الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه صلى الله عليه وسلم
فقد قال اللَّه تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ (1) ] فوعد تعالى محبته ومغفرته [للذين][ (2) ] اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وآثروه على أهوائهم وما تجنح إليه نفوسهم، قال الحسن: إن أقواما قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نحب اللَّه، فأنزل اللَّه سبحانه وتعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الآية، وقيل إن كعب بن الأشرف وغيره قالوا: نحن أبناء اللَّه وأحباؤه، ونحن أشد حبا للَّه، فأنزل اللَّه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الآية، وقال الزجاج: معناه إن كنتم تحبون اللَّه أن تقصدوا طاعته فافعلوا ما أمركم، إذ محبة العبد للَّه والرسول طاعته لهما ورضاه بما أمر، ومحبة اللَّه لهم عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ (3) ] ، فأمر تعالى الكافة بمتابعته صلى الله عليه وسلم، ووعدهم الاهتداء باتباعه لأنه اللَّه تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية، أي ينقادون لحكمك، يقال: سلم واستسلم وامتثل إذا انقاد، فجعل تعالى صحة إيمان خليقته بانقيادهم له صلى الله عليه وسلم ورضائهم بحكمه وترك الاعتراض عليه. وقال سهل في قوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [ (4) ] قال: بمتابعة السنة.
وخرج أبو داود من حديث ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان قال:
حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن
[ (1) ] آل عمران: 31.
[ (2) ] زيادة للسياق.
[ (3) ] الأعراف: 158.
[ (4) ] الفاتحة: 7.
سارية [ (1) ] وهو ممن نزل فيه: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [ (2) ]، فتكلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صلى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة تامة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللَّه [كأن][ (3) ] هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى اللَّه والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة
…
[ (1) ] هو العرباض بن سارية السلمي، من أعيان أهل الصّفّة، سكن حمص، وروى أحاديث، روي عنه جبير بن نفير، وأبو رهم السّمعي، وعبد الرحمن بن عمرو السّلمي، وحبيب بن عبيد، وحجر بن حجر، ويحى بن أبي المطاع، وعمر بن الأسود وعدّة. ابن وهب: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن سعد بن إبراهيم، عن عروة بن رويم، عن العرباض بن سارية- وكان يحب أن يقبض- فكان يدعو: اللَّهمّ كبرت سني، ووهن عظمي، فاقبضني إليك. قال: فبينا أنا يوما في مسجد دمشق أصلي، وأدعو أن أقبض، إذا أنا بفتى من أجمل الرجال، وعليه دوّاج [ثوب] أخضر، فقال: ما هذا الّذي تدعو به؟
قلت: كيف أدعو يا ابن أخي؟ قال: قل اللَّهمّ حسن العمل وبلّغ الأجل. فقلت: ومن أنت يرحمك اللَّه؟ قال: أنا «رتبابيل» الّذي يسلّ الحزن من صدور المؤمنين، ثم التفت فلم أر شيئا. قال أحمد بن حنبل: كنية العرباض، أبو نجيح.
روى إسماعيل بن عيّاش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال: قال عتبة بن عبد: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من بني سليم، أكبرنا العرباض بن سارية فبايعناه. [رجاله ثقات] .
إسماعيل بن عيّاش: حدثنا أبو بكر بن عبد اللَّه، عن حبيب بن عبيد، عن العرباض: قال: لولا أن يقال: فعل أبو نجيح، لألحقت مالي سبلة، ثم لحقت واديا من أودية لبنان عبدت اللَّه حتى أموت.
شعبة: عن أبي الفيض؟ سمع أبا حفص الحمّصي يقول: أعطى معاوية المقداد حمارا من المغنم، فقال له العرباض بن سارية: ما كان لك أن تأخذه، ولا له أن يعطيك، كأني بك في النار تحمله، فردّه.
قال أبو مسهر وغيره: توفي العرباض سنة خمس وسبعين.
* (طبقات ابن سعد) : 4/ 276، 7/ 412، (التاريخ الكبير) : 7/ 85، (الجرح والتعديل) : 7/ 39، (تهذيب الأسماء واللغات) : 1/ 330، (مرآة الجنان) : 1/ 156، (الإصابة) : 4/ 482، ترجمة رقم (5505)، (تهذيب التهذيب) : 7/ 147، (خلاصة تذهيب الكمال) : 2/ 436، (شذرات الذهب) : 1/ 82، (سير أعلام النبلاء) :
3/ 419- 422، ترجمة رقم (71) .
[ (2) ] التوبة: 92، وتمامها: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ.
[ (3) ] تكملة من (صحيح سنن أبي داود) : 3/ 871، حديث رقم (3851- 4607)، قال الألباني: صحيح.
ضلالة [ (1) ] . وأخرجه الترمذي [ (2) ]
وقال: حديث حسن صحيح.
وخرج بقي بن مخلد من حديث زيد بن الجناب عن معاوية بن صالح قال:
حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معديكرب يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يوشك برجل متكئ على أريكته يحدث بحديثي يقول: بيننا وبينكم كتاب اللَّه،
[ (1) ] قوله: «فسلمنا» ، أي على العرباض، «زائرين» من الزيارة، «وعائدين» من العيادة، «ومقتبسين» ، أي محصلين منك العلم، «ذرفت» ، أي دمعت، «ووجلت» ، أي خافت، «كأن هذه موعظة مودع» ، فإن المودّع- بكسر الدال- عند الوداع، لا يترك شيئا مما يهم المودّع- بفتح الدال- أي كأنك تودعنا بها، لما رأى من مبالغته صلى الله عليه وسلم في الموعظة، «فماذا تعهد» ، أي توصي، «وإن عبدا حبشيا» أي وإن كان المطاع عبدا حبشيا.
قال الخطابيّ: يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا، ولم يرد بذلك أن يكون الإمام عبدا حبشيا.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأئمة من قريش» ،
وقد يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يصح في الوجود،
كقوله صلى الله عليه وسلم: «من بنى للَّه مسجدا ولو مثل مفحص قطاة، بنى اللَّه له بيتا في الجنة» ،
وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدا لشخص آدمي، ونظائر هذا الكلام كثير.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وعضوا عليها بالنواجذ» ،
جمع ناجذة بالذال المعجمة، قيل: هو الضرس الأخير، وقيل: هو مرادف السن، وهو كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها. وقال الخطابي: وقد يكون معناه أيضا الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات اللَّه، كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور» ،
قال الحافظ ابن رجب في كتاب (جامع العلوم والحكم) : فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك
بقوله: «وكل بدعة ضلالة» .
والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة.
فقوله صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعة ضلالة» ،
من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح:«نعمت البدعة هذه» ، وروى عنه أنه قال:«إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» ، ومن ذلك أذان الجمعة الأول، زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقرّه عليّ، واستمر عمل المسلمين عليه. وروى عن ابن عمر أنه قال: هو بدعة، ولعله أراد ما أراد أبوه في التراويح. (عون المعبود) : 12/ 234، كتاب السنه، باب التمسك بالسنة، حديث رقم (4594) .
[ (2) ] قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وليس في حديثهما ذكر حجر بن حجر، غير أن الترمذي أشار إليه تعليقا، وقال الترمذي: حسن صحيح.
والخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي: والمحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بالإرادة فهذا باطل، وما كان على قواعد الأصول أو مردود إليها فليس ببدعة ولا ضلالة.
(المرجع السابق) : 235.
وما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول اللَّه مثل ما حرم اللَّه [ (1) ] .
وخرج البخاري في كتاب الأدب [ (2) ] وفي كتاب الاعتصام [ (3) ] من حديث الأعمشي، حدثنا مسلم عن مسروق [قال] [ (4) ] : قالت عائشة رضي الله عنها: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا [فرخص][ (5) ] فيه فتنزه عنه قوم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب فحمد
[ (1) ]
أخرج أبو داود نحوه في كتاب السنة، باب لزوم السنة، حديث رقم (3848- 4604) : عن المقدام بن معديكرب، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السّبع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» .
وحديث رقم (3849- 4605) :، عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ألفينّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه. (صحيح سنن أبي داود للألباني) : 3/ 870- 871.
قوله صلى الله عليه وسلم: «على أريكته»
أي على سريره المزين بالحلل والأثواب، وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفة والدعة، الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا العلم من مظانه. قال الخطابي: في الحديث دليل على أن لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيء كان حجة بنفسه، فأما ما رواه بعضهم أنه قال: إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على الكتاب فإن وافقه فخذوه، فإنه حديث باطل لا أصل له. وقد حكى زكريا الساجي عن يحى بن معين أنه قال: هذا حديث وضعته الزنادقة.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وحديث أبي داود أتم من حديثهما. (عون المعبود) 12/ 231، حديث رقم (4591) .
[ (2) ](فتح الباري) : 10/ 628، باب (72) من لم يواجه الناس بالعتاب، حديث رقم (6101) .
[أي حياء منهم] .
[ (3) ](المرجع السابق) : 13/ 342، باب (5) ما يكره من التعمق والتنازع والغلوّ في الدين والبدع، لقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، حديث رقم (7301) .
قوله: «صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فترخص فيه» ، في رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش:
قوله: «فتنزه عنه قوم» ، في رواية مسلم من طريق جرير عن الأعمش «فبلغ ذلك ناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه وتنزهوا» .
قوله: «فخطب» ، في رواية أبي معاوية «فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه.
[ (4) ] زيادة للسياق.
[ (5) ] في (خ) : «ترخص فيه» .
اللَّه ثم قال: [ما بال][ (1) ] أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فو اللَّه إني لأعلمهم باللَّه وأشدهم [له][ (1) ] خشية. وخرجه مسلم بنحوه أو قريب منه [ (2) ] .
وخرج الترمذي من حديث سفيان عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن
[ (1) ] تكملة من البخاري.
[ (2) ](مسلم بشرح النووي) : 15/ 115، كتاب الفضائل، باب (35) علمه صلى الله عليه وسلم باللَّه تعالى وشدة خشيته، حديث رقم (127) ، (128) .
قوله: «ما بال أقوام» ، في رواية جرير «ما بال رجال»
قال ابن بطال: هذا لا ينافي الترجمة، لأن المراد بها المواجهة مع التعيين، كأن يقول: ما بالك يا فلان تفعل كذا، وما بال فلان يفعل كذا، فأما مع الإبهام فلم تحصل المواجهة وإن كانت صورتها موجودة، وهي مخاطبة من فعل ذلك، لكنه لما كان من جملة المخاطبين ولم يميز عنهم، صار كأنه لم يخاطب.
قوله: «يتنزهون عن الشيء أصنعه» ، في رواية جرير «بلغهم عني أمر ترخّصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه» ، وفي رواية أبي معاوية:«يرغبون عما رخص لي فيه» .
قوله: «فو اللَّه إني لأعلمهم باللَّه وأشدهم له خشية» ،
جمع بين القوة العملية، والقوة العلمية، أي أنهم توهموا أن رغبتهم عما أفعل أقرب لهم عند اللَّه، وليس كذلك، إذ هو أعلمهم بالقربة، وأولادهم بالعمل بها.
قال ابن بطال: كان النبي صلى الله عليه وسلم رفيقا بأمته، فلذلك خفف عنهم العتاب، لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من الأخذ بالشدة، ولو كان ذلك حراما لأمرهم بالرجوع إلى فعله.
قال الحافظ ابن حجر: أما المعاتبة فقد حصلت منه لهم بلا ريب، وإنما لم يميز الّذي صدر منه ذلك سترا عليه، فحصل منه الرّفق من هذه الحيثية، لا بترك العتاب أصلا، وأما استدلاله بكون ما فعلوه غير حرام، فواضح من جهة أنه لم يلزمهم بفعل ما فعله هو.
وفي الحديث الحث على الاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وذم التعمق والتنزه عن المباح، وحسن العشرة عند الموعظة، والإنكار والتلطف في ذلك.
قال الإمام النووي في شرح مسلم: فيه الحث على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، والنهي عن التعمق في العبادة، وذم التنزه عن المباح شكّا في إباحته.
* وفيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع. وإن كان المنتهك متأولا تأويلا باطلا.
* وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والإنكار في الجمع، ولا يعين فاعله، فيقال: ما بال أقوام ونحوه.
* وفيه أن القرب إلى اللَّه تعالى سبب لزيادة العلم به وشدة خشيته.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «فو اللَّه لأنا أعلمهم باللَّه وأشدهم له خشية» ،
فمعناه أنهم يتوهمون أن سننهم عما فعلت أقرب لهم عند اللَّه، وإن فعل خلاف ذلك، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم باللَّه وأشدهم له خشية، وإنما يكون القرب إليه سبحانه وتعالى، والخشية له على حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس، وتكلف أعمال لم يأمر بها. واللَّه أعلم.
عبد اللَّه بن يزيد عن عبد اللَّه بن عمرو [بن العاص][ (1) ] رضي اللَّه [عنهما][ (2) ] قال:
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية [ليكوننّ][ (3) ] في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، [وستفترق][ (4) ] أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي يا رسول اللَّه؟ قال:
[من كان على][ (5) ] ما أنا عليه وأصحابي.
قال أبو عيسى: هذا حديث مفسّر غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه [ (6) ] . قال الترمذي: الإفريقي ضعيف عند أهل الحديث،
[ (1) ] تكملة من (جامع الأصول) : 10/ 33.
[ (2) ] في (خ) : «عنه» .
[ (3) ] في (خ) : «لكان» .
[ (4) ] في (خ) : «وتفترق» ، والتصويب من المرجع السابق.
[ (5) ] تكملة من المرجع السابق، حديث رقم 7491.
[ (6) ]
قوله صلى الله عليه وسلم: «ليأتينّ على أمتي» ،
من الإتيان وهي المجيء بسهولة، وعدّى بعلي لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه قوله تعالى: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ [الذاريات: 42] .
قوله صلى الله عليه وسلم: «حذو النعل بالنعل»
استعارة في التساوي، وقيل: الحذو القطع والتقدير أيضا، يقال: حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء، ونصبه على المصدر، أي يحذونهم حذوا مثل حذو النعل بالنعل، أي تلك المماثلة المذكورة في غاية المطابقة والموافقة، كمطابقة النعل بالنعل.
قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى إذا كان منهم من أتى أمه» ،
حتى: ابتدائية، والواقع بعده جملة شرطية، وإتيان الأم كناية عن الزنا.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين مله» ،
سمى صلى الله عليه وسلم طريقة كل واحد منهم «ملة» اتساعا، وهي في الأصل ما شرع اللَّه لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها، ولا تكاد توجد مضافة إلى اللَّه تعالى، ولا إلى آحاد أمة النبي، بل يقال: ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو ملتهم كذا، ثم إنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة، لأنهم لما عظم تفرقهم، وتدنّيت كل فرقة منهم بخلاف ما تديّن به غيرها، كانت طريقة كل منهم كالملة الحقيقية في التدين، فسميت باسمها مجازا.
وقيل: الملة كل فعل وقول اجتمع عليه جماعة، وهو قد يكون حقا، وقد يكون باطلا، والمعنى أنهم يفترقون فرقا، تتديّن كل واحدة منها بخلاف ما تتديّن به الأخرى.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة» ،
قيل: فيه إشارة لتلك المطابقة، مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة. وقوله صلى الله عليه وسلم:«إلا ملة» ، بالنصب، أي إلا أهل ملة، «قالوا: من هي» ؟ أي تلك الملة أي أهلها الناجية.
قوله: «هذا حديث حسن غريب» ، في سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف، فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب، وحديث عبد اللَّه بن عمرو هذا أخرجه أيضا الحاكم
ضعفه يحى بن سعيد القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي.
وخرج الترمذي من حديث محمد بن عبد اللَّه الأنصاري عن أبيه عن علي بن زيد عن سعيد بن [المسيب][ (1) ] قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قال [لي][ (2) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال لي: يا بني، وذلك من سنتي ومن [أحيا][ (3) ] سنتي فقد [أحياني][ (4) ] ومن [أحياني][ (5) ] كان معي في الجنة
- وفي الحديث قصة طويلة- قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاري ثقة، وأبوه ثقة، وعلي بن زيد صدوق إلا أنه [ربما][ (6) ] يرفع الشيء الّذي يوقفه
[ () ]
وفيه: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
واعلم أن أصول البدع كما نقل في (المواقف) ثمانية:
[1]
المعتزلة القائلون بأن العباد خالقوا أعمالهم، وبنفي الرؤية، وبوجوب الثواب والعقاب، وهم عشرون فرقة.
[2]
الشيعة المفرطون في محبة علي كرم اللَّه وجهه وهم اثنان وعشرون فرقة.
[3]
الخوارج المفرطة المكفّرة له رضي الله عنه، ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة.
[4]
المرجئة القائلة بأن لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهي خمس فرق.
[5]
والنجّارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال، فرقة أيضا.
[6]
المعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق.
[7]
والجبرية القائلة بسلب الاختيار عن العباد فرقة واحدة.
[8]
والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية والحلول. فرقة أيضا، فتلك ثلاث وسبعون فرقه، والفرقة الناجية هم أهل السنة البيضاء المحمدية، والطريقة النقية الأحمدية. (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي) : 7/ 333- 334، أبواب الإيمان باب (18) افتراق هذه الأمة، حديث رقم (27779) .
وأخرجه أيضا الحاكم في (المستدرك) : 1/ 129، حديث رقم (444/ 155) ذكره في كتاب العلم. قال في التخليص: رواه ثابت بن محمد العابد، عن الثوري، عن ابن أنعم الإفريقي، عن عبد اللَّه بن يزيد عنه. وقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف بن يزيد، عن أبيه، عن جده مرفوعا: «لتسلكن سنن من قبلكم، إن بني إسرائيل افترقت
…
»
الحديث.
[ (1) ] ما بين الحاصرتين سقط من (خ) ، وما أثبتناه من صحيح الترمذي.
[ (2) ] ما بين الحاصرتين سقط من (خ) ، وما أثبتناه من صحيح الترمذي.
[ (3) ] في (خ) : «أحب» .
[ (4) ] في (خ) : «أحبني» .
[ (5) ] في (خ) : «أحبني» وما أثبتناه من صحيح الترمذي.
[ (6) ] زيادة من صحيح الترمذي.
غيره. [قال][ (1) ] : وسمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة:
[أخبرنا][ (1) ] علي بن زيد وكان رفاعا، ولا يعرف لسعيد بن المسيب [عن أنس][ (2) ] رواية إلا في هذا الحديث بطوله. وقد روى عباد [بن ميسرة][ (3) ] المقبري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب، قال أبو عيسى: وذاكرت محمد بن إسماعيل [ولم][ (4) ] يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس هذا الحديث ولا غيره، ومات أنس [بن مالك][ (5) ] سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين واللَّه أعلم [ (6) ] .
[ (1) ] زيادة من (خ)، وفي (خ) :«حدثنا» وما أثبتناه من صحيح الترمذي.
[ (2) ] زيادة من صحيح الترمذي.
[ (3) ] في (خ) : «عباد بن ميسرة المقبري» .
[ (4) ] في (خ) : «فلم» .
[ (5) ] تكملة من صحيح الترمذي.
[ (6) ] والحديث أخرجه الترمذي في (الجامع الصحيح) في أبواب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة.
قوله: «قال لي» ، أي وحدي أو مخاطبا لي من بين أصحابي، «يا بني» بضم التاء تصغير ابن، وهو تصغير لطف ومرحمة، ويدل على جواز هذا لمن ليس ابنه، ومعناه اللطف، وأنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة.
قوله: «إن قدرت» ، أي استطعت، والمراد: اجتهد قد ما تقدر «أن تصبح وتمسي» ، أي تدخل في وقت الصباح والمساء، والمراد جميع الليل والنهار «ليس في قلبك» الجملة حال من الفاعل، تنازع فيه الفعلان، أي وليس كائنا في قلبك «غش» بالكسر ضد النصح، الّذي هو إرادة الخير للمنصوح له.
قوله: «لأحد» وهو عام للمؤمن والكافر، فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه، ويسعى في خلاصه من ورطة الهلاك باليد واللسان، وللتألف بما يقدر عليه من المال. كذا ذكره الطيبي.
قوله: «فافعل» ، جزاء كناية عما سبق في الشرط، أي افعل نصيحتك «وذلك» ، أي خلو القلب من الغش، قال الطيبي: وذلك إشارة إلى أنه رفيع المرتبة أي بعيد التناول «من سنتي» أي طريقتي، «ومن أحيا سنتي» أي أظهرها وأشاعها بالقول أو العمل، «فقد أحياني ومن أحياني» كذا في النسخ الحاضرة من الإحياء في المواضع الثلاثة.
وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث نقلا عن الترمذي بلفظ «من أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» ، ومن الإحباب في المواضع الثلاثة، فالظاهر أنه قد وقع في بعض نسخ الترمذي هكذا، واللَّه تعالى أعلم.
قال محققه: ولعل المقريزي- رحمه الله قد نقل من إحدى هذه النسخ ذلك اللفظ الّذي حققناه وصوبناه من الرواية الأخرى حسب الهوامش السابقة على متن هذا الحديث.
قوله: «كان معي في الجنة» ، أي معية مقاربة لا معية متحدة في الدرجة، قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ
ومخالفة أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتبديل سنته ضلال وبدعة، يوعد اللَّه تعالى على ذلك بالخذلان والعذاب، قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ (1) ]، وقال: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [ (2) ] .
والآثار المسندة والموقوفة أيضا كثيرة جدا وفي استيعابها خروج عما نحن بصدده، وفيما أوردته كفاية إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه سبحانه وتعالى الموفق بمنه.
***
[ () ] أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: 169] .
قوله: «وعلي بن زيد صدوق» ، وضعّفه غير واحد من أئمة الحديث، «وكان رفّاعا» بفتح الراء وتشديد الفاء، أي كان يرفع الأحاديث الموقوفة كثيرا «وقد روى عباد» بن ميسرة «المنقري» بكسر الميم وسكون النون، البصري المعلم، لين الحديث، عابد من السابعة «ولا غيره» بالنصب عطف على هذا الحديث.
قوله: «ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين» مقصود الترمذي بهذا أن المعاصرة بين أنس وبين سعيد بن المسيب ثابتة، فيمكن سماعة منه. (تحفة الأحوذي) : 7/ 370- 371، أبواب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، حديث رقم (2818) .
[ (1) ] النور: 63.
[ (2) ] النساء: 115.