 99، حديث رقم (442)، وقال عنه:«صحيح» ، و (صحيح سنن ابن ماجة) : 1/ 176، حديث رقم (1068)، (صحيح أبي داود) : 1/ 227، حديث رقم (1089) : عن أنس بن مالك، قال: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلى ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، فقلنا: هل أقمتم بها شيئا؟ قال: أقمنا عشرا. ذكر في باب متى يتم المسافر.
وروى يونس بن بكير عن سالم بن أبي المهاجر قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أول الصلاة مثنى ثم صلّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنة، وأقرت الركعتان للمسافر وهي تمام. قال ابن عبد البر: وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله:
فصارت سنة قول نكر، وكذلك استثنى الشعبي المغرب وحدها، ولم يذكر الصبح قول لا معنى له، ومن قال بهذا من أهل السير قال: إن الصلاة أتمت بالمدينة بعد الهجرة بشهر وأربعة أيام.