المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث في الحديث الضعيف - توجيه النظر إلى أصول الأثر - جـ ٢

[طاهر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير

- ‌المبحث الثَّالِث فِي الحَدِيث الضَّعِيف

- ‌تَقْسِيم الحَدِيث الضَّعِيف إِلَى أقسامه الْمَشْهُورَة على طَريقَة الْمُحدثين

- ‌زِيَادَة بسط

- ‌وَهنا أُمُور يَنْبَغِي الانتباه لَهَا

- ‌بَيَان شاف للمعلل من الحَدِيث

- ‌بَيَان علل أَخْبَار رويت فِي الطَّهَارَة

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي الصَّلَاة

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الزَّكَاة وَالصَّدقَات

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الصَّوْم

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْمَنَاسِك

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْجَنَائِز

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْبيُوع

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي النِّكَاح

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْحُدُود

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي اللبَاس

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي الْأَطْعِمَة

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي أُمُور شَتَّى

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْأَحْكَام والأقضية

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الزّهْد

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْمَنَاسِك

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْبيُوع

- ‌صلَة تتَعَلَّق بالضعيف وَهِي تشْتَمل على ثَلَاث مسَائِل

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَمَا يتَعَلَّق بذلك

- ‌فروع لَهَا تعلق بالرواية بِالْمَعْنَى

- ‌فَوَائِد شَتَّى الْفَائِدَة الأولى

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّالِثَة

- ‌الْفَائِدَة الرَّابِعَة

- ‌الْفَائِدَة الْخَامِسَة

- ‌تَنْبِيهَات

- ‌الْفَائِدَة السَّابِعَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّامِنَة

- ‌الْفَائِدَة التَّاسِعَة

- ‌الْفَائِدَة الْعَاشِرَة

- ‌الْفَائِدَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة عشرَة

الفصل: ‌المبحث الثالث في الحديث الضعيف

‌المبحث الثَّالِث فِي الحَدِيث الضَّعِيف

قَالَ بعض الْعلمَاء الحَدِيث هُوَ مَا لم يجمع صِفَات الحَدِيث الصَّحِيح وَلَا صِفَات الحَدِيث الْحسن

وَقَالَ بَعضهم الأولى فِي حَده أَن يُقَال هُوَ مَا لم يبلغ مرتبَة الْحسن

وَلَا يخفى أَن مَا يكون نازلا عَن مرتبَة الْحسن يكون عَن مرتبَة الصَّحِيح أنزل فَلَا احْتِيَاج إِذا إِلَى ذكر الصَّحِيح فِي حَده

وَقد قسموا الضَّعِيف إِلَى أَقسَام جعلُوا جعلُوا لبعضها لقبا خَاصّا بِهِ لوُجُود الدَّاعِي إِلَيْهِ وَذَلِكَ كالمرسل والمنقطع والمعضل والمعلل والشاذ والمضطرب وَتركُوا بَعْضهَا غفلا لعدم الدَّاعِي إِلَى ذَلِك

وَقد حاول بَعضهم حصر أقسامه فَنظر فِي شُرُوط الْقبُول وَهِي شُرُوط الصَّحِيح وَالْحسن فَوَجَدَهَا سِتَّة وَهِي اتِّصَال السَّنَد حَيْثُ لم ينجبر الْمُرْسل بِمَا يُؤَيّدهُ وعدالة الروَاة والسلامة من كَثْرَة الْخَطَأ والغفلة ومجيء الحَدِيث من وَجه آخر حَيْثُ كَانَ فِي الْإِسْنَاد مَسْتُورا لم تعرف أَهْلِيَّته وَلَيْسَ مُتَّهمًا كثير الْغَلَط والسلامة من الشذوذ والسلامة من الْعلَّة القادحة

ثمَّ نظر فِي الضَّعِيف فَرَأى أَن مِنْهُ مَا يفقد شرطا فَقَط وَمِنْه مَا يفقد شرطين وَمِنْه مَا يفقد أَكثر من ذَلِك فَتبين لَهُ بِهَذَا النّظر أَقسَام كَثِيرَة تبلغ فِيمَا ذكره بعض من عني بأمرها اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين قسما

ص: 546

وَقَالَ بعد إيرادها قسما قسما هَذِه أَقسَام الضَّعِيف بِاعْتِبَار الِانْفِرَاد والاجتماع وَقد تركت من الْأَقْسَام الَّتِي يظنّ انقسامه إِلَيْهَا بِحَسب اجْتِمَاع الْأَوْصَاف عدَّة أَقسَام وَهِي اجْتِمَاع الشذوذ وَوُجُود ضَعِيف أَو مَجْهُول أَو مَسْتُور فِي الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ لَا يُمكن اجْتِمَاع ذَلِك على الصَّحِيح لِأَن الشذوذ تفرد الثِّقَة فَلَا يُمكن وصف مَا فِيهِ راو ضَعِيف أَو مَجْهُول أَو مَسْتُور بِأَنَّهُ شَاذ

وَيُمكن الزِّيَادَة فِي هَذِه الْأَقْسَام وَذَلِكَ بِأَن ينظر إِلَى فقد الْعَدَالَة مثلا فَيجْعَل بِاعْتِبَار مَا يدْخل تَحْتَهُ أنواعا فَإِنَّهُ يَشْمَل مَا يكون بكذب الرَّاوِي أَو تهمته بذلك أَو فسقه أَو بدعته أَو جَهَالَة عينه أَو جَهَالَة حَاله فَإِذا لوحظ كل وَاحِد مِنْهَا على حِدة ولوحظ مثل ذَلِك فِي مثله زَادَت الْأَقْسَام زِيَادَة كَثِيرَة

وَقد تصدى بَعضهم لذَلِك غير أَنه أبان أَن تِلْكَ الْأَقْسَام تَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع نوع مِنْهَا لم يتَحَقَّق وجوده وَلَا إِمْكَانه وَنَوع مِنْهَا تحقق إِمْكَانه دون وجوده وَنَوع مِنْهَا قد تحقق إِمْكَانه ووجوده

وَقد صرح غير وَاحِد بقلة فَائِدَة هَذَا التَّقْسِيم وَذَلِكَ لِأَن المُرَاد بِهِ إِن كَانَ معرفَة مَرَاتِب الضَّعِيف فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُفِيد ذَلِك

فَإِن قيل إِنَّه قد يُفِيد ذَلِك لِأَن هَذَا التَّقْسِيم يعرف بِهِ مَا فقد كل قسم من الشُّرُوط فَإِذا وجدنَا قسمَيْنِ قد فقد أَحدهمَا من الشُّرُوط أَكثر حكمنَا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَضْعَف

قيل إِن هَذَا الحكم لَا يسوغ على إِطْلَاقه فقد يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ كفاقد الصدْق فَإِنَّهُ أَضْعَف مِمَّا سواهُ وَإِن كَانَ فاقدا للشروط الْخَمْسَة الْبَاقِيَة

وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ تَخْصِيص كل قسم باسم فالقوم لم يَفْعَلُوا ذَلِك فَإِنَّهُم لم يسموا مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل كَمَا ذكرنَا آنِفا وَلم يتصد الْمقسم نَفسه لذَلِك

وَإِن كَانَ المُرَاد بِهِ معرفَة كم قسما يبلغ بالبسط فَهَذِهِ فَائِدَة لَا تستوجب هَذِه النصب

وَيُمكن أَن يُقَال فَائِدَة ذَلِك حصر الْأَقْسَام ليبحث عَمَّا وَقع مِنْهَا مِمَّا لم يَقع وَمَعْرِفَة منشأ الضَّعِيف فِي كل قسم

ص: 547

وَأما قَول بَعضهم إِنَّه قد خَاضَ فِي تقسيمه أنَاس لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن فتعبوا وأتعبوا وَلَو قيل لأطولهم يدا فِي ذَلِك ايتنا بمثال مِمَّا لَيْسَ لَهُ لقب خَاص لبقي حائرا فَهُوَ ضَعِيف لِأَن التَّقْسِيم إِذا لم يكن فِيهِ مَا يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِ يقبل من أَي مقسم كَانَ وَعدم مَعْرفَته بِبَعْض أَمْثِلَة الْأَقْسَام الَّتِي لم يتَحَقَّق وجودهَا بعد لَا يضرّهُ ويكفيه أَن يَقُول قد قُمْت بِطرف من الْمَسْأَلَة وَهُوَ بَيَان الْأَقْسَام وَبَقِي طرف آخر مِنْهَا تركته لغيري وَهُوَ الْبَحْث فِي أَمْثِلَة كل قسم وَبَيَان مَا وقف عَلَيْهِ مِنْهَا

وَقد أفرد ابْن الْجَوْزِيّ عَن الضَّعِيف نوعا آخر سَمَّاهُ المضعف

وَهُوَ الَّذِي لم يجمع على ضعفه بل فِيهِ إِمَّا فِي الْمَتْن أَو فِي الْمسند تَضْعِيف لبَعض أهل الحَدِيث وتقوية لآخرين مِنْهُم وَهُوَ أَعلَى مرتبَة من الضَّعِيف الْمجمع عَلَيْهِ

وَمحل هَذَا فِيمَا إِذا لم يتَرَجَّح أحد الْأَمريْنِ أَو كَانَ التَّضْعِيف هُوَ الْمُرَجح وَلَا فقد وَقع فِي كتب ملتزمي الصِّحَّة حَتَّى البُخَارِيّ أَشْيَاء من هَذَا الْقَبِيل

وَذكر النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم عَن ابْن الصّلاح أَنه قَالَ شَرط مُسلم فِي صَحِيحه أَن يكون الحَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من أَوله إِلَى منتهاه سالما من الشذوذ وَالْعلَّة

قَالَ وَهَذَا حد الصَّحِيح

فَكل حَدِيث اجْتمعت فِيهِ هَذِه الشُّرُوط فَهُوَ صَحِيح بِلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث

وَمَا اخْتلفُوا فِي صِحَّته من الْأَحَادِيث فقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ انْتِفَاء شَرط من هَذِه الشُّرُوط أَو بَينهم خلاف فِي اشْتِرَاطه كَمَا إِذا كَانَ بعض الروَاة مَسْتُورا أَو كَانَ الحَدِيث مُرْسلا

وَقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ أَنه هَل اجْتمعت فِيهِ هَذِه الشُّرُوط أم انْتَفَى بَعْضهَا وَهُوَ الْأَغْلَب فِي ذَلِك كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي رُوَاته من اخْتلف فِي كَونه من شَرط الصَّحِيح فَإِذا كَانَ الحَدِيث رُوَاته كلهم ثِقَات غير أَن فيهم أَبَا الزبير الْمَكِّيّ مثلا أَو سُهَيْل بن أبي صَالح أَو الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن أَو حَمَّاد بن سَلمَة قَالُوا فِيهِ هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط مُسلم وَلَيْسَ بِصَحِيح على شَرط البُخَارِيّ لكَون هَؤُلَاءِ عِنْد مُسلم مِمَّن اجْتمعت فيهم الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة وَلم يثبت عِنْد البُخَارِيّ ذَلِك فيهم

وَكَذَا حَال البُخَارِيّ فِيمَا خرجه من حَدِيث عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَإِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَغَيرهم مِمَّن احْتج بهم البُخَارِيّ وَلم يحْتَج بهم مُسلم

قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي فِي كِتَابه الْمدْخل فِي معرفَة الْمُسْتَدْرك عدد من أخرج لَهُم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح وَلم يخرج لَهُم مُسلم أَربع مئة وَأَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ شَيخا وَعدد من احْتج بهم مُسلم فِي الْمسند الصَّحِيح وَلم يحْتَج بهم البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح سِتّ مئة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ شَيخا

وَأما قَول مُسلم فِي صَحِيحه فِي بَاب صفة رَسُول الله ص = لَيْسَ كل شي صَحِيح عِنْدِي وضعنه هَاهُنَا يَعْنِي فِي كِتَابه هَذَا الصَّحِيح وَإِنَّمَا وضعت هَاهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ

فمشكل

فقد وضع فِيهِ أَحَادِيث كَثِيرَة مُخْتَلفا فِي صِحَّتهَا لكَونهَا من حَدِيث من ذَكرْنَاهُ وَمن لم نذكرهُ مِمَّن اخْتلفُوا فِي صِحَة حَدِيثه

قَالَ الشَّيْخ وَجَوَابه من وَجْهَيْن

أَحدهمَا أَن مُرَاده أَنه لم يضع فِيهِ إِلَّا مَا وجد عِنْده فِيهِ شُرُوط الصَّحِيح الْمجمع عَلَيْهِ وَإِن لم يظْهر اجتماعها فِي بعض الْأَحَادِيث عِنْد بَعضهم

وَالثَّانِي أَنه أَرَادَ أَنه لم يضع فِيهِ مَا اخْتلف الثِّقَات فِيهِ فِي نفس الحَدِيث متْنا أَو إِسْنَادًا وَلم يرد مَا كَانَ اخْتلَافهمْ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ فِي تَوْثِيق بعض رُوَاته وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر من كَلَامه فَإِذا ذكر لما سُئِلَ عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَإِذا قَرَأَ فأنصتوا

هَل هُوَ صَحِيح فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيح

فَقيل لم لم تضعه هَاهُنَا فَأجَاب بالْكلَام الْمَذْكُور

ص: 548

وَمَعَ هَذَا فقد اشْتَمَل كِتَابه على أَحَادِيث اخْتلفُوا فِي إسنادها أَو متنها لصحتها عِنْده وَفِي ذَلِك ذُهُول مِنْهُ عَن هَذَا الشَّرْط أَو سَبَب آخر وَقد استدركت وعللت

وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ مُسلم بِالْإِجْمَاع فِي قَوْله وَإِنَّمَا وضعت هَاهُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ

إِجْمَاع أَرْبَعَة من أَئِمَّة الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل وَابْن معني وَعُثْمَان بن أبي شيبَة وَسَعِيد بن مَنْصُور الخرساني

وَذكر النَّوَوِيّ فِي مَوضِع آخر مِنْهُ أَن مُسلما انتقد عَلَيْهِ رِوَايَته فِي صَحِيحه عَن جمَاعَة من الضُّعَفَاء والمتوسطين الواقعين فِي الدرجَة الثَّانِيَة الَّتِي لَيست من شَرط الصَّحِيح

ثمَّ نقل عَن ابْن الصّلاح أَنه أجَاب عَن ذَلِك من أوجه

أَحدهمَا أَن يكون ذَلِك فِيمَن هُوَ ضَعِيف عِنْد غَيره ثِقَة عِنْده

وَلَا يُقَال إِن الْجرْح مقدم على التَّعْدِيل لِأَن ذَلِك فِيمَا إِذا كَانَ الْجرْح ثَابتا مُفَسّر السَّبَب وَإِلَّا فَلَا يقبل الْجرْح إِذا لم يكن كَذَلِك

وَقد قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَغَيره مَا احْتج البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد بِهِ من جمَاعَة علم الطعْن فيهم من غَيرهم مَحْمُول على أَنه لم يثبت فيهم الطعْن الْمُؤثر مُفَسّر السَّبَب

الثَّانِي أَن يكون ذَلِك وَاقعا فِي المتابعات والشواهد لَا فِي الْأُصُول وَذَلِكَ بِأَن يذكر الحَدِيث أَولا بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات ويجعله أصلا ثمَّ يتبعهُ بِإِسْنَاد آخر أَو أَسَانِيد فِيهَا بعض الضُّعَفَاء على وَجه التَّأْكِيد بالمتابعة أَو لزِيَادَة يُنَبه على فَائِدَة فِيمَا قدمه

الثَّالِث أَن يكون ضعف الضَّعِيف الَّذِي احْتج بِهِ طَرَأَ عَلَيْهِ بعد

ص: 550

أَخذه عَنهُ باختلاط حدث عَلَيْهِ غير قَادِح فِيمَا رَوَاهُ من قبل فِي زمن استقامته كَمَا فِي أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب ذكر أَبُو عبد الله الْحَاكِم أَنه اخْتَلَط بعد الْخمسين ومئتين بعد خُرُوج مُسلم من مصر فَهُوَ فِي ذَلِك كسعيد بن أبي عرُوبَة وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهمَا مِمَّن اخْتَلَط آخرا وَلم يمْنَع ذَلِك من صِحَة الِاحْتِجَاج فِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَا أَخذ عَنْهُم قبل ذَلِك

الرَّابِع أَن يَعْلُو بالشيخ الضَّعِيف إِسْنَاده وَهُوَ عِنْده من رِوَايَة الثِّقَات نَازل فَيقْتَصر على العالي وَلَا يطول بِإِضَافَة النَّازِل إِلَيْهِ مكتفيا بِمَعْرِِفَة أهل هَذَا الشَّأْن فِي ذَلِك

وَذكر فِي مَوضِع آخر مِنْهُ وَهُوَ مِمَّا يُنَاسب مَا نَحن فِيهِ من وَجه أَن مُسلما أَشَارَ فِي مُقَدّمَة صَحِيحه إِلَى أَنه يقسم الْأَحَادِيث ثَلَاثَة أَقسَام

الأول مَا رَوَاهُ الْحفاظ المتقنون

وَالثَّانِي مَا رَوَاهُ المستورون المتوسطون فِي الْحِفْظ والإتقان

وَالثَّالِث مَا رَوَاهُ الضُّعَفَاء والمتروكون وَأَنه إِذا فرغ من الْقسم الأول أتبعه الثَّانِي

وَأما الثَّالِث فَلَا يعرج عَلَيْهِ

ثمَّ قَالَ وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مُرَاده بِهَذَا التَّقْسِيم فَقَالَ الإمامان الحافظان الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَصَاحبه أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ إِن الْمنية قد اخترمت مُسلما قبل إِخْرَاج الْقسم الثَّانِي وَإنَّهُ إِنَّمَا ذكر الْقسم الأول

قَالَ القَاضِي عِيَاض وَهَذَا مِمَّا قبله الشُّيُوخ وَالنَّاس من الْحَاكِم وتابعوه عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمر على ذَلِك لمن حقق نظره وَلم يتَقَيَّد بالتقليد فَإنَّك إِذا نظرت تَقْسِيم مُسلم فِي كِتَابه الحَدِيث على ثَلَاث طَبَقَات من النَّاس كَمَا قَالَ فَذكر أَن الْقسم الأول حَدِيث الْحفاظ وَأَنه إِذا انْقَضى هَذَا أتبعه بِأَحَادِيث من لم يُوصف بالحذق والإتقان

ص: 551

مَعَ كَونهم من أهل السّتْر والصدق وتعاطي الْعلم ثمَّ أَشَارَ إِلَى ترك حَدِيث من أجمع الْعلمَاء أَو اتّفق الْأَكْثَر مِنْهُم على تهمته وَبَقِي من اتهمه بَعضهم وزكاه بَعضهم فَلم يذكرهُ هُنَا

وَوَجَدته ذكر فِي أَبْوَاب كِتَابه حَدِيث الطبقتين الْأَوليين وأتى بأسانيد الثَّانِيَة مِنْهَا على طَرِيق الإتباع للأولى والاستشهاد أَو حَيْثُ لم يجد فِي الْبَاب للقسم الأول شَيْئا وَذكر أَقْوَامًا تكلم فيهم قوم وزكاهم آخَرُونَ مِمَّن ضعف أَو اتهمَ ببدعة

وَكَذَلِكَ فعل البُخَارِيّ

فعندي أَنه أَتَى بطبقاته الثَّلَاث فِي كِتَابه على مَا ذكر ورتب فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَبَينه فِي تقسيمه وَطرح الرَّابِعَة كَمَا نَص عَلَيْهِ

فالحاكم تَأَول أَنه إِنَّمَا أَرَادَ أَن يفرد لكل طبقَة كتابا وَيَأْتِي بأحاديثها خَاصَّة مُفْردَة وَلَيْسَ ذَلِك مُرَاده بل إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا ظهر من تأليفه وَبَان من غَرَضه أَن يجمع ذَلِك فِي الْأَبْوَاب وَيَأْتِي بِأَحَادِيث الطبقتين فَيبْدَأ بِالْأولَى ثمَّ يَأْتِي بِالثَّانِيَةِ على طَرِيق الاستشهاد والإتباع حَتَّى استوفى جَمِيع الْأَقْسَام الثَّلَاثَة

وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بالطبقات الثَّلَاثَة الْحفاظ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ وَالثَّالِثَة هِيَ الَّتِي اطرحها

وَكَذَلِكَ علل الْأَحَادِيث الَّتِي ذكر ووعد أَنه يَأْتِي بهَا قد جَاءَ فِي موَاضعهَا من الْأَبْوَاب من اخْتلَافهمْ فِي الْأَسَانِيد كالإرسال والإسناد وَالزِّيَادَة وَالنَّقْص وَذكر تَصْحِيف المصحفين وَهَذَا يدل على اسْتِيفَائه غَرَضه فِي تأليفه وإدخاله فِي كِتَابه كل مَا وعد بِهِ

قَالَ القَاضِي وَقد فاوضت فِي تأويلي هَذَا ورأيي فِيهِ من يفهم هَذَا الْبَاب فَمَا رَأَيْت منصفا لَا صَوبه وَبَان لَهُ مَا ذكرت وَهُوَ ظَاهر لمن تَأمل الْكتاب وطالع مَجْمُوع الْأَبْوَاب

وَلَا يعْتَرض على هَذَا بِمَا قَالَه ابْن سُفْيَان صَاحب مُسلم أَن مُسلما أخرج ثَلَاثَة كتب من المسندات أَحدهَا هَذَا الَّذِي قَرَأَهُ على النَّاس

وَالثَّانِي يدْخل فِيهِ عِكْرِمَة وَابْن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي وأمثالهما

وَالثَّالِث يدْخل فِيهِ من الضُّعَفَاء فَإنَّك إِذا

ص: 552