الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما حوض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الكوثر
قال اللَّه جل جلاله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ (1) ] ، واختلف في المراد به، فقيل إنه نهر في الجنة، وقيل: الكوثر: الخير الكثير الّذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد بلغ التواتر عن جماعة من علماء الآثار، ورواه الجم الغفير عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
وبان، وجابر، وأبو هريرة، وجابر بن سمرة، وعقبة بن عامر، وعبد اللَّه بن عمرو، وأبوه عمرو بن العاص، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبو برزة، وحذيفة، وأبو أمامة، وأبو بكر، وعمر، وابن مسعود، وعبد اللَّه بن زيد، وسهل بن سعيد، وسويد بن عبلة، وبريدة وأبو سعيد، والبراء بن عازب، وعتبة ابن عبد السلمي وجندب، والصنايجي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاريّ، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بنت قيس، ذكرهم اللالكائي وغيره.
قال القاضي عياض [ (2) ] : أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة. قاله ابن عباس.
وقيل: هو العلم والقرآن، قاله الحسن، وقيل: النبوة، قاله عكرمة، وقيل:
إنه حوض النبي صلى الله عليه وسلم يكثر عليه الناس. قاله عطاء، وقيل: إنه كثرة أتباعه وأمته، قاله أبو بكر بن عياش،
وقال جعفر بن محمد الصادق: يعني بالكوثر نورا في قلبك يدلّك علي ويقطعك عمن سواي. وعنه أيضا أنه الشفاعة.
وقال هلال بن يسار:
هو قول لا إله إلا اللَّه، وقيل: هو الصلوات الخمس.
وأصح هذه الأقوال: ما ثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم،
[فقد][ (3) ] خرج البخاري في آخر كتاب الرقاق من حديث هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا
[ (1) ] 1: الكوثر.
[ (2) ](الشفا) : 1/ 185.
[ (3) ] زيادة للسياق.
قتادة، حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[بينما][ (1) ] أنا أسير في الجنة، [إذا][ (2) ] أنا بنهر [حافّتاه][ (3) ] قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربك، فإذا طيبه أو طينه [مسك][ (4) ] أذفر شكّ هدبة [ (5) ] .
وخرج في التفسير من حديث شيبان، حدثنا قتادة عن أنس: لما عرج بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: أتيت على نهر حافاته قباب اللؤلؤ [مجوف][ (6) ] فقلت:
ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر [ (7) ] .
ومن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قال: سألتها عن قوله [تعالى][ (8) ] : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ قالت: هو نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه [عليه][ (9) ] در مجوف، آنيته كعدد النجوم [ (10) ] . [رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق][ (8) ] .
ومن حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الّذي أعطاه اللَّه إياه، قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الّذي في الجنة هو الخير الّذي أعطاه اللَّه إياه [ (11) ] .
[ (1) ] في (خ) : «بينا» وما أثبتناه من البخاري.
[ (2) ] في (خ) : «وإذا» .
[ (3) ] في (خ) : «حافته» .
[ (4) ] زيادة للسياق من البخاري.
[ (5) ] حديث رقم (6581) ، كتاب الرقاق، باب (53) في الحوض وقول اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
[ (6) ] في (خ) : «مجوفة» ، وما أثبتناه من البخاري.
[ (7) ] حديث رقم (4964) من كتاب التفسير باب (108) ، سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
[ (8) ] زيادة للسياق من البخاري.
[ (9) ] في (خ) : «عليهما» .
[ (10) ] حديث رقم (4965) ، من كتاب التفسير، باب (108)، سورة: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
[ (11) ] أخرجه البخاري في التفسير، باب (108) ، سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، حديث رقم (4966) ، وفي الرقاق، باب (53)، في الحوض وقول اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، حديث رقم (6578) .
وخرج مسلم من حديث على بن مسهر قال: أخبرنا المختار بن فلفل عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: بينا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ غفا إغفاءة ثم رجع، فرأيته مبتسما!! فقلنا: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: نزلت على آنفا سورة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ (1) ] إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ (2) ]، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟
فقلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر في الجنة وعدنيه ربي عليه خير كثير، أو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك [ (3) ] . [زاد
[ (1) ] أول سورة الفاتحة.
[ (2) ] أول سورة الكوثر 1- 3.
[ (3) ] أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب (14) ، حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى (براة) ، حديث رقم (400) .
وقوله: «يختلج» ، أي ينتزع وينقطع، وفي هذا الحديث فوائد، منها: أن البسملة في أوائل السور من القرآن، وهو مقصود مسلم بإدخال هذا الحديث هنا.
وفيه جواز النوم في المسجد، وجواز نوم الإنسان بحضرة أصحابه، وأنه إذا رأى التابع من متبوعه تبسما أو غيره مما يقتضي حدوث أمر، يستحب له أن يسأل عن سببه.
وفيه إثبات الحوض والإيمان به واجب.
قوله: «وهل تدري ما أحدثوا بعدك» ، وفي الرواية الأخرى: قد بدلوا بعدك فأقول: «سحقا سحقا» ، هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيقال: ليس هؤلاء ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد بعده، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر، الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين ينادون بالنار، بل يجوز أن يزاد عقوبة لهم، ثم يرحمهم اللَّه سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء. قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور، وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر. قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخير. واللَّه تعالى أعلم. مختصرا من (مسلم بشرح النووي) : 3/ 138- 139، كتاب الطهارة، باب (12) استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، حديث رقم (246) ، 4/ 355- 356، كتاب الصلاة، باب (14) حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى (براءة) ، حديث رقم (400) .
ابن حجر في حديثه: «بين أظهرنا في المسجد» وقال: «ما أحدث بعدك» ] [ (1) ] .
وفي رواية النسائي: «أحدثت بعدك» ، وهي رواية لمسلم أيضا، وقال النسائي في حديثه:«آنيته أكثر من عدد الكواكب» ، ذكره النسائي في كتاب الصلاة، وفي كتاب التفسير.
[
…
] [ (2) ]
وخرج الترمذي من حديث محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب عن محارب ابن دثار عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ذكره في التفسير [ (3) ] .
وخرج البخاري في الرقاق من حديث شعبة عن عبد الملك [بن عمير][ (4) ] قال: سمعت جندبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض [ (5) ] .
وخرجه مسلم من حديث زائدة عن عبد الملك [ (6) ] ، وذكر له طرقا، وله من
[ (1) ] ما بين الحاصرتين تكملة من المرجع السابق.
[ (2) ] في (خ) بعد قوله: «في كتاب التفسير» طمس في الأصل، لم يظهر في التصوير الميكروفيلم، قال المقريزي بعده:«وخرجه أبو داود بهذا الإسناد وقال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، عليه حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، ذكره في كتاب شرح السنة، في باب الحوض» .
[ (3) ] رقم (3358) باب ومن سورة الكوثر، وأخرجه ابن ماجة في الزهد حديث رقم (43344) باب صفة الجنة، وأحمد في (المسند) 2/ 256، حديث رقم (5877) ، وإسناده صحيح، فإن الراويّ عن عطاء عنده هو حماد بن زيد، وقد سمع منه قديما. وذكره السيوطي في (الدر المنثور) :
6/ 403، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن جرير.
[ (4) ] زيادة من (خ) .
[ (5) ] أخرجه البخاري في الرقاق، باب (53) ، في الحوض، وقول اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ» ، حديث رقم (6589) .
[ (6) ] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، حديث رقم (25)، وجندب: هو أبو ذر الغفاريّ الصحابي الجليل رضي الله عنه، وسبقت له ترجمة.
حديث سماك بن حرب عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا إني فرط لكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم [ (1) ] .
وله من حديث حاتم بن إسماعيل، عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أخبرني بشيء سمعته من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكتب إليّ: أني سمعته يقول: أنا الفرط على الحوض [ (2) ] .
وخرج مسلم من حديث ابن أبي عدي عن شعبة عن معبد بن خالد عن حارثة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: حوضه ما بين صنعاء والمدينة،
فقال له المستورد: ألم تسمعه قال الأواني؟ فقال: لا، فقال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكواكب [ (3) ] .
وخرجه البخاري من حديث حرمي بن عمارة، حدثنا شعبة عن معبد بن خالد «عن حارثة سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحوض فقال: كما بين المدينة وصنعاء» [ (4) ][قال][ (5) ] : وزاد ابن أبي عدي عن شعبة عن معبد بن خالد عن حارثة سمع
[ (1) ] المرجع السابق، حديث رقم (44)، وصنعاء: منسوبة إلى جودة الصنعة ذاتها، كقولهم: امرأة حسناء وعجزاء وشلاء، والنسبة إليها صنعانيّ على غير قياس، كالنسبة إلى بهراء بهراني.
روى البخاري في صحيحه في كتاب مناقب الأنصار، باب (29) من حديث خباب مرفوعا، وفيه:«وليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا اللَّه» قال البخاري: زاد بيان: «والذئب على غنمه» .
وصنعاء موضعان، أحدهما باليمن، وهي العظمي، وأخرى قرية بالغوطة من دمشق، وقد ذكرهما ياقوت الحموي في (معجم البلدان) بالتفصيل، وفرّق بين من نسب إلى هذه وهذه، ج 3 ص 483- 489، فليراجع هناك، و (تقويم البلدان) : 94- 95.
وأيلة: بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، قال أبو زيد: أيلة مدينة صغيرة، عامرة، بها زرع يسير، وهي مدينة اليهود الذين حرّم اللَّه عليهم صيد السمك يوم السبت فخالفوا فمسخوا قردة وخنازير. (معجم البلدان) : 1/ 347.
[ (2) ] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعته، حديث رقم (45) .
[ (3) ] المرجع السابق، حديث رقم (33) .
[ (4) ] أخرجه البخاري في الرقاق باب (53) في الحوض، وقول اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، حديث رقم (6591) .
[ (5) ] زيادة من (خ) .
النبي صلى الله عليه وسلم قال: حوضه ما بين صنعاء والمدينة،
فقال له المستورد: ألم تسمعه قال الأواني؟ قال: لا، قال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكواكب [ (1) ] .
وخرج مسلم وأحمد من حديث عبد العزيز بن عبد الصمد العمى، عن أبي عمران الجوني عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت:
يا رسول اللَّه، ما آنية الحوض؟ قال: والّذي نفس محمد بيده، لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء، وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، ذكره في المناقب [ (2) ] .
وله من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة [ (3) ] ،
[ (1) ] المرجع السابق، حديث رقم (6592) .
[ (2) ] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعته، حديث رقم (36) . وأخرجه أحمد في (المسند) : 6/ 184- 185 عن أبي ذر الغفاريّ رضي الله عنه، حديث رقم (20820) ، وأخرجه أحمد بنحو منه في المرجع السابق 2/ 256، حديث رقم (5877) مسند عبد اللَّه بن عمر.
[ (3) ] الجحفة: بالضم ثم السكون، والفاء: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، فإن مروا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة، وكان اسمها مهيعة، وإنما سميت الجحفة، لأن السيل اجتحفها وحمل أهلها في بعض الأعوام، وهي الآن خراب، وبينها وبين ساحل الحجاز نحو ثلاث مراحل، وبينها وبين المدينة ست مراحل.
وقال السكري: الجحفة: على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة، والجحفة أول الغور إلى مكة، وكذلك هي من الوجه الآخر إلى ذات عرق، وأول الثغر من طريق المدينة أيضا الحجفة.
وقال الكلبي: إن العماليق أخرجوا بني عقيل، وهم إخوة عاد بن رب، فنزلوا الجحفة، وكان اسمها يومئذ مهيعة، فجاءهم سيل واجتحفهم، فسميت الجحفة.
ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استوبأها وحمّ أصحابه، فقال: اللَّهمّ حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها إلى الجحفة.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نعس ليلة في بعض أسفاره، إذ استيقظ فأيقظ أصحابه وقال: مرّت بي الحمى في صورة امرأة ثائرة الرأس منطلقة إلى الجحفة، (معجم البلدان) : 2/ 129.
إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن [تنافسوا][ (1) ] فيها فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم،
قال عقبة: فكان آخر ما رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على المنبر [ (2) ] .
وذكره البخاري بهذا السند ولفظه: قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا شهيد عليكم، إن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها.
قال: فكانت آخر نظرة نظرها إليّ رسول اللَّه [ (3) ] .
وخرج البخاري ومسلم من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وأني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها [ (3) ] . لفظهما متقارب جدا، ذكره البخاري في باب الصلاة على الشهيد، وفي كتاب الرقاق، وفي آخر غزوة أحد. وذكره في باب علامات النبوة في الإسلام وقال: مفاتيح خزائن الأرض (من غير شك) . وذكره أبو داود بهذا الإسناد [ (4) ]، وانتهى من الحديث إلى قوله: ثم انصرف. وذكره النسائي [ (5) ] وانتهى إلى قوله: وأنا شهيد عليكم.
[ (1) ] في (خ) : «تتنافسوا» .
[ (2) ] أخرجه مسلم في الفضائل، باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، حديث رقم (31) .
[ (3) ] كذا في (خ)، وفي البخاري:«نظرتها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم» . والحديث رواه البخاري في الرقاق، باب في الحوض، وباب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، وفي الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، وفي الأنبياء، باب علامات النبوة في الإسلام، وفي المغازي، باب غزوة أحد، وباب أحد يحبنا ونحبه.
ومسلم في الفضائل، باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته.
[ (4) ](صحيح سنن أبي داود) : 2/ 620، باب (75) ، الميت يصلى على قبره بعد حين، حديث رقم (2760)، قال الألباني: صحيح.
[ (5) ](صحيح سنن النسائي) : 2/ 420، باب (61) ، الصلاة على الشهداء، حديث رقم (1846)، قال الألباني: صحيح.
وخرج مسلم من حديث معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن سالم ابن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن ثوبان، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إني لبعقر حوضي أذود الناس [عنه][ (1) ] لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم، فسئل عن عرضه فقال: من مقامي إلى عمان، وسئل عن شرابه فقال:
أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من الذهب والآخر من ورق [ (2) ] .
وخرج أيضا من حديث الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأذودن عن حوضي رجالا كما تذاد الغريبة من الإبل [ (3) ] .
وخرج البخاري في كتاب الشرب من حديث شعبة عن محمد بن زياد سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والّذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض [ (4) ] .
وخرج مسلم من حديث عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني عمرو- وهو ابن الحرث- أن بكيرا حدثه عن القاسم بن عباس الهاشمي، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، عن م سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم سمع ذلك من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما كان [يوما] [ (5) ] من ذلك- والجارية تمشطني- فسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول:[أيّها][ (6) ] الناس، فقلت للجارية: استأخري عنها، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتينّ
[ (1) ] زيادة من (خ) .
[ (2) ] أخرجه مسلم في الفضائل باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، حديث رقم (37)، وعقر الحوض: مؤخره.
[ (3) ] المرجع السابق، حديث رقم (38)، وفي (خ) :«تزاد» .
[ (4) ](جامع الأصول) : 10/ 473، في ورود الناس على الحوض، حديث رقم (8004) ، وإسناده صحيح.
[ (5) ] في (خ) : «يوم» .
[ (6) ] في (خ) : «يا أيها» .
أحدكم فيذبّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول:[سحقا][ (1) ] .
وخرج البخاري من حديث نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد اللَّه بن عمرو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا. ذكره في الرقاق في باب الحوض [ (2) ] .
وله فيه من حديث نافع بن عمر، حدثني ابن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني على الحوض حتى انظر من يرد عليّ منكم، [وسيؤخذ][ (3) ] ناس دوني، فأقول: يا رب [مني][ (4) ] ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم. فكان ابن أبي مليكة يقول: اللَّهمّ إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا.
على أعقابهم ينكصون: يرجعون على العقب، ذكره في كتاب الفتن [ (5) ] .
وخرج مسلم في المناقب من حديث نافع بن عمر الجمحيّ، عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: حوضي مسيرة شهر، زواياه سواء وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، كيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا. قال: وقالت أسماء بنت أبي بكر: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إني على الحوض [حتى][ (6) ] انظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم،
قال: وكان ابن أبي مليكة
[ (1) ] في (خ) : «فسحقا» ، أخرجه مسلم في الفضائل باب (9) إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، حديث رقم (29) .
[ (2) ] حديث رقم (6579) .
[ (3) ] في (خ) : «وسيوجد» .
[ (4) ] في (خ) : «أمتي» .
[ (5) ] باب (1) ما جاء في قول اللَّه تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذّر من الفتن، حديث رقم (7048) وذكره أيضا في كتاب الرقاق، باب (53) في الحوض، وقول اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ، حديث رقم (6593) .
[ (6) ] تكملة من رواية البخاري.
يقول: اللَّهمّ إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو أن نفتن عن ديننا [ (1) ] .
وله من حديث ابن خيثم عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة، سمع عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو يقول بين ظهراني أصحابه:
إني على الحوض أنتظر من يرد عليّ منكم، فو اللَّه ليقتطعن دوني رجال فلأقولن:
أي رب، مني ومن أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم [ (2) ] .
وخرج البخاري في الرقاق من حديث أبي عوانة عن سليمان عن شقيق عن عبد اللَّه عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه قال] : أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا هويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي! يقول:
لا تدري ما أحدثوا بعدك [ (3) ] . وخرجه مسلم من طرق [ (4) ] .
وخرج البخاري من حديث عبد اللَّه قال: حدثني نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي: إنّ أمامكم حوضا ما بين جرباء وأذرح [ (5) ] .
وخرجه مسلم من طرق في بعضها: حوضي، وفي بعضها: إن أمامكم حوضا ما بين ناحيتيه. وخرجه كذلك أبو داود وفي بعضها: إن أمامكم حوضا كما بين جرباء وأذرح، فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا [ (6) ] .
[ (1) ] وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب (53) الحوض، حديث رقم (6593) ، وفي كتاب الفتن، باب (1) ، حديث رقم (7048) .
[ (2) ] أخرجه مسلم في الفضائل، باب (9) حديث رقم (28) .
[ (3) ] أخرجه البخاري في الرقاق، باب (53) الحوض بسند آخر وسياقة أخرى، حديث رقم (6576) .
[ (4) ] أخرجه مسلم في الفضائل، باب (9) ، حديث رقم (40) .
[ (5) ] كتاب الرقاق، باب (53) ، حديث رقم (6577) .
[ (6) ] مسلم في الفضائل، باب (9) ، حديث رقم (34، 35)، والجرباء: كأنه تأنيث الأجرب، موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام، قرب جبال السراة من ناحية الحجاز، وهي قرية من أذرح، وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعريّ. والجرباء أيضا:
ماء لبني سعد بن زيد مناة بن تميم بين البصرة واليمامة. (معجم البلدان) : 2/ 137.
وأذرح: بالفتح، ثم السكون، وضم الراء، والحاء المهملة: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال
وخرج البخاري من حديث ابن وهب عن يونس، قال ابن شهاب: حدثني أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة [ (1) ] . وخرجه مسلم من طرق، في بعضها: ما بين لابتي حوضي. وله من حديث خالد بن الحرب عن سعيد عن قتادة، قال أنس: قال نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم ترى فيه: أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء [ (2) ] . وفي لفظ: أو أكثر من عدد نجوم السماء [ (3) ] .
وذكر البخاري ومسلم أحاديث فيها ذكر الحوض من حديث سهل بن سعد بمعنى ما تقدم، وجاءت أحاديث أخر في ذكر الحوض، وفيما أوردته من الصحيحين والسنن ما يشبع ويكفي إن شاء اللَّه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه اللَّه، ولم يأذن به اللَّه، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، هؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر، ولا يخلد في النار إلا كل فاجر جاحد، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.
وقد قال أبو القاسم: قد يكون من غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء، وكان يقال: تمام الإخلاص تجنب المعاصي. (انتهى) .
[ () ] الشراة، ثم من نواحي البلقاء، وفي كتاب مسلم بن الحجاج: بين أذرح والجرباء ثلاثة أيام، (المرجع السابق) : 1/ 157.
[ (1) ] أخرجه البخاري في الرقاق، باب (53) ، حديث رقم (6591)، وقال فيه:«كما بين المدينة وصنعاء» ، ورواية مسلم في الفضائل:«بين صنعاء والمدينة» .
[ (2) ] أخرجه مسلم في الفضائل باب (9) ، حديث رقم (43) .
[ (3) ] المرجع السابق في الباب.
والظاهر أن الشرب من الحوض يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وقيل:
يشرب منه إلا من قدر له السلامة من النار. واللَّه الرحيم الرحمن [ (1) ] .
***
[ (1) ] قال القاضي عياض رحمه الله: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأوّل ولا يختلف فيه.
قال القاضي: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمرو ابن العاص، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي ذر، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة.
ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر الصديق، وزيد بن أرقم، وأبي أمامة، وعبد اللَّه بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن جبلة، وعبد اللَّه بن الصنابحي، والبراء بن عازب، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بن قيس، وغيرهم.
قال الإمام النووي: ورواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أبي هريرة، ورواه غيرهما من رواية عمر بن الخطاب، وعائذ بن عمر، وآخرين.
وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه (البعث والنشور) بأسانيده، وطرقه، المتكاثرات. قال القاضي: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا.
قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا فرطكم على الحوض» ،
قال أهل اللغة: الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط:
هو الّذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض، والدلاء، ونحوها من أمور الاستقاء. فمعنى «فرطكم على الحوض» : سابقكم إليه كالمهيء له. (مسلم بشرح النووي) : 15/ 59.