المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وهنا أمور ينبغي الانتباه لها - توجيه النظر إلى أصول الأثر - جـ ٢

[طاهر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير

- ‌المبحث الثَّالِث فِي الحَدِيث الضَّعِيف

- ‌تَقْسِيم الحَدِيث الضَّعِيف إِلَى أقسامه الْمَشْهُورَة على طَريقَة الْمُحدثين

- ‌زِيَادَة بسط

- ‌وَهنا أُمُور يَنْبَغِي الانتباه لَهَا

- ‌بَيَان شاف للمعلل من الحَدِيث

- ‌بَيَان علل أَخْبَار رويت فِي الطَّهَارَة

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي الصَّلَاة

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الزَّكَاة وَالصَّدقَات

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الصَّوْم

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْمَنَاسِك

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْجَنَائِز

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْبيُوع

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي النِّكَاح

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْحُدُود

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي اللبَاس

- ‌بَاب علل أَخْبَار رويت فِي الْأَطْعِمَة

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي أُمُور شَتَّى

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْأَحْكَام والأقضية

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الزّهْد

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْمَنَاسِك

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْغَزْو وَالسير

- ‌علل أَخْبَار رويت فِي الْبيُوع

- ‌صلَة تتَعَلَّق بالضعيف وَهِي تشْتَمل على ثَلَاث مسَائِل

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَمَا يتَعَلَّق بذلك

- ‌فروع لَهَا تعلق بالرواية بِالْمَعْنَى

- ‌فَوَائِد شَتَّى الْفَائِدَة الأولى

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّالِثَة

- ‌الْفَائِدَة الرَّابِعَة

- ‌الْفَائِدَة الْخَامِسَة

- ‌تَنْبِيهَات

- ‌الْفَائِدَة السَّابِعَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّامِنَة

- ‌الْفَائِدَة التَّاسِعَة

- ‌الْفَائِدَة الْعَاشِرَة

- ‌الْفَائِدَة الْحَادِيَة عشرَة

- ‌الْفَائِدَة الثَّانِيَة عشرَة

الفصل: ‌وهنا أمور ينبغي الانتباه لها

‌وَهنا أُمُور يَنْبَغِي الانتباه لَهَا

الْأَمر الأول أَن الْمُحدثين قَلما يحكمون على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَاقعا فِي نفس الْمَتْن لِأَن ذَلِك لَيْسَ من شَأْنهمْ من جِهَة كَونهم محدثين وَإِمَّا هُوَ من شَأْن الْمُجْتَهدين

وَإِنَّمَا يحكمون على الحَدِيث بِالِاضْطِرَابِ إِذا كَانَ الِاخْتِلَاف فِيهِ وَاقعا فِي نفس الْإِسْنَاد لِأَنَّهُ من شَأْنهمْ

وَذَلِكَ لِأَن الِاطِّلَاع على مَا فِي الْإِسْنَاد من عِلّة على مَا يَنْبَغِي يعسر على غَيرهم بِخِلَاف الِاطِّلَاع على مَا فِي الْمَتْن من عِلّة سَوَاء كَانَ فِيهِ اضْطِرَاب أم لَا فَإِنَّهُ سهل الْمدْرك فَلذَلِك صرفُوا جلّ عنايتهم إِلَى بَيَان مَا يتَعَلَّق بِالْإِسْنَادِ ليكفوا غَيرهم مؤونة ذَلِك وَلذَلِك تتعرض لذكر مَا وَقع فِيهِ الِاضْطِرَاب من جِهَة الْمَتْن وَإِنَّمَا تعرضوا للمضطرب لِأَنَّهُ دَاخل فِي المعل فانتبه لذَلِك

الْأَمر الثَّانِي لِأَن المضطرب قد يكون صَحِيحا وَذَلِكَ فِي مثل مَا إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي اسْم رجل أَو أَبِيه أَو نسبته أَو نَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يضر بعد مَا ثَبت كَونه ثِقَة وَيحكم لذَلِك الحَدِيث بِالصِّحَّةِ مَعَ تَسْمِيَته مضطربا

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة من هَذَا الْقَبِيل وَلذَا قَالَ بعض الْعلمَاء وَقد يدْخل الْقلب والشذوذ وَالِاضْطِرَاب فِي قسم الصَّحِيح وَالْحسن

الْأَمر الثَّالِث قد وَقع الِاخْتِلَاف فِي الصَّلَاة الكائنة فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ فَإِن الرَّاوِي شكّ فِيهَا مرّة وَلم يدر أَهِي الظّهْر أَو الْعَصْر وَقَالَ مرّة إِحْدَى صَلَاتي الْعشي إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا الْعَصْر وَجزم مرّة بالعصر وَقَالَ مرّة أكبر ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْر

وَقد روى النَّسَائِيّ مَا يشْهد لِأَن الشَّك فِيهَا كَانَ من أبي هُرَيْرَة وَلَفظه صلى النَّبِي ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِنِّي نسيت

قَالَ بعض الْعلمَاء وَالظَّاهِر أَن أَبَا هُرَيْرَة رَوَاهُ كثيرا على الشَّك وَكَانَ رُبمَا

ص: 583

غلب على ظَنّه أَنَّهَا الظّهْر فَجزم بهَا وَرُبمَا غلب على ظَنّه أَنَّهَا الْعَصْر فَجزم بهَا ثمَّ طَرَأَ الشَّك فِي تَعْيِينهَا على ابْن سِيرِين أَيْضا فقد ثَبت عَنهُ أَنه قَالَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَة وَلَكِن نسيت أَنا

وَكَأن السَّبَب فِي ذَلِك عدم الاهتمام بِغَيْر مَا فِي الْقِصَّة من الْأَحْكَام

وَقد حاول بَعضهم الْجمع فَذهب إِلَى أَن الْقِصَّة وَقعت مرَّتَيْنِ

وَكَثِيرًا مَا يسْلك بَعضهم مثل ذَلِك فِي الْجمع توصلا إِلَى تَصْحِيح كل من الرِّوَايَات صَوتا للرواة من أَن ينْسب الغلظ أَو السَّهْو أَو النسْيَان إِلَيْهِم

وَكَأن عناية هَؤُلَاءِ بالرواة فَوق عنايتهم بالمرويات فَجَمعهُمْ كلا جمع لَا سِيمَا إِن كَانَ مِمَّا ينبو عَنهُ السّمع

وَقد جرى ذكر ذِي الْيَدَيْنِ فِي كثير من كتب الْأُصُول وَذَلِكَ فِي مَبْحَث وجوب الْأَخْذ بِمَا يرويهِ الْوَاحِد إِذا كَانَ عدلا فَإِنَّهُم ذكرُوا أَن بعض الْعلمَاء ذهب إِلَى أَنه لَا يقبل خبر الْوَاحِد الْعدْل وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لم يقبل خبر ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى شهد لَهُ أَبُو بكر وَعمر

وَأَجَابُوا عَن ذَلِك وَمِنْهُم الْفَخر فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْجَواب إِن ذَلِك إِن دلّ فَإِنَّمَا يدل على اعْتِبَار ثَلَاثَة أبي بكر وَعمر وَذي الْيَدَيْنِ وَلِأَن التُّهْمَة كَانَت قَائِمَة هُنَاكَ لِأَنَّهَا كَانَت وَاقعَة فِي محفل عَظِيم وَالْوَاجِب فِيهَا الاشتهار

وَقد ذكرنَا سَابِقًا جَوَابا لغيره وَهُوَ قَوْله أما توقف رَسُول الله ص = عَن قبُول قَول ذِي الْيَدَيْنِ فَيحْتَمل ثَلَاثَة أُمُور

أَحدهَا أَنه جوز الْوَهم عَلَيْهِ لِكَثْرَة الْجمع بعد انْفِرَاده بِمَعْرِِفَة ذَلِك مَعَ غَفلَة الْجَمِيع إِذْ الْغَلَط عَلَيْهِ أقرب من الْغَفْلَة على الْجمع الْكثير

وَحَيْثُ ظَهرت أَمَارَات الْوَهم يجب التَّوَقُّف

الثَّانِي أَنه وَإِن علم صدقه جَازَ أَن يكون سَبَب توقفه أَن يعلمهُمْ وجوب التَّوَقُّف فِي مثله وَلَو لم يتَوَقَّف لصار التَّصْدِيق مَعَ سكُوت الْجَمَاعَة سنة مَاضِيَة فحسم سَبِيل ذَلِك

ص: 584

الثَّالِث أَنه قَالَ قولا لَو علم صدقه لظهر أَثَره فِي حق الْجَمَاعَة واشتغلت ذمتهم فَألْحق بقبيل الشَّهَادَة فَلم يقبل فِيهِ قَول الْوَاحِد والأقوى مَا ذَكرْنَاهُ من قبل

نعم لَو تعلق بِهَذَا من يشْتَرط عدد الشَّهَادَة يلْزمه اشْتِرَاط ثَلَاثَة وَيلْزمهُ أَن يكون فِي جمع يسكت عَلَيْهِ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ كَذَلِك كَانَ

وَالظَّاهِر أَن المستدلين بِهَذِهِ الْقِصَّة والمجيبين عَن استدلالهم لم يأخذوها من أَئِمَّة الحَدِيث أَو كتبهمْ كَمَا هُوَ دأبهم وَلذَلِك ذكر صَاحب تَفْضِيل السّلف على الْخلف فِي الْأُصُول أَن من مَنَاقِب الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ أَنه على كبر سنه وانتهاء رياسة الْعلم بِبَغْدَاد إِلَيْهِ كَانَ يتَرَدَّد إِلَى بعض عُلَمَاء الحَدِيث لمعْرِفَة مَا أشكل عَلَيْهِ من النَّقْل وَأَحْكَام الرِّوَايَة والعلل

ولنذكر مَا ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ قَالَ البُخَارِيّ

بَاب إِذا سلم فِي رَكْعَتَيْنِ أَو فِي ثَلَاث فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ مثل سُجُود الصَّلَاة أَو أطول حَدثنَا آدم حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ

صلى بِنَا النَّبِي ص = الظّهْر أَو الْعَصْر فَسلم فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ الصَّلَاة يَا رَسُول الله أنقصت فَقَالَ النَّبِي ص = لأَصْحَابه أَحَق مَا يَقُول قَالُوا نعم فصلى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ

قَالَ سعد وَرَأَيْت عُرْوَة بن الزبير صلى من الْمغرب رَكْعَتَيْنِ فَسلم وَتكلم ثمَّ صلى مَا بَقِي وَسجد سَجْدَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا فعل النَّبِي ص =

بَاب من لم يتَشَهَّد فِي سَجْدَتي السَّهْو وَسلم أنس وَالْحسن وَلم يتشهدا وَقَالَ قَتَادَة لَا يتَشَهَّد حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف أخبرنَا مَالك بن أنس عَن أَيُّوب بن

ص: 585

أبي تَيْمِية السّخْتِيَانِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله انْصَرف من اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أقصرت الصَّلَاة أم نسيت يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله ص = أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ النَّاس نعم فَقَامَ رَسُول الله ص = فصلى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع

حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا حَمَّاد عَن سَلمَة بن عَلْقَمَة قَالَ قلت لمُحَمد فِي سَجْدَتي السَّهْو تشهد قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة

بَاب يكبر فِي سَجْدَتي السَّهْو حَدثنَا حَفْص بن عمر قَالَ حَدثنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى النَّبِي إِحْدَى صَلَاتي الْعشي مُحَمَّد وَأكْثر ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْر رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَة فِي مقدم الْمَسْجِد فَوضع يَده عَلَيْهَا وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر فَهَابَا أَن يُكَلِّمَاهُ وَخرج سرعَان النَّاس فَقَالُوا أقصرت الصَّلَاة وَرجل يَدعُوهُ النَّبِي ص = ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أنسيت أم قصرت فَقَالَ لم أنس وَلم تقصر قَالَ بلَى قد نسيت فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ثمَّ كبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه فَكبر ثمَّ وضع رَأسه فَكبر فَسجدَ مثل سُجُوده أَو أطول ثمَّ رفع رَأسه وَكبر

وَقَالَ مُسلم فِي بَاب السَّهْو فِي الصَّلَاة وَالسُّجُود لَهُ وحَدثني عَمْرو النَّاقِد وَزُهَيْر بن حَرْب جَمِيعًا عَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ عَمْرو أَنبأَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ أَنبأَنَا أَيُّوب قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن سِيرِين يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول

صلى بِنَا رَسُول الله ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا

ص: 586

الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَتَى جذعا فِي قبْلَة الْمَسْجِد فاستند إِلَيْهِ مغضبا وَفِي الْقَوْم أَبُو بكر وَعمر فَهَابَا أَن يتكلما وَخرج سرعَان النَّاس قصرت الصَّلَاة فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُول الله أقصرت الصَّلَاة أم نسيت فَنظر النَّبِي ص = يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا صدق لم تصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ فصلى رَكْعَتَيْنِ وَسلم ثمَّ كبر ثمَّ سجد ثمَّ كبر فَرفع ثمَّ كبر وَسجد ثمَّ كبر وَرفع

قَالَ وأخبرت عَن عمرَان بن حُصَيْن أَنه قَالَ وَسلم

وَحدثنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي قَالَ أَنبأَنَا حَمَّاد قَالَ أَنبأَنَا أَيُّوب عَن مُحَمَّد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله إِحْدَى صَلَاتي الْعشي بِمَعْنى حَدِيث سُفْيَان

وَحدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن مَالك بن أنس عَن دَاوُد الْحصين عَن أبي سُفْيَان مولى ابْن أبي أَحْمد أَنه قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول صلى لنا رَسُول الله ص = صَلَاة الْعَصْر فَسلم فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة يَا رَسُول الله أم نسيت فَقَالَ رَسُول الله كل ذَلِك لم يكن فَقَالَ قد كَانَ بعض ذَلِك يَا رَسُول الله فَأقبل رَسُول الله على النَّاس فَقَالَ أصدق ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نعم يَا رَسُول الله فَأم رَسُول الله مَا بَقِي من الصَّلَاة ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالس بعد التَّسْلِيم

وحَدثني حجاج بن الشَّاعِر قَالَ أَنبأَنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل الخزاز قَالَ

ص: 587

أَنبأَنَا عَليّ وَهُوَ ابْن الْمُبَارك قَالَ أَنبأَنَا يحيى قَالَ حَدثنَا أَبُو سَلمَة قَالَ أَنبأَنَا أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ص = صلى رَكْعَتَيْنِ من صَلَاة الظّهْر ثمَّ سلم فَأَتَاهُ رجل من بني سليم فَقَالَ يَا رَسُول الله أقصرت الصَّلَاة أم نسيت وسَاق الحَدِيث

وحَدثني إِسْحَاق بن مَنْصُور قَالَ أَنبأَنَا عبيد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله صَلَاة الظّهْر سلم رَسُول الله من الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ رجل من بني سليم واقتص الحَدِيث

وَحدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب جَمِيعًا عَن ابْن علية قَالَ زُهَيْر أَنبأَنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ص = صلى الْعَصْر فَسلم فِي ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طول فَقَالَ يَا رَسُول الله فَذكر لَهُ صَنِيعه وَخرج غَضْبَان يجر رِدَاءَهُ حَتَّى انْتهى إِلَى النَّاس فَقَالَ أصدق هَذَا قَالُوا نعم فصلى رَكْعَة ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ سلم

وَحدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قَالَ أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا خَالِد وَهُوَ الْحذاء عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمُهلب عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ سلم رَسُول الله فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ قَالَ فَدخل الْحُجْرَة فَقَامَ رجل بسيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة يَا رَسُول الله فَخرج مغضبا فصلى الرَّكْعَة الَّتِي كَانَ ترك ثمَّ سلم ثمَّ سجد سَجْدَتي السَّهْو ثمَّ سلم

وَاعْلَم أَن فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ فَوَائِد جمة وقواعد مهمة

ص: 588

مِنْهَا جَوَاز النسْيَان فِي الْأَفْعَال والعبادات على الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأَنَّهُمْ لَا يقرونَ على الْخَطَأ فِي ذَلِك

وَمِنْهَا أَن الْوَاحِد إِذا ادّعى شَيْئا جرى بِحَضْرَة جمع كثير لَا يخفى عَلَيْهِم سئلوا عَنهُ وَلَا يعْمل بقوله من غير سُؤال

وَمِنْهَا إِثْبَات سُجُود السَّهْو وَأَنه سَجْدَتَانِ وأنهما على هَيْئَة سُجُود الصَّلَاة وَأَنه يسلم من سُجُود السَّهْو وَأَنه لَا تشهد فِيهِ

وَمِنْهَا أَن كَلَام النَّاسِي للصَّلَاة وَالَّذِي يظنّ أَنه لَيْسَ فِيهَا لَا يُبْطِلهَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء

وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الصَّلَاة تبطل بالْكلَام نَاسِيا أَو جَاهِلا لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم وَزَعَمُوا أَن الحَدِيث الْوَارِد فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود وَزيد بن أَرقم

قَالُوا لِأَن ذَا الْيَدَيْنِ قتل يَوْم بدر ونقلوا ذَلِك عَن الزُّهْرِيّ قَالُوا وَلَا يمْنَع من هَذَا كَون أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخّر الْإِسْلَام عَن بدر لِأَن الصَّحَابِيّ قد يروي مَا لَا يحضرهُ بِأَن يسمعهُ من النَّبِي ص = أَو من أحد أَصْحَابه الْحَاضِرين لذَلِك

وَقد رد ذَلِك ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد فَقَالَ أما ادعاؤهم أَن حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيث ابْن مَسْعُود فَغير صَحِيح لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين أهل الحَدِيث وَالسير أَن حَدِيث ابْن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة حِين رَجَعَ من أَرض الْحَبَشَة قبل الْهِجْرَة وَأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدَنِيَّةِ وَإِنَّمَا أسلم أَبُو هُرَيْرَة عَام خَيْبَر سنة سبع من الْهِجْرَة بِلَا خلاف

وَأما حَدِيث زيد بن أَرقم فَلَيْسَ فِيهِ بَيَان أَنه قبل حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَو بعده وَالنَّظَر يشْهد أَنه قبل حَدِيث أبي هُرَيْرَة

ص: 589

وَأما قَوْلهم إِن أَبَا هُرَيْرَة لم يشْهد ذَلِك فَلَيْسَ بِصَحِيح بل شُهُوده لَهَا مَحْفُوظ من رِوَايَة الثِّقَات الْحفاظ فَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ صلى لنا رَسُول الله ص = إِحْدَى صَلَاتي الْعشي فَسلم من اثْنَتَيْنِ وَذَلِكَ الحَدِيث وقصة ذِي الْيَدَيْنِ وَفِي رِوَايَة صلى بِنَا رَسُول الله وَفِي رِوَايَة فِي مُسلم وَغَيره بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله

وَأما قَوْلهم إِن ذَا الْيَدَيْنِ قتل يَوْم بدر فغلط وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم بدر ذُو الشمالين وَقد ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل السّير فِيمَن قتل يَوْم بدر قَالَ ابْن إِسْحَاق ذُو الشمالين هُوَ عُمَيْر بن عَمْرو بن غبشان من خُزَاعَة حَلِيف لبني زهرَة فذو الْيَدَيْنِ غير ذِي الشمالين فَفِيهِ حُضُور أبي هُرَيْرَة قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَأَن الْمُتَكَلّم رجل من بني سليم وَفِي رِوَايَة عمرَان بن الْحصين أَن اسْمه الْخِرْبَاق كَمَا ذكر ذَلِك مُسلم

فذو الْيَدَيْنِ الَّذِي شهد السَّهْو فِي الصَّلَاة سلمي وَذُو الشمالين الْمَقْتُول ببدر خزاعي وَهُوَ يُخَالِفهُ فِي الِاسْم وَالنّسب

وَأما قَول الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث السَّهْو إِن الْمُتَكَلّم ذُو الشمالين فَلم يُتَابع عَلَيْهِ

وَقد اضْطربَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ اضطرابا أوجب عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ تَركه من رِوَايَته خَاصَّة وَلَا يعلم أحد من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ المصنفين فِيهِ عول على حَدِيث الزُّهْرِيّ فِي قصَّة ذِي الْيَدَيْنِ وَكلهمْ تَرَكُوهُ لاضطرابه وَكَونه لم يتم لَهُ إِسْنَادًا وَلَا متْنا وَإِن كَانَ إِمَامًا عَظِيما فِي هَذَا الشَّأْن فالغلط لَا يسلم مِنْهُ بشر والكمال لله تَعَالَى وَلَك أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك إِلَّا النَّبِي ص =

ص: 590

فَقَوْل الزُّهْرِيّ إِنَّه قتل يَوْم بدر مَتْرُوك لتحَقّق غلطة فِيهِ

وَمن أَرَادَ زِيَادَة الْبَيَان فَليرْجع إِلَى التَّمْهِيد

وَمن الْغَرِيب مَا وَقع فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِمَّا يدل على أَنَّهُمَا وَاحِد وَهُوَ فَقَالَ لَهُ ذُو الشمالين بن عَمْرو أنقصت الصَّلَاة أَن نسيت فَقَالَ النَّبِي ص = مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ فَصرحَ بِأَن ذُو الشمالين هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ لَكِن نَص الشَّافِعِي فِي اخْتِلَاف الحَدِيث على أَن ذَا الشمالين غير ذِي الْيَدَيْنِ

قَالَ بعض المؤلفين قَوْله صلى لنا رَسُول الله صَلَاة الْعَصْر فَسلم رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة صَلَاة الظّهْر قَالَ الْمُحَقِّقُونَ هما قضيتان

وَفِي حَدِيث عمرَان بن الْحصين سلم رَسُول الله فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق فَقَالَ يَا رَسُول الله فَذكر لَهُ صَنِيعه وَخرج غَضْبَان يجر رِدَاءَهُ

وَفِي رِوَايَة لَهُ سلم فِي ثَلَاث رَكْعَات من الْعَصْر ثمَّ قَامَ فَدخل الْحُجْرَة فَقَالَ رجل بسيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ أقصرت الصَّلَاة وَحَدِيث عمرَان هَذَا قَضِيَّة ثَالِثَة فِي يَوْم آخر

فقد اخْتَار هَذَا الْمُؤلف فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات الَّتِي نقلناها عَن مُسلم هُنَا أَن يُقَال سَهَا رَسُول الله ص = ثَلَاث مَرَّات مرّة فِي صَلَاة الظّهْر ومرتين فِي صَلَاة الْعَصْر وَفِي كل مرّة يقوم ذُو الْيَدَيْنِ فَيَقُول مَا نقل عَنهُ وَيَقُول رَسُول الله أصدق ذُو الْيَدَيْنِ أَو هَذَا فَيَقُول النَّاس نعم

وَسبب اخْتِيَار ذَلِك مَعَ غرابة اتِّفَاق مثل هَذِه الْحَال ثَلَاث مَرَّات الْحِرْص على صون بعض الروَاة من نِسْبَة الْوَهم أَو الْغَلَط أَو السَّهْو إِلَيْهِم مَعَ أَنه لَا ملام فِي مثل ذَلِك عَلَيْهِم فاربأ بِنَفْسِك عَن الِاعْتِرَاض على كثير مِمَّا يُقَال فَإِن فِي ذَلِك إِضَاعَة للْوَقْت وَهِي عَثْرَة لَا تقال

والمصحف هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بتغيير النقط فِي الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء صُورَة

ص: 591

ومثاله حَدِيث من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال

إِذا غيرت سِتا وجعلتها شَيْئا كَمَا وَقع ذَلِك لبَعض الأدباء فِيهِ

والتصحيف كَمَا يَقع فِي الْمَتْن يَقع فِي الْإِسْنَاد ومثاله فِيهِ تَصْحِيف بعض الحدثين ابْن مزاجم وَهُوَ بالراء وَالْجِيم ابْن مُزَاحم بالزاي والحاء

والمحرف هُوَ مَا وَقعت الْمُخَالفَة فِيهِ بتغيير الشكل فِي الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فِيهَا

وَمِثَال ذَلِك مَا وَقع لبَعض الْأَعْرَاب فَإِنَّهُ رأى فِي كتاب من كتب الحَدِيث أَن النَّبِي ص = كَانَ إِذا صلى نصبت بَين يَدَيْهِ عنزة

والعنزة الحربة فظنها بِسُكُون النُّون ثمَّ روى ذَلِك بِالْمَعْنَى على حسب وهمه فَقَالَ كَانَ النَّبِي ص = إِذا صلى نصبت بَين يَدَيْهِ شَاة

وكما يَقع التحريف فِي الْمَتْن يَقع فِي الْإِسْنَاد

ومثاله فِيهِ أَن تجْعَل بشيرا بِفَتْح الْبَاء وَكسر الشين بشيرا بِضَم الْبَاء وَفتح الشين

وَقس على ذَلِك مَا أشبهه

وَاعْلَم أَن التَّصْحِيف والتحريف قد يُطلق كل مِنْهُمَا على مَا يَشْمَل هذَيْن النَّوْعَيْنِ بل قد يُطلق كل مِنْهُمَا على كل تَغْيِير يَقع فِي الْكَلِمَة وَلَو مَعَ عدم بَقَاء صُورَة الْخط فِيهَا

تَنْبِيه كثيرا مَا يحاول أنَاس إِزَالَة التَّصْحِيف عَن كَلِمَات يتوهمون أَنَّهَا قد صحفت فيغيرونها بِمَا بدا لَهُم لَا سِيمَا إِن كَانَت قريب المأخذ فَيحدث بذلك التَّصْحِيف بعد أَن لم يكن وهم يظنون أَنهم أزالوه بعد أَن كَانَ

وَمن أَمْثِلَة ذَلِك مَا ذكره الْحَافِظ ابْن حجر فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ حَيْثُ قَالَ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن من صلى قَائِما فَهُوَ أفضل وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ

ص: 592

نصف أجر الْقَائِم وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد

البُخَارِيّ بِلَفْظ أَنه سُئِلَ رَسُول الله ص = عَن صَلَاة الرجل قَاعِدا فَقَالَ إِن صلى قَائِما فَهُوَ أفضل وَمن صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم وَمن صلى نَائِما الحَدِيث مثله

تَنْبِيه المُرَاد بالنائم المضطجع

وصحف بَعضهم هَذِه اللَّفْظَة فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ صلى بإيماء أَي بِالْإِشَارَةِ كَمَا رُوِيَ أَنه ص = على ظهر الدَّابَّة يُومِئ إِيمَاء قَالَ وَلَو كَانَ من النّوم لعَارض نَهْيه عَن الصَّلَاة لمن غَلبه النّوم

وَهَذَا إِنَّمَا قَالَه هَذَا الْقَائِل بِنَاء على أَن المُرَاد بِالنَّوْمِ حَقِيقَته وَإِذا حمل على الِاضْطِجَاع انْدفع الْإِشْكَال

قَوْله ويروى صَلَاة النَّائِم على النّصْف من صَلَاة الْقَاعِد

قلت رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ ابْن عبد الْبر وَغَيره وَقَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض رُبمَا نسب بعض النَّاس النَّسَائِيّ إِلَى التَّصْحِيف وَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ فِي الرِّوَايَة الثَّابِتَة وَصَلَاة النَّائِم على النّصْف من صَلَاة الْقَاعِد

قلت وَهُوَ يدْفع مَا تعلل بِهِ الْقَائِل الأول

وَقَالَ ابْن عبد الْبر جُمْهُور أهل الْعلم لَا يجيزون النَّافِلَة مُضْطَجعا فَإِن أجَاز أحد النَّافِلَة مُضْطَجعا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام فَهُوَ حجَّة لَهُ فَإِن لم يجزه أحد فَالْحَدِيث إِمَّا غلط أَو مَنْسُوخ

وَقَالَ الْخطابِيّ لَا أحفظ عَن أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة وَلم تكن من كَلَام بعض الروَاة أدرجها فِي الحَدِيث وقاسه على صَلَاة الْقَاعِد أَو اعْتَبرهُ لصَلَاة الْمَرِيض نَائِما إِذا عجز عَن الْقعُود جَازَ التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود

انْتهى

وَمَا ادعياه من الِاتِّفَاق على الْمَنْع مَرْدُود فقد حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ عَن الشَّافِعِيَّة

وَقد ذكرنَا كثيرا مِمَّا يتَعَلَّق بالتصحيف فِيمَا سبق

هَذَا وَقد بَقِي مِمَّا يتَعَلَّق بمخالفة الرَّاوِي لغيره من الثِّقَات مِمَّا لم نذكرهُ سَابِقًا قسم يُسمى بالمزيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَهُوَ مَا كَانَت الْمُخَالفَة فِيهِ بِزِيَادَة راو فِي

ص: 593

الْإِسْنَاد وَقد جمع الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ بَينه وَبَين خَفِي الْإِرْسَال فِي مَوضِع وَاحِد وابتدأ بخفي الْإِرْسَال فَقَالَ فِيهِ هُوَ أَن يروي الرجل عَمَّن سمع مِنْهُ مَا لم يسمع مِنْهُ أَو عَمَّن لقِيه وَلم يسمع مِنْهُ أَو عَمَّن عاصره وَلم يلقه فَهَذَا قد يخفى على كثير من أهل الحَدِيث لِكَوْنِهِمَا قد جَمعهمَا عصر وَاحِد

وَهَذَا النَّوْع أشبه بروايات المدلسين وَقد أفرده ابْن الصّلاح بِالذكر عَن نوع الْمُرْسل فتبعته على ذَلِك

ثمَّ ذكر أَن خَفِي الْإِرْسَال يعرف بأَرْبعَة أُمُور

أَحدهَا أَن يعرف عدم اللِّقَاء بَينهمَا بِنَصّ بعض الْأَئِمَّة على ذَلِك أَو يعرف ذَلِك بِوَجْه صَحِيح

الثَّانِي أَن يعرف عدم سَمَاعه مِنْهُ مُطلقًا بِنَصّ إِمَام على ذَلِك أَو نَحوه

الثَّالِث أَن يعرف عدم سَمَاعه مِنْهُ لذَلِك الحَدِيث وَإِن سمع مِنْهُ غَيره وَذَلِكَ إِمَّا بِنَصّ إِمَام أم إخْبَاره عَن نَفسه فِي بعض طرق الحَدِيث أَو نَحْو ذَلِك

الرَّابِع أَن يرد فِي بعض طرق الحَدِيث زِيَادَة اسْم راو بَينهمَا

ثمَّ قَالَ وَهَذَا الْقسم الرَّابِع مَحل نظر لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الْحفاظ النقاد وَيشْتَبه ذَلِك على كثير من أهل الحَدِيث لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ الحكم للزائد وَرُبمَا كَانَ الحكم للناقص وَالزَّائِد وهم فَيكون من نوع الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد

وَذَلِكَ جمعت بَينه وَبَين خَفِي الْإِرْسَال وَإِن كَانَ ابْن الصّلاح جَعلهمَا نَوْعَيْنِ

وَكَذَلِكَ الْخَطِيب أفردهما بالتصنيف

وصنف فِي الأول كتابا سَمَّاهُ التَّفْصِيل لمبهم الْمَرَاسِيل وصنف فِي الثَّانِي كتابا سَمَّاهُ تَمْيِيز الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَفِي كثير مِمَّا ذكره فِيهِ نظر وَالصَّوَاب مَا ذكره ابْن الصّلاح من التَّفْصِيل واقتصرت عَلَيْهِ

ولنذكر مَا ذكره ابْن الصّلاح فِي ذَلِك برمتِهِ قَالَ النَّوْع السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ معرفَة الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد

مِثَاله مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ حَدثنَا سُفْيَان عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر قَالَ حَدثنِي بسر بن عبيد الله قَالَ سَمِعت أَبَا إِدْرِيس يَقُول سَمِعت وائلة ابْن الْأَسْقَع يَقُول سَمِعت أَبَا مرْثَد الغنوي

ص: 594

يَقُول سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول لَا تجلسوا على الْقُبُور وَلَا تصلوا إِلَيْهَا

فَذكر سُفْيَان فِي هَذَا الْإِسْنَاد زِيَادَة وَوهم وَهَكَذَا ذكر أبي إِدْرِيس

أما الْوَهم فِي ذكر سُفْيَان فَمن دون ابْن الْمُبَارك لَا من ابْن الْمُبَارك لِأَن جماعات ثِقَات رَوَوْهُ عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن جَابر نَفسه وَمِنْهُم من صرح فِيهِ بِلَفْظ الْإِخْبَار بَينهمَا

وَأما ذكر ابْن إِدْرِيس فِيهِ فَابْن الْمُبَارك مَنْسُوب فِيهِ إِلَى الْوَهم وَذَلِكَ لِأَن جمَاعَة من الثِّقَات رَوَوْهُ عَن ابْن جَابر فَلم يذكرُوا أَبَا إِدْرِيس بَين بسر وواثلة وَفِيهِمْ من صرح فِيهِ بِسَمَاع بسر من وَاثِلَة

قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ يرَوْنَ أَن ابْن الْمُبَارك وهم فِي هَذَا

وَكَثِيرًا مَا يحدث بسر عَن أبي إِدْرِيس فغلط ابْن الْمُبَارك وَظن أَن هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَن أبي إِدْرِيس عَن وَاثِلَة

وَقد سمع هَذَا بسر من وَاثِلَة نَفسه

قلت قد ألف الْخَطِيب الْحَافِظ فِي هَذَا النَّوْع كتابا سَمَّاهُ تَمْيِيز الْمَزِيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَفِي كثير مِمَّا ذكره نظر لِأَن الْإِسْنَاد الْخَالِي عَن الرَّاوِي الزَّائِد إِن كَانَ بِلَفْظَة عَن فِي ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يحكم بإرساله وَيجْعَل مُعَللا بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكر فِيهِ الزَّائِد لما عرف فِي نوع الْمُعَلل وكما يَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله فِي النَّوْع الَّذِي يَلِيهِ وَإِن كَانَ فِيهِ تَصْرِيح بِالسَّمَاعِ أَو بالإخبار كَمَا فِي الْمِثَال الَّذِي أوردناه فَجَائِز أَن يكون قد سمع ذَلِك من رجل عَنهُ ثمَّ سَمعه مِنْهُ نَفسه فَيكون بشر فِي هَذَا الحَدِيث قد سَمعه من أبي إِدْرِيس عَن وَاثِلَة ثمَّ لَقِي وَاثِلَة فَسَمعهُ مِنْهُ كَمَا جَاءَ مثله مُصَرحًا بِهِ فِي غير هَذَا

اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تُوجد قرينَة تدل على كَونه وهما كنحو مَا ذكره أَبُو حَاتِم فِي الْمِثَال الْمَذْكُور

وَأَيْضًا فَالظَّاهِر مِمَّن وَقع لَهُ مثل ذَلِك أَن يذكر السماعين فَإِذا لم يَجِيء عَنهُ ذكر ذَلِك حملناه على الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة وَالله أعلم

وَقَالَ بعض الْعلمَاء بعد مَا أورد مَا ذَكرُوهُ فِي حكم هَذَا النَّوْع وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يطرد الحكم هُنَا بِشَيْء معِين كَمَا لم يطرد ذَلِك فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال

ص: 595

وَقد أحببنا أَن نورد ذَلِك لمناسبته لما نَحن فِيهِ فَنَقُول إِذا اخْتلف الروَاة فِي حَدِيث فَرَوَاهُ بَعضهم مُتَّصِلا وَبَعْضهمْ مُرْسلا فللعلماء فِي ذَلِك أَرْبَعَة أَقْوَال

القَوْل الأول أَن الحكم لمن وصل وَهُوَ الْأَظْهر وَإِلَيْهِ ذهب عُلَمَاء الْأُصُول

القَوْل الثَّانِي أَن الحكم لمن أرسل ويحكى عَن أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث

القَوْل الثَّالِث أَن الحكم للْأَكْثَر فَإِن كَانَ من أرْسلهُ أَكثر مِمَّن وَصله فَالْحكم للإرسال وَإِن كَانَ من وَصله أَكثر مِمَّن أرْسلهُ فَالْحكم للوصل

القَوْل الرَّابِع أَن الحكم للأحفظ فَإِن كَانَ من أرْسلهُ أحفظ فَالْحكم للإرسال وَإِن كَانَ من وَصله أحفظ فَالْحكم للوصل

وَالَّذِي يظْهر أَن مَحل كل قَول من هَذِه الْأَقْوَال إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لم يظْهر مُرَجّح لخلافه وَمن تتبع آثَار مُتَقَدِّمي هَذَا الْفَنّ كَابْن مهْدي وَالْقطَّان وَالْبُخَارِيّ وَأحمد ظهر لَهُ إِنَّهُم لم يحكموا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِحكم كلي بل جعلُوا الْمعول فِي ذَلِك على الْمُرَجح فَمَتَى وجد كَانَ الحكم لَهُ وَلذَلِك تراهم يرجحون تَارَة الْوَصْل وَتارَة الْإِرْسَال كَمَا يرجحون تَارَة عدد الذوات على الصِّفَات وَتارَة الْعَكْس

وَمِمَّا يُنَاسب هَذِه الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة أُخْرَى يجعلونها تالية لَهَا فِي الذّكر وَهِي مَا إِذا رفع بَعضهم الحَدِيث إِلَى النَّبِي ص = وَوَقفه بَعضهم على الصَّحَابِيّ أَو رَفعه وَاحِد فِي وَقت وَوَقفه هُوَ أَيْضا فِي وَقت آخر

وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة

فَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للرافع لِأَنَّهُ مُثبت وَغير سَاكِت وَلَو كَانَ نافيا فالمثبت مقدم عَلَيْهِ لِأَنَّهُ علم مَا خَفِي عَلَيْهِ

وَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للْوَاقِف ويحكى عَن أَكثر أَصْحَاب الحَدِيث

وَقَالَ بَعضهم إِن الحكم للرافع إِلَّا أَن يقفه الْأَكْثَرُونَ

وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا

ص: 596

القَوْل الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته حَيْثُ قَالَ إِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا تركا أَشْيَاء تَركهَا قريب وَأَشْيَاء لَا وَجه لتركها فمما لَا وَجه لتَركه أَن يرفع الحَدِيث ثِقَة ويقفه آخر فَترك هَذَا لَا وَجه لَهُ لِأَن الرّفْع زِيَادَة وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة إِلَّا أَن يقفه الْأَكْثَر وَيَرْفَعهُ وَاحِد فَالظَّاهِر غلطه وَإِن كَانَ من الْجَائِز أَن يكون حفظ دونهم

قَالَ الْحَاكِم قلت للدارقطني فخلاد بن يحيى فَقَالَ ثِقَة إِنَّمَا أَخطَأ فِي حَدِيث وَاحِد فرفعه وَوَقفه النَّاس

وَقلت لَهُ فسعيد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ فَقَالَ لَيْسَ بِالْقَوِيّ يحدث بِأَحَادِيث يسندها وَغَيره يقفها

هَذَا وَقد ذكرنَا فِي الضَّعِيف وأقسامه مَا فِيهِ تبصرة للمبتدي وَتَذْكِرَة لغيره إِلَّا بحث الْمُعَلل فَإنَّا لم نوفه حق من الْبَيَان مَعَ أَنه من أهم المباحث فأحببنا إِفْرَاده بالبحث اعتناء بِشَأْنِهِ

وَقبل أَن نشرع فِي ذَلِك نقُول كَمَا أَن للْحَدِيث المقبول وَهُوَ الصَّحِيح وَنَحْوه مَرَاتِب كَذَلِك للْحَدِيث الْمَرْدُود وَهُوَ الضَّعِيف وَنَحْوه مَرَاتِب

والضعيف إِذا رتب على حسب شدَّة الضعْف قدم الْمَوْضُوع وَهَذَا أَمر لَا خلاف فِيهِ ويتلوه الْمَتْرُوك ثمَّ الْمُنكر ثمَّ الْمُعَلل ثمَّ المدرج ثمَّ المقلوب ثمَّ المضطرب

وَقَالَ الْخطابِيّ شَرها الْمَوْضُوع ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمَجْهُول

وَقَالَ بَعضهم الضَّعِيف الَّذِي ضعفه لَا لعدم الِاتِّصَال يقدم فِيهِ الْمَوْضُوع ثمَّ الْمَتْرُوك ثمَّ المدرج ثمَّ المقلوب ثمَّ الْمُنكر ثمَّ الشاذ ثمَّ الْمُعَلل ثمَّ المضطرب

والضعيف الَّذِي ضعفه لعدم الِاتِّصَال يقدم فِيهِ المعضل ثمَّ الْمُنْقَطع ثمَّ المدلس ثمَّ الْمُرْسل

وَهَذَا التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرُوهُ إِنَّمَا نظرُوا فِيهِ إِلَى الْجُمْلَة وَإِلَّا فقد يكون فِي الْمُقدم مَا هُوَ أخف ضعفا مِمَّا بعده

وَانْظُر إِلَى المعضل مثلا فَإِنَّهُم قدموه على الْمُنْقَطع وجعلوه أَسْوَأ مِنْهُ حَالا مَعَ أَن الْمُنْقَطع قد يكون مُسَاوِيا للمعضل وَذَلِكَ فِيمَا إِذا كَانَ الِانْقِطَاع فِيهِ من موضِعين وَكَانَ المعضل قد سقط مِنْهُ اثْنَان فَقَط على الشَّرْط

ص: 597