المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سنة أربع وأربعين وثمانمائة - إنباء الغمر بأبناء العمر - جـ ٤

[ابن حجر العسقلاني]

فهرس الكتاب

- ‌سنة تسع وثلاثين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة تسع وثلاثين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة أربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة أربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌بسم الله الرحمن الرحيم

- ‌سنة إحدى وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة إحدى وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة إثنتين وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة أربع وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة أربع وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌ستة خمس وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة خمس وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة ست وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة ست وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة سبع وأربعين وثمانمائة

- ‌من الحوادث بعد سفر الغزاة

- ‌ذكر من ماتفي سنة سبع وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة ثماني وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة ثمان وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة تسع وأربعين وثمانمائة

- ‌ذكر من ماتفي سنة تسع وأربعين وثمانمائة من الأعيان

- ‌سنة خمسين وثمانمائة

الفصل: ‌سنة أربع وأربعين وثمانمائة

‌سنة أربع وأربعين وثمانمائة

استهلت يوم الخميس موافقاً للثامن من بونة من شهور القبط.

وفي يوم السبت الثالث منه قبض على الأستادار ناصر الدين محمد ابن أبي الفرج وحبس بالبرج، ثم تسلمه الوزير بعد أيام على مال صودر عليه، واستقر في وظيفته مملوك يقال له طوغان، وخلع عليه وباشر.

وفي يوم الاثنين الثاني عشر منه ووافق التاسع عشر من بونة وهو أول يوم من فصل الصيف، وكان الهواء بارداً وقت السحر واستمر إلى إن تعالى النهار بحيث وجد من البرد كأيام أوائل الربيع، فلما قرب الظهر اشتد الحر جداً كما في كل يوم.

وخلع على القاضي سراج الدين عمر بن موسى الحمصي، واستقر في قضاء الشام على عادته بعد أن سعى السعي الحثيث وأجيب بالمنع مراراً، فلم يزل يتلطف لي أن أجيب، وتوجه في اليوم العشرين من المحرم.

وكذا أعيد قاضي صفد علاء الدين بن حامد وصرف الزهري وتوجه في هذا الشهر، وفيه - قبض على ابن القف ناظر الجيش بصفد لشكوى نائب صفد منه، وأخبر قائس النيل في اليوم الخامس والعشرين من بونة وهو الثامن عشر من المحرم إن النيل بلغ في القياس إلى ستة أذرع وأربعة أصابع، ونودي عليه في العشرين منه بثلاثة اصابع، واستمرت الزيادة.

وفي يوم الثلاثاء سابع عشري المحرم رفع إلى السلطان أن رجلاً مات وأوصى إلى رجل فضم القاضي الشافعي إليه آخر وأن التركة وقع فيها تفريط، فطلبهما وطلب نائب

ص: 152

الحكم الذي اثبت أهلية الآخر وحبسهما بالقلعة، ثم سأل الوصي فذكر في القصة أموراً تغير السلطان منها لظنه صدق الوصي والواقع أنه مشهور بالكذب والبهتان، وقد امتلأ غيظاً فضم الآخر معه حتى أنه لم يتمكن مما كان يروم أن يفعله فنسب إلى المذكور أموراً معضلة، فظن السلطان أن ذلك بعلم القاضي فتغيظ على القاضي وأرسل إليه أن لا يخطب به يوم الجمعة، وعين شخصاً من نواب الحكم يقال له برهان الدين ابن الميلق، فخطب به يوم الجمعة أول صفر، وطلب من يفوض إليه الحكم فذكر له جماعة، فاختار القاضي شمس الدين الونائي الذي كان ولي قضاء الشام وانفصل منه في شوال وحج وعاد إلى القاهرة فدخلها في يوم الجمعة ثالث عشري المحرم - ثم كان ما سنذكره.

شهر صفر الأغر - أوله الجمعة، ذكرنا أن ابن الميلق خطب وذكروه فيمن تولى القضاء وبلغ ذلك صالح - ابن البلقيني فضاق صدره وعيل صبره واشتد سعيه، فلم يجب لشيء وتعين الونائي وفصلت خلعته يوم السبت، ثم في أثناء يوم السبت طلب السلطان شهود التركة وفوض لنائب القلعة أن يباشر المحاسبة بين الوصي ورفيقه بحضرة الشهود وبحضرة شخص يقال له جمال الدين عبد الله الحلبي التاجر، وكان هو الذي وصل الوصي حتى ذكر للسلطان ما ذكر، وكررت المحاسبة ووقعت المحاققة والمشاححة إلى أن ظهر لنائب الغيبة دغل الوصي وتزيده في القول وافتراءه ما كان افترى، فدخل بالمحاسبة إلى السلطان وظهرت براءة القاضي والذي أقامه، وذلك وقت أذان المغرب؛ فلما كان صبيحة الأحد أمر بإطلاق نائب الحكم والذي أقامه القاضي، واتفق أن كلمه ولده الأمير ناصر الدين محمد فيما يتعلق بالقاضي وجبر خاطره فيما وقع فيه من الافتراء، فأذن له فبطل أمر - الونائي، وفصلت للقاضي جبة سمور ولبسها صبيحة الاثنين وكان يوماً مشهوداً.

وفي أوائله وصل عبد الباسط إلى القدس سالماً، وكان أرجف بأنه اصيب جميع من

ص: 153

معه ولم يسلم غيره، ثم ظهر أنه لم يكن لذلك صحة، ووصلت هديته إلى السلطان بعد أيام فيها مائة - شاش وأشياء كثيرة من تحف الهند واليمن والحبشة -، فقبلها وخلع على قاصده.

وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين منه وهو الموافق - للرابع من مسري أوفى النيل ستة عشر ذراعاً وإصبعين، وكسر الخليج في صبيحة يوم الخميس، وباشر ذلك الأمير ناصر الدين محمد ولد السلطان، وصحبته حاجب الحجاب وجمع يسير، وكان يوماً مشهوداً، وكانت الزيادة في هذه السنة من العجائب، فإنه ابتدئ في العشرين من المحرم فكان يزيد قليلاً قليلاً إلى يوم السبت السادس عشر من صفر، فزاد ثمانية ثم زاد اثني عشر إصبعاً، ثم زاد في خمسة أيام ثمانين إصبعاً، في يوم ثلاثين، وفي يوم عشرين، وفي ثلاثة أيام كل يوم عشرة، وفي يوم سبعة عشر أيضاً، فنودي خمسة يوم الوفاء خمسة عشر تعليق الستة عشر وإصبعين فوقها.

وفيها كائنة إبراهيم ابن خطيب القدس وقاضيه جمال الدين بن جماعة، رفع فيه إلى السلطان أنه زور عليه مرسوماً بمرتب، فأحضر إلى القدس وصرف أبوه عن القضاء وحوقق على ذلك -، وجرى لصهره قاضي الحنفية ابن الديري من البؤس وتغير الخاطر ما لا يعبر عنه، وبالغ السلطان في الإنكار على كاتب السر بسبب ذلك.

وفي الأربعاء تاسعه عقد مجلس بالصالحية بسبب شخص قرمي اسمه علي ابن أخي قطلو خجا، حضره القضاة الثلاثة وغاب الحنبلي لضعفه، وكان المذكور رفع أمره إلى السلطان أنه وقع في حق نبينا صلى الله عليه وسلم بكلام فاحش، وأن بعض العوام أنكر عليه فكثر اللغط، فخلصه منهم شهاب الدين ابن عبيد الله الحنفي نائب الحكم، فأنكر السلطان عليه ذلك في يوم الأحد أول يوم ن الشهر عند التهنئة، فاعتذر بأنه خشي عليه من العوام أن يقتلوه، فأكد السلطان عليه في تحصيله، ثم اتفق أن بعض الحجاب

ص: 154

قبض عليه وهو ذاهب إلى جهة الشام، فرده من الخانقاه السرياقوسية فأحضر عند السلطان فأمر بعقد مجلس بالقضاة الأربعة، فشهد ثلاثة عند ابن عبيد الله المذكور عليه بما يقتضي الاستهتار بالدين والتنقيص للرسول، وشهد أحدهم أنه قال عند كثرة صلاة المصلين على النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار: فلان معرض، وشهد آخر أنه سمعه يقول لمن صلى.. بأمنا - يقول: تصلوا ومحمدكم نبيكم - كذا وكذا، وذكر لفظة بالتركي فاحشة، وشهد آخر أنه سمعه يخاطب جماعة من المسلمين بما نصه: يا خنازير كل دينكم باطل، ثم حضر القضاة عند السلطان بسببها، عادوا له ما جرى، فأمر الحنفي أن يتعاطى الحكم في ذلك بنفسه بعد أن أحضر جلساء السلطان النقل من عدة كتب للحنفية أن توبة الزنديق لا تقبل، فطلب القاضي تكثير الشهود، وكان القاضي - قد بلغه أن الذين يشهدون عليه بنحو ذلك كثير، فتوجه إلى منزله وأحضر المذكور فادعى عليه أن له مدة طويلة يمر بالشوارع ويصرح بسب النبي صلى الله عليه وسلم وبالسب في الصحابة وينظر إلى السماء ويتكلم بكلمات تؤدي إلى الزندقة، فأنكر فشهد عليه شاهدان أنه قال لفظاً بالتركي يقتضي سب البارئ سبحانه السب الفاحش، وزاد أحدهما أنه سب أبا بكر، وشهد آخر أنه قيل له: ترض عن أبي بكر، فقال: أبو بكر سكم ومحمدكم، وشهد آخر أنه سمعه مراراً يصرح بسب أبي بكر ويقول عنه: كلب، وشهد آخر أنه طلب منه شيئاً فقال: ما معي إلا أربعة أفلس، فقال: هاتهم فهم عندي خير ن أربعين نبياً أو أربعين ألف نبي - شك الشاهد، وشهد آخر أنه سمعه يشير إلى الماسء ويقول بلفظ غير عربي ما يقتضي السب الصريح، ثم أعيدت شهادة الذين شهدوا أمس، فاعذر إلى المدعي عليه فقال: لا اعرف أحداً منهم ولابيني وبين أحد منهم عداوة، ثم حضر شاهد آخر فشهد عليه أنه سمع منه لفظاً فاحشاً بغير العربي مدلوله سب البارئ بما هو أشنع وأبشع مما تقدم؛ فعند ذلك أمر به إلى السجن فسمعه شاهدان من الناس يتلو قوله تعالى: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن، نطق بها بالتاء المثناة المفتوحة بدل النون، وحضر شاهد آخر في صبيحة يوم الأربعاء حادي عشره فشهد أنه مسعه يسب البارئ وغالب

ص: 155

المسلمين سباً فاحشاً بغير اللسان العربي، وانه يعرف اللغة التي نطق بها، ومدلول الألفاظ السب الفاحش؛ فسئل حينئذ القاضي الحكم فيه فتأمل جميع ما قامت به البينة فرأى أنها لا تصدر من صحيح الإيمان بل من غير متمسك بملة من الملل وأنه بذلك يستحق إراقة دمه وعد قبول توبته، فأمر بإراقة دمه هدراً عالماً بالخلاف، فلما تكامل ذلك أركبه جملاً وأمر أن يطوف به الشوارع التي كان يعلن فيها بما تقدم ذكر، فلما وصل الرميلة أمر السلطان بضرب عنقه هناك فضربت.

وفي يوم الثلاثاء ثالث عشري شهر ربيع الآخر تأخر القاضي كمال الدين كاتب السر عن الخدمة بسبب تغيظ السلطان عليه في يوم الاثنين من أجل امرأة تظلمت من وقف عليها بدمشق استبدل في غيبتها، ثم حضرت إلى دمشق بعد مدة طويلة فرفعت الأمر لأحد نواب الحكم فحكم لها باسترجاعه، فأمر السلطان كاتب السر أن يكتب لها بتسليم الوقف، فتأمل ما بيدها فوجده لا نيفذ تسليهما ذلك فتباطأ في كتابة المرسوم، فلما سأله عن سبب البطوء قال: ليس معها حق، فغضب عليه وانزعج عليه، فنزل داره - وراسل يستعفي، ثم في يوم الأربعاء خلع عليه جبة وركب معه جماعة واستمر، وكان ذلك يوم الأربعاء رابع عشري شهر ربيع الأول سنة 844، فاجتمع فيه خمس أربعا آت والثمانمائة يشتمل على أربع مائتين وهي آخر أربعاء في الشهر؛ وإنما ذكرت ذلك لما فيه من الرد على من يتعانى التشاؤم.

شهر ربيع الآخر - أوله الثلاثاء، في يوم الاثنين السابع منه أعيد القاضي بدر الدين العينتابي إلى وظيفيته الحسبة عوضاً عن الأمير تنم وركب في جمع كثير، فأظهر العوام الفرح به، ونودي من جهته بإبطال ما أحدث على الباعة من الجمع وغيرها، فكثر الدعاء له.

ص: 156

وفي يوم السبت سادس عشرين وصل رسول ملك الشرق شاه رخ ابن اللنك، وكان الخبر بوصوله وصل قبل ذلك، وأنزل في بيت جمال الدين الأستادار بين القصرين، وزينب البلد لذلك زينة عامة في جميع الحارات، وبالغوا في ذلك أعظم من زينة المحمل، ثم أحضر الرسول يوم الاثنين وقرئ الكتاب الواصل صحبته بالقصر الكبير بمحضر من الامراء والقضاة والمباشرين، ومحصله الجواب عن الكتاب الواصل إليه والسرور به وقبول الهدية وتجهيز هدية صحبة الرسول المذكور، وعرضت في القصر على رؤوس أربعين من الحمالين في الأقفاص، ثم أمرهم السلطان بعد ذلك برفع الزينة بعد أن كان أشيع أنها تقيم شهراً وأكثر، والسبب في رفعها ما اشتهر من المفاسد التي تقع في الحوانيت وغيرها في الليل.

وفي هذا الشهر نازل إينال الحسني الذي كان أمير المدينة ومعه جمع كثير من العربان المدينة، فخرج إليه أميرها سليمان ومعه جمع قليل، فحصل النصر للفئة القليلة، وقيل: كان قصد إينال نهب المدينة فخذل وانهزم ورجع سليمان منصوراً.

شهر جمادى الأولى - أوله الثلاثاء بالرؤية، ووافق الشهر القبطي بابة.

وفي الثامن منه مات ولد الرسول الذي مات أبوه - بغزة وكانت له جنازة حافلة حضرها كبار الأمراء والمباشرين.

وفي ليلة الجمعة قرئت عند قبره ختمة واحتفل السلطان بسبب ذلك، ثم حضر الرسول الذي بقي، وعمل له ضيافة حافلة وخلع عليه خلعة هائلة، وذلك في الثاني عشر، وأمر الأمراء أن يضيفوه كل يوم واحداً بعد واحد، فبدأ الأمير الكبير ثم ولد السلطان.

ص: 157

وفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه قدم المجاهدون من بحر الفرنج وكانوا أرسلوا على رودس وراسلوا صاحبها بكتاب من السلطان، فجاءهم من أنذرهم أن الفرنج أرادوا أن يبيتوهم، فخرجوا من الساحل فأحاطوا بهم فقاتلوهم إلى الليل، فهبت ريح شديدة ومطر فأفرجت لهم، فساروا كما هم إلى أن مروا على بعض سواحل البلد فرأوا في طرفها معصرة قصب سكر، فنزلوا عليها، فنهبوا ما فيها وأسروا من وجدوه من المزارعين وغيرهم، ورضوا بهذه الغنيمة التافهة، ونجوا بأنفسهم بعد أن قتل منهم نحو الأربعين وجرح جماعة، ولم يظفروا بما خرجوا بسببه - ولله الإرادة يفعل ما يشاء وينصر من يشاء.

وفي هذا الشهر بطوله كان الحر مستمراً، ووافق شهر بابة من أشهر القبط، ولم يعهد ذلك حتى كان الحر فيه اشد مما كان في الذي قبله وهو - توت، وثبت النيل ثباتاً عظيماً، فلم ينقص في طول هذا الشهر سوى نحو الذراع ثم اخذ في النقص، واستمر الحر في هاتور، فلم يكن فيه من أوله إلى آخره البرد المعهود إلا اليسير. وأواخره دخل كيهك يوم الأحد ثاني رجب والأمر على حاله إلا أنه في صبيحته وقع برد وليس بالشديد وظهر الزرع، ثم وقع البرد في أول يوم من فصل البرد وهو عند نزول الشمس القوس واستمر، ثم تزايد هبوب الريح المريسية واشتد التأذي بها حتى وقع في أوائل طوبة الذي يسمى الصقيع، فأفسد كثيراً من الزروع كالقصب والفول والبرسيم. فلما كان في الرابع عشر من شعبان وهو الثالث عشر من طوبة وقع مطر رقيق من طلوع الفجر إلى آخر النهار فوقع الزلق والوحل.

جمادى الآخرة - أوله الجمعة، في أوله شرع النيل في النقص، وشرع الناس في الزرع.

وفي الثاني منه أحضر شهاب الدين أحمد بن يوسف الكوراني مجلس السلطان بحضرة القاضي الحنفي والمحتسب، فعزز بالضرب تحت رجليه بعد أن كان السلطان أمر أن

ص: 158

يضرب عرياناً فشفع فيه الحنفي فضرب خمسة وسبعين عصاً، وأمر بنفيه فأخرج في الحال إلى التربة، وكان السبب في ذلك أن شخصاً يقال له حميد الدين ابن تاج الدين الفرغناني قدم من دمشق يطلب وظيفة بدمشق، فكتب له السلطان بها فتوجه إلى دمشق، فوقف في طريقه القاضي الحنفي وهو شمس الدين الصفدي فرجع ساخطاً، فذكر للسلطان أن الحنفي وقع في حق أمهات المؤمنين وقص قصة شنيعة فبدر الكوراني بالإنكار عليه، وهذا الكوراني كان قدم علينا من نحو عشر سنين طالب علم وهو في غاية القلة، فقرأ علي البخاري ودار على بعض الشيوخ، وتردد إلى كاتب السر البارزي فاتفق حضور كتاب من بلاد العجم فاستقرأه إياه، فأجاد في تعريبه فقربه إلى السلطان فقرر له راتباً، وترقى بعد ذلك إلى أن صار في هذه الدولة عيناً لكاتب السر عند السلطان، فصار يجالس السلطان في كل يوم - من أول النهار إلى قرب الظهر لا ينقطع، وعظم قدره في أعين الناس على العادة بالوهم وثقل في نفس الأمر على السلطان وهو مطبوع على الاحتمال.

فلما أنكر على حميد الدين اتفق حضورهما عند كاتب السر فتقاولا في ذلك فقال له حميد الدين: أنت حمار ما تفهم فأجابه بان الحمار أنت وأبوك وأجدادك وأسلافك وكان في المجلس جماعة، منهم بدر الدين محمود بن عبيد الله، وكان قد سعى في قضاء دمشق عقب إينال الجكمي، وغضب السلطان على القضاة الذين وافقوه على الخلاف، ومنهم الصفدي فعزل الشافعي لذلك وولي بهاء الدين ابن حجي، فطمع ابن عبيد الله أن يعزل الصفدي فسعى في ذلك فتوقفوا في قضيته، وبالغ فيها الكوراني المذكور، فبادر حميد الدين بالشكوى إلى السلطان واستشهد بابن عبيد الله، فشهد له - بأن الكوراني قال له، ولم يذكر ما بدا به حميد الدين.

وكان تاج الدين والد هذا يدعى أنه من ذرية الإمام أبي حنيفة وأملى لنفسه نسباً إلى يوسف بن أبي حنيفة، يعرف من له أدنى ممارسة بالأخبار تلفقه، فكتبه عنه الشيخ تقي الدين المقريزي، فطلب السلطان شاهداً آخر فأحضروا آخر فلم يشهد بشيء

ص: 159

فسكنت القضية، وصعد الكوراني على عادته فبالغ في التنصل، فدار حميد الدين على أعيان الحنفية فقال لهم: هذا الرجل قد سب أبا حنيفة لأنه من أسلافي وهو يعرف أنني من ذريته، وكان مرة استأذن له على السلطان فقال له: إن ابن أبي حنيفة بالباب - إلى غير ذلك، فتعصبوا له ودار معه ابن عبيد الله، فدبروا أمرهم إلى أن ظهر لهم أن يكيدوه بقاصد ملك الشرق فاجتمعوا به، فوجدوا فقهيه في غاية الحنق من الكوراني، لأنه كان اجتمع به أول ما قدموا فحصلت له منه إساءة ثم لما أضافهم السلطان عنده بدت من الكوراني في حقه إساءة أخرى، فانتصف هو منه بحضرة السلطان إدلالاً عليه لكونه في ضيافته، وما استطاع الكوراني بنتصف فانضاف حقد هذا الفقيه على الكوراني إلى ما عنده من شدة العصبية للحنفية، فطلع إلى السلطان فشنع على الكوراني، وكان فيما قال إن الخبر إذا وصل إلى ملك الشرق مع شدة اعتقاده في أبي حنيفة يتغير خاطره وينسبكم إلى التعصب على الإمام، فحرك عنده ساكناً كامناً فأمر بطلبه في الحال وأمر بسجنه في البرج، وأرسل إلى القضاة أن يعقدوا له مجلساً، فاجتمعوا في صبيحة الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الاولى، فآل الأمر إلى أن وقعت الدعوى عليه عند القاضي الحنفي، فأمر بنزوله معه إلى منزله فانزل ماشياً، فشهد عليه ابن عبيد الله وانضاف إليه بدر الدين محمد ابن حسن التنسي وهو من الشهود بالقاهرة، وهو ابن أخت القاضي - بدر الدين بن الأمانة، وهو مشهور بالتجوز في شهادة الزور، ولكن كان كاتب السر قربه وأدناه وسافر به معه إلى دمشق، فحصل به مقاصد كثيرة وتمول هو بجاه كاتب السر وعاد -، فكانت له في بابه حركات كثيرة، والناس منه في حنق شديد القضاة ومن دونهم، فاتفق أنه كان عنده من الكوراني كمين فذهب وشهد عليه، فأرسل كاتب السر يعلم الحنفي أن القضاة لا تقبل التنسي، فاتفق حضور بعض الأطباء وهو ابن أخت شمس الدين ابن عفيف الذي قتله الاشرف في أواخر عمره فذكر أنه كان دخل لكاتب السر في ضرورة فسمع الكائنة فشهد بها، فاجتمعوا يوم السبت المذكور وكان ما كان.

وفيه قدم نائب الشام جلبان وقدم تقدمة كبيرة مع ثمانين جمالاً.

وخلع عليه مراراً، وأعيد إلى بلده على وظيفته، فسار قبله بأيام قاضي الشام الحنفي مطلوباً بسبب ما نقل عنه

ص: 160

حميد الدين المذكور في كائنة الكوراني، فإنه نقل عنه أنه سئل عن الحكمة في طواف النبي صلى الله عليه وسلم على النساء في ليلة واحدة، فأجاب بأنه فعل ذلك ليعفهن عن الزنا، فاستبشع هذا اللفظ وغضب السلطان وأمر بإحضاره، فوصل إليه البريدي فأغرمه مائتي دينار وتكلف شيئاً آخر حتى وصل وشفع له نائب الشام وجماعة أن يسلم على السلطان وكان أمر أن يكتب إلى الشام بكتابة الواقعة وأن كل من سمعها يكتب خطه بما سمع، فامتنع السلطان من الإذن له وصمم على أنه لا يأذن له إلا إذا عاد الجواب وظهرت براءة ساحته.

رجب الفرد الحرام - أوله السبت، في التاسع عشر منه عقد مجلس بحضرة السلطان وادعى حميد الدين النعماني على القاضي شمس الدين الصفدي محمد بن علي بن عمر قاضي الحنفية بدمشق أنه قال في مجلس من المجالس أنا ما اتقيد بمذهب أبي حنيفة بل أحكم تارة بمذهب الشافعي وتارة بمذهب مالك وتارة بمذهب أحمد، وأن علماء مذهبه أفتوا بأن هذا تلاعب وأن الحكم بذلك لا يصح، فأجاب بأنني ما أردت إلا أنني أتبع مقالة أبي يوسف تارة ومقالة محمد تارة وغيرهما من علماء المذهب؛ فقال المدعي: هذا الجواب لا يطابق الدعوى وانتصرت للصفدي وقلت له -: بل يطابق إذا أراد أن الرواية التي عن أبي يوسف توافق مذهب الشافعي مثلاً والرواية عن محمد توافق مذهب مالك مثلاً، فلا يلزم من ذلك أنه يخرج عن مذهب الحنفية، والقاضي الذي يوليه السلطان في هذه الأزمان على قاعدة ن تقدمه ومن تقدم كانوا منهم العالم المتأهل للترجيح وهذه طريقته وغيره المقلد الصرف، والصفدي المذكور من أهل العلم فلا ينكر عليه أن يعمل بما رجح عنده، وكثر اللغط إلى أن قال السلطان على طريق التنزل: لو ثبت عليه شيء ما كان يجب عليه أكثر من التعزير وقد عزز بإحضاره من دمشق إلى هنا؛ وانفصل المجلس على ذلك.

وفي العشر الوسط صرح السلطان بعزل الحمصي عن قضاء دمشق وعين الونائي،

ص: 161

فتوقف وذكر أنه شرع في تدريس كتاب وسأل المهلة إلى أن يختمه في آخر رمضان فاجيب، ثم طلب إعادة ما خرج من وظائف القاضي الشافعي فأجيب، ثم استشعر بان ذلك لا يتم فاستعفى وأقام، وأدير المحمل في الثالث عشر من الشهر وكان حافلاً. وأبطل النفط الذي كان يعمل بالرميلة.

شهر - رمضان المعظم قدره وحرمته - أوله الثلاثاء يرؤية عدد قليل ثم كثر من يقول إنه رآه.

شوال المبارك - أوله الخميس، في الرابع عشر منه توجه القاضي الشافعي ونائب القلعة وهو تغري برمش الفقيه إلى الدير الذي نبه عليه في حوادث شعبان في ترجمة جوهر وهو بساتين الوزير لما رفعت إلى السلطان قصة بأنه أحدث فيه أبنية مشيدة فأمرهما بكشفه وعمل ما يقتضيه حكم الشرع، فتوجها في طائفة من الناس فإذا فيه جماعة من الجيوش، ووجدوا النصارى قد بالغوا في تحصينه، وجددوا أمام الباب حوشاً كبيراً دوره بذراع العمل من ثلاث جوانب نحو الستين ذراعاً بالحجر الأبيض، واعتلوا بأن اللصوص قد تهجم عليه، فظهرت معذرتهم في التشييد لا في المحدث، فأمروا بإزالته وإبقاء الترميم؛ وذكر بعض - من جاورهم أن جاههم انخفض بموت الخازندار وأن قريبه بعد وفاته تسحب، فلما كان يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر المذكور توجه نائب الشافعي ونائب القلعة بأمر السلطان فهدم الحوش المذكور بحضرتهم، فحضر جمع من أهل تلك القرية وأخبروا أن الجدار المستطيل المسامت لكنيسة كان للبستان المجاور للكنيسة، وأن البستان لما خرب وسقطت جدرانه وقلعت اشجاره بقي أثر الجدار المذكور، فادعى النصارى أنه كان جدار الحوش يتعلق بالكنيسة وأقاموا من شهد بذلك، فأذن نائب الحنفي في إعادته بنقضه،

ص: 162