الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة
؟؟
المحرم - أوله الأحد، العشرين من بونة من أشهر القبط -، وفي ليلة السبت تراءوا هلال المحرم فلم يظهر مع الصحو الشديد، فلما كان صبيحة هذا اليوم استقر القاضي محب الدين بن الأشقر ناظر الجيش وركب الناس معه وكان الجمع وافراً، واستقر معه محمد بن أبي الفرج عبد الرزاق أخو فخر الدين في الأستادارية، فركب معه فوصله إلى منزله برأس حارة زويلة، وتوجه إلى منزله بقرب قنطرة سنقر، وتوجه غالب الناس معه.
وفي هذا اليوم وصل رأس تغري برمش ورفيقه ونودي عليهما بالقاهرة ثم علقا بباب زويلة - وقد تقدم أنه ضربت عنقه في سابع عشر ذي الحجة من الحالية - بقلعة حلب، وقدم مبشر الحاج وأخبر أنهم وقفوا يوم السبت، وأن بعض الناس تحدث برؤية الهلال ليلة الجمعة ولم يثبت ذلك، لكن سار الركب من مكة فباتوا بعرفات ليلة الجمعة احتياطاً.
وفي هذا اليوم نقلت الشمس من برج السرطان، وهو أول يوم من الصيف، ومن يومئذ نقص النهار وأخذ الليل منه، وهذا اليوم هو أطول أيام السنة وأقصر لياليها.
وفي يوم الاثنين ثاني المحرم استقر الشيخ ولي الدين السفطي شيخ المدرسة الجمالية في نظر الكسوة مضافة إلى وكالة بيت المال، وركب الناس معه أيضاً.
وفي الثالث منه أمر عبد الباسط ناظر الجيش دويداره بإحضار ما في منزله من الذهب، فكان ثلاثين ألف دينار فاستقلها السلطان، فاستأذنه ناظر الجيش المذكور في بيع موجوده فأذن له، وشرعوا في بيع جميع ما عنده من الحواصل، فوصلت مصادرته في اليوم العاشر إلى مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار والطلب مستمر، وقيل إنه طلب منه ألف ألف دينار، وإن بعض الوسائط أنزلها إلى خمسمائة ألف دينار، ولم يثبت ذلك وصودر كاتبه على عشرة آلاف دينار، ثم خفف عنه منها الخمس، والأستادار جانب بك مملوكه - على عشرة آلاف دينار، فباع دوره واثاثه وشرع في وزنها وضمن عليهم وأطلقوهم، ثم أطلق ضفدع وإبراهيم الكاتب بغير شيء، وكثرت الأمتعة والملابس الفاخرة بأيدي الناس من كثرة من يبيع ذلك من حواشي المشار إليه - إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
ومن أعجب ما يذكر أن جميع منادميه صاروا ملازمين لكاتب السر طمعاً في استمرار جهاتهم وجاههم - والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
وأحضر الشريف بدر الدين حسن الإسكندراني التاجر، وكان يتوكل عن ناظر الجيش في بيع النبهار من الإسكندرية في هيئة شنيعة، فحبس بالبرج وحوسب إلى إن استقر عليه شيء يسير وأطلق، ثم لما كان بعد ذلك تقرر على عبد الباسط ثلاثمائة ألف دينار، وكان السلطان ألزمه بستمائة، ثم بخمسمائة ثم بأربعمائة، فتكلموا معه في ذلك فأظهر العجز عن ذلك، وقرروا مع السلطان أن يكون ثلاثمائة وأعلموه بذلك، ثم شاوروا السلطان فأنكر أن يكون رضي بذلك، وتغيظ عليهم وعليه وأمر بحبسه في البرج، فحبس في برج مظلم وضيق عليه، فأقام إلى أن قلب الله قلبه وأمر بإخراجه منه، وتسلمه نائب القلعة فأنزله في غرفة علية وهي أعلى بناء في القلعة، فأقام بهاأكثر من شهر إلى أن افرج عنه.
وتوجه إلى مكة في أثناء ربيع الآخر - كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وفي التاسع عشر منه وصل سابق الحاج وذكر أنه فارقهم من عيون القصب وأنهم بخير.
وفيه ابتدأت الزيادة في النيل.
وفي يوم الجمعة سادسه رفع أمين النيل الخبر بأنه يومئذ كان على أربعة أذرع وعشرة أصابع، فزاد على العام الماضي في النقص خمسة وأربعين إصبعا، واستمرت الزيادة فكان في أبيب وهو يوم الجمعة العشرين من المحرم أنقص من العام الذي قبله بأحد وستين إصبعا، فلم يزل يزيد حتى كان في العشرين من صفر أزيد من الذي قبله بأربعة تسعين إصبعا - فسبحان القادر.
وفي السادس والعشرين منه خلع على نور الدين ابن آقبرص أحد نواب الحكم بوظيفة نظر البيوت عوضاً عن ناظر الجيش، وكانت الخلعة جبة سمور.
وفي يوم السبت الثامن والعشرين منه وصل يشبك الحاجب الكبير وخلع عليه، واستقر أتابك العساكر، وهرع الناس للسلام عليه، ونزل ببيت بركة وهو الذي كان فيه أركماس الظاهري - الدويدار، ودخل العسكر الذين كانوا في الصعيد. وفي هذا اليوم عقد مجلس بسبب حسن الأميوطي الذي عمل نقابة الحكم في العام الماضي للقاضي علم الدين صالح - البلقيني وادعى عليه بأمور معضلة، فسمع الدعوى عليه بعضها القاضي الشافعي وبعضها القاضي الحنفي، وأمر الحنفي بحبسه ليتبين ما ادعاه من الطعن في الشهود، واجتمع بسبب ذلك من لا يحصى عدده من الناس، وحصل له لما أرسل إلى الحبس من الإهانة والصفع مال لا يزيد عليه، ولو لاذب الجيش عنه لقتل على ما قيل.
شهر صفر الأغر - أوله يوم الاثنين، وفي صبيحة الثلاثاء عزر حسن الأميوط نقيب البلقيني في مجلس الحنفي، فضرب على ظهره مجرداً نحواً من أربعين، وأهين في أثناء ذلك إهانة عظيمة وأعيد إلى الحبس، واجتمع من الناس من لا يعد كثرة، ولولا والي الشرطة لقتلوه، ثم حبس ثم أحضر يوم السبت إلى مجلس الحكم - فادعى عليه ثانياً - ولم يقع ما كان يظن، وأعيد إلى الحبس ثم أفرج عنه في الحال، وسكنت القضية بعد أن كان يظن أنه يراق دمه لا محالة.
وفي أواخر يوم الخميس رابعه الموافق لثاني عشري أبيب أمطرت السماء مطراً غزيراً بعد صلاة العصر، ودامت نحو ساعة وأوحلت الأرض داخل القاهرة وحولها، وقد وقع نظير ذلك في سنة تسع وأربعين فأمطرت في.. من.. فوافق جمادى الأولى فأمطرت من بعد العصر إلى قرب العشاء فكان أكثر من ذلك، فاستغرب الناس ذلك ونسوا وقوعه قبل ذلك بست سنين.
وفي يوم الجمعة وصل العسكر الذي كان جهز إلى الشام، ودخل قبلهم قانباي البهلوان فقرر في نيابة صفد عوضاً عن إينال الأجرود، وصل إينال
المذكور بعد اسبوع واستقر مقدماً على عادته بعد أن خلع عليه ثالث عشره -، وواجه أمراء العسكر السلطان يوم السبت سادسه، وخلع عليهم وهرع الناس للسلام عليهم.
وفي يوم الخميس أهين عبد الباسط وحول من محبسه بالقاعة - إلى البرج الذي كان حبس فيه أولاً أتابعه وهو في رفاهية، فعاد إلى ضيق وحصر وشدد عليه في التهديد وطلب المال، وكان هو يظن أنه إذا بادر بدفع المال يفرج عنه، وذكر أنه حمل جميع ما عنده من النقد ثم عرض جميع ما عنده من أصناف المتاجر للبيع فاشتريت للسلطان، ثم عرض جميع ما عندهم الجواهر والحلي وبيع للسلطان أيضاً - ثم عرض جميع ما عنده من الثياب الصوف والحرير والمخمل والمذهب والمطرز فاشترى ايضاً للسلطان، ثم عرض جميع ما عنده من الأثاث فبيع بالأثمان الغالية تارة وبالرخيصة أخرى، وحصل لجماعته في أثناء ذلك منافع كثيرة، ومع ذلك فلم يجتمع من ذلك إلا نحو مائتي ألف دينار، وأصر السلطان على طلب خمسمائة ألف دينار بعد أن كان طلب منه ألف ألف دينار - فلم يزل يحطها إلى أن صارت على النصف ولكن المطلوب منه حط على أنه لا يقدر إلا على ما ذكر، لكن بقي له العقار فكأنه شرع في الحيلة في حل الأوقاف ليباع ما يمكن بيعه من العقار - والحكم لله ثم آل الأمر إلى أن غضب منه فأمر بسجنه في البرج المظلم فأقام فيه مدة. ثم أفرج عنه - وسلم لنائب القلعة فأسكنه عنده في طبقة عليا نيرة. وتقرر مال المصادرة على مائتي ألف دينار وخمسين ألف دينار، فاستوعب ما يقدر عليه من النقد والبضائع والامتعة - والديون والغلال، وباع ما لم يوفقه من العقار - وأخر كثيراً مما وقفه وباع بعضه أنقاضا فلم يكمل المائتين، فاخذ في الإستدانة وسؤال المعارف ومن سبقت له إليه يد، فكان جهد ذلك أن كمل المائتين في العاشر من ربيع الأول - ثم كان ما سنذكره.
وفي يوم الاثنين خامس عشره رسم السلطان أن يرسل الملك العزيز يوسف ابن الأشرف إلى الإسكندرية على طريق البر وصحبته اسنبغا الطيارى أحد الأمراء المقدمين
ليودعه السجن بها وأمر بتحويل الأمراء المسجونين هناك إلى قلعة صفد وغيرها، ثم بطل العزم عن سجن العزيز واستمر تحويل الأمراء، وأقام قانباي البهلوان الذي تقرر في إمره صفد بسرياقوس إلى أن يحضروا ويتوجه بهم صحبته إلى أن يسجنهم بقلعة صفد وبغيرها كقلعة المرقب والصبيبة، ثم وصلوا وسلموا وتوجه كل إلى مقصده، وذلك في أول ربيع الأول.
وفي يوم الخميس ثامن عشر صفر كسر الخليج الحاكمي على العادة، ونودي على النيل بالوفاء ستة عشر ذراعاً وزيادة إصبعين، ثم نودي عليه في صبيحة الجمعة بعشرة، فصار على ستة عشر ذراعاً ونصف ذراع، وكان في مثل هذا اليوم من العام الماضي على ثلاثة عشر ذراعاً وربع -، وانحل سعر الغلال بعد أن كان ارتفع - ولله الحمد، وزاد الماء في ثلاثة أيام متوالية بعد يوم الوفاء اثنين وثلاثين إصبعا، وهو شيء لم يعهد قبل هذه السنة، ثم زاد سبعة في اليوم الثالث من يوم الوفاء وستة في اليوم الرابع - فبلغت زيادته عن العام الماضي أربعة أذرع وتسعة أصابع، وما سمع قط أن النيل في العاشر من مسري تكمل ثمانية عشر ذراعاً ينقص إصبعاً واحداً، واستمرت المناداة بالزيادة إلى يوم الخميس الثاني من شهر ربيع الآخر فزاد أصابع من العشرين، فاستراب أكثر الناس بذلك، لأن الذين اعتادوا معرفة ذلك ممن له دار تطل على النيل لم يصل الماء عنده - إلى علامة العشرين، فتوجه جماعته فشاهدوا المقياس فظهر لهم كذب القياس، ثم اقتضى الرأي عدم التوسع في ذلك لئلا يضطرب العامة إذا تبين أن الزيادة دون ما ذكر فلا يؤمن أن يحدث من ذلك غلاء في السعر، واستشعر القياس بذلك فصار ينادي كل يوم بإصبع مع أن
الزيادة مستمرة بأكثر من ذلك، وكان آخر يوم من مسري يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول انتهى إلى تسعة عشر ذراعاً وستة عشر إصبعا.
وفي ليلة السبت حادي عشر ربيع الأول حول الملك العزيز من القلعة إلى ساحل بولاق فأنزل في الحراقة الصغرى، ومعه من يتوكل به إلى الإسكندرية، فسجن بها على عادة من تقدمه كولد الملك الناصر فرج ثم ولد الملك المؤيد، وعمل المولد السلطاني في يوم الأحد الثاني عشر منه وكان حافلاً، وفرع وقت العشاء سواء، وخرج الناس والاسواق مفتحة والليلة مقمرة جداً - ولله الحمد. ونودي بالسفر إلى مكة في الرجبية. وعين عدة من المماليك للإقامة بمكة والمدينة، أما مكة فلحفظ البضائع الواردة من الهند من عبيد مكة وسفهائها، وأما المدينة فلقمع الرافضة الذين تسلطوا على أهل السنة بها.
وفي هذا الشهر قبض على سراج الدين عمر بن موسى - الحمصي الذي كان قاضي طرابلس ثم دمشق، وكان قد تسحب من دمشق بكلام بلغه عن السلطان من جهة انتمائه إلى أينال الجكمي فأقام بقرية من طرابلس، فبلغ ذلك النائب فمسكه وأرسل وقيده بقيد ثقيل وسجنه وكاتب فيه، فشفع فيه بعض الأمراء بالقاهرة فأذن في إطلاقه، وتوجه القاصد بذلك، وكان سفر الرجبية من القاهرة في.. وأميرهم وممن سافر معهم..، وكان أول توت أول السنة الشمسية يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول، ابتدأ السلطان في الحكم بين الناس بالإسطبل على العادة ونودي بذلك، فكان أول شيء أمر
به أن ينفي عز الدين البساطي المالكي وناصر الدين الشنشي الحنفي وولده إلى قوصن ثم بلغني أنه شفع فيه ولم يتم ذلك للبساطي واستمر الشنش. وأمر السلطان القضاة الأربعة - أن لا يحبس أحد من نوابهم أحداً إلا بعد مراجعة مستنيبه، وكسر سد الأميرية وغيرها في هذا اليوم، فنقص البحر نحو نصف ذراع بعد أن، كان نودي عليه يوم الجمعة بإكمال العشرين ذراعاً، ثم زاد إلى سلخ تسعة أصابع، وانتهت الزيادة يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر إلى أحد عشر إصبعا من أحد وعشرين ذراعاً، والحق أنه لم يكمل العشرين وأن الافتراء من أمين البحر.
وفيه وقع بين المطوعة في البحر من أهل دمياط وبين الفرنج وقعة بساحل صيدا، قتل فيها كبيرهم المجاهد عبد الرحمن، وأسر المسلمون بعد أن قتل منهم جماعة، وأخذت لهم ثلاثة مراكب، وأسف المسلمون على ذلك أسفاً شديداً.
وفي أواخر شهر ربيع الأول وردت مطالعة نائب الشام يشكو فيها من القاضيين الشافعي والحنفي، فأمر السلطان بعزلهما معاً، فعزل القاضي بهاء الدين - ابن حجي من كتاب السر بدمشق ومن قضاء الشافعية، واستقر في قضاء الشافعية شمس الدين الوناي، وقرر في يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر، وفي كتابة السر شهاب الدين العجلوني الذي كان يوقع عند الأمير الدويدار الكبير، وكان عين لها زين الدين بن السفاح بل قيل له البس الوظيفتين معاً، ثم استقر في نظر الجيش فقط، وصرف جمال الدين الكركي. وأمر السلطان بنقل بهاء الدين من دمشق إلى القدس فسكنها بطالاً، ثم تكلم له في تدريس الصلاحية فرسم له بها، وصرف الشيخ عز الدين القدسي وتوجه القاصد بذلك إلى دمشق، ثم بطل ذلك وكتب إلى ابن حجي بالقدوم إلى القاهرة واستمر القدسي في وظيفته فقدم ابن حجي في رجب ثم خلع عليه بنظر الجيش وسافر في أول رمضان، وصرف زين الدين بن السفاح وأعيد إلى نظر الجيش بحلب، واستقر في قضاء الحنفية بدمشق بعض المصريين،
وصرف القاضي شمس الدين محمد بن علي الصفدي ثم تأخر ذلك واستمر الصفدي، واستقر في قضاء الحنفية بحلب عز الدين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن العديم، ثم بطل وأخر لبس الخلعة واستمر ابن الشحنة.
شهر ربيع الآخر - أوله الجمعة بالرؤية موافق لثالث عشر توت، وأرخ في بعض البلاد كدمياط بيوم الخميس، وفي يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر وصل القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية الحلبي من حلب إلى القاهرة من أجل السعي في العود إلى وظيفة القضاء، فأقام إلى شعبان ثم خلع عليه وسافر في أثنائه إلى بلاده على وظيفته فوصل في أواخر رمضان، ثم لم يلبث أن مات.
وفي يوم الاثنين حادي عشره أفرج عن زين الدين عبد الباسط، وخلع عليه خلعة رضا - وهي جبة سمور، وأذن له في السفر إلى مكة، فرجع بخلعته إلى تربته بالصحراء بالقرب من تربة قجماس ليقيم بها إلى إن يرحل بعد أيام، ثم تحول إلى طرف المرج من جهة بركة الجب ليتجهز منها إلى مكة بأهله وعياله، وانضم إليه جمع كثير من الناس، وتوجهوا إلى مكة في ليلة الاثنين الثامن عشر من هذا الشهر.
وفي يوم السبت تاسعه أذن للشنشي وولده بالعود إلى القاهرة وتوجه إليهما القاصد بذلك.
وفي يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر ادعى جماعة من المجاهدين ومن انضم إليهم على شخص نصراني أن هو الذي كان السبب في قتل المجاهدين وأنه كاتب الفرنج بقضيتهم حتى استعدوا لهم ودل على عوراتهم، وأقيم بذلك البينة عند بعض نواب الحكم بدمياط مالكي المذهب، وثبت ذلك عليه فحكم بقتله وأمر بسجنه ليراجع السلطان، فاجتمع عليه جمع لا يحصون كثرة فنزعوه من أيدي أعوان الحكم وحملوه إلى ظاهر البلد فقتلوه بين الكنائس وحرقوه، ومدوا أيديهم إلى الكنائس فهدوموها ونهبوا ما فيها، وكان النائب بالثغر ركب بمن حضر من القضاة وغيرهم لينزعوا النصارني منهم، فوجدوا الأمر قد اشتد فكاتب السلطان بذلك، فأمر بإحضار القضاة والنائب فسألهم فأخبروه بجلية الحال، وأخرج بعض الناس محضراً بأن النصراني المذكور أسلم قبل قتله، فتغيظ على قاتليه وأمر بحبس كبارهم، ثم أذن في إطلاقهم في اليوم الثاني وأمر بعزل النائب والقضاة، فاستقر في النيابة محمد الصغير معلم النشاب - الذي كان وليها في العام الماضي، واستمر القاضي - على حاله، وأمر في الاقتصار في النواب على ثلاثة فقط.
وفي يوم الاثنين حادي عشره أمر السلطان أن يستقر للقاضي الشافعي من النواب أربعة وللحنفي اثنان وللمالكي كذلك وللحنبلي كذلك، وعقد في هذا اليوم مجلس بحضرته بسبب الحوانيت التي نازع فيها بسعي تاني بك البجاسي، وحضره قاضي حلب المنفصل علاء الدين ابن خطيب الناصرية وذكر الصورة مفصلة، ومع ذلك أمر السلطان القاضي الشافعي أن ينشئ الدعوة في ذلك ويحرر الأمر فيها، ثم أذن السلطان أن يستقر للشافعي ست أنفس ولكل من رفقته ثلاثة، فكتب الشافعي أسماء جميع النواب في رقاع وأحضرها لحضرة السلطان، فتناول السلطان منها ستة فاستقر بهم ومنع غيرهم، ثم أذن بعد سبعة أيام في زيادة اثنين، ثم أمر باستبدال ثلاثة من الستة بثلاثة أمير منهم لطعن بعض جلسائه في الثلاثة الأولين، فانتهى أمره في يوم الثلاثاء سادس عشري شهر ربيع الآخر إلى ثمانية وللحنفي أربعة، واستقر المالكي على ثلاثة والحنبلي كذلك.
وفي هذا الشهر مات آقبغا التمرازي نائب الشام، ووصل الخبر في يوم الأحد رابع عشر الشهر المذكور، فقرر في نيابة دمشق جلبان نائب حلب، وقرر نائب طرابلس في نيابة حلب، وقرر الحاجب الكبير برسباي الذي كان وقع بينه وبين النائب ما وقع في نيابة طرابلس، وقرر في الحجوبية نائب غزة، توجه دولات باي الدويدار الثاني في تقليد نائب حلب في يوم الثلاثاء.
شهر - جمادى الأولى - أوله السبت، في أول يوم منه نودي بالسفر في رجب لمن أراد التوجه إلى الحجاز صحبة المماليك المجهزة إلى مكة، وكان ما حذا للمناداة الأولى، فتحرك جماعة لذلك منهم - وتوجه قبل ذلك الأمير محمد بن علي ابن إينال أمير شكار -، وصحبته عسكر من الترك والعرب لدفع قبيلة بلي المفسدين في طريق الحجاز، فظفروا بطائفة منهم بسطح العقبة رجعوا بعد أن امتاروا، فقبضوا عليهم واستمروا إلى أن دخلوا بلاد بلي.
وفي يوم الثلاثاء الرابع منه الموافق لخامس عشر بابه والعاشر من تشرين الأول أمطرت السماء في أول الليل قليلاً ثم في أول النهار، ثم أرعدت ولم يكثر المطر إلا من بعد الظهر فاستمر إلى بعد العصر وتزلقت الأرض، وأخذ النيل في الانهباط، ثم لم يظهر اثر ذلك بل ثبت غلى أن انقضت بابه، واستمر البحر إلى أن نزلت الشمس برج الجوزاء، ولم يتغير مزاج الحر - ثم كان ما سنذكره.
وفي يوم الجمعة ثاني عشري جمادى الأولى لبس السلطان الصوف ووافق التاسع من هاتور وهو الخامس من تشرين الثاني، وتأخرت عن عادة الاشرف نحواً من عشرين يوما، وأظن
سبب ذلك استمرار الحر.
واستهل جمادى الآخرة والأمر على ذلك، وفي هذا اليوم أمر السلطان بجمع اليهود من مراكزهم، فاجتمعوا عنده في الحوش فشرط عليهم مشافهة أن لا يؤخروا عندهم صداق امرأة ولا طلاقها بل يدفع لها في الحال، وأن لا يشهدوا على يهودي ولا نصراني في مرض مخوف بوقف ولا وصية إلا بإذن من القاضي والناظر على المواريث. واستمر الحر إلى أن نقلت الشمس إلى برج القوس فتأخر البرد عن العادة، وانهبط النيل فكان في نصف هاتور في خمسة عشر ذراعاً وافرة؛ ووصل رسول شاه رخ ابن اللنك إلى القاهرة ومعه جماعة، فأقام أكثرهم بالشام ووصل هو ببعض جماعته - إلى مصر، ومضمون رسالته التهنئة بالسلطنة..
شهر رجب الأصم - أوله الثلاثاء، في أول يوم منه خرج أمير المحمل فضرب خيامه مقابل خليج الزعفران، ثم خرج الحاج وهم كثير ورحلوا من ثم في يوم الاثنين فنزلوا مقابل المرج ورحلوا ليلة السبت خامسه -؛ ووصل الخبر بعدهم بقليل بأن العسكر الذين توجهوا إلى العرب بأنهم غلبوا عليهم.
وفي اليوم الرابع عشر منه أدير المحمل وكان حافلاً.
وفي يوم الاثنين سابع شهر رجب دخل فصل الشتاء، واشتد البرد على العادة بعد أن كان الحر تمادى إلى يوم الخميس ثالثه - وتأخر المطر بعد نزول المطرة الأولى المنبه عليها، ثم امطرت مطراً يسيراً مرة بعد مرة،
وتسلطت الدودة على البرسيم فأكلت منه الأكثر، فغلا بسبب ذلك حتى كانت قيمته قدر العام الماضي مرة ونصف أو أزيد، ثم توالت الأمطار وحصل النفع بها.
وفي يوم الاثنين حادي عشر منه دخل أحمد بن إينال وصحبته جماعة من عرب بلي، قبض عليهم فأمر بتسميرهم وتوسيطهم، وهم الذين كانوا في آخر سنة 41 قطعوا الطريق على الحاج ونهبوا منه أموالاً عظيمة، وهلك بسبب ذلك خلائق من النساء والأطفال والرجال بالجوع والعطشن وحصل للناس بذلك سرور كثير، لكن قيل إن كثيراً منهم لم يكن منهم وإنما أخذوهم بغتة ولم يحصل طائل - والعلم عند الله تعالى.
شعبان المكرم - أوله الخميس.
شهر رمضان المعظم قدره وحرمته - أوله الجمعة، في الثاني والعشرين منه وصلت الجمال الذين حملت الحجاج الرجبية، وذكروا أنهم فارقوهم وهم بخير وقد انحط السعر قليلاً وكان الحمل الدقيق بلغ ثلاثة عشر ديناراً فنقص دينار، وكان شاع بالقاهرة أنه بلغ العشرين أو زاد، فظهر كذب تلك الإشاعة.
وفي التاسع منه ثار العامة بدمشق على النائب بها، فهجموا عليه دار السعادة ففتحوا الطبلخلناة فضربوها، فتجمعوا، وكان السبب في ذلك إن شخصاً يقال له عبد الرزاق خدم برددارا عند النائب فاحتكر اللحم وصار هو الذي يتولى الذبيحة، فغلا اللحم وصار يشتري الغنم بالسعر البخس ويبيع بالربح المفرط، فقل الجالب بسبب ذلك فاشتد الخطب حتى كان اللحم يباع بدرهمين ونصف فبلغ ثمانية، فنادى النائب بالجند فأمسكوا منهم جماعة وسجنوهم، فهجم الباقون السجن وكسورا بابه وأطلقوا أصحابهم، وكان النائب قبل ذلك لما شكوا إليه عزل البرددار ونادى بإسقاط المكس عن الغنم، فانحط السعر إلى أربعة وخمسة فلم يقنعهم ذلك، فكاتب في ذلك فوصل الخبر بذلك في الثالث والعشرين من رمضان، فأمر السلطان بجمع الأمراء
والقضاة يوم الأحد صبيحة الرابع والعشرين فاشتوروا فقيل للمالكي إن عندهم قولاً بقتل الثلث لاستصلاح الثلث فأنكر المالكي ذلك وقال: هذا لا يعرف في المذهب العشر قال: فما السبب في تجرئ هؤلاء؟ قال: كثرة الحلم عنهم - هذا ملخص ما حكاه هو لي، فإنني ركبت فما وصلت حتى انقض المجلس، وكذلك الحنبلي ما أدرك المجلس، وسألت الحنفي فقال ما أجبت بشيء لأجل غيبتكم، ففهمت أن المعول كان على المالكي، وذكر لي الحنفي أن بعض الأمراء قال: هؤلاء بغاة، قال: فقلت له: لا، ما هؤلاء بغاة وإنما أساءوا الأدب، وينبغي أن نعرف البادي منهم بذلك فنعاقبه بما يرتدع به غيره؛ فلما كان يوم الاثنين كتب مرسوم قرئ على المنبر بتهديد العامة والإنكار عليهم فيما فعلوا، وكتب توقيع القاضي تقي الدين بن قاضي شهبة بعوده إلى القضاء وبعزل القاضي شمس الدين الونائي، لان النائب بعث يشكو منه ويقول: إنما تسلط العامة علينا به - ونحو ذلك، وعين للسفر بذلك الشريف الحموي الموقع بعناية كاتب السر فوصل قبل سفر الحاج بيومين، وكان الونائي قد تجهز إلى الحج فاسترم، واستقر ابن قاضي شهبة، وهي الولاية الثانية.
شهر - شوال المبارك أوله السبت بالرؤية الصحيحة، وصادف تاسع برمهات ورابع آذار، وقع في أول يوم منه ريح باردة، وأثارت غباراً شديداً بحيث كان يتصاعد إلى أعلى القلعة واشتدت الظلمة منه وقت العصر إلى أن أمطرت شيئاً يسيراً، فسكن واستمر البرد
الشديد بحيث أنه كان يضاهي ما كان في أول الشتاء أو أشد منه، واستمر إلى فرغ برمهات وعاد مزاج فصل الربيع على العادة، وفي الثاني منه نقلت الشمس إلى برج الحمل.
وفي يوم الأحد الثالث والعشرين منه الموافق لأول يوم من برمودة من أشهر القبط - كان عيد النصارى - أخزاهم الله.
وفي النصف منه تنازلت أسعار الغلال وانحطت إلى قدر النصف بحيث بيع ما كان بلغ ثلاثمائة بمائة وخمسين واقل من ذلك.
وفيه - رحل إلى القاهرة طالب حديث الفاضل البارع قطب الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان بن داود بن فلاح بن ضميدة البلقاوي ويعرف الآن بالخيضري نسبة لجد أبيه، فسمع الكثير وكتب كتباً كثيرة وأجزاء، وجد وحصل في مدة لطيفة شيئاً كثيراً، وتوجه صحبة الحاج المصري لقضاء الفرض، وكتب عني في مدة يسيرة المجلد الأول من الإصابة بتمييز الصحابة وقرأه وعارض به معي وأتقنه، ونسخ أيضاً تعجيل المنفعة في رجال الأربعة وقرأه كله وأتقنه، وسمع عدة أجزاء، وكتب عدة مجالس من الامالي؛ وخطه مليح وفهمه جيد، ومحاضراته تدل على كثرة استحضاره.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشر شوال وصل ناصر الدين بك بن خليل بن قراجا بن دلغادر، وجلس له السلطان في إيوان القصر الكبير جلوساً عاماً، وأمر الأمراء الكبراء بتلقيه فتلقوه ظاهر القاهرة ودخلوا به من البلد إلى أن أطلعوه القلعة فدخل ومعه أولاده، فخدم وخلع عليه
وأنزل في بيت نوروز، وهو شيخ كبير يقال بلغ الثمانين، وتغلب على لونه السمرة الشديدة، وتقدم خبره في حوادث سنة 727، وكان دخل القاهرة في دولة الملك الظاهر مرة قبلها، ثم صاهره السلطان وتزوج ابنته، وسافر بعده إلى بلاده بعد أن، بولغ في إكرامه والإنعامات عليه.
وورد الخبر بأن أبا الفضل ابن شيخنا زين الدين ابن حسين اغتيل فوجد لعبه، قتله شريف من الرافضة، وقيل: إن سبب ذلك أن الحسني كان له دين على القاتل فلما مات أوصى أبا الفضل، فطالب أبو الفضل بمال محاجيزه، فمطله فألح عليه فاغتاله، وصار أهل المدينة في خوف شديد، ولم يبق أحد يجسر أن يخرج من بيته سحراً، وكان سليمان أمير المدينة غائباً وله نائب اسمه حيدر بن عزيز فخرج في جماعة لتحصيل القاتل، وكان تسحب هو وجماعة من عشيرته، فما ظفروا بأحد منهم - وكان ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفي أواخر شوال مر صاحبنا القاضي محب الدين بن أبي الحسن البكري المصري نائب الحكم وكان قد سار مع الرجبية إلى مكة، فرأى وهو يطوف بالبيت بعض الصناع من المرخمين يحاول قلع لوح رخام من الحجر وهو في غاية الثبات ليلصقه على كيفية أخرى فأنكر عليه، فتوجه المذكور إلى شاد العمارة سودون المحمدي فذكر له ذلك، فسال عنه فقيل له إنه نائب الحكم عن الشافعي، فقال: لعل هذا هو الذي كاتب فينا، فأمر بإحضاره فأهانه وضربه تحت رجليه عصيات، ثم أراد أن يركبه حماراً ويطوف به فقيل له: إنه بريء مما اتهمته به وإنه كان حين ورود الكتاب مقيماً بالقاهرة، فندم على ذلك ولقيه في الطواف فاستحله؛ وكان المحب المذكور قد امتلأ غيظاً بما أصابه بغير جرم وكظم، فما لبث إن حم واستمر موعوكاً إلى أن قدم الحج فتوجه مع الركب المصري فمات باليبنع بعد أن رجع من زيارة المدينة النبوية - وقد ذكرت ذلك في ترجمته فيما سيأتي، وختم له بخير ولعله مات شهيداً؛ ورأت امرأة من أهل الصدق ليلة دفنه وهي مستيقظة على سطح كأن عمود نور أقبل من نحو المدينة إلى أن غاب في قبر المذكور، فأيقظت زوجها وأخرى من أقاربها، فشاهدوا ما شاهدت وأخبروا به،
وفيه ورد الخبر بأنه خرج على الحاج بعد أن انفصلوا من المدينة ريح حارة وأعقبها سموم أضعفت الأبدان وأهلكت الجمال ومات منها من بني آدم عدد كثير، منهم القاضي محب الدين محمد بن أبي الحسن البكري نائب الحكم، وكان عارفاً بالأحكام متثبتاً في القضايا، وقوراً عاقلاً، كثير الاحتمال، مشاركاً في الفقه ولم يشتغل في غيره وقد درس في المدرسة الخروبية بشاطئ النيل نحواً من عشر سنين، وكان قد توجه إلى الحجاز في الرجبية فجاور ثم رجع، وذكر لي من أثق به من أنه كان كثير الطواف وأنه واظب على خمسين أسبوعاً في كل يوم، وهو من قدماء معارفنا وأهل الاختصاص بنا - فالله يعظم أجرنا فيه ويبدلنا به خير منه وقد غبطته بما اتفق له من حسن الخاتمة بالحج والمجاورة وزيارة الحضرة الشريفة النبوية والموت عقب ذلك في الغربة، وكانت وفاته بالينبع وصلى عليه هناك ودفن به، وقد جاوز السبعين بسنتين.
شهر ذي الحجة الحرام اختتام السنة أوله الثلاثاء بالرؤية - يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة بالرؤية، فيه استقر نور الدين علي بن أحمد ابن آقبرس في نظر الأوقاف عوضاً عن تقي الدين بن عبد الرحمن - ابن تاج الدين عد الوهاب ابن ناصر الدين - بن نصر الله ابن أخي الصاحب بدر الدين - وكان تقي الدين استقر فيها بعد صلاح الدين ابن عمه، وكان عمه الصاحب بدر الدين إذ ذاك موعوكاً فبلغه ذلك فشق عليه وشغله الضعف، ثم توجه للعافية واستمر نور الدين في الوظيفة.
وفي الثامن من ذي الحجة ورد الخبر بموت أقبغا التركماني في محبسه بسجن الكرك، وكان أحد الأمراء الكبار في الدولة الأشرفية، وولي النظر على الخانقاه الناصرية بسرياقوس؛ فذكر بعض الكبراء إن السلطان أمر كاتب السر أن يكتب إلى نائب الكرك بأن