الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر التنويه [ (1) ] بذكر رسول صلى الله عليه وسلم من زمن آدم عليه السلام
فخرج الحاكم من حديث عمر بن أوس الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: «أوحى اللَّه إلى عيسى:
يا عيسى، آمن بحمد ومن أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلق آدم، ولولا محمد ما خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا اللَّه فسكن [ (2) ] » قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد.
وذكر إبراهيم بن طهمان [ (3) ] عن بديل بن ميسرة عن عبد اللَّه بن شقيق عن
[ (1) ] ناه الشيء ينوه: ارتفع وعلا، عن ابن جني، فهو نائه. ونهت بالشيء نوها، ونوّهت به، ونوّهته تنويها: رفعته. ونوّهت باسمه: رفعت ذكره. (لسان العرب) : 13/ 550.
[ (2) ](المستدرك) : 2/ 671، كتاب تواريخ المتقدمين، حديث رقم (4227/ 237) : حدثنا علي بن حمشاد العدل إملاء، حدثنا هارون بن العباس الهاشمي، حدثنا جندل بن والق، حدثنا عمرو بن أوس الأنصاري، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«أوحى اللَّه إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، آمن بمحمد، وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه فسكن» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. قال في (التخليص) : أظنه موضوعا على سعيد.
[ (3) ] هو إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني أبو سعيد، ولد في بهراة وسكن نيسابور، وقدم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات. روي عن أبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وعبد العزيز بن صهيب، وأبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، ومحمد بن زياد الجمحيّ، وأبي الزبير، والأعمش، وشعبة، وسفيان والحجاج بن الحجاج الباهلي، وجماعة.
وروى عنه حفص بن عبد اللَّه السلمي، وخالد بن نزار، وابن المبارك، وأبو عامر العقدي، ومحمد بن سنان العوفيّ، ومحمد بن سابق البغدادي وغيرهم. وروى عنه صفوان بن سليم، وهو من شيوخه.
قال ابن المبارك: صحيح الحديث. وقال أحمد وأبو حاتم وأبو داود: ثقة. زاد أبو حاتم: صدوق حسن الحديث. وقال ابن معين والعجليّ: لا بأس به. وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويوثقونه.
وقال صالح بن محمد: ثقة، حسن الحديث، يميل شيئا إلى الإرجاء في الإيمان، حبب اللَّه حديثه
ميسرة قال: قلت: يا رسول اللَّه، متى كنت نبيا؟ قال: لما خلق اللَّه الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وخلق العرش، كتب على ساق العرش: محمد رسول اللَّه، خاتم الأنبياء، وخلق اللَّه الجنة التي أسكنها آدم وحواء، وكتب على أبوابها اسمي، والأوراق والقباب والختام وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه اللَّه نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره اللَّه تعالى أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه.
وخرج الطبراني من حديث عبد اللَّه بن مسلم، حدثنا إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لما أصاب آدم الخطيئة رفع رأسه فقال: يا رب، بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا غفرت لي، فأوحى اللَّه إليه: وما محمد، ومن محمد؟ فقال: يا رب، إنك لما أتممت خلقي رفعت رأسي إلى عرشك فإذا عليه مكتوب: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع اسمك، فقال: نعم، قد غفرت لك، وهو آخر الأنبياء من ذريتك، ولولاه ما خلقتك.
قال البيهقي:
[ () ] إلى الناس، جيد الرواية. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة.
وقال يحى بن أكثم القاضي: كان من أنبل الناس ممن حدّث بخراسان والعراق والحجاز، وأوثقهم وأوسعهم علما.
وقال أحمد: كان يرى الإرجاء، وكان شديدا على الجهمية. وقال أبو زرعة: ذكر عند أحمد، وكان متكئا فاستوى جالسا وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ.
وقال الدار الدّارقطنيّ: ثقة، إنما تكلموا في الإرجاء. وقال البخاري في (التاريخ) : حدثني رجل، حدثني علي بن الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السكري، وإبراهيم بن طهمان العلم والحديث.
قال البخاري: وسمعت محمد بن أحمد يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن إبراهيم فقال:
صدوق اللهجة. وقال ابن حبان في (الثقات) : قد روى أحاديث مستقيمه تشبه أحاديث الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلات.
قال الحافظ ابن حجر: الحق فيه أنه ثقة صحيح الحديث إذا روى عنه ثقة، ولم يثبت غلوه في الإرجاء ولا كان داعية إليه، بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه. (تهذيب التهذيب) :
1/ 112- 114، ترجمة رقم (231) باختصار.
تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه، وهو ضعيف [ (1) ] .
قال كاتبه: هو أبو زيد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب، ضعّفه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال ابن عدي: له أحاديث حسان، وهو ممن احتمله وصدقه بعضهم، وهو ممن يكتب حديثه. وخرجه الحاكم من حديث عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر بنحو أو قريب منه، ثم قال: حديث صحيح الإسناد.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا من حديث سعيد بن جبير أنه قال: اختصم ولد آدم أي الخلق أكرم علي اللَّه تعالي؟ فقال بعضهم: آدم خلقه اللَّه بيده وأسجد له ملائكته، وقال آخرون: بل الملائكة الذين لم يعصوا اللَّه، فذكروا ذلك لآدم، فقال: لما نفخ في الروح لم يبلغ قدمي حتى استويت جالسا، فبرق لي العرش، فنظرت فيه: محمد رسول اللَّه، فذاك أكرم الخلق علي اللَّه.
وروى الحسين بن [علي] بن أبي طالب مرفوعا: أهل الجنة ليست لهم كني إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد توقيرا وتعظيما.
وقال محمد بن عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة: حدثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: أوحي اللَّه تعالي إلي آدم عليه السلام: أنا اللَّه، وبكة [ (2) ] أهلها خيرتي، وزوارها وفدي كنفي، أعمر [بيتي][ (3) ] بأهل السماء وأهل الأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير عجيجا، ويرجون بالتلبية رجيجا، ويثجون بالبكاء ثجا، فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني وضافني، ووفد إليّ، ونزل بي، وحق لي أتحفه بكرامتي، أجعل ذاك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي علي يديه عمارته، وأبسط له سقايته، وأريه حله وحرمه،
[ (1) ](المستدرك للحاكم) وقال: حديث صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد ابن أسلّم في هذا الكتاب، وقال (الحافظ الذهبي) في (التلخيص) :«قلت: بل موضوع وعبد الرحمن واه» ج 2 ص 615.
[ (2) ] من أسماء مكة المكرمة: بكة، وأم القرى.
[ (3) ] في (خ)«أعمره» ، وما بين القوسين زيادة للسياق.
وأعلمه مشاعره، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلي بني من ولدك يقال له محمد، وهو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، ومن سألك عني يومئذ فأنا الشعث الغبر الموفين بنذورهم، المقبلين إلي ربهم.
وقال سعيد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار قال: لما أراد اللَّه أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل فأتاه بالقبضة التي هي موضع قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعجنت بماء التسنيم، وثم غمست في أنهار الجنة وطيف بها في السموات والأرض، فعرفت الملائكة محمدا وفضله قبل أن تعرف آدم، ثم كان نور [محمد][ (1) ] يرى في غرة جبهة آدم، وقيل له يا آدم، هذا سيد ولدك من المرسلين، فلما حملت [حواء][ (2) ] بشيث انتقل النور من آدم إلي [حواء][ (2) ] ، وكانت تلد في كل بطن ولدين إلّا شيثا فإنه ولدته وحده كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم [يزل][ (3) ] ينتقل من طاهر إلي طاهر إلي أن ولد صلى الله عليه وسلم.
وقال ورقاء بن عمر عن ابن أبي الحجيج عن عطاء بن السائب ومجاهد عن مرة الهمزاني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول اللَّه، أين كنت وآدم في الجنة؟ قال: كنت في صلبه، وأهبطت إلي الأرض وأنا في صلبه، وركبت السفينة في صلب نوح، وقذفت في النار في صلب إبراهيم، لم يلتق لي أبوان قط علي سفاح، لم يزل ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلي الأرحام النقية مهذبا، لا يتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما، فأخذ اللَّه لي بالنّبوّة ميثاقي، وفي التوراة بشّر بي، وفي الإنجيل شهر اسمي، تشرق الأرض لوجهي، والسماء لرؤيتي [ (4) ] .
[ (1) ] في (خ) : «محمدا» وما أثبتناه حق اللغة.
[ (2) ] في (خ) : «حوى» .
[ (3) ] زيادة للسياق.
[ (4) ] يشهد لهذا الأثر ما أخرجه كل من:
البخاري: في كتاب المناقب، باب (23)، حديث رقم (3557) : حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:«بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الّذي كنت منه» .
قوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا» ،
القرن الطبقة من الناس المجتمعين في عصر واحد» ، ومنهم من حدّه بمائة سنة، وقيل: بسبعين، وقيل بغير ذلك. فحكى الحربي الاختلاف فيه من عشرة إلي مائة وعشرين، ثم تعقب الجميع وقال: الّذي أراه أن القرن كل أمة هلكت
_________
[ () ] حتى لم يبق منها أحد. وقوله صلى الله عليه وسلم: «قرنا» ، بالنصب حال للتفصيل.
قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى كنت من القرن الّذي كنت منه» ، في رواية الإسماعيلي:«حتى بعثت من القرن الّذي كنت فيه» .
.. والقرن أهل زمان واحد متقارب، اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم علي ملة، أو مذهب، أو عمل. ويطلق القرن علي مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها، ذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد اللَّه بن بسر عند مسلم، ما يدل علي أن القرن مائة وهو المشهور.
وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت، فلم يبق منهم أحد، وثبتت المائة في حديث عبد اللَّه بن بسر، وهو ما عند أكثر أهل العراق. ولم يذكر صاحب (المحكم) الخمسين، وذكر من عشر إلي سبعين، ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن أن يحمل عليه المختلف من الأقوال المتقدمة ممن قال إن القرن أربعون فصاعدا، أما من قال إنه دون ذلك فلا يلتئم علي هذا القول واللَّه أعلم.
والمراد بقرن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحابة.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وبعثت في خير قرون بني آدم» ، وفي رواية بريدة عند الإمام أحمد:«خير هذه الأمة القرن الّذي بعثت فيهم» ،
وقد ظهر أن الّذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل، علي الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين.
وأما قرن التابعين، فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم، فإن اعتبر منها، كان نحوا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان واللَّه تعالي أعلم.
واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلي حدود العشرين ومائتين، ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا، ولم يزل الأمر في نقص إلي الآن، وظهر قوله صلى الله عليه وسلم:«ثم يفشو الكذب» ظهورا بينا، حتى يشمل الأقوال، والأفعال، والمعتقدات، واللَّه المستعان. (فتح الباري) : 6/ 712، 7/ 6- 7.
ومسلم: في كتاب الفضائل، باب (1) ، فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، حديث رقم (2276) : حدثنا محمد بن مهران الرازيّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم، جميعا عن الوليد، قال ابن مهران: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد، أنه سمع وائلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «إن اللَّه اصطفي كنانة من ولد إسماعيل، واصطفي قريشا من كنانة، واصطفي من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .
وباب (2) تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم علي جميع الخلائق، حديث رقم (2278) ، حدثني الحكم بن موسي أبو صالح، حدثنا هقل- يعني ابن زياد- عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد اللَّه بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع»
_________
[ () ] قوله صلى الله عليه وسلم: «إن اللَّه اصطفي كنانة» ،
قال الإمام النووي: استدل به أصحابنا علي أن غير قريش من الغرب ليس بكفء لهم، ولا غير بني هاشم كفؤ لهم، إلا بني المطلب فإنّهم هم وبنو هاشم شيء واحد، كما صرح به في الحديث الصحيح.
قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع» ،
قال الهروي: السيد هو الّذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الّذي يفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم بأمرهم، ويتحمّل عنهم مكارهم، ويدفعها عنهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «يوم القيامة» ، مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة، فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقى مناع ولا معاند ونحوه، بخلاف الدنيا فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار، وزعماء المشركين.
وهذا التقييد قريب من معني قوله تعالي: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازا، فانقطع كل ذلك في الآخرة.
قال العلماء:
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم» ،
لم يقله فخرا، بل صرّح بنفي الفخر في غير مسلم،
في الحديث المشهور: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ،
وإنما قاله لوجهين:
أحدهما: امتثال قوله تعالي: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.
والثاني: أنه من البيان الّذي يجب عليه تبليغه إلي أمته، ليعرفوه ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه، ويوقروه صلى الله عليه وسلم بما يقتضي مرتبته، كما أمرهم اللَّه تعالي.
الآدميين أفضل من الملائكة، وهو صلى الله عليه وسلم علي الخلائق كلهم، لأن مذهب أهل السنة أن الآدميين أفضل من الملائكة، وهو صلى الله عليه وسلم أفضل الآدميين وغيرهم. وأما
الحديث الآخر: «لا تفضلوا بين الأنبياء» ،
فجوابه من خمسة أوجه:
أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فلما علم أخبر به.
والثاني: قاله أدبا وتواضعا.
والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلي تنقيص المفضول.
والرابع: إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلي الخصومة والفتنة، كما هو المشهور في سبب الحديث.
والخامس: أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى، ولا بدّ من اعتقاد التفضيل، فقد قال تعالي: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.
قوله صلى الله عليه وسلم: «وأول شافع وأول مشفع» ،
إنما ذكر الثاني لأنه قد يشفع اثنان، فيشفع الثاني منهما قبل الأول. واللَّه تعالي أعلم.
والترمذي: في أبواب المناقب، باب (20) ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وسلم حديث رقم (3850) :
حدثنا محمود بن غيلان، أخبرنا أبو أحمد، أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة قال: «جاء العباس إلي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكأنه سمع شيئا،
قال جامعه قد أشار إلي هذا الحديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في شعره المشهور عنه،
خرج أبو بكر الشافعيّ قال: حدثني أبو الشيخ محمد بن الحسين الأصفهاني، وعبد اللَّه بن محمد بن ياسين قالا: حدثنا زكريا بن يحي بن عمر بن حصن بن حمير عن منهب بن حارث بن خريم بن أوس بن حارثة قال:
قال: خريم بن أوس: هاجرت إلي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأسلمت فسمعت العباس رضي الله عنه يقول: يا رسول اللَّه إني أريد أن أمتدحك، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:
فقل لا يفضض اللَّه فاك،
فأنشأ العباس يقول:
[ () ] فقام النبي صلى الله عليه وسلم علي المنبر فقال: من أنا؟ فقالوا: أنت رسول اللَّه عليك السلام، قال: أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب. إن اللَّه خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» ،
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وروي عن سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد، نحو حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد عن عبد اللَّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب.
قوله: «جاء العباس» ، أي غضبان «وكأنه سمع شيئا» ، أي من الطعن في نسبه أو حسبه،
استفهام تقرير علي جهة التبكيت، «فقالوا: أنت رسول اللَّه، فلما كان قصده صلى الله عليه وسلم بيان نسبة وهم عدلوا عن ذلك المعني، ولم يكن الكلام في ذلك المبني،
«أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب» ،
يعني وهما معروفان عند العارف المنتسب.
قال الطيبي: قوله: «فكأنه سمع» ، مسبب عن محذوف، أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنا من الكفار في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، نحو قوله تعالي: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، كأنهم حقّروا شأنه، وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من إحدى القريتين، كالوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي مثلا، فأقرهم صلى الله عليه وسلم، علي سبيل التبكيت، علي ما يلزم تعظيمه وتفخيمه، فإنه الأولى بهذا الأمر من غيره، لأن نسبه أعرف. ومن ثم لما قالوا:
أنت رسول اللَّه، ردّهم بقوله: أنا محمد بن عبد اللَّه. (تحفة الأحوذي) : 10/ 54.
وابن الأثير في (جامع الأصول) : 8/ 536، حديث رقم (6338) ، رقم (6339) .
والإمام أحمد في (المسند) : 1/ 345، حديث رقم (1791) ، حديث رقم (1793) .
وأبو حيان الأندلسي في (البحر المحيط) : 8/ 198، عند تفسير قوله تعالي من سورة الأعراف:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ، قال ابن عباس: في أصلاب آدم، ونوح، وإبراهيم، حتى خرجت.
وابن كثير في (التفسير) : 3/ 365، وروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ: يعني تقلبه من صلب نبي إلي صلب نبي، حتى أخرجه نبيا.
من قبلها طبت في الظلال وفي
…
مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد ولا بشر
…
أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد
…
ألجم نسرا وأهله الغرق
وردت نار الخليل فكنتما
…
تجول فيها فليس تحترق
نقلت من صالب إلي رحم
…
إذا مضي عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من
…
من خندف علياء تحتها النّطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض
…
وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي
…
النور وسبل الرشاد نخترق
قوله: (في الظلال) ، يريد ظلال الجنة حيث كان كونه صلى الله عليه وسلم في صلب آدم عليه السلام.
ويشير بقوله: (مستودع) ، إلي موضع آدم وحواء من الجنة، وقيل المستودع: النطفة في الرحم.
ويشير بقوله: (يخصف الورق) إلي قوله تعالي حكاية عن آدم وحواء:
فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ (1) ] .
وفي رواية: (وأهلها الغرق) ،
كأنه عني أهل الأرض أو البلاد لتقدم ذكرها، ويكون الضمير في قوله:(نسرا وأهله) ، عائد علي قوم نوح المغرقين، يريد:
كنت يا محمد في صلب آدم وهو في الجنة، ثم لما هبط إلي الأرض هبطت في صلبه، وتنقلت من بعده في الأصلاب حتى ركبت مع نوح عليه السلام السفينة وأنت في صلبه، لما غرق قوم نوح بالطوفان من أجل كفرهم باللَّه عز وجل، وعباده الأصنام التي هي ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وعبّر عن السفينة بالسفين، وهو جمع سفينة، يقال: سفينة وسفين، وتجمع علي سفن والسفائن أيضا.
وقوله: (وردت نار الخليل) ، يريد أنك كنت في صلب إبراهيم عليه السلام
[ (1) ] الأعراف: 22.
لما ألقي في النار فلم تحرقه.
وقوله: (تنقل) ،
وفي رواية: نقلت من صالب إلي رحم، يريد من صلب ذكر إلي رحم امرأة،
وفي الصلب ثلاث لغات: بضم الصاد وإسكان اللام، وصلب بضم الصاد واللام جميعا، وصلب بفتح الصاد واللام معا، حكي هذه الأخيرة في (مختصر العين) .
وقد روى (تنقل من صلب) ،
ورواية (صالب) أشهر، والصالب بمعني الصلب لغة قليلة.
وقوله: (إذا مضي عالم بدا طبق) ، يريد بالطبق القرن لأنهم طبق الأرض، فينقرضون ويأتي طبق آخر.
وقوله: (حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف)، قيل: حتى احتوى بيتك المهيمن أي يا مهيمن من خندف علياء فأقام البيت مقامه صلى الله عليه وسلم لأن بيته إذا حل بهذا المكان فقد حل هو به، وهو كما يقال: بيته أعزّ بيت، وإنما يراد صاحبه، واعترض علي هذا بأنه إذا عبر بالبيت عنه صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال زياد الأعجم.
إن السماحة والمروءة والنّدى
…
في قبة ضربت علي ابن الحشرج
فإن هذا وإن كان ممكنا، لا ضرورة تدعو إليه، إذ بقاؤه علي ظاهره ممكن، وهو مدح أهل بيته صلى الله عليه وسلم وهو داخل فيهم، فإن مدح بيت الرجل قد يكون أبلغ في مدحه.
فإن قيل: هذا مثل من العباس، أي جعلك اللَّه عاليا وجعل خندف كالنطاق لك، قيل: هذا لا يقتضيه اللفظ إلا بإكراه وتقديم وتأخير، بأن يكون تقديره:
حتى احتويت واحتوى بيتك علياء تحتها النطق من خندف، وإنما الوجه أن يكون المعني: احتوى بيتك المهيمن من خندف علياء كل النطق تحتها، أو يعلق من خندف بعلياء أي علياء من خندف كل نطاق دونها أو تحتها.
والنّطق: هي أوساط الجبال العالية.
والمهيمن: الشاهد، كأنه حتى احتوى شرف بيتك الشاهد منه الفرع الّذي
هو أنت علي طيب الأصل، ويمكن أن يكون قد عبّر بالنطق عن ذوات النطاق، والنطق: جمع نطاق، والنطاق: إزار له تكة تنتطق به المرأة، وكأنه لما قال: أنه احتوى علياء خنندف، والقبيلة إنما سميت بالمرأة، حسن أن يقال: أن هذه العلياء التي احتواها دونها علياء كل ذات نطاق، هي أم الشخص أو القبيلة، ويمكن أن يكون مأخوذا من نطاق البيت وهو ما يراد عليه من خشب يجمع أركانه، فكأنه لما وصف شرفه الليالي وكني عنه البيت، رشّحه إلي ذكر النطاق المستعمل للبيت، أي تحت علياء بيته نطاق كل بيت.
وقيل معناه: حتى احتويت يا مهيمن من خندف علياء، يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأقام البيت مقامه، لأن البيت إذا حل بهذا المكان فقد حلّ به صاحبه، وأراد بيته شرفه، والمهيمن من نعته، كأنه قال: حتى احتوى شرفك الشاهد علي فضلك علياء الشرف من نسب ذوي خندف إلي تحتها النطق- وهي أوساط الجبال العالية- وخندف: هي امرأة إلياس بن مضر بن نزار، فنسب إليها ولد الناس [ (1) ] .
وقيل: أراد بقوله: النطق، العفاف من لبس المرأة النطاق ليحصنها، فيكون النطق بمعني نطاق، أي تحتها نطاق العفاف، وقيل: النطق، جمع ناطق، وقيل:
النطق: جمع نطاق، وهو الّذي يشده الإنسان علي وسطه، ومنه المنطق، وهذا من العباس رضي اللَّه تعالى عنه مثل، أي جعلك اللَّه عاليا، وجعل خندف كالنطاق لك. واللَّه أعلم.
وقد روى أن جبير بن مطعم قال: لما بعث اللَّه تعالي نبيه صلى الله عليه وسلم فظهر أمره بمكة خرجت إلي الشام، فلما كنت ببصرى أتاني جماعة من النصارى فقالوا لي:
من أهل الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الّذي تنبأ فيكم؟ قلت:
[ (1) ] هي ليلي بنت حلوان بن عمران، وكان إلياس خرج في نجعة فنفرت إبله أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، وخرج عامر فتصيدها وطبخها، وانقمع عمير في الخباء، وخرجت أمهم تسرع، فقال لها إلياس: أين تخندفين؟ فقالت: ما زلت أخندف في إثركم، فلقبوا: مدركة، وطابخة، وقمعة، وخندف (ترتيب القاموس) : ج 2 ص 115، (الأعلام للزركلي) : ج 6 ص 116، (معجم قبائل العرب) : ج 1 ص 40.
نعم، قال: فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا فيه تماثيل وصور فقالوا: انظر، هل ترى صورة هذا الّذي بعث؟ فنظرت، فلم أر صورته فقلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير، فإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته؟ فإذا أنا بصورة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصفته، وإذا أنا بصفة أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه وصورته وهو آخذ بعقب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا لي: هل ترى صورته؟ فقلت: نعم، وقلت: لا أخبرهم حتى أعرف ما يقولون، قالوا: هو هذا؟ قلت: نعم، وأشاروا إلى جبهة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قلت: اللَّهمّ نعم، أشهد أنه هو، قالوا: هل تعرف هذا؟ قلت: نعم، قالوا لي: نشهد أن هذا صاحبكم وهذا الخليفة بعده [ (1) ] .
وقال موسى بن عقبة: إن هشام بن العاص ونعيم بن عبد اللَّه ورجل آخر بعثوا إلى ملك الروم زمن أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه، قالوا: فدخلنا على جبلة بن الأهثم وهو بالغوطة، فإذا عليه ثياب سود، وإذا كل شيء حوله أسود، قالوا:
يا هشام، كلمه، فكلمه ودعاه إلى اللَّه تعالى، فقال: ما هذه الثياب السود؟ قال:
لبستها نذرا ولا أنزعها حتى أخرجكم من الشام كلها!! قال: قلنا اتئد- أو كلمة تشبهها- حتى تمنع مجلسك، فو اللَّه لنأخذنه منك وملك الملك الأعظم إن شاء اللَّه، أخبرنا بذلك نبينا، قال: فأنتم إذن السمراء، قلنا: السمراء؟ قال: لستم هم، قلنا: ومن هم؟ قال: هم الذين يصومون النهار ويقومون الليل، قلنا: نحن هم واللَّه، قال: فكيف صومكم؟ فوصفنا له صومنا، فقال: فكيف صلاتكم؟
فوصفنا له صلاتنا، فقال: فاللَّه يعلم لقد غشيه سواد حتى صار وجهه كأنه قطعة طابق وقال: قوموا، فأمر بنا إلى الملك، فانطلقنا، فلقينا الرسول بباب المدينة فقال: إن شئتم آتيتكم ببغال، وإن شئتم آتيتكم ببراذين، فقلنا: لا واللَّه لا ندخل
[ (1) ] ونحوه باختلاف يسير في (دلائل النبوة للبيهقي) ج 1 ص 385، 386 وسنده: «أخبرني الشيخ أبو الفتح رحمه الله من أصله قال: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي قال: حدثنا يحى بن محمد ابن صاعد قال: حدثنا عبد اللَّه بن شبيب أبو سعيد الربعي قال: حدثنا محمد بن عمر بن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سعيد بن محمد بن جبير عن أبيه قال: سمعت أبي جبير بن مطعم يقول
…
» وأورد الحديث.
عليه إلا كما نحن، فأرسل إليهم أن يأتون، فأرسل: أن خلّ سبيلهم، فدخلنا معتمّين متقلدين السيوف على الرواحل، فلما كنا بباب الملك، إذا هو في غرفة له عالية، فنظر إلينا، قال: فرفعنا رءوسنا فقلنا: لا إله [إلا] اللَّه، فاللَّه يعلم لنقضت الغرفة كلها حتى كأنها غدق نفضته الريح، فأرسل: إن هذا ليس لكم أن تجهروا بدينكم عليّ، وأرسل إلينا: أن ادخلوا، فدخلنا، فإذا هو على فراش إلى السقف، وإذا عليه ثياب حمر، وإذا كل شيء عنده أحمر، وإذا عنده بطارقة الروم، وإذا هو يريد أن يكلمنا برسول، فقلنا: لا واللَّه ما نكلمه برسول، وإنما بعثنا إلى الملك، فإذا كنت تحب أن نكلمك فأذن لنا نكلمك، فلما دخلنا عليه ضحك، فإذا هو رجل فصيح بالعربية، فقلنا: لا إله إلا اللَّه، فاللَّه يعلم لقد نقض السقف حتى رفع رأسه هو وأصحابه فقال: ما أعظم كلامكم عندكم، فقلنا: هذه الكلمة؟
قال: التي قلتماها قبل؟ قلنا: نعم، قال: فإذا قلتموها في بلاد عدوكم نقضت سقوفهم؟ قلنا: لا، قال: فإذا قلتموها في بلادكم نقضت سقوفكم؟ قلنا لا، وما رأيناها فعلت هذا، وما هو إلا شيء عبرت به، فقال: ما أحسن الصدق! فما تقولون إذا فتحتم المدائن؟ قلنا: نقول: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، قال:
تقولون: لا إله إلا اللَّه ليس معه شيء، واللَّه أكبر من كل شيء؟ قلنا: نعم، قال:
فما منعكم أن تحيوني بتحية نبيكم؟ قلنا: إن تحية نبينا لا تحل لكم، وتحيتك لا تحل لنا فنحييك بها، قال: وما تحيتكم؟ قلنا: تحية أهل الجنة، قال: وبها كنتم تحيون نبيكم؟ قلنا: نعم، قال: وبها كان يحييكم؟ قلنا نعم، قال: فمن كان يورث منكم؟ قلنا: من كان أقرب قرابة، قال: وكذلك ملوككم؟ قلنا: نعم، فأمر لنا بنزل كثير ومنزل حسن، فمكثنا ثلاثا ثم أرسل إلينا ليلا، فدخلنا عليه وليس عنده أحد، فاستعاد كلامنا فأعدنا عليه، فإذا عنده مثل الربعة العظيمة مذهبة، وإذا فيها أبواب صغار، ففتح منها بابا، واستخرج منه خرقة حرير سوداء، فيها صورة بيضاء، فإذا رجل طوّال أكثر الناس شعرا فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال:
هذا آدم، ثم أعاد وفتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء فإذا رجل ضخم الرأس عظيم، له شعر كشعر القبط، أعظم الناس أليتين، أحمر العينين فقال:
أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح، ثم أعاده وفتح بابا آخر فاستخرج
حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أبيض الرأس واللحية، كأنه يبتسم، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم، ثم أعاده وفتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، وإذا واللَّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال:
أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول اللَّه، وبكينا، واللَّه يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: واللَّه إنه لهو؟ قلنا: نعم، إنه لهو كأننا ننظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر الأبواب ولكني عجلته لأنظر ما عندكم، ثم أعاده وفتح بابا آخر، واستخرج خرقة حرير سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل مقلص الشفتين غائر العينين، متراكم الأسنان كث اللحية عابس، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى، وإذا جنبه رجل يشبهه غير أن في عينيه قيلا وفي رأسه استدارة، فقال: هذا هارون، ثم رفعهما، وفتح بابا آخر واستخرج منه خرقة سوداء فيها صورة حمراء أو بيضاء، فإذا رجل أحمر أحمش الساقين أخفش العينين، ضخم البطن مقلد سيفا، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود، ثم أعاده وفتح بابا آخر واستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل راكب على فرس، طويل الرجلين قصير الظهر، كل شيء منه جناح تحفه الريح، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان، ثم أعاده ففتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة أو خرقة سوداء، فيها صورة بيضاء، فإذا صورة شاب تعلوه صفرة، صلت الجبين حسن اللحية، يشبهه كل شيء منه، قال:
أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم، ثم أعاده وأمر بالربعة فرفعت، فقلنا: هذه صورة نبينا قد عرفناها، فإنا قد رأيناه، فهذه الصورة التي لم نرها كيف نعرفها أنى هي؟ قال: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه صورة نبي نبي، فأخرج إليه صورهم في خرق الحرير من الجنة، فأصابها ذو القرنين في خزانة آدم في مغرب الشمس، فلما كان دانيال، صورها هذه الصّور، فهي بأعيانها، فو اللَّه لو تطيب نفسي في الخروج عن ملكي ما باليت أن أكون عبدا لأشدّكم ملكة، ولكن عسى أن تطيب نفسي، قال: فأحسن جائزتنا وأخرجنا [ (1) ] .
[ (1) ] وفي المرجع السابق: «فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأيناه وما قال لنا وما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر وقال: مسكين، لو أراد اللَّه به خيرا لفعل ثم قال: أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم» ص 390.
وقد رواه شرحبيل بن مسلم الخولانيّ عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص، قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه ورجلا آخر من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة، فنزلنا على جبلة بن الأهتم الغساني، فذكروه
…
وزاد بعد قوله في صورة نبينا عليه السلام وذكر موسى وهارون: ففتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان حسن الوجه، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا:
لا، قال: هذا لوط، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة أجنأ، خفيف العارضين حسن الوجه، قال: هل تعرفون هذا؟
قلنا: لا، قال: هذا إسحاق، ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة تشبه صورة إسحاق، إلا أن بشفته السفلى خالا، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا:
لا، قال: هذا يعقوب، ثم فتح بابا آخر فاستخرج حريرة سوداء فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه أقنى الأنف حسن القامة، يعلو وجهه النور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء فيها صورة كأنها صورة آدم، كأن وجهه الشمس، قال: هل تعرفون هذا؟ [قلنا: لا، قال:][ (1) ] هذا يوسف. ثم ذكر قصة داود وسليمان وعيسى مثل حديث موسى ابن عقبة، وزاد: قال: فلما قدمنا على أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه حدثناه بما رأيناه وما قال لنا وما أرانا، فبكى أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه وقال: مسكينا، لو أراد اللَّه به خيرا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ (2) ] .
[ (1) ] زيادة للسياق من المرجع السابق ص 291.
[ (2) ] وأخرج الإمام أحمد في (المسند)، من حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا إسماعيل عن الجريريّ، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب
_________
وذكر ابن كثير في (التفسير)، عند قوله تعالى في سورة الأعراف: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، باختلاف يسير، وقال في آخره:
هذا حديث جيد، قوي له شاهد في الصحيح عن أنس (تفسير ابن كثير) : 2/ 262.
وأما حديث صور الأنبياء، فقد أخرجه ابن كثير في (التفسير)، عن الحاكم صاحب (المستدرك) :
أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن إسحاق البغوي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ابن إدريس، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام ابن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة- يعني غوطة دمشق- فنزلنا على جبلة بن الأهتم الغسّاني، فدخلنا عليه فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسوله نكلمه، فقلنا: واللَّه لا نكلم رسولا وإنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه، وإلا لم نكلم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال: فأذن لنا فقال:
تكلموا، فكلمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سود، فقال له هشام: وما هذه الثياب التي عليك؟ فقال: لبستها وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء اللَّه، أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال:
لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملئ وجهه سوادا فقال: قوموا، وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة قال لنا الّذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: واللَّه لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون ذلك، فأمرهم أن ندخل على رواحلنا، فدخلنا عليها متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، فاللَّه يعلم لقد انتفضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح.
قال: فأرسل إلينا ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا، فدخلنا عليه وهو على فراش له، وعنده بطارقة من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه، فضحك فقال: ما عليكم لو جئتموني بتحيتكم فيما بينكم؟، وإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيّا بها لا يحل لنا أن نحيك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: فكيف يرد عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله
_________
[ () ] إلا اللَّه واللَّه أكبر، فلما تكلمنا بها- واللَّه يعلم- لقد انتفضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها، قال:
فهذه الكلمة التي قلتموها حيث انتفضت الغرفة، أكلّ ما قلتموها في بيوتكم انتفضت عليكم غرفكم؟
قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال لوددت أنكم كلما قلتم انتفض كل شيء عليكم، وإني قد خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟.
قال: لأنه كان أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد، فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا، فأمر لنا بمنزل حسن، ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا، فأرسل إلينا ليلا، فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة، مذهبة، فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا، فاستخرج حريرة سوداء، فنشرناها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق اللَّه. فقال:
أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم عليه السلام، وإذا هو أكثر الناس شعرا.
ثم فتح باب آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صلت الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية، كأنه يبتسم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال:
هذا إبراهيم عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فإذا فيه صورة بيضاء، وإذا واللَّه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا نعم، هذا محمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: وبكينا، قال: واللَّه يعلم أنه قام قائما ثم جلس، وقال واللَّه إن لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو، كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم، لأنظر ما عندكم.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سمحا، وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، متقلص الشفة، كأنه غضبان، فقال:
هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى عليه السلام، وإلى جنبه صورة تشبهه، إلا أنه مدهان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قبل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون بن عمران عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم، سبط، ربعة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة، أقنى خفيف العارضين حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته خال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب عليه السلام.
_________
[ () ] ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم صلى الله عليه وسلم.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة كصورة آدم، كأن وجهه الشمس، فقال: تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف عليه السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسا، فقال، هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود عليهما السلام.
ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شاب شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام.
قلنا: من أين لك هذه الصور، لأنا نعلم أنها على ما صوّرت عليه الأنبياء عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله؟ فقال: إن آدم عليه السلام، سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال.
ثم قال: أما واللَّه إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدا لا [يترك] ملكه حتى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرّحنا.
فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه، فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا، وبما أجازنا، قال:
فبكى أبو بكر وقال: مسكين! لو أراد اللَّه به خيرا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم. (تفسير ابن كثير) : 2/ 262- 263، تفسير الآية (157) من سورة الأعراف.
وهكذا أورده أيضا الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في (دلائل النبوة) : 1/ 385- 390، باب ما وجد من صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مقرونة بصورة الأنبياء قبله بالشام، عن الحاكم إجازة، فذكره، وإسناده لا بأس به.
وذكر أبو نعيم في (الدلائل) : 1/ 50- 56، بنحوه وقال في آخره: قال الشيخ رضي الله عنه: ففي هذه القصة علم أهل الكتابين بصفة نبينا صلى الله عليه وسلم، وباسمه، وبعثته.
وانتفاض الغرفة حين أهلّوا بلا إله إلا اللَّه، وما يوجد من المعجزات بعد موت الأنبياء، كما يوجد أمثالها قبل بعثتهم، إعلاما وإيذانا بقرب مبعثهم ومجيئهم. (المرجع السابق) .