المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر مجيء الملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى - إمتاع الأسماع - جـ ٣

[المقريزي]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الثالث]

- ‌[بقية فصل في أمارات نبوته]

- ‌ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

- ‌ذكر الاختلاف في أول سورة من القرآن أنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر الاختلاف في شق [ (4) ] صدر [ (5) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، متى كان وأين وقع

- ‌ذكر مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصورة التي خلقه اللَّه تعالى عليها

- ‌ذكر كيفية إلقاء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر تعليم جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الوضوء والصلاة

- ‌وأمّا إقامة جبريل عليه السلام أوقات الصّلاة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأنّه أمّه فيها

- ‌ذكر الجهة [ (1) ] التي كان صلى الله عليه وسلم يستقبلها في صلاته

- ‌ذكر من قرن برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الملائكة

- ‌فصل في ذكر الفضائل التي خصّ اللَّه تعالى بها نبيّه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وشرفه بها على جميع الأنبياء

- ‌فأما أنه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين

- ‌وأما مخاطبة اللَّه له بالنّبوّة والرسالة ومخاطبة من عداه من الأنبياء باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قرفه به المكذبون، ونهي اللَّه تعالى العباد عن مخاطبته باسمه

- ‌وأما دفع اللَّه تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرفه المكذبون له

- ‌وأما مغفرة ذنبه من غير ذكره تعالى له خطا ولا زلّة

- ‌وأما أخذ اللَّه تعالى الميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه

- ‌وأما عموم رسالته إلى الناس جميعا وفرض الإيمان به على الكافة، وأنه لا ينجو أحد من النار حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما فرض طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه بما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتي به صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهداه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أمر الكافّة بالتّأسي به قولا وفعلا

- ‌وأما اقتران اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم اللَّه تعالى

- ‌وأما تقدم نبوته صلى الله عليه وسلم قبل تمام خلق آدم عليه السلام

- ‌ذكر التنويه [ (1) ] بذكر رسول صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام

- ‌وأما شرف أصله، وتكريم حسبه ونسبه، وطيب مولده

- ‌وأما أنّ أسماءه خير الأسماء

- ‌وأما قسم اللَّه تعالى بحياته صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما تفرده بالسيادة يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل وأن آدم ومن دونه تحت لوائه

- ‌فصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى وبين إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليهما وسلامه [ (1) ]

- ‌وأما اختصاصه صلى الله عليه وسلم بالشفاعة [ (1) ] العظمى يوم الفزع [ (2) ] الأكبر

- ‌ذكر المقام المحمود الّذي وعد اللَّه تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌تنبيه وإرشاد

- ‌إيضاح وتبيان

- ‌وأما حوض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الكوثر

- ‌وأما كثرة أتباعه صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما الخمس التي أعطيها صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أنه بعث بجوامع الكلم وأوتي مفاتيح خزائن الأرض

- ‌وأما تأييده بقتال الملائكة معه

- ‌وأما أنه خاتم الأنبياء

- ‌وأما أن أمته خير الأمم

- ‌وأما ذكره في كتب الأنبياء وصحفهم وإخبار العلماء بظهوره حتى كانت الأمم تنتظر بعثته

- ‌ومن إعلامه في التوراة

- ‌ومن إعلامه في التوراة أيضا

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌ومن ذكر شعيا له

- ‌وفي حكاية يوحنا عن المسيح

- ‌وفي إنجيل متى

- ‌وذكر شعيا طريق مكة فقال:

- ‌وأما سماع الأخبار بنبوّته من الجنّ وأجواف الأصنام ومن الكهّان

الفصل: ‌ذكر مجيء الملك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

[المجلد الثالث]

[بقية فصل في أمارات نبوته]

بسم الله الرحمن الرحيم

‌ذكر مجيء الملك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برسالات ربه تعالى

خرج البخاري ومسلم من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته كذا، أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي [ (1) ] الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- قال: والتحنث: هو التعبد- الليالي ذوات العدد، وقال مسلم: أولات العدد- قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك

ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقْرَأْ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:

اقْرَأْ، فقلت: ما أنا بقارئ، فقال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ

[ (1) ](من الوحي) : يحتمل أن تكون «من» تبعيضية، أي من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكون بيانية، ورجحه محمد بن جعفر القيرواني أبو عبد اللَّه التميمي القزاز، صاحب [الجامع في اللغة] .

والرؤيا الصالحة، وقع في رواية معمر ويونس عند المصنف في التفسير:«الصادقة» ، وهي التي فيها ضغث، وبدئ بذلك ليكون تمهيدا، وتوطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر.

قوله: «في النوم» ، لزيادة الإيضاح، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مجازا.

قوله: «مثل فلق الصبح» ، ينصب «مثل» على الحال، أي مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف، أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح: ضياؤه. وخص بالتشبيه لظهوره الواضح، الّذي لا شك فيه.

قوله: «حبّب» ، لم يسمّ فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كل من عند اللَّه، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام، و «الخلاء» بالمد، الخلوة، والسّر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه إليه، وحراء: جبل معروف بمكة، والغار نقب في الجبل، وجمعه غيران.

قوله: «فيتحنث» ، هي بمعنى يتحنف، أي يتبع دين الحنفية، وهي دين إبراهيم،

ص: 3

_________

[ () ] و «الفاء» تبدل «ثاء» في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في (السيرة) :«يتحنف» بالفاء. أو التّحنّث إلقاء الحنث وهو الإثم، كما قيل: يتأثم، ويتحرج، ونحوهما.

قوله: «هو التعبد» ، هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري، كما جزم به الطيبي ولم يذكر دليله، نعم في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الإدراك.

قوله: «الليالي ذوات العدد» ، يتعلق بقوله: يتحنث، وإبهام العدد لاختلافه، كذا قيل، وهو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كان في رمضان، رواه ابن إسحاق. والليالي منصوبة على الظرف، وذوات منصوبة أيضا، وعلامة النصب فيه كسر التاء.

قوله: «لمثلها» أي الليالي، والتزود استصحاب الزاد.

قوله: «حتى جاءه الحق» ، وفي التفسير: حتى فجئه الحق- بكسر الجيم وهي الرواية التي أثبتها المقريزي- أي بغته، وإن ثبت من مرسل عبيد بن عمير أنه أوحي إليه بذلك في المنام أولا قبل اليقظة، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام، وسمي حقا لأنه وحي من اللَّه تعالى، وقد وقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول شأنه يرى في المنام، وكان أول ما رأى جبريل بأجياد، صرخ جبريل:«يا محمد» ، فنظر يمينا وشمالا فلم ير شيئا، فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال:«يا محمد، جبريل جبريل» ، فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئا، ثم خرج عنهم، فناداه فهرب، ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة إقرائه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر، وهذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة ضعيف.

وقد ثبت في صحيح مسلم من وجه آخر عن عائشة مرفوعا: «لم أره- يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلا مرتين» ،

وبيّن أحمد في حديث ابن مسعود، أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج.

وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد» ، وهذا يقوى رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليها لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند اللَّه تعالى.

ووقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي، فرواها محمد بن عبد الأعلى عن ولده معتمر بن سليمان عن أبيه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في حراء وأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثم انصرف، فبقي متردّدا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرا عظيما.

قوله: «فجاءه» ، هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى تعقب به، بل هو نفسه، ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسّر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.

قوله: «ما أنا بقارئ» ثلاثا، «ما» نافية، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء، وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، والباء زائدة لتأكيد النفي، أي ما أحسن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثا قيل له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي لا تقرءوه بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربك

ص: 4

الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ (1) ]، فرجع بها [ (2) ] رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة رضي الله عنها فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع- وقال مسلم: حتى ذهب عنه ما يجد من الروع- ثم قال لخديجة: أي خديجة! ما لي قد خشيت على نفسي؟

وأخبرها الخبر فقالت له خديجة:

[ () ] وإعانته، فهو يعلمك، كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم وغمز الشيطان في الصغر، وعلّم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية. ذكره السهيليّ.

وقال غيره: إن هذا التركيب- وهو قوله: ما أنا بقارئ- يفيد الاختصاص.

وردّه الطيبي بأنه إنما يفيد التقوية والتأكيد، والتقدير: لست بقارئ البتّة. فإن قيل: لم كرر ذلك ثلاثا؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولا:

«ما أنا بقارئ»

على الامتناع، وثانيا: على الإخبار بالنفي المحض، وثالثا: على الاستفهام. ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: كيف أقرأ؟ وفي رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق: ماذا أقرأ؟ وفي مرسل الزهري في (دلائل البيهقي) : كيف أقرأ؟ وكل ذلك يؤيد أنها استفهامية. واللَّه أعلم.

قوله: «فغطني» ،

بغين معجمة وطاء مهملة. وفي رواية الطبري: «فغتني» بتاء مثناة من فوق، كأنه أراد ضمني وعصرني، والغط: حبس النفس، ومنه: غطه في الماء، أو أراد غمني، ومنه الخنق، ولأبي داود الطيالسي في مسندة بسند حسن: فأخذ بحلقي.

قوله: «حتى بلغ مني الجهد» ،

روى بالفتح والنصب، أي بلغ مني غاية وسعي. وروى بالضم والرفع، أي بلغ مني الجهد مبلغه،

وقوله: «أرسلني»

أي أطلقني، ولم يذكر الجهد هنا في المرة الثالثة، وهو ثابت عند البخاري في (التفسير) .

[ (1) ] الآيات من أول سورة العلق.

[ (2) ] قوله: «فرجع بها» ، أي بالآيات أو بالقصة.

قوله: «فزملوه» ، أي لفوه، والرّوع بالفتح: الفزع.

قوله: «لقد خشيت على نفسي» ، دلّ هذه مع قوله:«يرجف فؤاده» على انفعال حصل له من مجيء الملك، ومن ثم قال:«زملوني» . والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا:

[1]

الجنون وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحا به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر ابن العربيّ، وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصوله العلم الضّروريّ له، أن الّذي جاءه ملك، وأنه من عند اللَّه تعالى.

[2]

الهاجس، وهو باطل أيضا، لأنه لا يستقر، وحصلت بينهما المراجعة.

[3]

الموت من شدة الرعب.

[4]

المرض، وقد جزم به ابن أبي جمرة.

[5]

دوام المرض.

[6]

العجز عن حمل أعباء النبوة.

[7]

العجز عن النظر إلى الملك من الرعب.

ص: 5

كلا [ (1) ] ، فأبشر، فو اللَّه لا يخزيك اللَّه

[8]

عدم الصبر على أذى قومه.

[9]

أن يقتلوه.

[10]

مفارقة الوطن.

[11]

تكذيبهم إياه.

[12]

تعييرهم إياه.

وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب، الثالث واللذان بعده، وما عداها فهو معترض. واللَّه الموفق:(فتح الباري) : 1/ 28- 32، كتاب بدء الوحي، حديث رقم (3) .

[ (1) ]«كلا» ، معناها في العربية على ثلاثة أوجه: حرف ردع وزجر، وبمعنى حقا، وبمعنى إي:

فالأول كما في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها، إشارة إلى قول القائل: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [الآية 100/ المؤمنون] ، أي انته عن هذه المقالة، فلا سبيل إلى الرجوع.

والثاني: نحو كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [الآية 6/ العلق] ، أي حقا، لم يتقدم على ذلك ما يزجر عنه، كذا قال قوم، وقد اعترض على ذلك بأن حقا تفتح «أنّ» بعدها، وكذلك أما تأتي بمعناها، فكذا ينبغي في «كلا» ، والأولى أن تفسّر «كلا» في الآية بمعنى ألا التي يستفتح بها الكلام، وتلك تكسر ما بعدها «إنّ» ، نحو: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، [الآية 63/ يونس]، والثالث: قبل القسم، نحو كَلَّا وَالْقَمَرِ [الآية 32/ المدثر] ، معناه إي والقمر، كذا قال النضر بن شميل، وتبعه جماعة منهم ابن مالك، ولها معنى رابع، تكون بمعنى ألا. (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب) :15.

وقال العلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: وهي «أي كلا» عند سيبويه والخليل والمبرّد والزّجّاج وأكثر نحاة البصرة، حرف معناه الرّدع والزجر، لا معنى له سواه، حتى إنهم يجيزون الوقف عليها أبدا والابتداء بما بعدها، حتى قال بعضهم: إذا سمعت «كلا» في سورة، فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها. وفيه نظر، لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها لا عن غلبته.

ثم إنه لا يظهر معنى الزجر في «كلا» المسبوقة بنحو فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [الآية 8/ الانفطار] ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الآية 6/ المطففين] ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [الآية 30/ القيامة] .

وقول من قال: فيه ردع عن ترك الإيمان بالتصوير، في أيّ صورة شاء اللَّه، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن، فيه تعسّف ظاهر. ثم إن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق، ثم نزل: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [الآية 6/ العلق] ، فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير.

ورأى الكسائي وجماعة أن معنى الردع ليس مستمرا فيها، فزادوا معنى ثانيا يصح عليه أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال: فقيل: بمعنى حقا، وقيل بمعنى ألا الاستفتاحية، وقيل: حرف جواب بمنزلة إي ونعم، وحملوا عليه: كَلَّا

ص: 6

أبدا [ (1) ] ، فو اللَّه إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهو ابن عم خديجة- أخى أبيها- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يا ابن عم-

[ () ] وَالْقَمَرِ [الآية 32/ المدثر]، فقالوا: معناه إي والقمر، وهذا المعنى لا يتأتي في آيتي المؤمنين والشعراء: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الآية 100/ المؤمنون] ، كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي [الآية 62/ الشعراء] .

وقول من قال: بمعنى حقا، لا يتأتّى في نحو: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [الآيتان 7، 15 المطففين] ، لأنّ «إنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم.

وإذا صلح الموضع للردع ولغيره، جاز الوقف عليها، والابتداء بها، على اختلاف التقديرين.

والأرجح حملها على الردع، لأنه الغالب عليها، وذلك نحو: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ [الآيتان 78، 79 مريم] ، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ [الآيتان 81، 82/ مريم] .

وقد يتعين للردع أو الاستفهام نحو: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الآية 100/ المؤمنون] ، لأنها لو كانت بمعنى حقا لما كسرت همزة إنّ، ولو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع، لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم. ونحو:

قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الآيتان 61، 62/ الشعراء] ، وذلك لكسر إنّ، ولأن نعم بعد الخبر للتصديق.

وقد يمتنع كونها للزجر والردع، نحو: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ كَلَّا وَالْقَمَرِ [الآيتان 31، 32/ المدثر] ، إذ ليس قبلها ما يصح ردّه.

وقرئ: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ [الآية 82/ مريم] بالتنوين، إما على أنه مصدر كلّ إذا أعيا، أي كلّوا في دعواهم وانقطعوا، أو من الكلّ وهو الثّقل، أي حملوا كلا. وجوّز الزمخشريّ كونه حرف الردع نوّن كما في سَلاسِلَ [الآية 4/ الإنسان] ، وردّ عليه بأن سَلاسِلَ اسم أصله التنوين فردّ إلى أصله، ويصحح تأويل الزمخشريّ قراءة من قرأ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الآية 4/ الفجر] إذا الفعل ليس أصله التنوين.

وقال ثعلب: كلّا مركب من كاف التشبيه ولا النافية، وإنما شددت لأمها لتقوية المعنى، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره بسيطة كما ذكرنا، واللَّه تعالى أعلم. (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز) : 4/ 381- 383.

[ (1) ] قوله: «فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا» لغير أبي ذر بضم أوله، والخاء المعجمة، والزاي المكسورة، ثم الياء الساكنة، من الخزي، ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي،

ص: 7

_________

[ () ] وصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو بمن لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفه به و «الكلّ» بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ [الآية 76/ النحل] .

و «تكسب المعدوم» : في رواية الكشمهيني وتكسب بضم أوله، وعليها قال الخطابي: الصواب:

المعدم بلا واو، أي الفقير، لأن المعدوم لا يكسب. قال الحافظ ابن حجر: ولا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الّذي لا تصرّف له، والكسب هو الاستفادة، فكأنها قالت:

إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه. وقال قاسم ابن ثابت في (الدلائل) : قوله يكسب معناه ما يعدمه غيره ويعجز عنه يصيبه ويكسبه. قال أعرابي يمدح إنسانا: كان أكسبهم لمعدوم، وأعطاهم لمحروم.

ولغير الكشمهيني «وتكسب» بفتح أوله، قال عياض: وهذه الرواية أصح- قال الحافظ ابن حجر: قد وجّهنا الأولى، وهذه الراجحة، ومعناها تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، ويقال: كسبت مالا وأكسبته بمعنى. وقيل: معناه تكسب المال المعدوم وتصيب ما لا يصيب غيرك. وكانت العرب تتمادح بكسب المال، لا سيما قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة، وإنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في الوجوه التي ذكرت في المكرمات.

وقولها: «وتعين على نوائب الحق» ، كلمة جامعة لأفراد ما تقدم ولما لم يتقدم. وفي رواية (البخاري في التفسير)، من طريق يونس عن الزهري من الزيادة:«وتصدق الحديث» ، وهي من أشرف الخصال. وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة:«وتؤدي الأمانة» .

وفي هذه القصة من الفوائد:

* استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه.

* وأن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته وصحة رأيه.

قوله: «فانطلقت به» ، أي مضت معه، فالباء للمصاحبة، وورقة بفتح الراء، وقوله:«ابن عم خديجة» ، هو بنصب «ابن» ، ويكتب بالألف، وهو بدل من ورقة، أو صفة، أو بيان، ولا يجوز جره، فإنه يصير صفة لعبد العزى، وليس كذلك، ولا يجوز كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين.

قوله: «تنصّر» ، أي صار نصرانيا، وكان قد خرج هو وزيد بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، وكان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولم يبدل، ولهذا أخبر بشأن النبي صلى الله عليه وسلم والبشارة به، إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل.

قوله: «فكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية» ، وفي رواية يونس ومعمر:

ويكتب من الإنجيل بالعربية، ولمسلم: فكان يكتب الكتاب العربيّ، والجميع صحيح، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما كان يكتب الكتاب العربيّ، لتمكنه من الكتابين واللسانين. ووقع لبعض الشراح هنا ضبط فلا يعرّج عليه.

ص: 8

_________

[ () ] وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه، لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرا كتيسر حفظ القرآن الّذي خصّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في صفتها:«أناجيلها صدورها» . قولها: «يا ابن عم» ، هذا النداء على حقيقته، ووقع في مسلم «يا عم» وهو وهم، لأنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعد، ومخرجها متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) : وإنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني والعربيّ، لأنه من كلام الراويّ في وصف ورقة، واختلف المخارج فأمكن التعداد، وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه، وقالت في حق النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع من ابن أخيك، لأن والده عبد اللَّه بن عبد المطلب وورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الّذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته.

أو قالته على سبيل التوقير لسنه.

وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرّف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، وذلك مستفاد من قول خديجة لورقة:«اسمع من ابن أخيك» أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أبلغ في التعظيم.

قوله: «ماذا ترى» ؟ فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، وقد صرّح به في (دلائل النبوة) لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد اللَّه بن شداد في هذه القصة قال: فأتت به ورقة ابن عمها فأخبرته بالذي رأى.

قوله: «هذا الناموس الّذي نزل اللَّه على موسى» . وللكشميهني: «أنزل اللَّه» ، وفي كتاب التفسير «أنزل» على البناء للمفعول، وأشار بقوله:«هذا» إلى الملك الّذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في خبره، ونزله منزلة القريب لقرب ذكره. والناموس: صاحب السر كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء.

وزعم ابن ظفر أن الناموس صاحب سرّ الخير، والجاسوس صاحب سر الشّر، والأول الصحيح الّذي عليه الجمهور، وقد سوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب. والمراد بالناموس هنا جبريل عليه السلام. وقوله:«على موسى» ولم يقل على عيسى مع كونه نصرانيا، لأن كتاب موسى عليه السلام مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم. أو لأن موسى عليه السلام بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى. كذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه وسلم بفرعون هذه الأمة، وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر. أو قاله تحقيقا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته.

وأما ما تحمل له السهيليّ، من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم [الثلاثة] فهو محال لا يعرّج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمن بدّل. على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد اللَّه بن معاذ عن الزهري في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، والأصح ما تقدم، وعبد اللَّه بن معاذ ضعيف.

نعم في (دلائل النبوة لأبي نعيم) بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة، أن خديجة أولا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الّذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم، فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس عيسى، وتارة ناموس

ص: 9

_________

[ () ] موسى عليهما السلام، فعند إخبار خديجة له بالقصة، قال لها ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم له قال له: ناموس موسى للمناسبة التي قدمناها، وكل صحيح، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.

قوله: «يا ليتني فيها جذع» ، كذا في رواية الأصيلي، وعند الباقين:«يا ليتني فيها جذعا» ، بالنصب على أنه خبر كان المقدرة. قاله الخطابي، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ [الآية 171/ النساء]، وقال ابن بري: التقدير يا ليتني جعلت فيها جذعا، وقيل: النصب على الحال إذا جعلت «فيها» خبر ليت، والعامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السهيليّ. وضمير «فيها» يعود على أيام الدعوة، والجذع- بفتح الجيم، والذال المعجمة- هو الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا، ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سرّ وصفه بكونه كان كبيرا أعمى.

قوله: «إذ يخرجك» ، قال ابن مالك: فيه استعمال «إذ» في المستقبل كإذا، وهو صحيح وغفل عنه كثير من النحاة، وهو كقوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الآية 39/ مريم] ، هكذا رواه ابن مالك، وأقره عليه غير واحد، وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن النحاة لم يغفلوه بل منعوا وروده، وأولوا ما ظاهره ذلك وقالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة على المضيّ لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته، ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في (التعبير) :«حين يخرجك قومك» . وفيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير، لأن ورقة تمنى أن يعود شابا، وهو مستحيل عادة، ويظهر لي- والكلام للحافظ ابن حجر- أن التمني ليس مقصودا على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبر به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به.

قوله: «أو مخرجيّ هم» ؟ - بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها-، فهم: مبتدأ مؤخر، ومخرجيّ: خبر مقدم، قاله ابن مالك، واستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه، لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها.

قوله: «إلا عودي» ، وفي رواية يونس في (التفسير) :«إلا أوذي» ، فذكر ورقة أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، وأنه يلزمه لذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثمّ، وفيه دليل أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.

قوله: «إن يدركني قومك» ، إن: شرطية والّذي بعدها مجزوم، زاد في رواية يونس في (التفسير) :«حيّا» ، ولابن إسحاق:«إن أدركت ذلك اليوم» يعني الإخراج.

قوله: «مؤزّرا» - بهمزة- أي قويا، مأخوذ من الأزر، وهو القوة، أنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزر من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته.

قال الأخطل:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم

قوله: «ثم لم ينشب» - بفتح الشين المعجمة- أي لم يلبث، وأصل النشوب التعلق،

ص: 10

وقال مسلم: أي عم- اسمع من ابن أخيك، فقال [له] ورقة يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى،

فقال له ورقة ابن نوفل: هذا الناموس الّذي أنزل على موسى [بن عمران] ، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك- وقال البخاري: يا ليتني أكون حيا [إذ]

- فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو مخرجيّ هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي

- وقال مسلم: إلا أوذي- وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي [فترة حتى حزن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم] .

قال محمد بن شهاب [ (1) ] : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن

[ () ] أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات. وهذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام.

قال الحافظ ابن حجر: فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح، وإن لحظنا الجمع أمكن أن يقال: الواو في قوله: «وفتر الوحي» ليست للترتيب، فلعلّ الراويّ لم يحفظ لورقة ذكرا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى عمله، لا إلى ما هو الواقع، وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فقد روى البخاري في كتاب (التعبير) من طريق معمر ما يدل على ذلك.

[فائدة] : وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي، أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكي البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين، وهي ما بين نزول اقْرَأْ ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط، (فتح الباري) : 1/ 33- 36، كتاب بدء الوحي حديث رقم (3) .

[ (1) ] قوله: «قال ابن شهاب: «وأخبرني أبو سلمة» ، إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن ابن عوف، وأخطأ من زعم أن هذا معلق، وإن كانت صورته التعليق، ولو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنّها دالة على تقدم شيء عطفته، وقد تقدم قوله: عن ابن شهاب عن عروة فساق الحديث إلى آخره ثم قال: ابن شهاب- أي بالسند المذكور- وأخبرني أبو سلمة بخبر آخر وهو كذا.

ودلّ قوله: «عن فترة الوحي» وقوله: «الملك الّذي جاءني بحراء» على تأخر نزول سورة المدثر عن اقْرَأْ، ولما دخلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في (التفسير) عن أبي سلمة عن جابر عن هاتين الجملتين أشكل الأمر، فجزم من جزم بأن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أول ما نزل، ورواية الزهري هذه صحيحة ترفع الإشكال، وسياق بسط القول في ذلك في كتاب التفسير من (صحيح البخاري) في تفسير سورة اقْرَأْ، فليراجع هناك. (المرجع السابق) .

ص: 11

عبد اللَّه الأنصاري [رضي الله عنه]، قال فسلم: وكان من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو- يحدث عن فترة الوحي: قال في حديثه: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، [فرعبت][ (1) ] منه فرجعت، - وقال مسلم: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فخشيت منه فرقا فرجعت- فقلت: زملوني [زملوني]، فدثّروه- وقال مسلم: فدثروني- فأنزل اللَّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ (2) ]- وهي الأوثان- قال: ثم تتابع الوحي [ (3) ]- وقال البخاري: قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كانت الجاهلية يعبدون، قال: ثم تتابع الوحي، ولم يذكر مسلم: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. ذكره البخاري في كتاب التفسير وفي كتاب الإيمان [ (4) ] وذكره مسلم من حديث معمر عن الزهري [ (5) ] ولفظه: أول ما بدئ به

[ (1) ]

قوله: «فرعبت منه

- بضم الراء وكسر العين، وللأصيلي بفتح الراء وضم العين- أي فزعت، دلّ على بقية بقيت معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتدريج.

قوله: «فقلت: «زملوني زملوني» - وفي رواية الأصيلي وكريمة «زملوني» مرة واحدة، وفي رواية يونس في (التفسير) :«فقلت: دثروني» فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ، أي حذّر من العذاب من لم يؤمن بك. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظم، وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي من النجاسة، وقيل: الثياب النفس، وتطهيرها اجتناب النقائص، والرجز هنا الأوثان، والرّجز في اللغة العذاب، وسمي الأوثان رجزا لأنها سببه.

[ (2) ] أول سورة المدثر.

[ (3) ] قوله: «تتابع» ، تأكيد معنوي، وتتابع تكاثر. وقد وقع في رواية الكشمهيني وأبي الوقت:«تواتر» ، والتواتر مجيء الشيء يتلو بعضه بعضا من غير تخلل. (المرجع السابق) : حديث رقم (4) .

[ (4) ] هذا الحديث ذكره البخاري في كتاب بدء الخلق، باب (7) حديث رقم (3238) ، وفي كتاب التفسير، باب (1، 2) حديث رقم (4922) ، (4923) ، باب (3) ، حديث رقم (4924) باب (4) حديث رقم (4925) ، باب (5) ، حديث رقم (4926) ، (4954) ، وفي كتاب الأدب، باب (118) ، حديث رقم (6214) . بسياقات مختلفة وتقديم وتأخير.

[ (5) ] حديث معمر عن الزهري: رقم (253) من كتاب الإيمان، باب (73) بدء الوحي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، من (صحيح مسلم بشرح النووي) 2/ 559.

ص: 12

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي.. وساق الحديث بمثل حديث يونس، غير أنه قال:

فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، وقال: قالت خديجة أيا ابن العم! اسمع من ابن أخيك، وذكره أيضا من حديث عقيل عن ابن شهاب، سمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده، فاقتص الحديث بمثل حديث يونس ومعمر، ولم يذكر أول حديثهما من قوله: أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، وتابع يونس على قوله: فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، وذكر قول خديجة: أي ابن عم! اسمع من ابن أخيك.

وذكر من حديث عقيل عن ابن شهاب [ (1) ] قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أي جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي.. ثم ذكر بمثل حديث يونس، غير أنه قال: فخشيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض. قال: وقال أبو سلمة: الرجز الأوثان، قال: حمي الوحي بعد ذلك وتتابع.

وذكره من حديث معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحو حديث يونس، قال:

فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى [ (2) ] وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ- قبل أن تفرض الصلاة- وهي الأوثان، قال فخشيت منه كما قال عقيل [ (3) ] .

وذكر البخاري في كتاب التعبير حديث عقيل ولفظه [ (4) ] : أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم بنحو حديث يونس وقال فيه: حتى أتت به ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وقال: فقالت له خديجة: أي ابن عم..

الحديث إلى قوله نصرا مؤزرا، وقال بعده: ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى [منه] بنفسه تبدي له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول

[ (1) ] حديث عقيل عن ابن شهاب: رقم (254) ، (المرجع السابق) .

[ (2) ] أول سورة المدثر.

[ (3) ] حديث رقم (255) ، (المرجع السابق.

[ (4) ] حديث عقيل عن ابن شهاب، ذكره البخاري في أول كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث رقم (6982) من (فتح الباري) : 12/ 436.

ص: 13

اللَّه حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أو في بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له مثل ذلك [ (1) ] .

ترجم عليه أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة.

وذكر في أول حديث عقيل ولفظه: أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم وقال فيه: يرجف فؤاده، وقال: وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، وقال: فقالت له خديجة:

يا ابن عم، وقال: هو الناموس الّذي نزل على موسى، وقال: ليتني أكون حيا إذا يخرجك قومك، وقال: رجل قط بما جئت به إلا عودي، قال في التعبير وقال بعد قوله نصرا مؤزرا: ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي [ (2) ] .

قال ابن شهاب: وأخبرني سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: بينا أمشي إلا سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل اللَّه عز وجل:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ (3) ] ،

[ (1) ] زاد بعد قوله: «مثل ذلك» : [قال ابن عباس: فالق الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل.

قوله: «فإذا طالت عليه فترة الوحي» ، قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا، كما نقله الحافظ ابن حجر في أول بدء الوحي، ولكن يعارضه ما أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الّذي ذكره الزهري.

وقوله: مكث أياما بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة، وإلى حراء أخرى يريد أن يلقى بنفسه، فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال، إذ سمع صوتا فوقف فزعا، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسيّ بين السماء والأرض، متربعا يقول: يا محمد أنت رسول اللَّه حقا وأنا جبريل، فانصرف وقد أقرّ اللَّه عينه، وانبسط جأشه، ثم تتابع الوحي» ، فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري، وتقليل مدة الفترة. واللَّه تعالى أعلم. (المرجع السابق) : 12/ 446.

[ (2) ] حديث عقيل عن ابن شهاب، ذكره البخاري في أول كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث رقم (6982) من (فتح الباري) : 12/ 436.

[ (3) ] أول سورة المدثر.

ص: 14

فحمي الوحي وتتابع. تابعه عبد اللَّه بن يونس وأبو صالح، وتابعه هلال بن ردّاد عن الزهري. وقال يونس ومعمر: بوادره.

وذكر في التفسير من حديث معمر عن الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي [ (1) ] فقال في حديثه: فبينا أنا أمشي إذا سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي إليه، فإذا الملك الّذي جاءني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ، إلى وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قبل أن تفرض الصلاة، وهي الأوثان،

وذكر فيه أيضا حديث عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال:

أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي، [قال] : فبينا أنا أمشي سمعت تصويتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الّذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل اللَّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ،

قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان، ثم حمي الوحي وتتابع.

وخرج الحافظ أبو نعيم من حديث محمد بن عثمان بن أبي شيبة [ (2) ] ، حدثنا

[ (1) ]

«قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: بينا أمشي» ،

هذا يشعر بأنه كان في أصل الرواية أشياء غير المذكور، وهذا أيضا من مرسل الصحابي، لأن جابرا لم يدركه زمان القصة فيحتمل أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو من صحابي آخر حضرها، واللَّه تعالى أعلم.

قوله: «سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري»

يؤخذ منه جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، وقد ترجم له البخاري في (الأدب) . ويستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة، لثبوت النهي عنه كما تقدم في (الصلاة) من حديث أنس، وروي ابن السني بإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال: أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقضت.

ووقع في رواية يحي بن أبي كثير: «فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي» .

وفي رواية مسلم بعد قوله: «شيئا» ، «ثم نوديت» ، فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي» . (فتح الباري) : 8/ 935، حديث رقم (4953) .

[ (2) ] حديث محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في (دلائل النبوة لأبي نعيم) رقم (174) بغير هذه السياقة.

ص: 15

منجاب بن الحارث، حدثنا علي بن مسهر عن الشيبانيّ عن عبد اللَّه بن شداد قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فغمه ثم قال له: اقرأ، قال ما أقرأ؟ فغمه ثم قال له: اقرأ، قال: ما أقرأ، فغمه ثم قال له: اقرأ، قال: ما أقرأ، قال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى ما لَمْ يَعْلَمْ،

فأتى خديجة رضي الله عنها فأخبرها بالذي رأى، فأتت ورقة ابن نوفل ابن عمها فأخبرته بالذي رأى فقال:

هل رأى زوجك صاحبه في خضر؟ فقالت: نعم، فقال: إن زوجك نبي وسيصيبه في أمته بلاء.

وخرج من حديث منجاب قال: حدثنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما أنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: لقد خشيت أن أكون كاهنا أو مجنونا، قالت: لا واللَّه لا يفعل اللَّه ذلك بك، إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتؤدي الأمانة، واللَّه لا يفعل ذلك بك، فأتت ابن عمها ورقة ابن نوفل وكانت تضيفه إليه، فأخبرته بالذي رأى، فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه الناموس الأكبر، ناموس عيسى الّذي لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم، ولئن نطق وأنا حيّ لأبلين اللَّه فيه بلاء حسنا، قال أبو نعيم: هكذا رواه علي بن مسهر وأصحاب هشام مرسلا، ورواه يعقوب بن محمد الزهري عن عبد اللَّه بن محمد ابن يحيى بن عروة عن هشام متصلا،

وفيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال ورقة لما ذكرت له خديجة أنه ذكر لها جبريل: سبّوح سبّوح، وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي تعبد فيها الأوثان، جبريل أمين اللَّه بينه وبين رسله، اذهبي به إلى المكان الّذي رأى فيه ما رأى، فإذا أتاه فتحسّرى فإن يكن من عند اللَّه لا يراه، ففعلت، قالت: فلما تحسّرت تغيّب جبريل فلم يره، فرجعت فأخبرت ورقة فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الّذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم إلا بالثمن، ثم أقام ورقة ينتظر إظهار الدعوة، فقال في ذلك:

لججت وكنت في الذكرى لجوجا [ (1) ]

لهم طالما بعث النشيجا [ (2) ]

[ (1) ] اللجلجة والتلجلج: التردد في الكلام. (ترتيب القاموس) : 4/ 124.

[ (2) ] نشج الباكي ينشج نشيجا: غصّ في حلقه من غير انتحاب (المرجع السابق)370.

ص: 16

ووصف من خديجة بعد وصف

فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين [ (1) ] على رجائي [ (2) ]

حديثك أن [ (3) ] أرى منه خروجا

بما خبرتنا [ (4) ] عن قول قسّ

من الرهبان أكره [ (5) ] أن يعوجا

بأن محمدا سيسود فينا [ (6) ]

ويخصم من يكون له حجيجا

ويظهر في البلاد ضياء نور [ (7) ]

يقيم به البرية أن تعوجا

[ (1) ] ثنى «مكة» ، وهي واحدة، لأن لها بطاحا وظواهر، وقد ذكرنا من أهل البطاح، ومن أهل الظواهر، على أن للعرب مذهبا في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة، وجمعها، وإنما يقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة، أو الإشارة إلى أعلى البلدة وأسفلها، فيجعلونها اثنين على هذا المغزى وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان، فتسميها جنتين في فصيح الكلام، إشعارا بأن لها وجهين، وأنك إذا دخلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قوة، وصدرك مسرّة، وفي التنزيل: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [الآية 15/ سبأ] ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [الآية 16/ سبأ]، وفيه: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [الآيتان 32، 33/ الكهف]، ثم قال سبحانه: دَخَلَ جَنَّتَهُ، ثم قال: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، ثم قال: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ [من الآيتين 35، 39، 41/ الكهف] ، فأفرد بعد ما ثني وهي هي، وقد حمل العلماء على هذا المعنى قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [الآية 46/ الرحمن]، والقول في هذه الآية يتسع. (الروض الأنف) : 1/ 218- 220.

[ (2) ] في (خ) : «على رجاء» ، وما أثبتناه من (ابن هشام) : 2/ 10، (البداية والنهاية) : 3/ 15، قوله:«حديثك أن أرى منه خروجا» ، فالهاء في «منه» راجعة على الحديث، وحرف الجر متعلق بالخروج، وإن كره النحويون ذلك، لأن ما كان من صلة المصدر عندهم، فلا يتقدم عليه، لأن المصدر مقدر بأن والفعل، فما يعمل فيه هو من صلة «أن» فلا يتقدم، فمن أطلق القول في هذا الأصل، ولم يخصص مصدرا من مصدر، فقد أخطأ المفصل وتاه في تضلل، ففي التنزيل: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ [الآية: 2/ يونس]، ومعناه: أكان عجبا للناس أن أوحينا، ولا بد للّام هاهنا أن تتعلق بعجب، لأنها ليست في موضع صفة، ولا موضع حال لعدم العامل فيها. (المرجع السابق) .

[ (3) ] في (خ) : «لو أرى» ، وما أثبتناه من (ابن هشام) ، (البداية والنهاية) .

[ (4) ] في (خ) : «بما خبرتني» ، وما أثبتناه من (ابن هشام) ، (البداية والنهاية) .

[ (5) ] في (خ) : «يكره» ، وما أثبتناه من (ابن هشام) ، (البداية والنهاية) .

[ (6) ] في (خ)، (البداية والنهاية) : «سيسود قوما، وما أثبتناه من (ابن هشام) .

[ (7) ] هذا البيت يوضح لنا معنى النور ومعنى الضياء، وأن الضياء هو المنتشر عن النور، وأن النور

ص: 17

فيلقى من يحاربه خسارا

ويلقى من يسالمه فلوجا [ (1) ]

فيا ليتني [ (2) ] إذا ما كان ذاكم

شهدت فكنت أولهم ولوجا

ولوجا [ (3) ] في الّذي كرهت قريش

ولو عجت بمكتها عجيجا [ (4) ]

أرجى بالذي كرهوا جميعا

إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا

وإن يبقوا وأبق [ (5) ] تكن أمور

يضجّ الكافرون بها ضجيجا [ (6) ]

وإن أهلك فكل فتى سيلقى

من الأقدار متلفة خلوجا [ (7) ]

هو الأصل للضوء، ومنه مبدؤه، وعنه يصدر، وفي التنزيل: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [الآية 17/ البقرة]، وفيه: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [الآية 5/ يونس] ، لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، ولا سيما طرفي الشهر،

وفي الصحيح: «الصلاة نور، والصبر ضياء» ،

وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات، والصبر على الطاعات هو: الضياء الصادر عن هذا النور الّذي هو القرآن والذكر، وفي أسماء الباري سبحانه اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الآية 35/ النور] ، ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه. (الروض الأنف) .

[ (1) ] فلج: ظفر، ويقال: فلج بحاجته، وبحجته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه. (المعجم الوسيط) :

2/ 699.

[ (2) ] ليتي: بحذف نون الوقاية، وحذفها مع ليت رديء، وهو في لعلّ أحسن منه، لقرب مخرج اللام من النون، حتى لقد قالوا: لعل ولعن ولأن بمعنى واحد، وقد حكي يعقوب أن من العرب من يخفف بلعلّ، وهذا يؤكد حذف النون من لعلني، وأحسن ما يكون حذف هذه النون في إنّ، وأنّ، ولكن، وكأنّ، لاجتماع النونات، وحسنه في لعلّ أيضا كثرة حروف الكلمة، وفي التنزيل: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ [الآية 46/ يوسف] بغير نون، ومجيء هذه الياء وليتي بغير نون مع أن ليت ناصبة، يدلّك على أن الاسم المضمر في ضربني هو الياء، دون النون كما هو في ضربك، وضربه حرف واحد، وهو الكاف، ولو كان الاسم هو النون مع الياء، كما قالوا في المخفوض: مني وعني بنونين. نون:

من، ونون أخرى مع الياء، فإذا الياء وحدها هي الاسم في حال الخفض، وفي حال النصب، (ابن هشام) : 2/ 12 هامش.

[ (3) ] ولج الشيء في غيره ولوجا: دخل فيه (المعجم الوسيط) : 2/ 1055، وفي التنزيل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ [الآية 6/ الحج] .

[ (4) ] عجّ عجّا وعجّة وعجيجا: رفع صوته وصاح. (المرجع السابق) : 2/ 1055، وفي الصحيح:

«الحج عجّ وثجّ» .

[ (5) ] في (خ) : «ونبق» ، وما أثبتناه من (ابن هشام) ، (الروض الأنف) ، (البداية والنهاية) .

[ (6) ] ضج ضجيجا: الصياح عند المكروه، والمشقة، والجزع، (لسان العرب) : 2/ 312.

[ (7) ] في (خ) : «خلوجا» ، وهو الاضطراب. (المعجم الوسيط) : 1/ 248. وفي (ابن هشام) :

«حروجا» ، وهي الجسيمة (المرجع السابق) : 1/ 164.

ص: 18

وخرج أيضا من حديث الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا داود بن المحبر، حدثنا حماد عن أبي عمران الجوى عن يزيد بن بابنوس عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة رضي الله عنها بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فسمع: السلام عليك! قال:

فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعا حتى جئت إلى خديجة فسجتني ثوبا فقالت:

ما شأنك يا ابن عبد اللَّه؟ فأخبرها فقالت له: أبشر يا ابن عبد اللَّه، فإن السلام خير، قال: ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، قال [ (1) ] : فهلت منه فجئت مسرعا فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى أنست به، ثم وعدني موعدا فجئت له فأبطأ عليّ فرأيت أن أرجع، فإذا أنا به وميكائيل بين السماء والأرض قد سدّ الأفق، فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فاستلقاني لحلاوة القفا [ (2) ] ، ثم شق عن قلبي فاستخرج ما شاء اللَّه أن يستخرج، ثم غسله، في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم أكفأني كما يكفأ الأديم، ثم ضم في ظهري حتى وجدت مسّ الخاتم في قلبي، ثم قال لي: اقرأ، ولم أكن [ (3) ] قرأت كتابا قط، فلم أدر ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، فقلت ما أقرأ؟ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ (4) ] ، حتى انتهى إلى خمس آيات منها فما نسيت شيئا بعد، ثم وزنني برجل فوزنته، ثم وزنني بآخر فوزنته حتى وزنت بمائة فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، فجعلت لا يلقاني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه حتى دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه [ (5) ] .

وفي رواية يونس بن حبيب عن داود: فقال ميكائيل: تبعته أمته، وقال:

[ (1) ] كذا في (خ)، وفي (دلائل النبوة لأبي نعيم) : 1/ 69: «فهللت» كما في أصل الدلائل، وفي الخصائص «فهلت» ، وفي مسند أبي داود والطياليسي:«فهبت منه» .

[ (2) ] في (خ) : «فسبقني بحلاوة القفا» ، وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (3) ] كذا في (خ)، وفي (دلائل أبي نعيم) :«أك» ، «فلم أجد ما أقرأ» .

[ (4) ] أول سورة العلق.

[ (5) ](دلائل أبي نعيم) 1/ 215، 216، حديث رقم (163) .

ص: 19

كما يكفأ الإناء، وقال: أخذ بحلقي حتى أجهشت بالكباء ثم قال لي: اقرأ.. والباقي مثله سواء.

وخرج من حديث إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن [الحارث][ (1) ] بن هشام عن أم سلمة عن خديجة [ (2) ] رضي الله عنها أنها قالت: قلت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا ابن عم، أتستطيع إذا جاءك هذا الّذي يأتيك أن تخبرني به؟ قال: نعم، قالت خديجة: فجاءه جبريل عليه السلام ذات يوم وأنا عنده فقال: يا خديجة، هذا صاحبي الّذي يأتيني قد جاء، فقلت له:

قم فاجلس على فخذي [ (3) ]، فجلس عليهما [ (4) ] فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت: تحول فاجلس على فخذي اليسرى فجلس فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت خديجة [فتحسرت] [ (5) ] فطرحت خماري فقلت: هل تراه؟ قال: لا، فقلت: هذا واللَّه ملك كريم، واللَّه ما هذا شيطان،

قالت خديجة فقلت لورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي: ذلك مما أخبرني محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة:

إن [ (6) ] يك حقا يا خديجة فاعلمي

حديثك إيّانا فأحمد مرسل

[وجبريل يأتيه وميكال معهما

من اللَّه وحي بشرح الصدر منزّل] [ (7) ]

يفوز به من فاز فيها بتوبة

ويشقى به العاني الغويّ المضلّل [ (8) ]

فريقان منهم فرقة في جنانه

وأخرى بأجواز الجحيم تغلّل [ (9) ]

[ (1) ] في (خ) : «الحرث» وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (2) ] كذا في (خ) وفي (المرجع السابق) : «خديجة بنت خويلد» .

[ (3) ] كذا في (خ) وفي (المرجع السابق) : «على فخذي» بالإفراد.

[ (4) ] كذا في (خ) وفي (المرجع السابق) : «عليهما» بالتثنية، والسياق يقتضي الإفراد.

[ (5) ] زيادة من المرجع السابق.

[ (6) ] في (دلائل البيهقي) : 2/ 150، و (البداية والنهاية) : 3/ 16 «فإن يك» .

[ (7) ] هذا البيت ليس في (دلائل أبي نعيم) ، وأثبتناه من (دلائل البيهقي) و (البداية والنهاية) .

[ (8) ](في المرجع السابق) : «ويشقى به العاني الغرير المضلل» .

[ (9) ] أجواز الجحيم: وسط جهنم، ومفردة «جوز» .

ص: 20

إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت

مقامع في هاماتهم ثم تشعل [ (1) ]

فسبحان من تهوى الرياح بأمره

ومن هو في الأيام ما شاء يفعل

ومن عرشه فوق السموات كلها

وأحكامه [ (2) ] في خلقه لا تبدّل

وقال ورقة أيضا:

يا للرجال وصرف الدّهر والقدر

وما [ (3) ] لشيء قضاه اللَّه من غير

حتى خديجة تدعوني لأخبرها

وما لنا [ (4) ] بخفي الغيب من خبر

فكان ما سألت عنه لأخبرها

أمرا أراه سيأتي الناس عن أخر [ (5) ]

فخبرتني بأمر قد سمعت به

فيما مضى من قديم الدهر [ (6) ] والعصر

بأن أحمد يأتيه فيخبره

جبريل إنك مبعوث إلى البشر

فقلت على الّذي ترجين ينجزه

لك الإله فرجّي الخير وانتظري

وأرسليه إلينا كي نسائله

عن أمر ما يري في النوم والسهر

فقال خير أتانا منطقا عجبا

يقفّ منه أعالي الجلد والشّعر

إني رأيت أمين اللَّه واجهني

في صورة أكملت في أهيب الصّور

ثم استمر فكاد الخوف يذعرني

مما يسلم من حولي من الشجر

فقلت ظني وما أدرى سيصدقني

أن سوف يبعث يتلو منزل السّور [ (7) ]

[ (1) ] في (دلائل أبي نعيم) : «مقامع في هاماتهم ثم مزعل» .

[ (2) ] في (البداية والنهاية)، و (دلائل البيهقي) :«وأقضاؤه» .

[ (3) ] في (دلائل أبي نعيم)، و (دلائل البيهقي) :«وما لشيء» ، وفي (خ) :«ويا لشيء» .

[ (4) ] في (خ)، (دلائل أبي نعيم) :«وما لنا» ، وفي (دلائل البيهقي) ، «وما لها» ، وفي (البداية والنهاية) :

حتى خديجة تدعوني لأخبرها

أمرا أراه سيأتي الناس من أخر

وهذه الأبيات متساوية من حديث عددها (12) بيتا في (دلائل أبي نعيم) و (دلائل البيهقي) ، و (خ)، لكنها في (البداية والنهاية) :(11) بيتا فقط.

[ (5) ] في (دلائل أبي نعيم) : «أمرا رآه» .

[ (6) ] في (دلائل أبي نعيم) : «من قديم الناس» .

[ (7) ] في (دلائل البيهقي) : «أن سوف تبعث» .

ص: 21

وسوف أوليك [ (1) ] إن أعلنت دعوتهم

مني [ (2) ] الجهاد بلا منّ ولا كدر [ (3) ]

وخرج من حديث فليح بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الإماميّ عن يزيد بن رومان، [والزهري] [ (4) ] عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع خديجة [رضي الله عنها] [ (5) ] يوما من الأيام إذ رأى شخصا بين السماء والأرض فقالت خديجة [ (6) ] : لا يزول، أدن مني، فدنا منها، فقالت له: أتراه؟ [قال: نعم][ (7) ] قالت: أدخل [يدك][ (8) ] تحت [الدرع][ (9) ] ، ففعل ذلك، فقالت [ (10) ] : أتراه؟ قال: لا، قد أعرض عني، قالت: أبشر فإنه ملك كريم، لو كان شيطانا ما استحى. فبينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

[ (1) ] في (البداية والنهاية) : «وسوف يليك» ، وفي (دلائل البيهقي) :«وسوف أنبيك» . وما أثبتناه من (خ) ، و (دلائل أبي نعيم) .

[ (2) ] في (البداية والنهاية)، و (دلائل البيهقي) :«من الجهاد» ، وما أثبتناه من (خ) ، و (دلائل أبي نعيم) .

[ (3) ] قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) : 3/ 17: «هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي في (الدلائل) ، وعندي في صحتها عن ورقة نظر، واللَّه أعلم» .

[ (4) ] كذا في (خ) ، و (دلائل أبي نعيم)، وصوابه:«يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني» (تهذيب التهذيب) : 11/ 284، ترجمة رقم (526) روى عن ابن الزبير وأنس بن عبيد اللَّه وسالم ابني عبد اللَّه بن عمر وصالح بن خوات بن جبير، وعروة بن الزبير والزهري، وهو من أقرانه، وأرسل عن أبي هريرة.

وعنه هشام بن عروة وعبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر رضي الله عنه، وأبو حازم سلمة بن دينار ومعاوية بن ثابت ومالك ويزيد بن عبد الملك النوفلي وجرير بن حازم وجماعة. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.

قال ابن سعد عن الواقدي وغيره: مات سنة ثلاثين ومائة، وكان عالما كثير الحديث ثقة. قال الحافظ ابن حجر: وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال غيره: قرأ القرآن على عبد اللَّه بن عباس بن أبي ربيعة، وقرأ عليه نافع بن أبي نعيم. (المرجع السابق) .

[ (5) ] زيادة من (خ) .

[ (6) ] كذا في (خ)، وفي (دلائل أبي نعيم) : 1/ 218، 219، حديث رقم (165) :«بين السماء والأرض لا يزول فقالت خديجة» .

[ (7) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :

«فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم» .

[ (8) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«رأسك» .

[ (9) ] كذا في (خ)، وفي المرجع السابق) :«درعي» .

[ (10) ] كذا في (خ)، وفي المرجع السابق) :«فقالت خديجة له» .

ص: 22

يوما من الأيام إذا رأى شخصا بين السماء والأرض بأجياد [ (1) ] إذ بدا له جبريل فسلم عليه، وبسط بساطا كريما مكللا بالياقوت والزبرجد، ثم بحث في الأرض فنبع الماء، فعلّم جبريل رسول اللَّه كيف يتوضأ، فتوضأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم صلّى ركعتين نحو [الكعبة][ (2) ] مستقبل الركن الأسود، وبشره بنبوته، ونزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ

[ (3) ] ثم انصرف منقلبا فلم يمر على شجر ولا حجر [ (4) ] إلا وهو يسلم عليه يقول: سلام [ (5) ] عليك يا رسول اللَّه، فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة! أشعرت [أن][ (6) ] الّذي كنت أراه قد بدا لي [وبسط لي][ (7) ] بساطا كريما وبحث من [ (8) ] الأرض فنبع الماء فعلمني الوضوء، فتوضأت وصليت ركعتين، [فقالت] [ (9) ] : أرني كيف أراك؟ فأراها النبي صلى الله عليه وسلم [وتوضأت][ (10) ] ثم صلت معه وقالت: أشهد أنك رسول اللَّه.

ولأبي نعيم من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: إني أسمع صوتا وأرى ضوءا، وإني أخشى أن يكون خبل، فقالت: لم يكن اللَّه ليفعل بك ذلك يا ابن عبد اللَّه،

ثم أتت ورقة ابن نوفل فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقا إن هذا ناموس مثل ناموس موسى، وإن يبعث وأنا حي فسأعزره وأنصره وأعينه [ (11) ] .

[ (1) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«بجياد الأصغر» .

[ (2) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«نحو القبلة» .

[ (3) ] أول سورة العلق.

[ (4) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«حجر ولا شجر» .

[ (5) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«السّلام عليك» .

[ (6) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«بأن» .

[ (7) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«قد بدا لي بساطا كريما» .

[ (8) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«بحث لي» .

[ (9) ] كذا في (خ)، وفي (المرجع السابق) :«فقالت خديجة» .

[ (10) ] هذه الزيادة ليست في (المرجع السابق) .

[ (11) ] هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد فقال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا أبو كامل وحسن ابن موسى، قالا: حدثنا حماد قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار قال حسن عن عمار: قال حماد:

وأظنه عن ابن عباس ولم يشك فيه حسن، قال: قال ابن عباس، قال أبي: وحدثنا عفان،

ص: 23

وله من حديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حديث أخبرنا عبيد كيف كان بدء ما ابتدأ اللَّه به رسوله من النبوة حين جاءه جبريل؟ فقال عبيد: وأنا حاضر يحدث عبد اللَّه بن الزبير وهو من عنده من الناس قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجاور [ (1) ] في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنثت به قريش- والتحنث: التبرر [ (2) ]- فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر في كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من ذلك الشهر كان أول ما ابتدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد اللَّه به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله، حتى كانت الليلة التي أكرمه اللَّه فيها برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من اللَّه تعالى [ (3) ] .

وقال إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجاءني

[ () ] حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، مرسل ليس فيه ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة، فذكر عثمان الحديث،

وقال أبو كامل وحسن في حديثهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: «إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، وإني أخشى أن يكون بي جنن، قالت: لم يكن اللَّه ليفعل ذلك بك يا ابن عبد اللَّه، ثم أتت ورقة ابن نوفل، فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقا، فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حيّ فسأعززه، وأنصره وأومن به» . (مسند أحمد) : 1/ 512، 513، حديث رقم (2841) .

[ (1) ] الجوار بالكسر في معنى المجاورة، وهي الاعتكاف إلا من وجه واحد، وهو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد، والجوار قد يكون خارج المسجد، كذلك قال ابن عبد البر، ولذلك لم يسمّ جواره بحراء اعتكافا، لأن حراء ليس من المسجد، ولكنه من جبال الحرم، وهو الجبل الّذي نادى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين قال له ثبير وهو على ظهره: اهبط عني، فإنّي أخاف أن تقتل على ظهري فأعذّب، فناداه حراء: إليّ يا رسول اللَّه. (الروض الأنف للسهيلي) .

[ (2) ] التبرر: تفعّل من البر، وتفعّل: يقتضي الدخول في الفعل، وهو الأكثر فيها مثل: تفقّه، وتعبّد، وتنسّك. قال ابن هشام: تقول العرب: التحنث والتحنف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء، قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول: «فمّ» في موضع «ثمّ» . (المرجع السابق) .

[ (3) ] سيرة ابن هشام) : 2/ 69، 70.

ص: 24

وأنا نائم [ (1) ] بنمط من ديباج فيه كتاب [ (2) ]، فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3) ] قال:

فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3) ] ، فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3) ]، قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا [لأفتدي][ (4) ] منه أن يعود لي بمثل ما صنع فيّ، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ [ (5) ] رَبِّكَ

[ (1) ] ليس ذكر النوم في حديث عائشة ولا غيرها، بل في حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل نزل بسورة اقْرَأْ كان في اليقظة، لأنها قالت في أول الحديث:«أول ما بدئ به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح: ثم حبّب اللَّه إليه الخلاء- إلى قولها- حتى جاءه الحق وهو بغار حراء، فجاءه جبريل» .

فذكرت في هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة وتيسيرا عليه ورفقا به، لأن أمر النبوة عظيم، وعبؤها ثقيل، والبشر ضعيف.

وقد ثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكل به جبريل، فجاءه بالقرآن والوحي، فعلى هذا كان نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم في أحوال مختلفة، سيأتي شرحها مفصلا. (المرجع السابق) :

هامش ص 70.

[ (2) ] فيه دليل وإشارة إلى أن هذا الكتاب يفتح على أمّته ملك الأعاجم، ويسلبونهم الديباج والحرير الّذي كان زينهم وزينتهم، وبه أيضا ينال ملك الآخرة، ولباس الجنة، وهو الحرير والديباج. (المرجع السابق) هامش ص 71.

[ (3) ]

قوله: «ما أنا بقارئ»

- على إحدى الروايات- أني أمّي فلا أقرأ الكتب، قالها ثلاثا، فقيل له:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، أي: إنك لا تقرءوه بحولك، ولا بصفة نفسك، ولا بمعرفتك، ولكن اقرأ مفتتحا باسم ربك، مستعينا به، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم، ومغمز الشيطان بعد ما خلق فيك، كما خلقه في كل إنسان.

أما على رواية

«ما أقرأ» ،

يحتمل أن تكون «ما» استفهاما، يريد أي شيء أقرأ؟ ويحتمل أن تكون نفيا، ورواية البخاري ومسلم تدل على أنه أراد النفي، أي ما أحسن أن أقرأ، كما تقدم من قوله:«ما أنا بقارئ» . (المرجع السابق) .

[ (4) ] في رواية ابن إسحاق: «ما أقول ذلك إلا افتداء منه» .

[ (5) ] في قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ من الفقه: وجوب استفتاح القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، غير أنه أمر مبهم لم يبين له بأي اسم من أسماء ربه يفتتح، حتى جاء البيان بعد في قوله: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [الآية 41/ هود]، ثم قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الآية 30/ النمل] ، ثم كان بعد ذلك ينزل جبريل عليه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم مع كل سورة، على بعض الآراء. (المرجع السابق) .

ص: 25

الَّذِي خَلَقَ إلى قوله: ما لَمْ يَعْلَمْ، قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا، [قال: ولم يكن من خلق اللَّه تعالى أحد أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن انظر إليهما، قال: قلت:

إن الأبعد يعني لشاعر أو مجنون لا يتحدث بهذا قريش عني أبدا إلا عمدت إلى خالق من الجبل، ولأطرحت نفسي منه فلأقتلنها ولأستريحن] [ (1) ]، قال: فخرجت [أريد ذلك][ (1) ] حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من [السماء][ (2) ] يقول: يا محمد! أنت رسول اللَّه وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء انظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول اللَّه وأنا جبريل، قال: فوقفت انظر إليه [فشغلني ذلك عما أردت][ (3) ] ما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي [ (4) ] في آفاق السماء ولا انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة [في][ (5) ] رسلها في طلبي، فبلغوا [ (6) ] مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكان ذلك ثم انصرف عني، [فانصرفت] [ (7) ] راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا [إليها] [ (8) ] فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت: فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا [إليّ][ (9) ]، قال: [قلت لها:

إن الأبعد لشاعر مجنون، قال: فقالت: أعيذك باللَّه يا أبا القاسم، ما كان اللَّه تعالى ليصنع ذلك بك مع صدق حديثك وحسن خلقك وعظم أمانتك وصلتك رحمك، وما ذاك يا ابن عم؟ لقد رأيت شيئا؟ قال: قلت [ (10) ] نعم] ، ثم

[ (1) ] ما بين الحاصرتين من (خ) ، وهو زيادة عن رواية ابن إسحاق.

[ (2) ] زيادة للسياق من ابن إسحاق، (الروض الأنف) : 1/ 269، (سيرة ابن هشام) : 2/ 72.

[ (3) ] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ) .

[ (4) ] في ابن إسحاق: «وجهي عنه في آفاق السماء» .

[ (5) ] زيادة من (خ) والأولى حذفها.

[ (6) ] في (ابن إسحاق) : «فبلغوا أعلى مكة» .

[ (7) ] في (ابن إسحاق) : «وانصرفت» .

[ (8) ] زيادة للسياق من: (ابن إسحاق) .

[ (9) ] في (ابن إسحاق) : «فرجعوا لي» .

[ (10) ] ما بين الحاصرتين من (خ) ، وليس في (ابن إسحاق) .

ص: 26

حدثتها الّذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن العم واثبت، فو الّذي نفس خديجة بيده أن تكون نبي هذه الأمة، قال: ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة ابن نوفل بن أسد [ (1) ] وهو ابن عمها

- وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة [وأهل] الإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع فقال ورقة [ (2) ] : قدوس قدوس، والّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي يأتي [به][ (3) ] موسى، وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له [فليثبت][ (4) ] ، فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم [وأخبرته][ (5) ] بقول ورقة [ (6) ][وسهّل عليه ذلك بعض ما كان فيه من الهم بما جاءه][ (7) ] ، فلما قضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع فيه كما يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي! أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره فقال له ورقة: والّذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الّذي جاء موسى، ولتكذبنّه ولتؤذينّه ولتخرجنّه ولتقاتلنّه [ (8) ] ولئن أنا أدركت [ (9) ] ذلك لأنصرن اللَّه نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه [منه][ (10) ] فقبّل يافوخه، ثم انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى منزله. [وقد زاده ذلك من قول

[ (1) ] زيادة في نسبه من (ابن إسحاق) : «ابن عبد العزي بن قصي» .

[ (2) ](ابن نوفل) .

[ (3) ] زيادة من (خ) .

[ (4) ] زيادة من (ابن إسحاق) .

[ (5) ] في (ابن إسحاق) : «فأخبرته» .

[ (6) ] في (ابن إسحاق) : «ورقة ابن نوفل» .

[ (7) ] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ) .

[ (8) ] الهاءات الأربعة لا ينطق بها إلا ساكنة، فإنّها هاءات سكت وليست بضمائر. وفي (خ) بغير هذه الهاءات.

[ (9) ] قوله: «ولئن أنا أدركت» ، وفي رواية «إن أدرك ذلك اليوم أنصرك نصرا مؤزرا، وقال في أخرى:

«إن يدركني يومك» ، وهو القياس، لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الّذي يدركه من يأتي بعده، كما جاء

في الحديث: «أشقى الناس من تدركه الساعة وهو حي» ،

وابن إسحاق أيضا له وجه، لأن المعنى أنرى ذلك اليوم، فسمى رؤيته إدراكا، وفي التنزيل: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الآية 103/ الأنعام]، أي: لا تراه على أحد القولين. وقوله: «مؤزرا» من الأزر، وهو القوة والعون.

[ (10) ] زيادة من رواية (ابن إسحاق) .

ص: 27

ورقة ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم] [ (1) ] .

قال أبو نعيم: وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد نحوه مختصرا،

وله من حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: بعث اللَّه محمدا صلى الله عليه وسلم على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، أراه اللَّه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه، ورأى أنه بينما هو بمكة أتى إلى سقف بيته فنزع شبحة شبحة [ (2) ] حتى إذا نزل أدخل فيه سلم من فضة فيما يخيل إليه، ثم نزل إليه رجلان، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فأردت أن أستغيث فحبساني مكاني ومنعت الكلام، فقعد أحدهما إليّ والآخر إلى جنبي وأنا فرق، فأدخل أحدهما يده في جنبي فنزع ضلعين منه كما ينزل علق الصندوق الشديد، فأدخل يده في جوفي وأنا أجد بردها، فأخرج قلبي فوضعه على كفه وقال لصاحبه، نعم القلب، وقال: قلب رجل صالح، ثم أدخلا القلب مكانه وردا الضلعين كما يرد علق الصندوق الشديد، ثم ارتفعا ورفعا سلمهما فاستيقظت فإذا السقف كما هو فقلت يحلم، وذكره النبي صلى الله عليه وسلم لخديجة بنت خويلد فعصمها اللَّه من التكذيب وقالت: أبشر! فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا، وأخبرها أنه رأى بطنه طهر وغسل ثم أعيد كما كان، فقالت: هذا واللَّه خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأفلاء مكة من قبل حراء فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه وقال له: لا تخف! أنا جبريل، وأجلسه معه على مجلس كريم كهيئة الدر، نوره فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالات اللَّه حتى اطمأن إلى جبريل ثم قال: اقرأ، قال: كيف أقرأ؟ قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى قوله: ما لَمْ يَعْلَمْ، فأبدى له جبريل نفسه، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، ففتح جبريل عينا من ماء فتوضأ، ومحمد ينظر إليه فوضأ وجهه ويديه

[ (1) ] ما بين الحاصرتين من (خ) وليس في رواية (ابن إسحاق) .

[ (2) ] المشبّح: المقشور، والكساء القوى (ترتيب القاموس) : 2/ 665 وفي (خ) : «شبخة سبخة» ، ولم أدر ما المراد بها، ولعلها «سجة» من السياج، وهو الحائط، وما أحيط به على شيء مثل النخل والكرم، وقد سيّج حائطه تسييجا. (المرجع السابق) : 2/ 655.

ص: 28

إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه [وسجد][ (1) ] سجدتين مواجه البيت، ففعل محمد صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل يفعل، وقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رسالة ربه، وسألها اللَّه بحقها، واتّبع الّذي نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم، فلما قضى جبريل الّذي أمره به، انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يمر على حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فرجع إلى بيته وهو مؤمن قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة أخبرها، قال: أرأيتك الّذي كنت أخبرتك أني رأيته في المنام؟ فإنه جبريل قد استعلن لي، أرسله إليّ ربي عز وجل، أخبرها بالذي جاءه من اللَّه وسمع فقالت: أبشر، فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا، فاقبل الّذي أتاك من اللَّه فإنك رسول اللَّه حقا،

ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس- نصرانيا من أهل نينوى يقال له: عداس- فقالت: يا عدّاس أذكرك باللَّه، هل عندك من جبريل علم؟ فلما سمعها: عداس تذكر جبريل قال: قدوس قدوس، ما شأنه يذكر بهذه الأرض التي أهلا أهل الأوثان؟ قالت:

أحب أن تحدثني فيه بعلمك، قال: فإنه أمين اللَّه بينه وبين النبيين، وهو صاحب عيسى وموسى عليهما السلام.

رجعت خديجة من عنده فأتت ورقة ابن نوفل، وكان ورقة قد كره عبادة الأوثان هو وزيد بن عامر بن نفيل، وكان زيد قد حرم كل شيء حرمه من الدم والذبيحة، على النصب، وكل شيء من أبواب الظلم في الجاهلية، فلما وصفت خديجة لورقة حين جاءته شأن محمد صلى الله عليه وسلم وذكرت له جبريل وما جاء به من عند اللَّه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لها: يا ابنة أخي! واللَّه ما أدري لعل صاحبك الّذي ينتظره أهل الكتاب الّذي يجدونه مكتوبا في الإنجيل، وأقسم باللَّه إن كان إياه ثم دعا إلى اللَّه وأنا حيّ لأبلين اللَّه في طاعة رسوله وحسن المؤازرة والنصرة له، فمات ورقة [ (2) ] .

[ (1) ] زيادة للسائق.

[ (2) ] ونحوه بسياقة أخرى فيها تقديم وتأخير في (البداية والنهاية) : 3/ 20- 23، وهي رواية موسى ابن عقبة بمعنى حديث عروة بن الزبير.

ص: 29