الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة تسع وثلاثين وثمانمائة
استهلت بالخميس، ووافق ذلك رابع مسري من شهري القبط. وبلغت زيادة النيل فيه إلى دون خمسة عشر ذراعاً. ثم وقع الوفاء وكسر الخلج في يوم الاثنين خامس المحرم ووافق ثامن مسري، وكان نظير ذلك في العام الماضي في سابع مسري، وزاد من الذراع - السابع عشر أربعة اصابع، وباشر ذلك ولد السلطان، وكان يوماً مشهوداً، وسر الناس بذلك، وتباشروا بانحطاط السعر - فلله الحمد.
واستمرت الزيادة بعد ذلك إلى أن كان في آخر يوم من مسري قد انتهى إلى تسعة عشر ذراعاً سوى إصبع واحد. ولم يعهد مثل هذا فيما مضى من السنين سوى في السنة الماضية - فالله المحمود على كل حال.
وفيه وصل إلى حلب رسل من قبل جانبك الصوفي، فبلغ السلطان ذلك فجهز لنائبها بقتلهم فقتلوا، ثم تبين أن ذلك كان في آخر - في السنة الماضية، وكان النيروز يوم الثلاثاء، خامس صفر، وكانت السنة القبطية كبيساً ولم يلعب أحد فيه لنهي السلطان عن ذلك وبلغت زيادة النيل فيه تسعة عشر ذراعاً وثمانية عشر إصبعاً، وساوى العام الماضي في ذلك وزاد ثلاثة أصابع ثم زاد في أول يوم من توت إصبعين، وفي الثاني إصبعاً، وكان في العام الماضي قد نقص في أول يوم من توت أربعة أصابع ومع ذلك فلم ترو عدة بلاد من الجيزية التي كان من شأنها أن تروى من ستة عشر لفساد الجسور - والأمر لله! ثم يسر الله أن زاد حتى وفي قدر العام الماضي ولم يكن أحد يظن ذلك، وانتهت زيادة النيل في أول يوم من بابة إلى عشرين إصبعاً، ورئي شهر ربيع الأول ليلة
السبت، وثبت ذلك فلم ينقص منه إلى الرابع من شهر ربيع الآخر سوى قدر ذراع، ودخل هاتور من الأشهر القبطية وهو على ثباته، وتأخر زمان الزرع عن العادة، وضج الناس من ذلك، وغلا السعر في القمح وغيره إلى أن بلغ القمح نحو الدينار ثم تناقص.
وفيها استدعى شاه رخ قرا يلك وأمره بقتال إسكندر فكان ما حكيناه في السنة الماضية، ووصل أحمد بن شاه رخ نجدة لقرا يلك، فلقوا إسكندر على ميافارقين، فقتل من الفريقين جمع جم، وانهزم إسكندر إلى بلاد الروم، فوصل إلى أفشر وكاتب صاحب مصر فقام متوليها بخدمته، ودل عليه أحمد بن شاه رخ، فسار في طلبه فتبعه العسكر فانهزم ودخل توقات من بلاد الروم، فأرسل صاحبها يستأذن ملك الروم مراد بن محمد بن عثمان - في أمره -، فأرسل إليه هدية بما قيمته عشرة آلاف دينار وأمر بإكرامه، فإلى أن يصل إليه ذلك جرى على عادته من الفساد والنهب، فشق ذلك على متولى توقات وراسل صاحبه، فأمر برد الهدية وإخراج إسكندر من بلاده، فسار إلى جهة بلاد القرانية، وراسل شاه رخ ملوك الروم وجهز لهم خلعاً وأمرهم بطرد اسكندر وملك أحمد بن شاه رخ ملك الروم وتزوج بنت قرايلك، ولما وصل الخبر للسلطان شرع في التجهيز للسفر وعرض أجناد الحلقة، وفي الثالث من شهر ربيع الأول خلع على شرف الدين أبي بكر بن سليمان الحلبي سبط ابن العجمي كبير الموقعين ونائب كتابة السر بكتابة السر بحلب، وقرر ولده مكانه في جهاته، وهو معين الدين عبد اللطيف، وجهز إلى كاتب السر بها زين الدين
عمر بن السفاح بالحضور، لأن كاتب السر ابن السفاح بحلب كتب يحذر من - غائلة - قرقماس وأنه يريد الخروج عن الطاعة، ففطن قرقماس فراسل يطلب الحضور، وصادف توجه النجاب بطلبه فسبق قاصده، فعرف السلطان براءته مما رمى به وأذن له في المجئ، وحنق على ابن السفاح وعزله من كتابة السر وأمره بالقدوم، ثم شفع فيه أن يستمر بطالاً، وتوجه شرف الدين، واتفق قدوم قرقماس على الهجن في أربعة عشر يوماً في سادس ربيع الأول، فلما قدم أكرم.
وفي صبيحة وصوله خلع أمير سلاح مكان جقمق، وخلع على إينال الجكمي الأمير الكبير بنيابة حلب. وعين جقمق الذي كان أمير سلاح في وظيفته، وعوتب قرقماس بأنه راسل جانبك الصوفي، فتنصل وكان ما سيأتي، ثم سافر إينال الجكمي وشرف الدين في الرابع عشر من شهر ربيع الأول إلى مدينة حلب، - وخلع على جقمق مكان الجكمي قبل ذلك - في السابع منه، وخلع عليه أيضاً بنظر المارستان - في السادس عشر منه -، والعجب أنه بعد ثلاث سنين ولي السلطنة في هذا الشهر، وحضر المولد السلطاني في الثالث عشر منه وجلس رأس الميمنة وجلس قرقماس رأس الميسرة، ثم جاء ولد السلطان فجلس فوقه وكان السرور طافحاً على جقمق وقرقماس مكتئب.
وفي حادى عشر ربيع الآخر وصل الخبر بموت قصروه نائب الشام، فقرر مكانه إينال الجكمي الذي توجه قريباً إلى حلب، وتوجه القاصد إليه بنقله عن حلب إلى دمشق، وقرر تغرى برمش أمير آخور التركماني نائباً بحلب، فسار في أول الشهر إلى جهة حلب وخرج في بحمل زائد، وقرر عوضه جانم أخو السلطان الأشرف من أمه أمير آخور، وخلع عليه في سابع جمادى الأولى - أيضاً -، وأمر تغرى بردى المؤذى تقدمة، وورد كتاب صاحب حصن كيفا يخبر فيه بمنازلة شاه رخ تبريز وإذعان إسكندر بن قرا يوسف له، ثم ظهر أن إسكندر انكسر ودخل شاه رخ تبريز ونزل من رساع يشتى
فيها، وأرسل عسكراً مع ولده إبراهيم يتبع إسكندر فدخل اسكندر بلاد صاحب مصر واستأذنه في الإقامة بها، فأجابه الأشرف لذلك، فأرسل إليه هدية وآثره بجملة من المال، وورد كتاب نائب ملطية يخبر فيه بإمساك جانبك الصوفي، وتاريخه ثامن عشر ربيع الأول، ثم أحضرت رأس عثمان بن قرايلك وولده وعلقتا بباب زويلة - وذكر نائب ملطية في كتابه أنه - وقع بينه وبين قوم آخرين من التركمان حرب فسقط عن فرسه في المعركة - فغرق - فلم يشعر به إلا بعد يومين - فعرف، وكوتب السلطان فأمر السلطان بإحضار رأسه - وشرح نائب ملطية أموراً - كثيرة -، فأرسلت إليه هدية وأمر، ووصل قاصد ابن دلغادر يخبر بإمساك جانبك - الصوفي -، ووصل جمال الدين يوسف بن عبد الله الكركي قريب ابن الكويز الذي كان ولي كتابة السر بعد موته قدر نصف سنة ختام سنة ست وعشرين وأوائل سنة سبع وعشرين، ثم صرف وولي أخيراً نظر الجيش بالشام فاستمر فيه، ثم صرف ثم أعيد مدة فوصل مطلوباً في أول يوم من شهر ربيع الآخر فتوعك، واستمر إلى أن خلع عليه يوم السبت سادس جمادى الأولى بكتابة سر الشام وصرف من نظر الجيش، فاستقر فيها بهاء الدين بن حجى وكان وليها مرة قبل هذه، وفي أواخر شهر ربيع الآخر غلا سعر القمح فتزايد وقل الخبز من الحوانيت فضجت العامة، فأمر السطان بفتح الشؤن - والبيع - منها، فمشى الحال قليلاً وتزايد السعر إلى أن بلغ القمح أربعمائة والفول مائتين والشعير مائة وسبعين، وسكن الحال بوجود ذلك وبيع الرغيف الذي زنته نصف رطل بدرهم ونصف قنطار من الدقيق - ويسمى عندهم بطه - بمائة وعشرة، وهذا كله والري قد شمل الأرض قبلها وبحررنها فكيف لو كان فيه تقصير! اللهم الطف بعبادك يا رب العالمين.
وفيها وقع الطاعون ببرصا فدام أربعة أشهر، وفيه قبض على جانبك الصوفي وقد تقدم ذكر ظهوره في السنة الماضية فاتفق أنه توجه هو قرمش الأعور وابن سلامش وابن قطلبك إلى محمد بن قرايلك فقواهم، فنازلوا قلعة
دوركي ونهبوا ما حولها، ثم توجه محمد إلى أبيه بأمر شاه رخ لقتال إسكندر، وتوجه جانبك ومن معه إلى ملطية فحاصروها، فأظهر له سليمان بن ناصر الدين بن دلغادر أنه معه، فكتب إليه أن يقدم عليه، فقدم في مائة وخمسين فارساً، فتلقاه جانبك فأظهر له المناصحة حتى اطمأن إليه، ثم غدر به وقبض عليه وتوجه له ليلاً حتى دخل الأبلستين، وكتب إلى نائب حلب يعلمه بأنه قبض عليه في سابع عشر ربيع الأول ويقر في مقابلته خمسة آلاف دينار، فجهز نائب حلب كتابه إلى السلطان بمصر، وجهز ناصر الدين قاصده إلى ولده سليمان أن يرسل إلى صاحب مصر بالإعلام بذلك - ويخبر جنبك ليتخذ عنده يداكي يطلق ولده فياضاً ولم يكن بلغه إطلاقه، ففي غضون ذلك وصلت إليه خديجة وابنها فياض، وأرسل جانبك كتاباً إلى يلبان نائب درنده يستميله، فقبض على قاصده وسجنه وأرسل بكتابه إلى الأشرف، فتحقق غدر ابن دلغادر، ووقع الإرجاف بأمر جانبك، وكثر القال والقيل لا سيما ممن يتعصب له، وكان ناصر الدين قبل ذلك نازله تغري برمش نائب حلب، ففر منه فأمر أهل الأبلستين بالرحيل منها وأحرقها. ونهب العسكر من بقي بها. فكانت غيبته خمسين يوماً.
وفي شوال رجع شاه رخ إلى الشرق، واستناب بتبريز شاه جهان وأنعم عليه بجميع نساء إسكندر بن قرايوسف، ووجد مع جانبك بعد القبض عليه كتاب شاه رخ يحرضه على أخذ البلاد الشامية ويعده بأنه يرسل إليه ولده أحمد نجدة له بالعساكر، فقلق صاحب مصر من ذلك وكتب إلى نواب الشام بالاستعداد.
وفي ربيع الآخر نودي بعرض أجناد الحلقة، فعرضوا على السلطان فقال: اخرجوا كلكم، من قدر على فرس ركب فرساً، ومن قدر على حمار ركب حماراً، وفي سابع عشره ورد الأمير شاهين الأيدكاري وصحبته قصاد إسكندر بن قرا يوسف ومعهم راس قرا يلك ورأس ولديه، فأمر السلطان بالرؤوس فطيف بها وزينت القاهرة - وعلقت الرؤوس على باب زويلة وحمل إلى الإسكندر مال.
وفي آخر الشهر سابع عشر منه تجهز شاذ بك راس نوبة بمال وفرس وسرج ذهب وكنبوش مزركش إلى سليمان بن دلغادر وابنه ناصر الدين ليسلما - جانبك الصوفي، فجاء الخبر بعد قليل - بأنهما أخذا المال وأطلقا جانبك، قدم شاذ بك في حادي عشر رجب بذلك، فشق على السلطان وكاتب أهل البلاد بالشام ونادى في العسكر بالتجهيز للسفر، وكاتب ملك الروم أن يتأهب للترافق معه على قتال شاه رخ، ثم جهز السلطان جماعة من الأمراء وهم الأمير الأتابك جقمق الذي ولي السلطنة بعده والد يدار أركماس الحاجب الكبير ويشبك ونائب القلعة تنبك وتغري بردى البكلمشي المعروف بالمؤذي - وقرا قجا الحسني - الذي صار أمير آخور وتاني بك نائب القلعة وتغري برمش الذي صار دويدار كبيراً، وخجا سودون وألف فارس من مماليكه وألف فارس من جند الحلقة، وأنفق فيهم سبعة عشر ألف دينار، وتوجهوا إلى حلب فالتقوا بأميرها تري برمش وساروا جميعاً، وقبض على مملوك لابن دلغادر توجه من جهتهم ليكشف حال أهل حلب فدلهم على جانبك الصوفي أنه مقيم بالأبلستين، فتوجهوا ففر منهم جانبك، وهجموا البلد فاحتملوا - ونهبوا ما فيها وعادوا إلى حلب، وتخلف عنهم خجا سودون بعينتاب، فاجتمع جاني بك ومن معه على أن يكبسوه فلاقاهم فوقعت بينهم محاربة شديدة انجات عن أخذ قرمش الأعور وجماعة معه، وفر جانبك وسجن قرمش ومن أسر معه بقلعة حلب، ثم جهزت رأس قرمش بعد قتله إلى القاهرة.
وفي رابع عشري رمضان قدم اسلماس بن كبك التركماني إلى القاهرة مراغماً لجانبك الصوفي، فأكرمه السلطان وخلع عليه وجهزه إلى بلاده، وقرر شاذ بك في نيابة الرها عوضاً عن أينال الاجرود وأمر بإحضار أينال.
وفي هذه السنة أكثر السلطان من النزول إلى الصيد، ونزل غير مرة إلى الضواحي، ومنها إلى جامع عمرو فصلى ركعتين، وإلى خليج الزعفران مرة وغير ذلك.
وفي ثالث عشري ربيع الآخر رسم بعقد مجلس بالقضاة ليتشاوروا في جمع المال لقتال اللنك، ثم أعفوا من ذلك وأشار السلطان بأن من ينسب إلى الغنى يجهز ما يقدر عليه من المقاتلة، وقرر على القاضي الشافعي خمسة عشر وعلى الحنفي عشرة ونحو ذلك.
وفي أواخر شهر ربيع الآخر شاع أن شاه رخ قاصد البلاد الشامية، فنودي في أجناد الحلقة بالعرض فعرضوا عند الدويدار الكبير، وحصل لهم مشقات كبيرة خصوصاً لصعاليكهم، واستمر التشديد عليهم.
وفيه خلع علي ولي الدين محمد بن تقي الدين أبي القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن محمد بن عبد القادر الششيني نزيل المحلة نديم السلطان ناظر الحرمين عوضاً عن سودون المحمدي وشيخ الخدام بالمدينة عوضاً عن بشير التنمي، ثم خلع على الصاحب كريم الدين ابن الصاحب تاج الدين ابن كاتب المناخات بالنظر علي الكارم بجدة، وشرع في التجهيز صحبة ابن قاسم، وخلع على يلخجا الثاني أخو الطنبغا الصغير - بشادية جدة عوضاً عن نكار، وخرجوا وصحبتهم جماعة لقصد العمرة والمجاورة وهو الركب الرحبي في نحو أربعمائة جمل، وساروا في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة، ووصل نكار إلى القاهرة محتفظاً به، ويقال إنه أهين وصودر على مال، وكان نكار المذكور توجه إلى جدة فلم ينجع كما نجع من قبله، فسخط عليه لسوء تصرفه.
وفي جمادى الأولى وصل الخبر من اقطوه الذي كان توجه رسولاً إلى شاه رخ بأنه وصل إلى حلب وصحبته رسل من شاه رخ، فأجيب بالإذن لهم في المجئ، فلما كان في جمادى الآخرة وصل اقطوه سالماً كما سيأتي.
وفي ذي الحجة وصلت هدية ملك بنجالة إلى السلطان فغرق المركب، وقام الصاحب كريم الدين ومن معه إلى أن استخرجوا الشاشات من البحر وأصلحوها بالقصار وجهزوها وفات ما عدا ذلك،
وكان أصلها أن السلطان جهز هدية إلى ملك بنجالة فمات، فأرسل ولده أحمد بن أبي المظفر جواب الهدية بتحف كثيرة، فاتفق أن الريح ألقتهم بجزيرة قرب ديبة، فمات الطواشي الذي من جهة السلطان، فاحتاط صاحب ديبة على موجوده وترك الهدية، فوصلت إلى جدة فغرقت دون ذلك، فبلغ السلطان فشق عليه وأمر بالقبض على كل من وصل مكة من بنجالة، فقبض عليهم وعلى أموالهم حتى أفتكوها بغرامة ما فسد من الهدية.
ودخل فصل الشتاء في يوم الأربعاء السابع عشر من كيهك وقد اشتد البرد بالديار المصرية جداً كاشد ما عهد في وسط الشتاء، وكان برد ذلك في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وكان ابتداء شدة البرد في يوم العشرين منه قبل انفصال الشمس عن القوس بثلاثة ايام، وتزايد البرد مع عدم الهواء والسحب وما جرت به العادة في الشتاء بمصر بل الهواء غير مزعج الهبوب مع شدة برده، وأكثر ما تهب من جهة الشرق عن يسار القبلة.
وفي الحادي والعشرين من كيهك صار الماء الذي في البرك وبقايا الخلجان جليداً، فجمع منه شيء كثير جداً بحيث صار أصحاب المزايل يجمعونه فيبيعونه، والناس يتسارعون إلى شرائه والتناول منه ويظنون أنه من جملة الثلج، وكثر ذلك جداً بحيث لم يسمع ينظير ذلك في هذه الأعصار، وكان الأمر في العام الماضي قبل هذه الأيام بالعكس من استمرار الحر وعدم البرد البتة - فسبحان من له الملك.
وفي السادس عشر منه صرف خليل نائب الإسكندرية عن الإمرة والنظر، وذكر لنا خليل بن شاهين المذكور أنه في ولايته أبطل ما كان مقرراً على الباعة لجهة الحسبة وهو في كل شهر ثلاثون ألفاً يحمل إلى ديوان النيابة، ونقش ذلك في رخامات جعلت على أبواب البلد، وأنه وجد ابن الصفير الناظر على الثغر أخذ ما بالمجانيق التي بقاعة السلاح من الرصاص فعمر به حماماً له، فطالع بذلك السلطان فأمر بانتزاعه منه فانتزع، وعمر بالمجانيق كما كانت، وجدد بها واحداً كبيراً ووضعه على برج يقال له الضرغام، ووصف لنا ما بالقاعة من العدد فكان شيئاً كثيراً وأمراً مهولاً حتى أنه قيل إنه في بعض الكائنات احتيج إلى أخذ ورق منها فأخرجت منها خمسة آلاف فلم يؤثر في كثرتها.
وفي العشرين منه استقر سرور المغربي ناظراً وقاضياً بالثغر ولبس الخلعة بذلك، وبلغني أنه عوتب فقال إن الجمع بينهما جائز لأن الذي ينظر عليه ليس مكساً بل هو زكاة الأموال من المسلمين، وما يؤخذ من الكفار ليس بمكس، ثم بعد يوم أهين وضرب على ما بلغني، ثم قرر اقباي اليشبكي الدويدار في إمرة الإسكندرية، ثم قرر خليل المذكور في نظر دار الضرب بالقاهرة عوضاً عن ابن قاسم وكان قد استناب فيها أخاه فصرف.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشري جمادى الآخرة منها - أو في شهر رجب وصل أقطوه الدويدار الذي كان رسولاً إلى شاه رخ ابن تمرلنك وصحبته رسل منه، فاجتمع بالسلطان في يومه ثم وصل الرسل يوم الأربعاء وانزلوا بالقاهرة، ثم أخذ منهم الكتاب فقرئ وفيه إنكار ما يصنع بمكة من اخذ - المكوس والتحذير من أمر إسكندر ابن قرا يوسف والإذن له في دخول هذه البلاد وأن يخطب له بمصر وتضرب السكة باسمه والتغليط في ذلك والتهديد، وصحبة الرسول خلعة بنيابة مصر وتاج، ثم راسله القاصد بان معه كلاماً مشافهةً، فأحضر يوم السبت فأداه، فأمر - بضربه وضرب رفيقه، فضربا ضرباً مبرحاً وغمسا في ماء البركة في شدة البرد ولكن بثيابهما حتى كادا يهلكان غماً، ثم أمر بإخراجهما فأعيدا إلى المكان الذي أنزلا فيه، ثم أمر بنفيهما إلى مكة في البحر، فحجا وتوجها إلى العراق،
وعزم السلطان على السفر إلى البلاد الحلبية بالعساكر، وكاتب الأشرف بن عثمان أن يكون عوناً على شاه رخ، وجهز المراسيم إلى بلاد الشام بتجهيز الإقامات، وكتب إلى جميع المدن الكبار بتجهز العساكر واستخدام جند من كل بلد - فالله يختم بخير.
وفيها أدير المحمل على خلاف العادة، وأمر مشايخ الخوانق أن يركبوا في صوفيتهم بغير رماحة وأن يلاقوا المحمل من الجامع الجديد إلى الرميلة ويرجع القضاة من هناك.
وفيها وقعت بقرب عسفان بين سرية من أمير مكة وبين بعض العرب من بطون حرب، فتحيل عليهم العرب وأظهروا الهزيمة فرجعوا عليهم وقتلوا منهم مقتلة وانهزم من بقي، وممن قتل الشريف ميلب بن علي بن مبارك بن رميثة، وغنموا منهم اثنين وثلاثين فرساً وجملة من السلاح.
وفي يوم الخميس السابع من شهر رجب استقر شيخ الشيوخ محب الدين محمد بن الشيخ شرف الدين عثمان المعروف بابن الأشقر في كتابة السر الشريف عوضاً عن القاضي كمال الدين ابن البارزي.
واستقر ولده شهاب الدين أحمد في مشيخة الشيوخ بسرياقوس عوضاً عن والده وباشر، وهرع الناس للسلام عليه فركب هو مسرعاً فطاف على كبراء الدولة فسلم عليهم ورجع ونظر في الأمور، ورجع من يسلم عليه يتوجع للمنفصل على العادة.
وفي رمضان نقل قانصوه إلى دمشق بتقدمة ألف عوضاً عن جانبك المؤيدي لموته، ونقل حسن ناظر القدس على إمرة قانصوه بدمشق.
وفي جمادى الآخرة صرف أمين الدين القسطلاني عن قضاء المالكية بمكة وأعيد أبو عبد الله النويري.
وفي رجب أوقع تغري برمش نائب حلب بالتركمان بمدينة مرعش، فقتل منهم جماعة وأسر جماعة وغنم منهم غنيمة كثيرة، ورجع إلى حلب سالماً.
وفيها في الخامس من جمادى الآخرة استقر جمال الدين ابن الصفي الكركي كاتب سر دمشق عوضاً عن يحيى بن المدني بحكم عزله، واستقر بهاء الدين بن حجي في نظر الجيش عوضاً عن جمال الدين، واستقر الشريف بدر الدين محمد بن علي بن أحمد الجعفري في قضاء الحنفية بدمشق عوضاً عن الشريف
…
وفيها نازل اسكندر بن قرا يوسف أرزن الروم فأخذها، وفر منه قرا يلك إلى آمد بعد ليلة إلى أرقنين.
وفيها وقع بين طوائف من الإفرنج حروب هائلة، وأنجد المنتصر صاحب تونس بعض الطوائف وكانت أمه منهم، فكانت النصرة لهم على الباقين.
وفيها حصر العرب مدينة تونس، وكان المنتصر ضيق عليهم ومن معهم - ومنعهم من دخول تونس، فانتمى إليهم ابن عمه زكرياء بن محمد بن أبي العباس وأمه بنت أبي فارس، وكان المنتصر مريضاً فأنجد عثمان أخو المنتصر أخاه، وكانت بينهم مقتلة عظيمة.
وفيها عزل جمال الدين يوسف بن أبي أصيبعة من نظر الجيش بحلب، وأضيف لزين الدين ابن السفاح كاتب السر.
وفي ذي الحجة خرجت طائفة من العرب من غزة على مبشري الحاج ففتكوا بهم وسلبوهم، فمشوا حتى وقعوا على بعض ذوي الدول من جهينة، فآووهم وكسوهم وحملوهم إلى القاهرة، وحج في هذه السنة أمير ديبه وبلاد الهند، واسمه حسن بن أبي بكر بن حسن الشهير بابن بدر ويلقب الناصر.
وفيها وقع الوباء ببلاد كرمان وفشا الطاعون بهراة حتى سمعت اقطعوه الذي كان رسولا إلى شاه رخ ملك الشرق يقول - إنه سمع وهو عند شاه رخ أن عدة من مات بهراة ثمانمائة ألف. وتوجه شاه رخ في جمع عظيم لقتال اسكندر بن قرا يوسف، والسبب في ذلك أن اسكندر كان نازل قلعة شماخي من بلد شروان وقاتل صاحبها خليل ابن إبراهيم الدربندي مدة، فاغتنم غيبة اسكندر في الصيد فهجم على عسكره فقتل منهم ناساً واسر ولد اسكندر وابنته وزوجته، فبعث بالابن إلى شاه رخ فسيره إلى سمرقند، ووقف خليل بنت اسكندر وزوجته في الخرابات مع البغايا، فلما عاد اسكندر غلب على شماخي
حتى خربها ونهب ما بها من الأموال وأفحش في القتل والسبي، فهرب خليل واستنجد بشاه رخ فخرج في نصرته، وظفر اسكندر ببنت خليل وامرأته فوقفهما في البغايا، وألزم واحدة منهما أن تمكن خمسين رجلاً يزني بها جزاء ما فعل خليل، وكان خروج شاه رخ في ربيع الأول فنزل على قزوين في رجب، وأمر فيروز شاه أمير الأتراك أن يتوجه إلى البلاد ما بين قزوين إلى السلطانية إلى تبريز وسائر العراقين وينادي بعمارة ما خرب من البلاد وزراعة ما تعطل من الأرض وغراس البساتين وحط الخراج عمن زرع إلى خمس سنين وإعانة الزراع والفلاحين بالبذر والمال.
فلما بلغ آبهان بن قرا يوسف خبره راسل شاه رخ بأنه في طاعته فكف عنه - ثم أرسل شاه رخ ولده أحمد إلى ديار بكر في ذي الحجة، وأقام على قرا باغ وجد في عمارة تبريز، واظهر العدل إلى أن كان ما سنذكر في السنة المقبلة.
وفي هذا الشهر نزلت الشمس برج الحمل في يوم الأحد ثالث عشري شعبان في النصف من برمهات من أشهر القبط، وانقضى فصل الشتاء والبرد أشد ما كان كنحو الذي كان في طوبة من اشهر القبط وهو كانون من أشهر الروم، ثم بعد ثلاثة أيام هجم الحر دفعة واحدة فدام على ذلك سبعة أيام، ثم عاد البرد على الحال واستمر في رمضان إلا أنه في العشر الأخير منه تناقص ووقع بعض الحر.
وفي يوم الخميس سادس عشري شعبان برز الأمراء بمقدمة العسكر المجرد إلى حلب إلى الريدانية وخرج آخرهم يوم الجمعة، وهم سبعة أمراء فيهم الأتابك والدويدار الكبير والحاجب الكبير فتوجهوا، فلما استهل شهر رمضان بيوم أشيع خروج بقية العسكر مع السلطان ثم فتر العزم.
وفي شهر رجب اجتمعت طائفة من عرب بني حرب ومنازلهم حول عسفان بعد أن كانوا يفرقون في أعمال
…
فنهبوا غنماً لبعض أهل مكة، فقبض ابن عجلان على الغنم وردها لأصحابها وأنكر عليهم.
فاعتذروا بأنهم اتفقوا مع والده حسن بن عجلان إن لا حرج عليهم من قبله فيما يفعلونه في غير الحرم، فأنكر ذلك وأمر بالغارة عليهم، فخرج إليهم طائفة من أهل مكة منهم أخوه علي بن حسن ووزيره سليمان وميلب بن علي بن مبارك بن رميثة وخرج أرنبغا مقدم المماليك المقيمين بمكة من قبل سلطان مصر ومعه عشرون مملوكاً، وذلك في الثالث عشري من شهر رجب، فأوقعوا بهم فقتلوا منهم طائفة وانهزم الباقون واستاقوا إبلاً كثيرةً واشتغل من طلب النهب، فكمن لهم بعض من انهزم في مضيق فأخذوهم على غرة، فقتل ميلب وفر أرنبغا وقتل من أهل مكة نحو الثلاثين ومن الترك ثمانية أنفس ونهب جميع ما معهم ودخلوا مكة في أسوأ حال، وفاز العرب بالغنيمة وتوجهوا إلى بلادهم فصادفهم وصول الوزير وولي الدين بن قاسم ويلخجا الذي قرر شاداً على البهار بجدة، فبلغهم طرف من الفضة فأخذوا حذرهم، فمروا بمكان الوقعة فدفنوا بعض القتلى وتوجهوا خائفين فلم يلقوا أحداً ودخلوا مكة سالمين في أول يوم من شعبان، فتوجه أرنبغا ومن بقي معه من الترك إلى القاهرة، فدخلوها في أوائل العشر الثاني من شهر رمضان، وذكروا أنه وصل إلى مكة ناس من التجار ومعهم بضائع من قبل شاه رخ ابن اللنك أمر بيعها بمكة وتفرقتها فيها صدقة على من عينه من أهل مكة، وان المتكلم على البضائع من قبل سلطان مصر أساء عشرتهم وأخذ منهم عشور ما معهم وكاتب السلطان يستأذنه في تمكينهم من بيع ما أحضروه ومن تفرقته.
وفي السابع من شهر رمضان قرر خليل الذي كان نائب الإسكندرية في الوزارة وصرف تاج الدين الخطير وكان قد أظهر العجز، فاتفق أن لحم المماليك الاجلاب تأخر فرجموه فسعى في الاستعفاء فأناط السلطان الأمر بناظر الجيش، فتروي في الأمر ثم قرر هذا، فباشر دون الشهر ثم عجز وقصر -، فتغيظ السلطان فتلافى ناظر الجيش الأمر
وآل الأمر - إلى أن صرف خليل عن الوزارة، وتكلم ناظر الجيش في ذلك إلى أن يصل كريم الدين ابن كاتب المناخات - من جدة، فأقام ناظر الدولة يتصرف ويراجعه، واستمر الحال إلى أن قدم كريم الدين، واستهل شوال يوم الأربعاء، فلبس السلطان الأبيض، وذلك قبل العادة القديمة بأسبوعين - فإن العادة جرت أن يكون ذلك في ثامن بشنس فوقع هذا في الثالث والعشرين من برمودة.
وفي ليلة السبت ثاني ذي القعدة ولد علي بن محمد ابن كاتبه، أنشأه الله صالحاً في دينه ودنياه، وأمطرت في صبيحة هذا اليوم بعد طلوع الشمس واستمر في طول النهار أحياناً، وذلك في رابع عشري بشنس، وكان تقدم قبل ذلك سموم حارة في معظم النهار في الجمعة التي قبلها وفي الليل واضر ذلك بكثير من الخضراوات. وفيه نودي بمنع ضرب أواني الفضة وآلاتها، وشدد على من يحمل الدراهم المضروبة إلى الحجاز، لان التجار يستفيدون فيها لرغبة الهنود في الفضة فلذلك قلت بأيدي الناس.
وفيه استقر شمس الدين الصفدي في قضاء الحنفية بدمشق على مال يحمله، وكان قدم القاهرة ليخف عنه فزيد عليه.
وفي ليلة السبت خامس عشري الشهر هبت هواء باردة بحيث عاود الناس لبس الصوف وخصوصاً في الليل وفي أوائل النهار، وذلك عند انفصال فصل الربيع ودخول فصل الصيف.
واستهل شهر - ذي الحجة بالسبت وكنا تراءيناه فتعسرت رؤيته ثم ثبت في اليوم الثاني.
وفي يوم الخميس سادس ذي الحجة نودي على البحر، وكانت القاعدة يومئذ سته أذرع وستة عشر إصبعاً.
وفيها وصل حمزة بك بن علي بن دلغادر فوقف بين يدي السلطان، فقبض عليه وسجن.