الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل: كشف الرأس؛ فإنَّه يختلف بحسب البقاع في المواقع؛ فهو لذوي المروءات قبيحٌ في البلاد الشرقية، وغيرُ قبيح في البلاد الغربية؛ فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك.
واعلم: أنَّ ما جرى ذكره هنا من اختلافِ الأحكامِ عند اختلافِ العوائد ليس في الحقيقةِ اختلافًا في أصل الخطاب؛ لأنَّ الشرع موضوع على أنَّه دائم أبدًا، وإنما معنى الاختلاف أنَّ العوائد إذا اختلفَتْ، رَجعَتْ كلُّ عادة إلى أصل شرعيٍّ يحكم به عليها.
الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعليل:
الأصل في العبادات: التعبُّدُ، دون الالتفاتِ إلى المعاني؛ والدليل على ذلك أمور:
منها: الاستقراء؛ فإنا وجدنا الطهارة لا تتعدَّى محل موجبها، وكذلك الصلواتُ خُصَّتْ بأفعالٍ مخصوصة إن خرجَتْ عنها لم تكن عبادة، وأنَّ الذكر المخصوصَ في هيئةٍ ما مطلوبٌ، وفي هيئة أخرى غيرُ مطلوب، وأنَّ الطهارة من الحدثِ مخصوصةٌ بالماء الطهور وإن أمكنتِ النظافةُ بغيره.
ومنها: أنَّ وجود التعبُّدات لم يهتد إليها العقلاءُ اهتداءهم لوجوه معاني العادات، فقد رأيتُ الغالبَ فيها الضلال، ومن ثمَّ حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدِّمة، وهذا ما يَدُلُّ على أنَّ العقل لا يستقلُّ بدرك معانيها ولا بوصفها، فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك.
ولما كان الأمر كذلك، عَذَرَ اللهُ أهلَ الفترات في عدم اهتدائهم؛ قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)} [الإسراء: 15].
وإذا ثبت هذا، لم يكن بُدٌّ من الرجوع في هذا الباب إلا مجرَّد ما حده الشارع، وهو معنى التعبد، ولذلك كان الواقف مع مجرَّد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجدى على طريقة السلف الصالح.
وأما العادات: فالأصلُ الالتفاتُ فيها إلى المعاني؛ وذلك لأمور:
الأوَّل: الاستقراء، فإننا وجدنا الشَّارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تَدُورُ حيثما دار، فترى الشيء الواحد يُمْنَعُ في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحةٌ، جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل: يمتنعُ في المبايعة، ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس: يمتنع حيث يكون مجرد ربا وغرر مِنْ غير مصلحة، ويجوز إذا كان مصلحة راجحة، ولم يوجد هذا في باب العبادات مفهومًا، كما فهمناه في العادات.
وقال تعالي: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، وقال:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]،،، إلى غير ذلك مما لا يحصى، وجميعه يشير إلى اعتبار المصالح للعباد.
الثاني: أنَّ الشَّارع توسَّع في بيان العلل في تشريعِ بابِ العادات؛ بخلاف باب العبادات: فإنَّ المعلومَ فيه خلاف ذلك.
الثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرَتْ بذلك مصالحهم.
إذا تقرر أنَّ الغالب في العادات هي المعاني، فإنَّه إذا وجد فيها التعبُّد، فلابد من الوقوف مع المنصوص؛ كطلب الصداق في النكاح، والذَّبْحِ في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروضِ المقدرة في المواريث، وعَدَدِ الأشهر في العِدَدِ الطلاقية، وما أشبه ذلك.