المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب آداب قضاء الحاجة - توضيح الأحكام من بلوغ المرام - جـ ١

[عبد الله البسام]

فهرس الكتاب

- ‌مقدِّمة الطبعة الخامسة

- ‌الإلمام في أصول الأحكام

- ‌الأصل الأولفيمصطلح الحديث

- ‌ مصطلح علم الحديث

- ‌تعريفات:

- ‌تقسيم الحديث باعتبار طرقه:

- ‌أقسام الآحاد:

- ‌تقسيم الحديث من حيثُ القبولُ:

- ‌أنواع الأحاديث المردودة:

- ‌ضعف الحديث من حيثُ فَقْدُ العدالة والضبط:

- ‌ضعفُ الحديث من حيث فَقْدُ الاتصال:

- ‌ضعفُ الحديث من حيثُ وجود الشذوذِ أو العلة:

- ‌أقسامُ الحديث باعتبار من أُضِيفَ إليه:

- ‌فائدة:

- ‌من أنواع الكتب في علم الحديث:

- ‌من أخرج لهم المؤلِّف في بلوغ المرام:

- ‌الذي اطَّلَعْتُ عليه من شروح بلوغ المرام:

- ‌ترجمة المؤلِّف

- ‌دراسته ومشايخه:

- ‌رحلاته:

- ‌أعماله:

- ‌مؤلَّفاته:

- ‌بلوغ المرام

- ‌صلتي ببلوغ المرام:

- ‌الأصل الثانيفيأصول الفقه

- ‌ العلم

- ‌الجهل:

- ‌رُتَبُ المُدْرَكَات:

- ‌النظر:

- ‌الدليل:

- ‌ناصب الدليل:

- ‌المستدِلّ:

- ‌المستدل عليه:

- ‌المستدَلُّ له:

- ‌الاستدلال:

- ‌أصول الفقه:

- ‌أولًا: التعريف الإضافي:

- ‌ الأحكام

- ‌ثانيًا: التعريف اللقبي:

- ‌فائدة أصول الفقه:

- ‌أقسام الأحكام الشرعية:

- ‌فالأحكام التكليفية خمسة:

- ‌الأحكام الوضعية:

- ‌الكلام:

- ‌والاسم:

- ‌الأمر:

- ‌ما يقتضيه الأمر:

- ‌النهي:

- ‌موانع التكليف:

- ‌العامُّ:

- ‌حكمه:

- ‌ التخصيص

- ‌الخاصُّ:

- ‌أقسام التخصيص:

- ‌المطلَقُ والمقيَّد:

- ‌العمل بالمطلق:

- ‌المجمَل والمبيَّن:

- ‌المُبَيَّن:

- ‌العمل بالمُجْمَل:

- ‌النصوص الشرعية:

- ‌كتاب الله تعالى:

- ‌السنة النبوية:

- ‌منزلة السنة من الكتاب:

- ‌النسخ:

- ‌ما يمتنع نسخه:

- ‌شروط النسخ:

- ‌حكمة النسخ:

- ‌تعارض النصوص:

- ‌الإجماع:

- ‌حجية الإجماع:

- ‌مستند الإجماع:

- ‌القياس:

- ‌مسألتان هامَّتان

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية:

- ‌الاجتهاد:

- ‌شروط المجتهد:

- ‌الأصل الثالثفيالقواعد الفقهية

- ‌تعريف وتاريخ:

- ‌معنى القواعد الفقهية

- ‌مَيْزَاتُهَا:

- ‌أنواع القواعد الفقهية ومراتبها:

- ‌الفرق بين القاعدة، والضابط:

- ‌الفرق بين أصول الفقه، والقواعد الفقهية:

- ‌القواعد الكليَّة الخمس الكبرى

- ‌القاعدة الأولى من القواعد الكبرى: (الأمور بمقاصدها):

- ‌القاعدة الثانية من القواعد الكبرى: (لا ضرر ولا ضرار):

- ‌القاعدة الثالثة من القواعد الكبرى: (اليقين لا يزول بالشك):

- ‌القاعدة الرابعة من القواعد الكبرى: (المشقة تجلب التيسير):

- ‌القاعدة الخامسة من القواعد الكبرى: (العادة محكَّمة):

- ‌قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع العرف

- ‌قرار رقم (9) بشأن العرف:

- ‌القواعد الكلية غير الكبرى

- ‌القاعدة الأولى: (إعمال الكلام أولى من إهماله):

- ‌القاعدة الثانية: (إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز):

- ‌القاعدة الثالثة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصًّا أو دلالة):

- ‌القاعدة الرابعة: (التأسيس أولى من التأكيد):

- ‌القاعدة الخامسه: (إذا تعذَّر الأصل يُصار إلى البدل):

- ‌القاعدة السادسة: (التصرف في أمور الرعية منوط بالمصلحة):

- ‌القاعدة السابعة: (المرء مؤاخَذ بإقراره):

- ‌القاعدة الثامنة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان):

- ‌القاعدة التاسعة: (اليد الأمينة لا تَضْمَنُ إلَاّ بالتَّعَدِّي أو التَّفريط):

- ‌القاعدة العاشرة: (الخراج بالضمان):

- ‌القاعدة الحادية عشرة: (على اليد ما أخذَتْ حتى تؤدِّيه):

- ‌القاعدة الثانية عشرة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص):

- ‌القاعدة الثالثة عشرة: (ما لا يتم الواجب إلَاّ به فهو واجب):

- ‌القاعدة الرابعة عشرة: (من استعجل شيئًا قبل أوانه، عُوقِبَ بحرمانِهِ):

- ‌القاعدة الخامسة عشرة: (ما ثبت بالشرع مقدَّم على ما ثبت بالشرط):

- ‌القاعدة السادسة عشرة: (إذا عاد التحريم إلى نفس العبادة أفسدها، وإن عاد إلى أمر خارج عنها لم تفسد):

- ‌القاعدة السابعة عشرة: (الأصل براءة الذمَّة):

- ‌القاعدة الثامنة عشرة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان):

- ‌القاعدة التاسعة عشرة: (البيِّنة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه):

- ‌القاعدة العشرون: (إذا قويت القرينة، قدِّمت على الأصل):

- ‌القاعدة الحادية والعشرون: (الصلح جائز بين المسلمين إلَاّ صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، والمسلمون على شروطهم إلَاّ شرطًا أحل حرامًا أو حرَّم حلالاً):

- ‌القاعدة الثانية والعشرون: (الأصل في العبادات الحظر، فلا يُشْرَعُ منها إلَاّ ما شرعه الله ورسوله):

- ‌القاعدة الثالثة والعشرون: (الأصل في العادات الإباحة؛ فلا يُمْنَعُ منها إلَاّ ما حرَّمه الله ورسوله):

- ‌القاعدة الرابعة والعشرون: (الشارع لا يأمر إلَاّ بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلَاّ عما مفسدته خالصه أو راجحة):

- ‌القاعدة الخامسة والعشرون: (إذا تزاحمتِ المصالحُ، قدِّم أعلاها) و (إذا تزاحمت المفاسد، قدِّم أخفُّها):

- ‌القاعدة السادسة والعشرين: (الضرورات تبيح المحظورات):

- ‌القاعدة السابعة والعشرون: (درء المفاسد أولى من جلب المنافع):

- ‌القاعدة الثامنة والعشرون: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا):

- ‌القاعدة التاسعة والعشرون: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني):

- ‌القاعدة الثلاثون: (الحدود تُدرأ بالشبهات):

- ‌القاعدة الحادية والثلاثون: (الوجوب يتعلَّق بالاستطاعة؛ فلا واجب مع العجز، ولا محرَّم مع الضرورة):

- ‌القاعدة الثانية والثلاثون: (الشريعة مبنية على أصلين: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌فائدة:

- ‌الأصل الرابعفيالمقاصد الشرعية

- ‌المقاصد

- ‌القسم الأول فيما يرجع إلى قصد الشارع من وضع الشريعة

- ‌النوع الأول: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة

- ‌المسألة الأولى: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق:

- ‌المسألة الثانية: المقاصد عامة في جميع التكاليف والأزمان والأحوال:

- ‌المسألة الثالثة: المقاصد المعتبرة في الشريعة:

- ‌المسألة الرابعة: الدليل على اعتبار مقاصد الشريعة الكلية:

- ‌النوع الثاني: في بيان قصد الشَّارع في وضع الشريعة للتكليف بالمقدور وما لا حرج فيه

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية: لا تكليفَ بما لا يطاق:

- ‌المسألة الثالثة: لا تكليفَ بما فيه حرج:

- ‌المسألة الرابعة: الحكمة من نفي الحرج في التكليف:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌المسألة السادسة: الاعتدال في التكاليف والدعوة إلى امتثالها:

- ‌النوع الثالث: في بيان قصد الشَّارع في دخول المكلَّف تحت أحكام الشريعة:

- ‌المسألة الأولى:

- ‌المسألة الثانية: تقسيم المقاصد إلى أصلية وتبعية:

- ‌المسألة الثالثة: العملُ إذا وَقَعَ على وَفْقِ المقاصد الشرعيَّة:

- ‌المسألة الرابعة: الإنسان قد يدع حظَّ نفسه في أمر إلى حظ ما هو أعلى منه:

- ‌المسألة الخامسة:

- ‌العادة إذا قصد بالإتيان بها وجه الله:

- ‌لا يكون العمل صحيحًا أو مقبولاً إلَاّ إِذا رَاعَى وجه الله في القصد التابع:

- ‌يعظم الأجر بقصد المصلحة العامة:

- ‌العادات إذا كانت مصلحتها تعبُّدية، جازت فيها النيابة:

- ‌خير العمل ما وُوظِبَ عليه:

- ‌الشريعة عامَّة ما لم يقم دليل الخصوصية:

- ‌القياس يدل على عموم الأحكام ولا خصوصية للصوفية:

- ‌أحكام العادات:

- ‌الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات التعليل:

- ‌القسم الثاني فيما يرجع إلى مقاصد المكلّف في التكليف

- ‌ينبغي أن يكون قصد المكلف من عمله موافقًا لقصد الشَّارع من تشريعه ذلك العمل:

- ‌من قصد من العمل غير ما قصده الشارع بطل عمله وأهدر ثوابه:

- ‌قصد المكلف العمل أقسام:

- ‌ليس لأحد أن يسقط حق الله في نفسه أو ماله أو عمله:

- ‌سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن الزيادة على المشروع مع الداعية إلى الزيادة نهي عن الزيادة:

- ‌مقدمة

- ‌اصطلاحات خاصة في هذا الشرح:

- ‌مقدمة الحافظ ابن حجر لكتابه بلوغ المرام

- ‌كتاب الطهارة

- ‌باب المياه

- ‌باب الآنية

- ‌باب إزالة النجاسة وبيانها

- ‌باب الوضوء

- ‌باب المسح على الخفين

- ‌باب نواقض الوضوء

- ‌باب آداب قضاء الحاجة

- ‌باب الغسل وحكم الجُنُب

- ‌باب التيمم

- ‌باب الحيض

- ‌كتاب الصلاة

- ‌باب المواقيت

- ‌باب الأذان والإقامة

الفصل: ‌باب آداب قضاء الحاجة

‌باب آداب قضاء الحاجة

مقدمة

أدَّبته أدباً: علَّمتُهُ رياضةَ النفس، ومحاسنَ الأخلاق.

قال أبو زيد الأنصاري: الأدبُ يقع على كلِّ رياضةٍ محمودة، يتخرَّج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل.

وجمع الأدب آدابٌ، مثل سببٌ وأسبابٌ.

"قضاء الحاجة": يُكنَّى بها عمَّا يقبُحُ التصريحُ بذكره.

وآداب قضاء الحاجة يشمل أقوالاً وأفعالاً، يشرع للمسلم اتباعها، من الابتعاد عن النَّاس، والاستتار عن الأنظار، واختيار المكان المطمئنِّ الآمن به مِنْ رشاش البول، والذِّكْرِ عند دخولِ الخلاء، وعند الخروجِ منه، وهيئةِ الجلوس، والاستعدادِ بأداة التطهير من الأحجار ونحوها، والماء، والتحاشي من التطهُّر بالموادِّ النجسة، أو العظامِ، أو الأشياءِ المحرَّمة، والابتعادِ عند قضاءِ الحاجة عن مجالس النَّاس، ومرافِقِهِمُ العامَّة، وتحت الأشجارِ المُثْمِرة، أو استقبالِ القبلة أو استدبارها، ولزوم السكوت حال قضاء الحاجة، ثمَّ قطع الخارج، والتطهُّر منه، والتحرُّزِ من أنْ يصيبه شيءٌ منه، وغير ذلك من الآداب المرعيَّة في هذا الباب؛ فإن الشريعة الكريمة علَّمتنا كلَّ شيءٍ، وسارت مع المسلمين في كلِّ أعمالهم وتصرفاتهم، ولله الحمد.

ص: 323

76 -

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ" أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث معلول.

قال النسائي: هذا حديث غير محفوظ، وقال أبو داود: منكر، وقال المؤلف: معلولٌ؛ لانقطاع سنده بين ابن جريج والزهري حيث لم يسمع منه، وقال ابن القيم: إنَّه شاذٌّ ومنكرٌ وغريب.

لكن نقل ابن حجر في التلخيص الحبير تصحيحَهُ عن الترمذي وابن حبَّان والمنذري والقشيري في الاقتراح، واعتمد التصحيحَ السيوطيُّ في الجامع الصغير، ومال الحافظ مغلطاي إلى تحسينه. ومن صحَّحه قال مجيبًا عن العلَّة التي ذكروها مِنْ عدم سماع ابن جريج من الزهري، قالوا: فقد سمعه من زياد بن سعد عن الزهري بلفطٍ آخر، فزالت علَّته، ورواته ثقات.

* مفردات الحديث:

- دخل: يعني أراد دخوله؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النَّحل] يعني: إِذا أَرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآن.

- الخلاء: بفتح الخاء والمد: المكانُ الخالي، ويراد به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة، فإنْ أراد قضاءَ حاجته بفضاء، فلا داعي إلى تأويلِ الدخول بإرادة الدخول.

- خاتمه: خَتَمْتَ الكتابَ ختمًا، وَخَتَمْتُ عليه، من باب ضرب: طبعت، والخاتم بفتح التاء وكسرها، والكسر أشهر.

(1) أبو داود (19)، الترمذي (1748)، النسائي (5213)، ابن ماجة (303).

ص: 324

قال في المصباح: الخاتم: حَلْقةٌ ذات فَصٍّ من غيرها، فإنْ لم يكنْ، فهي فَتْخَة، بفاء وتاء مثنَّاة من فوق وخاء معجمة.

قال ابن كثير: اتخذ صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضَّة، ونقش فيه:"محمَّد رسول الله"؛ هكَذا رواه البخاري.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم مكتوبٌ عليه "محمد رسول الله"، فكان لا يدخل فيه الخلاء، ويضعه خارجه.

2 -

كراهة دخول الإنسان الخلاء أو المكان الذي سيقضي فيه حاجته، ومعه شيءٌ مكتوبٌ فيه ذكر الله تعالى، أو أسمائه وصفاته.

3 -

قال الفقهاء: إلَاّ إذا كان دخوله به لحاجةٍ كخشية سرقته أو نسيانه، وهذا الاستثناء مبنيٌّ على قاعدة: أنَّ الكراهة تزول مع الحاجة.

قال شيخ الإسلام: الدَّراهم إذا كُتب عليها "لا إله إلَاّ الله"، وكانت في منديل أو خريطة، يجوز أنْ يدخل بها الخلاء.

4 -

وجوبُ تعظيم ذكر الله تعالى وأسمائه تعالى، وإبعادها عن كلِّ ما يَمَسُّ قدسيتها وكرامتها؛ قال تعالى:{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج].

5 -

اقتصارُ الحكم على الكراهة؛ ذلك أنَّ مجرَّد ترك الفعل لا يدل على التحريم.

6 -

إباحةُ اتخاذ الخاتم للرجل، وأنْ يَكْتُبَ عليه، ولو كان اسمُهُ فيه اسمٌ من أسماء الله تعالى؛ كعبد الله، وعبد الرحمن.

7 -

أمَّا المصحفُ: فيحرُمُ إدخاله، أو إدخالُ بعضه المكانَ المُعَدَّ لقضاء الحاجة، ولو كان ملفوفًا بحائل، لما له من مكانةٍ لا تسامى، وقد جاء نعته ووصفه:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)} [الواقعة]، وإنَّه {قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21)} [البروج]، و {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)} [فصلت]، وإنَّهُ {ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء:50]، إِلى غير ذلك من النعوت الكريمة.

ص: 325

77 -

عَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ" أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- أعوذ: يُقال: عُذْتُ به عَوْذًا وعِيَاذًا ومَعَاذًا: لجأْتُ إليه، والمَعَاذُ يسمَّى به المصدرُ والمكانُ والزمان، ومعنى أعوذُ به: أعتصِمُ به وألتجىء إليه.

- الخبث: فيه لغتان: بضم الباء، وهو: جمع خبيث، وبسكون الباء -على الرَّاجح من قولي أهل اللغة- يراد به الشر.

- الخبائث: جمع خبيثة، أي: أهل الشر، وهم الشياطين.

قال ابن الأعرابي: أصلُ الخبث في كلام العرب: المكروه، فإنْ كان من الكلام فهو الشتم، وإنْ كان من المِلَل فهو الكفر، وإنْ كان من الطعام فهو الحرام، وإنْ كان من الشراب فهو الضار.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

قوله: "إذا دخل الخلاء" المراد أراد دخوله؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النَّحل] يعني: إذا أردت قراءته، وجاء في الأدب المفرد للبخاري عن أنس قال: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم "إِذا أراد أنْ يدخل الخلاء، قال: "اللهم إنِّي أعوذ بك من الخبث والخبائث".

2 -

هذه الاستعاذة ليحصِّن بها المسلم نفسه من محاولة الشيطان إيذاءه

(1) البخاري (142)، مسلم (375)، أبو داود (25)، الترمذي (26)، النسائي (19)، ابن ماجة (296)، أحمد (11536).

ص: 326

وتنجيسه، حتَّى لا تصحَّ عبادته، فما دام النَّبي صلى الله عليه وسلم المؤيَّد بعصمة الله يخاف من الشرِّ وأهله، فالجديرُ بنا أنْ يكونَ خوفنا أشدَّ.

3 -

أنَّ الأمكنة النجسة والقذرة هي أماكنُ الشياطين التي تأوي إليها وتُقِيمُ فيها.

4 -

الالتجاءُ إلى الله تعالى والاعتصامُ به من الشياطين وشرورِهِمْ، فهو المُنْجِي منهم، والعاصمُ من شرِّهم.

5 -

وجوبُ اجتنابِ النجاسات، وَعَمَلِ الأسباب التي تَقِي منها؛ فقد صَحَّ في الأحاديث الشريفة أنَّ من أسباب عذاب القبر عدم التنزُّه من البول.

6 -

فضيلة هذا الدعاء والذكر في هذا المكان؛ فكُلُّ وقتٍ ومكان له ذكرٌ خاصٌّ، والذي يلازم عليه يكونُ من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات.

7 -

قال الحسن البصري: "اللهم" هي مَجْمَعُ الدعاء؛ فالدعاءُ بلفظ "اللهم" يعني "يا الله"، وهو سؤالُ الله بجميعِ أسمائِهِ وصفاتِهِ؛ فهو دعاء بالأسماء الحسنى والصفات العلا.

8 -

الاستعاذة مُجْمَعٌ على استحبابها، سواءٌ في البنيان والصحراء.

9 -

الأمكنة الطيبة كالمساجد يُشْرَعُ عندها أذكارٌ وأدعية، تناسب ما يرجى فيها من رحمة الله وفضله، والأمكنةُ الخبيثة كالحشوش يناسب دخولها أذكارٌ بالبعد عمَّا فيها من خبائثِ الجنِّ وَمَرَدَةِ الشياطين.

10 -

الأمكنةُ الطيبة مأوى الملائكة الكرامِ البَرَرَة، والأمكنةُ الخبيثة مأوى الشياطين؛ قال تعالى:{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: 26]؛ فكلٌّ فيه ما يناسبه.

11 -

فيه إثباتُ وجود الجنِّ والشياطين، فإِنْكارُهُمْ ضلالٌ وكفرٌ؛ لأنَّه ردٌّ لصريح النصوص الصحيحة، وهو نقصٌ في العقل، وضيقٌ في التفكير؛ فإنَّ الإنسان لا يُنْكرُ ما لم يصلْ إليه علمه، وإنَّما -إِذا كانَ لا يُؤْمِنُ بالوحي- يتوقَّف؛ فإنَّ اكتشاف المجهولات يطالعنا كل وقتٍ بجديد؛ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ

ص: 327

الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء].

12 -

الأرواحُ الخبيثةُ الشِّرِّيرة موجودةٌ منتشرة، لا سيَّما عند الأنفس القابلة لها، وكذلك توجد في الأماكن القذرة، أو في البيوت التي تكثُرُ فيها المعاصي وتظهر ويقلُّ فيها ذكر الله، وَطَرْدُ هذه الأرواحِ الخبيثة من الأجسام والبيوتِ لا يكونُ بالذَّهاب إلى أصحاب الدجل ومدَّعي علم الغيب، أو بتخيُّر الأماكن، ونحو ذلكَ، وإنَّما يكونَ بالأوراد والرُّقَى الشرعية.

13 -

قال ابن الملقِّن ما معناه: الظَّاهر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بهذا الدعاء في هذا المكان، فهو أظهَرُ مِنْ أنَّه يُخْبِرُ عن نفسه، من أنَّه كان يفعله.

***

ص: 328

78 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- غلام: الغلام الصبي من الولادة إلى البلوغ، والجمع: أَغْلِمَةٌ وَغِلْمَةٌ وَغِلْمَانٌ.

- نحوي: أي: مقارب لي في السن.

- إداوةً: بكسر الهمزة، مفرد أداوي، قِرْبَةٌ صغيرةٌ من جِلْدٍ تتخذ للماء.

- عَنَزَة: بفتح العين المهملة، وفتح النون والزاي، جمعه عنزات، وهي عَصًا قصيرةٌ في رأسها حديدةٌ تُسمَّى الزُّجَّ، والزج هو السنان، فالعنزة: هي رمحٌ قصير.

- فيستنجي: الاستنجاءُ: القطع، فهو قطع الأذى عنه بالماء والحجارة؛ لأنَّه مأخوذٌ من النجو، وهو العذرة.

قال في المصباح: استَنْجَيْتُ: غَسَلْتُ موضعَ النجو، أو مسحته بحجرٍ أو مدر.

أمَّا الاستجمار: فهو إزالة النجو بالحجارة وحدها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه تشرَّف بخدمة النَّبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.

2 -

يُؤْخَذُ من الخلاء أنَّه كَانَ صلى الله عليه وسلم يستتر بحيثُ لا يراه أحد؛ فينبغي لمن أراد

(1) البخاري (152)، مسلم (271).

ص: 329

قضاء حاجته أنْ يستتر عن العيون، إمَّا بالبعد، أو إغلاق باب مكان قضاء الحاجة، أو وضع ما يستُرُهُ من النَّاس.

3 -

يدل على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في الفضاء، وليس في البيوت؛ فإنَّ العنزة والإداوة المحمولة لا يحتاجُ إليهما غالبًا إلَاّ في البَرِّ.

4 -

جواز الاقتصار في الاستنجاء على الماء.

5 -

الأحوال ثلاثة في الاستنجاء:

(أ) أفضلها: الجمعُ بين الحجارة والماء، بتقديم الحجارة ونحوها، ثمَّ إتباعها الماء؛ ليحصُلَ كمالُ الإنقاءِ والتطهُّر.

قال النووي: الذي عليه جماعةُ السلف والخلف، وأجمع عليه أهل الفتوى من أئمة الأمصار: أنَّ الأفضل أنْ يجمع بين الماء والحجارة، فيستعمل الحجر أوَّلاً لِتَخِفَّ النجاسة، وتقلَّ مباشرتها بيده، ثُمَّ يستعمل الماء، فإنْ أراد الاقتصارَ على أحدهما، جاز الاقتصار على أيهما شاء، سواءٌ وجد الآخر، أو لم يجده، فإن اقتصر على أحدهما، فالماء أفضل من الحجر.

(ب) يأتي بعده في الفضيلة: الاقتصارُ على الماء دون الحجارة.

(ج) هي الاقتصارُ على الحجارة ونحوها، وهي مجزئةٌ إلَاّ أنَّ الأوَّلَيْنِ أفضلُ منها.

6 -

استعداد المسلم بطهوره عند قضاء الحاجة؛ لئلا يُحْوِجَهُ إلى القيام، والتلوُّث بالنَّجاسة.

7 -

بعضُ العلماء كره الاقتصارَ في الاستنجاء على الماء، وعلَّةُ الكراهة عندهم ملامستُهُ النَّجاسة؛ ولكنه قولٌ مرجوحٌ، وتعليلُ ذلك غيرُ صحيحٍ؛ لما يأتي:

أولًا: أنه ردٌّ ومعارضةٌ لهذا الحديث الصحيح.

ص: 330

ثانيًا: أنه يحصل بالماء الإنقاءُ التامُّ.

ثالثًا: أن مباشرة النجاسة لإزالتها لا محذورَ فيها؛ فإنَّ هذا ليس استعمالًا لها، وإنما هو تخلُّص منها، نظير ذلك: إزالةُ المحْرِمِ الطِّيبَ عنه، بجامع المنعِ مِنْ كلٍّ منهما، فإزالتُهُ ليستْ محظورًا في الإحرامِ وإن باشره.

قال شيخ الإسلام: الصحيحُ جوازُ ملامسة النجاسة للحاجة، ولا يكره ذلك في أصحِّ الروايتين عن أحمد، وهو قولُ أكثر الفقهاء؛ إذ إن الاستبراء من البول لا يكون إلَاّ بعد الإصابة به.

8 -

تحفُّظه عن أعين النَّاظرين؛ وذلك بجعله بينهم وبينه حجابًا ولو من خرقة ونحوها؛ فإنَّ النظر إلى العورة بدون ضرورة محرَّم.

9 -

جوازُ استخدامِ الأحرار حتَّى في مثل هذه الأشياء.

***

ص: 331

79 -

وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: "قَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- الإداوة: تقدَّم شرحها في الحديث السَّابق.

- توارى عنِّي: استَتَرَ عنِّي واستخفى.

- حاجته: الحاجة ما كان محتاجًا إليه، والحاجَةُ جمعها: حَاجٌ، بحذف الهاء، وحاجات، وهي هنا كناية عن التبوُّل والتغوُّط.

* مفردات الحديث:

1 -

استحبابُ البعد والتواري عن النَّاس، عند إرادة قضاء الحاجة.

2 -

أمَّا سَتْرُ العورة عن النَّاس فواجب؛ لتحريم كشفها إلَاّ في مواضع خاصَّة.

3 -

استحبابُ إعداد إداوة طهارة الإنسان عند إرادته قضاءَ الحاجة؛ ليقطَعَ الخارج عنه بدون طلبه، بعدي الفراغ من قضاء الحاجة.

4 -

جوازُ الاقتصار في الاستنجاء على الماء دون الحجارة؛ فلم يذكُرْ في الحديث إلَاّ الإداوة، ولو كان هناك حجارةٌ، لَذَكَرَها.

5 -

جوازُ الاستعانة بغيره على إحضار أدوات طهارته، وتقريبها منه.

6 -

جوازُ اتخاذِ الخادمِ ولو كان حُرًّا.

7 -

حياءُ النَّبي صلى الله عليه وسلم وكمالُ خُلُقه، وبعدُهُ عمَّا يُسْتَحْيَا منه، وهو قدوةٌ لكلِّ مسلم صلى الله عليه وسلم.

(1) البخاري (363)، مسلم (274).

ص: 332

80 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا اللَّاعِنِيْنَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (1)، وزَادَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه:"الْمَوَارِدَ"، وَلَفْظُهُ:"اتَّقُوا المَلَاعِن الثَّلَاثَةَ: البَزارَ في المَوَارِدِ، وقَارِعَةِ الطَّريْق، وَالظِّلِّ"(2) وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "أَوْ نَقْعِ مَاءٍ"، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ (3). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ النَّهْيَ عَنْ قَضَاءِ الحَاجَةِ تَحْتِ الْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ وَضِفَّةِ النَّهْرِ الْجَارِي مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (4).

ــ

* درجة الحديث:

- الحديث صحيح.

لكن فيه ثلاث زيادات أوردها المؤلِّف: زيادة أحمد: "أو نقع ماء"، وزيادة أبي داود:"الموارد"، وزيادة الطبراني:"الأشجار المثمرة"، وكل هذه الزيادات الثلاث فيها ضعف:

فسببُ ضعف زيادة أحمد: وجود ابن لهيعة في سنده، وهو سيِّىء الحفظ.

وسببُ ضعف زيادة أبي داود: الانقطاع؛ لأنَّهُ من رواية أبي سعيد

(1) مسلم (269).

(2)

أبو داود (26).

(3)

أحمد (2710).

(4)

الطبراني في الأوسط (3613).

ص: 333

الحميري عن معاذ، وهو لم يدرك معاذًا؛ فيكون منقطعًا.

وأمَّا سبب ضعف زيادة الطبراني: فإنَّ في سنده فرات بن السَّائب، وهو متروك.

* مفردات الحديث:

- اللاعنَيْن: بصيغة التثنية، قال الخطابي: الَّلاعنين: الأمرين الجالبين لِلعْنِ النَّاس مَنْ فعله.

- المَلَاعِن: بالفتح: جمع مَلْعَن، أي: موضع اللعن.

- الثلاثة: منصوب، صفة الملاعن.

- النَّاس: مشتقٌّ من نَاسَ يَنُوسُ: إِذَا تدلَّى وتحرَّك، ويصغَّر على نُوَيْس، وقد وُضِعَ للجمع كالرهط والقوم، وواحده: إنْسَانٌ على غير لفظه، والأصلُ في نطقه: الاُنَاس، فحذفتِ الهمزةُ لكثرة الاستعمال؛ ولهذا إذا نُطقتْ بدون "أل" قيل:"أناس" أكثر ممَّا يقال: "ناس".

- يَتَخَلَّى: مَأْخوذٌ من المكان الخالي؛ لأنَّ عَادَةَ من يريد قضاء حاجته الابتعاد عن النَّاس والخلوة بنفسه.

ويُراد به التغوُّط في طريق النَّاس أو ظلهم؛ فهو من ألفاظ الكناية التي يعبر فيها عمَّا يقبح ذكره بما يدُلُّ عليه.

- الموارد: جمع مورد، وهو الموضع الَّذي يَرِدُهُ النَّاسُ من عين ماء، أو غدير، أو نحوهما.

- البرَاز: بفتح الموحدة، فراء مفتوحة، آخره زاي، وهو المتَّسع من الأرض يكنَّى به عن الغائط، هو المطمئنُ من الأرض، سُمِّيت به عَذِرَةُ الإنسان؛ لأنَّ من أراد قضاءَ حاجتِهِ، قصَدَ المطمئنَّ من الأرض.

- الطريق: فعيل بمعنى مفعول، فهو مطروق؛ لأنَّ أقدامَ النَّاس تطرُقُهُ، جمعه طُرُقٌ بضمتين، وهو مذكَّر في لغة أهل نجد، وبه جاء التنزيل؛ قال تعالى:

ص: 334

{فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: 77]، ويُؤَنَّث في لغة أهل الحجاز.

- قارعة: المراد به الطريقُ الواسعُ، سُمِّي بذلك؛ لقرعه بأقدام النَّاس.

- نقع ماء: بفتح النُّون، وسكون القاف، فعين مهملة، ويراد به: الماء المجتمع:

- ضفَّة النَّهر: ضفة بفتح الضاد وكسرها، ضفَّة النَّهر أو البحر أو الوادي، هي: ساحله وشاطئه، وهما ضفتان، جمعه ضفاف.

- اللعن: هو الطرد والإبعاد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

تحريمُ البول أو التغوُّط في طرق النَّاس التي يعبرون معها، أو ظلَّهم الذي يجلسون ويستظلون فيه، أو مَوارِدهِمُ التي يسقون منها، أو يسقون منها مواشيهم وداوبهم، أو ضفافِ الأنهرِ والبحار التي يتنزَّهون عندها، أو تحت الأشجار المُثْمرة التي يجنون ثمارها ويأكلون منها، مما يلوِّث ما يسقُطُ منها من ثمر، وينجِّس من يأتي لِلْجَنْيِ منها، وتحلَّل النجاسة مع تربتها، فتمتصُّها عروقها وتغذِّي ثمرتها.

2 -

كل هذه المرافق هامَّةٌ ونافعةٌ للنَّاس، فلا يجوزُ توسيخُهَا وتقذيرُهَا عليهم وإلحاقُ الضرر بهم.

3 -

يقاسُ عليها كلُّ ما أشبهها ممَّا يحتاجُ إليه النَّاسُ من النَّوادي والأفنيةِ، والحدائقِ والميادينِ العامَّة، وغيرِ ذلك، ممَّا يرتاده الجمهور، ويجتمعون فيه، ويرتفقون به.

4 -

احترامُ الأطعمة والأشربة، فلا يجوزُ إهانتها بالنَّجاسات، ولا تقذيرُ أصول الشجر بالنَّجاسة؛ لأنَّه يتحلَّلُ فتمتصُّه جذورها، فيصل إلى فروعها وثمارها، فتتغذَّى بالنَّجاسة، والنَّجاسةُ ولو استحالَتْ فهي مكروهة مستقذرة.

5 -

أنَّ التغوَّط أو البول في هذه الأماكن وأمثالها يسبِّب لَعْنَ النَّاس لفاعلها، وربَّما لحقته لعنتهم؛ لأنَّه هو المتسبِّب في ذلك؛ لما روى الطبراني في

ص: 335

الكبير (3/ 179) بإسنادٍ حسن؛ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آذى المسلمين في طرقهم، وجبَتْ عليه لعنتهم".

6 -

جواز إطلاق اللعنة على من فَعَلَ ما فيه أذيَّةُ المسلمين.

7 -

اللعنُ معناه: الدعاء بطرده عن رحمة الله تعالى، وهذا دعاءٌ عليه من مظلومين، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"اتق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب"[رواه البخاري (1496) ومسلم (19)].

8 -

اتقوا لعنةَ النَّاسِ لكم بمقتهم وكرههم مِنْ فعل هذا، ولعنهم إيَّاه، واتقوا أيضًا لَعْنَ الله تعالى حينما يدعوا النَّاسُ عليكم، فيقولون: اللهم العَنْ مَنْ فعل هذا، فاجعلوا بينكم وبين هذا وقايةً، باجتنابكم التخلِّي والبول في هذه الأماكن.

9 -

في الحديث كمالُ الشريعة الإسلاميَّة وسمُّوها، من حيثُ النظافةُ والنَّزاهة، وبُعْدُهَا عن القذارة والوساخة، وتحذيرُها عمَّا يَضُرُّ النَّاسَ في أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم؛ قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} [الأحزاب].

10 -

وفيه شمولُ الشريعة؛ فإنَّها لم تترك خيرًا إلَاّ دَعَتْ إليه، ولا شرًّا إلَاّ حذَّرَتْ منه، حتَّى في هذه المواضع وجَّهَتِ النَّاس وبيَّنَتْ لهم أمكنةَ قضاء حاجاتهم، والأمكنةَ التي يجبُ بُعدهم عنها.

11 -

الحديث يشير إلى قاعدةٍ شرعية، هي أنَّه إذا اجتمَعَ متسبِّبٌ ومباشر:

فإنْ كان عمل كلِّ واحدٍ منهما مستقلاًّ عن الآخر، فالضمانُ والإثم على المباشر.

وأَمَّا إذَا كانت المباشرةُ مبنيَّهً على السبب، صار المتسبِّب هو المتحمِّل؛ كهذا المثال في الحديث؛ فالدعاء فيه إثم، والذي قام به من لعن المتخلِّي عن الطريق مثلاً، ولكن المتسبِّب في هذا الدعاء هو

ص: 336

المتخلِّي، فهنا يكون الدعاء مباحًا في حقِّ المباشر، وهو الدَّاعي، والذي تحمَّل إثمَهُ المتسبِّبُ منه، وهذا المتخلِّي في الطريق.

12 -

فيه أن كل ما يؤذي المسلمين فهو حرام؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} [الأحزاب].

***

ص: 337

81 -

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ، فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُوْلٌ (1)

ــ

* درجة الحديث:

الحديث معلول.

وعلَّته التي أشار إليها المُؤَلِّفُ هي ما قاله أبو داود؛ من أنَّه لم يسنده إلَاّ عكرمة بن عمَّار العجلي اليماني، وضعَّف الأئمة روايةَ عكرمة بن عمَّار، عن يحيى بن أبي كثير؛ وقالوا: مضطربة.

* مفردات الحديث:

- إذَا: شرطية، ووقوعُ الفعل بها متحقِّق، بخلاف "إن" الشرطية، فجوابها غير متحقِّق، وقد يمتنع.

- تغوَّط: تغوُّطا، مأخوذٌ من الغائط، وهو المكان المطمئنُّ من الأرض، ثمَّ أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان، كراهةً لتسميته باسمه الخاصِّ؛ لأنَّهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة، فهو من مجاز المجاورة، ثُمَّ توسَّعوا فيه حتَّى اشتقوا منه، وقالوا: تغوَّط الإنسانُ.

- رجلان: تثنية رجل، والرجُلُ: الذكَرُ من النَّاس، جمعه رجال.

قال في المصباح: وقد جمع قليلًا على رَجْلَة وزن تمرة، ولا يوجد

(1) أحمد (10917).

ص: 338

جمع غيره على هذا الوزن.

والرجلان قيدٌ أغلبيٌّ، وإلَاّ فهو شاملٌ لأي اثنين أو اثنتين فأكثر من النَّاس.

- فليتوار: جواب الشرط، و"الفاء" رابطةٌ للجواب، وإنَّما احتيج للَّربط؛ لأنَّ الجملة الجوابية لا تصلُحُ لمباشرة أداة الشرط، واللَاّمُ للأمر، والفعلُ بعدها مجزومٌ بها بحذف الألف، والفتحة على الرَّاء دليلٌ على الألف المحذوفة.

- يتوارى: يستَخْفِي عن أعين النَّاس.

- ولا يتحدَّثا: "لا" ناهيةٌ، وجزم الفعل بعدها بها، وجزمُهُ بحذف النُّوْن.

- فإنَّ الله: جملةٌ للتعليل؛ إذ أوقع ما سبق عنه.

- يمقت: مَقَتَهُ يَمْقُته مَقْتًا، فهو مقيتٌ وممقوت، والمَقْتُ: أشدُّ الغضب.

ما يؤخذ من الحديث:

1 -

ذكر الرجلين -تغليبًا- وإِلَاّ فالحكم يشمل الرِّجال والنِّساء، وهو في حقِّهنَّ أشدُّ وأعظم.

2 -

وجوبُ التواري عند إرادة قضاء الحاجة، ولا يَحِلُّ أمامَ النَّاس بحيث يَرَوْنَ عورته.

3 -

يحرم التحدُّثُ أثناء قضاء الحاجة مع الغير؛ لما فيه من الدناءة، وقلَّة الحياء، وضياع المروءة؛ فقد روى البخاري عن ابن عمر أنَّ رجلاً مرَّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم فسلَّم عليه، فلم يَرُدَّ عليه.

4 -

تحريمُ هذه الأمور مأخوذٌ من أنَّ الله يمقُتُ على ذلك، فالمقتُ أشدُّ من البغض، والله تعالى لا يبغض إلَاّ على الأعمال السيئة، والتحريمُ هو الظَّاهر من الحديث، ولكن مذهب الجمهور أنَّه محمولٌ على الكراهة فقط.

5 -

إثباتُ صفة البغض لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله بدون تشبيهٍ بصفة المخلوقين، ولا تحريفٍ بتفسير البغض بالعقاب.

6 -

هكذا صفاتُ الله تعالى يُسْلَكُ فيها مسلك أهل السنَّة والجماعة؛ فهو أسلم

ص: 339

من التعدِّي على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بالتشبيه، أو بالتحريف والتَّأويل، الذي لا يستندُ إلى دليل.

ومسلكهم أسلَمُ؛ لأنَّ علم كيفيَّة صفات الله تعالى مبنيةٌ على النَّقْل، لا على العقل المتناقض، ومسلكُهُمْ أحكَمُ؛ لأنَّ الأمور السمعية الغيبية الحكمةُ فيها أنْ يتلقَّاها الإنسان على ما وردَتْ بدون تغيير؛ فهذا منتهى علم الإنسان فيها، فطريقة السلف أعلم وأحكم بشرطين:

الأوَّل: أنْ يتجنَّب التمثيل والتشبيه؛ فالله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى].

الثاني: اجتنابُ التكييف؛ فلا يعتقد أنَّ كيفيَّة صفةِ الله كذا.

فمن آمن بصفاتِ الله تعالى على ما وصَفَ به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وجَانَبَ التشبيه والتكييف، فقد حصلت له السَّلامةُ والعلمُ والحكمة، ذلِكَ أنَّه لن يصلَ إلى نتيجة، ومآله إمَّا إلى تعطيل الصفة وهو إنكارُها، أو إلى نتيجةِ التشبيه، وكلاهما ضلال.

***

ص: 340

82 -

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يُمْسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لا يمَسَنَّ: "لا" ناهية، والفعلُ مبنيٌّ على الفتح في محل جزم؛ لاتصاله بنون التوكيد، تقول: مَسِسْتُ الشيء، أي: أَفَضْتُ إليه بيدي من غير حائل.

- ولا يتمسَّح: من باب التفعُّل الذي يشار به إلى التكلُّف، والمراد: الاستنجاء بيمينه، وأعم مِنْ أنْ يكونَ في القبل أو الدبر.

- الخلاء: ممدودٌ، يطلق على الفضاء، والمرادُ به هنا: موضع الخارج من السبيل.

- ولا يتنفَّس في الإناء: من باب التفعُّل، يُقال: تنفَّس يتنفس تنفُّسًا.

والتنفُّس: إدخالُ النَّفَسِ إلى رئتيه وإخراجُهُ منهما، فتدخل الرِّيحُ وتخرُجُ من أنف الحيِّ ذي الرئة، والمراد هنا: التنفس في الإناء أثناء الشرب، والفعل "يتنفس" مجزوم.

وتروى الأفعال الثلاثة بالرفع على أنَّ "لا" للنَّفي دون النَّهي.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن مَسِّ الذكَرِ باليمنَى حال البول.

2 -

النَّهي عن مسِّ المرأة فرجَهَا باليمنَى حال البول.

3 -

النَّهي عن الاستجمارِ باليمنَى، ومثله الاستنجاء بها.

(1) البخاري (154)، مسلم (267).

ص: 341

4 -

وجوبُ اجتناب الأشياء النجسة، فإذا اضطرَّ إلى مباشرتها، فليكن باليسار.

5 -

بيانُ شرفِ اليدَ اليمنَى وفضلِها على اليد اليسرى.

6 -

أنْ تُعَدَّ اليمنى للأشياء المستطابة؛ لما في الصحيحين: "كان يعجبه التيمن في تنعله وطهوره وفي شأنه كله".

7 -

النَّهي عن التنفُّس في الإنَاءِ حيث يكرهه مَنْ بعده، ولئلا يسقُطَ فيه شيءٌ من فضلات فمه أو أنفه، وربما عاد الضرر على الشَّارب أيضًا.

8 -

العناية بالنَّظافة لا سيَّما في المأكولات والمشروبات التي يحصُلُ من تلوُّثها ضررٌ في الصحة.

9 -

سموُّ الشريعة الإسلامية حيثُ أمرَتْ بكلِّ نافعٍ، ونهت عن كلِّ ضارٍّ؛ فهذا الحديثُ جمَعَ الأدبَ والتوجيه الرشيد في إدخال ما ينفع البدن ويغذِّيه، وفي حالِ إخراج فضلاته النجسة.

* خلاف العلماء:

اختلف العلماء: هل النهي الواردُ في الحديث للتحريمِ أو للتنزيه؟:

ذهب الظاهرية: إلى التحريم؛ أخذاً بظاهر الحديث.

وذهب الجمهور: إلى أنَّه للكراهة، وأنَّ النَّهي إرشادٌ وتوجيهٌ، وهذا هو الرَّاجح؛ فإنَّ الشريعة الإسلامية فيها أوامرُ ونواهٍ في مسائلها وجزئياتها، والعلماء -تبعًا لهذه الأوامر والنَّواهي- مختلفون بين مَنْ يفهم منها الوجوبَ أو التحريم، وبين مَنْ يفهم منها الاستحباب أو الكراهة.

وأحسَنُ مسلكِ في فهمها: هو أنْ نربط تلك المسائل الفردية بالقواعد الشرعية العامَّة، ومِنْ تلك القواعد: أنَّ الشريعة جاءتْ لإقرار المصالحِ ودفعِ المضار، سواءٌ أكانت تلك المصالح خالصةً أو راجحة، كما جاءت نواهيها ناهيةً عن كلِّ مفسدةِ، سواءٌ أكانت خالصةً أو راجحة.

فإذا طبَّقنا القواعد العامَّة تطبيقًا صحيحًا، كانت الأحكام واضحةً جليَّة،

ص: 342

وقَبِلَتْهَا النفس بطمأنينة وارتياح؛ لأنَّ مآخِذَها واضحةٌ ظاهرة.

وإذا طبَّقنا هذه النواهي على هذه القاعدة، وجَدْنا أنها ليسَتْ ممَّا يقتضي التحريمَ، وإنما هي أدبٌ وسلوكٌ وإرشادٌ مستحسن.

وإذا طبَّقنا هذه القاعدة على تلك النَّواهي، وجدناها نواهِي لا يقتضي تركها مفسدةً كبيرة، أو لا يمكنُ التحرُّزُ منها إلَاّ بهذا الأسلوب؛ فصارت عند جمهور العلماء مِنْ باب الآدابِ والتوجيهِ والإرشاد، وتركُهَا من الكراهة التنزيهية.

***

ص: 343

83 -

وَعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: "لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لقد: "الَّلام" للابتداء، وهي و"قد" جاءتا لتوكيد الخبر.

- القِبْلَة: بكسر القاف، وسكون الباء الموحدة: هي الكعبة المشرَّفة.

- أحجار: كسارة الصخور الصُّلْبة، واحده حَجَرٌ، وجمعه أحجارٌ وحِجَارة.

- رجيع: الرجيع: بفتح الرَّاء، وكسر الجيم، بعدها ياء، وبعد الياء عين مهملة: هو روث ذي الحافر، وفي الحُكْم يشمله وغيره، وسيأتي إِنْ شاءَ الله تعالى.

- عظم: جمعه عِظامٌ وَأَعْظُم، هو قَصَبُ الحيوان الذي عليه اللحم.

قال الأطباء: العظم عُضْوٌ صُلْبٌ تبلغ صلابته إلى أنَّه لا يثنى.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن استقبال القبلة أثناء البول أو الغائط؛ لأنَّها قبلة الصلاة وغيرها من العبادات، وهي أشرف الجهات، وظاهر الحديث: أنَّه لا فرق في الاستقبال بين الفضاء وبين البنيان، وسيأتي الخلاف فيه إنْ شاء الله؛ كما أنَّ النَّهي متوجِّهٌ إلى الاستدبار؛ لما في الصحيحين، من حديث أبي أيوب؛ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قَال:"إذَا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبروها" -كما سيأتي في الحديث الذي بعده إنْ شاء الله تعالى- فلا تكون القبلة

(1) مسلم (262).

ص: 344

مُتَّجَهًا للنَّجاسات؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30].

2 -

تعظيم الكعبة المشرَّفة بتجنُّب كلِّ ما يَمَسُّ قدسيتها، ومقامها من المعاصي حولها؛ قال تعالى:{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)} [الحج].

3 -

تقديسُها بالطَّاعاتِ؛ كالحجِّ والاعتمار، والطواف، والصلاة، وسائر العبادات والقربات؛ قال تعالى:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)} [آل عمران].

4 -

تعظيمُ البيت العتيقِ يشمَلُ حَرَمَهُ ممَّا أدخلَتْهُ الحدود التي تفصل الحَرَمَ من الحل، ويشمل المشاعر المقدسة من مقام إبراهيم وزمزم والصفا والمروة والمسعى وعرفات ومزدلفة ومنى والجمرات، فكلها من شعائر الله تعالى.

5 -

على قاعدة أنَّ العبادات توقيفية، لا يُشْرَعُ منها إلَاّ ما شرعه الله ورسوله، فإِنَّها لا تدخُلُ هذه المشاعر في الحكم مع الكعبة المشرَّفة بالنَّهي عن استقبالها واستدبارها بالبول والغائط، وإنَّما توافقها في أصل التعظيم.

6 -

النَّهْيُ عن الاستنجاء، أو الاستجمار باليد اليمنى؛ تكريمًا لها، فيكون الاستنجاء باليد اليسرى، ما لم يكن فيها خاتَمٌ فيه ذِكْرُ اسمِ الله، فيجعله في باطن يده اليمنى.

7 -

النَّهْيُ عن الاستجمار باقلَّ من ثلاثة أحجار، ويقيَّد هذا النَّهي بما إذا لم يرد إتباع الحجارة الماء، أمَّا إذا أراد إتباعها، فلا بأس من الاقتصار على أقلَّ من ثلاثة؛ لأنَّ القصد هُنا هو تخفيف النَّجاسة عن المكان فقطْ، لا التطهُّرُ الكامل.

8 -

ذِكْرُ الأحجار بناء على الأغلب في أعمال المستجمرين، وإِلَاّ فالقصدُ التطهُّر بالحجارة، أو ما قام مقامها في الإنقاء؛ مِنَ الأخشاب، أو الخرق، أو الورق

ص: 345

المنشف، ونحو ذلك؛ لأنَّ الغرض التطهير، لا نوعٌ بعينه.

9 -

ليس المراد بالأحجار عددها، وإنَّما المراد بذلك المسحات.

قال في الروض وحاشيته: ويشترط ثلاث مسحات منقية فأكثر، إنْ لم يحصُلِ الإنقاءُ بثلاث، ولو كانتِ الثلاثُ بحجرٍ ذي شعب أجزت إنْ أنقت؛ لحديث جابر:"فليمسح ثلاث مرَّات"، فبيّن أنَّ الغرض عدد المسحات لا الأحجار، ولأنَّه يحصُلُ بالشعب الثلاث ما يحصُلُ بالأحجار الثلاثة من كلِّ وجهٍ، فلا فرق.

10 -

والإنقاءُ بالحجر أنْ لا يبقى أَثَرٌ يزيله إلَاّ بالماء، قال الشيخ تقي الدِّين: علامة الإنقاء أنْ لا يبقى في المحلِّ شيءٌ يزيله الحجر.

11 -

النَّهْيُ عن الاستجمار بالرجيع؛ لأنَّه إمَّا نجس، وإِمَّا لأنَّه عَلَفُ داوبِّ الجنِّ.

12 -

النَّهي عن الاستجمار بالعظم؛ لأنَّه إمَّا نجس، وإمَّا لأنَّه طعام الجِنِّ أنفسهم.

13 -

لعلَّ قائلًا يقول: إنَّنا لا نرى الجنَّ ولا دوابَّهم، ولا نتصوَّر وجود لحمٍ ينبت على العظم؛ ليكون طعامًا لهم، ولا نتصوَّر كيف يكون الروث علفًا لدوابِّهم:

والجوابُ: أنَّ مثل هذه الأمور من الأحكامِ السمعيَّة التوقيفية يجبُ الإيمان بها، متى صحَّتْ أخبارها، ولو لم ندركْ كيفيتها؛ فنحن لم نؤتَ من العلم إلَاّ قليلًا، وهُناك عالمٌ غيبيٌّ لم نطلع عليه ولا على أحواله، والإيمان به من الإيمان بالغيب الذي مدح الله تعالى أهله بقوله:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].

14 -

قال الفقهاء: والإنقاء بالماء: الصَّبُّ مع الدَّلك، حتَّى يعود المحل كما كان قبل خروج الخارجِ، ويسترخي قليلًا.

***

ص: 346

84 -

وَلِلسَّبْعَةِ عَنْ أَبِي أَيُّوْبَ الأنْصارِيِّ رضي الله عنه: "فلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلا تَسْتَدْبِرُوْها بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا"(1).

ــ

* مفردات الحديث:

- لا تستقبلوا: "لا" ناهية، والفعل بعدها مجزومٌ بها.

- شرِّقوا أو غرِّبُوا: من التشريق أو التغريب، أي: اجعلوا وجوهكم قِبَلَ المشرق أو قِبَلَ المغرب، حال قضاء الحاجة، وهو خطابٌ لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك، ممَّن إذا شرَّقوا أو غرَّبُوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهْيُ عن استقبال أو استدبار القبلة، أثناء البول أو الغائط.

2 -

الأمرُ بالتشريق أو التغريب حتَّى ينحرف عن استقبال القبلة واستدبارها.

3 -

الأصلُ: أنَّ أمر الشَّارع ونهيه عامَّان لجميع الأمَّة، ولكن قد يكونان خاصَّين لبعض الأمَّة؛ فإنَّ قوله صلى الله عليه وسلم:"ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" أمرٌ بالنسبة لأهل المدينة المنوَّرة، ومَنْ هم في سَمْتهم ممَّن إذا شرَّق أو غرَّب، لا يستقبل القبلة.

4 -

الحكمة في هذا هو تعظيمُ الكعبة المشرَّفة، وتقدَّم الكلام عليه.

5 -

حسنُ تعليمِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه لمَّا بين الجهة المحرَّمة في الاستقبال والاستدبار، عَلَّمَهُم مخرجًا مباحًا، فلم يَسُدَّ عليهم الباب ويتركهم، ولكنَّه أرشدهم إلى الطريق المباحة، وله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا قضايا كثيرة، مثلُ إرشادِهِ جابي التمر من خيبر:"بعِ الجمع بالدراهم، ثمَّ اشتر بالدَّراهم جنيباً".

(1) البخاري (144)، مسلم (264)، أحمد (23047)، أبو داود (9)، الترمذي (8)، النسائي (21)، ابن ماجة (318).

ص: 347

6 -

هذا المنهج الحكيم في الفتوى هو الذي يتعيَّن على المفتين أنْ يسلكوه؛ فإنَّ وَصْدَ الباب أمامَ المستفتي بالتحريم، والسكوت عن مسألة النَّاس، وهم في حاجةٍ إليها، ويوجد في الشريعة طريقٌ مباحٌ بدلًا عنها يمكنُ سلوكُها: ممَّا يسبِّب للنّاسِ الحرَجَ والضيق في شريعةٍ وسَّعها الله عليهم، أو يسبِّبُ الإقدامَ على الحرام.

*خلاف العلماء:

جاء في البخاري (145) ومسلم (266) عن ابن عمر قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبلًا الشَّام، مستدبرًا الكعبة"، ومن أجل هذا الحديث اختلف العلماء:

فذهب ابن حزم: إلى تحريم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة مطلقًا، في الفضاء والبنيان، ويروى هذا القول عن أبي أيوب ومجاهد والنخعي والثوري والشيخ تقي الدِّين وابن القيم.

واحتجوا بحديث أبي أيوب؛ فإنَّ القول لا يعارض الفعل في حديث ابن عمر؛ فإنَّ الفعل يحكى ويحتمل الخصوصية أو النسيان أو العذر، وأمَّا القول: فهو محكَمٌ لا تتطرَّق إليه احتمالات.

وذهب إلى جواز الاستدبار مطلقًا: عروة بن الزبير وربيعة وداود؛ محتجِّين بحديث ابن عمر الذي في الصحيحين، فقد خصَّص الاستدبار من حديث أبي أيوب، أمَّا الاستقبال: فيبقى داخلًا في عموم حديث أبي أيوب من عدم الجواز.

وذهب إلى التَّفصيل، وهو جوازه في البناء، وتحريمه في الفضاء الأئمة: مالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق، وهو مرويٌّ عن ابن عمر، والشَّعبي.

وقالوا: إنَّ الأدلَّة تجتمع في هذا القولُ، ويحصل إعمالها كلها.

قال الصنعاني: وهذا القول ليس ببعيد؛ لإبقاء أحاديث النَّهْيِ على بابها، وأحاديثِ الإباحة كذلك.

قلت: وهذا هو الرَّاجحُ من الأقوال الثلاثة، وبالله التوفيق.

ص: 348

85 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ، فَلْيَسْتَتِرْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (1).

ــ

* درجة الحديث:

إسناده حسن عن أبي هريرة، أمَّا عن عائشة فوهمٌ.

روى الحديثَ أصحابُ السنن عن أبي هريرة، ورواه أيضًا ابن حبَّان (4/ 257)، والحاكم (1/ 265)، والبيهقي (1/ 94)، قال المحدِّثون: ومداره على أبي سعيد الحمصي الحبراني، قيل: أنَّه صحابي، ولكن لا يصح، والرَّاوي عنه حصين الحبراني، وهو مجهول، قال أبو زرعة: شيخٌ صدوق، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وذكر الدَّارقطني الاختلاف فيه في العلل.

ونقل الشيخ السَّاعاتي في الفتح الرَّباني (1/ 262) ما يثبت أنَّ أبا سعيد الخير هو من الصحابة، ونقل عن الحافظ ابن حجر في الفتح بأنَّ إسناد هذا الحديث حسن.

كما صحَّحه ابن حبَّان والحاكم والنووي وابن الملقِّن.

* مفردات الحديث:

- من: شرطية، وفعل الشرط "أتى".

- فليستتر: جواب الشرط، و"الفاء" جيء بها للرَّبط؛ لأنَّ الجواب فعلٌ طلبيٌّ، وهو من المواضع الاثنيْ عشَرَ التي يجب أنْ يُرْبَطَ فيها جوابُ الشرط بالفاء. والاستتار: أنْ يجعل بينه وبين النَّاس سترة تمنع رؤية عورته.

(1) أبو داود (35).

ص: 349

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الأمر بالاستتار حال قضاء الحاجة، سواءٌ للغائط أو البول.

2 -

وجوب الاستتار وتحريم كشف العورة في هذه الحال وفي غيرها، إلَاّ ما استثني للحاجة.

3 -

أمَّا ستر بقيَّة الجسم أثناء قضاء الحاجة عن أنظار النَّاس، فإنَّه من الآداب الكريمة، والأخلاق الفاضلة، فلا ينبغي أنْ يقضي حاجته أمام النَّاس، ولو لم يَرَوْا عورته؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يبتعد عن النَّاس؛ كما في حديث المغيرة المتقدِّم برقم (79).

***

ص: 350

86 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَكَ" أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

أخرجه الخمسة، وصحَّحه أبو حاتمٍ الرَّازي، والحاكم، وابن خزيمة (1/ 48)، وابن حبَّان (4/ 291)، وابن الجارود (2/ 23)، والنووي والذَّهبي.

* مفردات الحديث:

- الغائط: قال القرطبي: أصل الغائط: ما انخفض من الأرض، وكانت العرب تقصد هذا الصنفَ من المواضع لقضاء حاجتها؛ تستُّرًا عن أعين النَّاس، ثُمَّ سُمِّيَ الحدثُ الخارج من الإنسان غائطًا للمقاربة؛ فهو اسمٌ عرفيٌّ لا لُغويٌّ.

- غفرانك: هو مصدر كالشُّكْران، وأصلُ الغَفْرِ في اللغة الستر مع الوقاية، ومنه اشتُقَّ المِغْفَرُ في الحرب، الذي يستر الرَّأْس ويَقِيهِ من السلاح، ومن أسماء الله الحسنى: الغفورُ، أي السَّاتر، ونصب هنا على أنَّه مفعول لفعل محذوف، أي أسألك غفرانك، فهو سؤال العبد ربَّه سَتْرَ ذنوبِهِ وعيوبِهِ، وعفوَهُ عنها.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

استحباب قول: "غفرانك" بعد قضاء حاجته وخروجه من المكان الذي قضى فيه حاجته، ودلالته على الاستحباب؛ لأنَّه لم يأت من الأدلة إلَاّ مجرَّد

(1) أحمد (24694)، أبو داود (30)، الترمذي (7)، النسائي في الكبرى (6/ 24)، ابن ماجة (300)، علَّل ابن أبي حاتم (1/ 43)، الحاكم (1/ 58).

ص: 351

قوله بنفسه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن بيانًا لمجمل يأخذ حكمه.

2 -

معنى "غفرانك" أي: أسألك غفرانك من الذنوب والأوزار؛ فهو منصوب بفعلٍ محذوفٍ.

3 -

مناسبة هذا الدُّعاء: أن الإنسان لما خفَّ جسمه بعد قضاء الحاجة، وارتاح من الأذى الماديِّ الذي كان يثقله، ذَكَرَ ذنوبَهُ التي تثقل قلبه وتغم نفسه ويخشى عواقبها، سأل الله تعالى أنَّه -كما مَنَّ عليه بالعافية من خروج هذا الأذى- أنْ يَمُنَّ عليه، فيخفِّفَ عنه أوزاره وذنوبه؛ ليخف ماديًّا ومعنويًّا.

4 -

نظير هذا: ما جاء من الذِّكْرِ بعد الوضوء بقول: أشهد أنْ لا إله إلَاّ الله

إلخ؛ فإنَّ المتوضىء لما طهر ظاهره، سأل الله أنْ يطهِّر باطنه بهذه الشهادة.

5 -

وردتْ أدعيةٌ أُخرى مرفوعة، ولكن كل أسانيدها ضعيفة.

قال أبو حاتم: أصح ما في الباب حديث عائشة.

***

ص: 352

87 -

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "إنَّها رِكْسٌ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وزَادَ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: "ائْتِنِي بِغَيْرِهَا" (1).

ــ

* مفردات الحديث:

- روثة: هي بفتح الرَّاء، وسكون الواو، جمعها رَوْثٌ وأرواث، وهي فضلةُ الدَّابة ذات الحافر، وأكثرها الحمير، ويؤيد ذلك رواية ابن خزيمة:"كانت روثة حمار".

- رِكْس: بكسر الرَّاء، وسكون الكاف، بعدها سين مهملة، جمعه أركاس، والمعنى: رجس.

قال العيني: الرِّجْس والرِّكْس قيل: القذر، وقيل: إنَّ الرِّكْس هو الرِّجْس، وقيل غير ذلك.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الروثة هي فضلة الحمار ونحوه مِنْ ذوات الحافر، وقد جاء في زيادة ابن خزيمة:"إنَّها كانت روثة الحمار"؛ فيكون ابن مسعود أتاه بروثة حمار، فألقى الروثة ولم يستعملها، وقَبِل الحجرين، وأمره أنْ يأتيه بغير الروثة بدلًا عنها.

2 -

ظاهر الحديث أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يريدُ الاقتصار في الاستنجاء على الحجارة؛ ذلك أنَّه طلب ثلاثة أحجار؛ إذ أنَّها أدنى حد للحجارة المطهِّرة وحدها؛ كما تقدَّم

(1) البخاري (156)، أحمد (4287)، الدَّارقطني (1/ 55).

ص: 353

في حديث سلمان: "أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار"، ولو أراد أنْ يُتْبعَ الحجارة الماء، لَمَا عيَّن الثلاثة، ولما طلب حجرًا ثالثًا بدل الروثة التي ردَّها.

والذي يريد أنْ يتبع الحجارة الماء، يكتفي بما تيسَّر حصوله لتخفيف النَّجاسة، والتقليل من مباشرتها، وإِلَّا فالماءُ وحده كافٍ؛ كما في "حديث أهل قباء" الآتي إنْ شاء الله.

3 -

الحديث يدل على أنَّه يحرُمُ الاستنجاء بالروثة؛ لأنَّها رِجْسٌ نجس، وتقدَّم أنَّ الروثة هي فضلة ذوات الحافر، والمستعمل من هذه الفصيلة الحيوانية هو الحمار النجس.

4 -

قال الفقهاء: الأفضلُ قطعُ الاستجمار على وتر، والحديثُ يدُلُّ على ذلك؛ فإنَّه طَلَبَ ثلاثة أحجار، ولمّا ردَّ الروثة، طلب بدلها، ولعلَّ هذا مراعاةً للإنقاء والإيتار، فالإنقاء لابدَّ منه، وأمَّا الإيتار فمستحب.

5 -

تقدَّم في حديث سلمان: أنَّ المراد هو المسحات الثلاث، ولو بحجر واحد ذي ثلاث شُعُب.

6 -

فيه دليلٌ على حُسْنِ تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه لمَّا ردَّ الروثة، أعلم ابن مسعود بسبب ذلك، ولم يردَّها ويطلب غيرها، ويسكت.

***

ص: 354

88 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ" رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

فالبخاري أخرج في صحيحه قريبًا منه، وقال المجد في المنتقى: رواه الدَّارقطني، وقال بعد إخراجه: إسناده صحيح؛ وكذا قال ابن دقيق العيد في الإلمام، وقال الحافظ: سنده حسن.

والنَّهي في الباب "نهى أنْ يستنجى

إلخ" جاء عن الزبير رواه الطبراني بسندٍ ضعيف، وعن جابر رواه مسلم، وعن سهل بن حنيف رواه أحمد وإسناده واهٍ، وعن سلمان رواه مسلم، وعن ابن مسعود رواه البخاري.

* مفردات الحديث:

- أنْ يُسْتَنْجَى: الاستنجاء إزالة النَّجْو، وهو الغائطُ، وتقدَّم معنى الغائط.

- بعظم: هو العظمُ المعروف، وهو قَصَبٌ يَنْبُتُ عليه اللحم.

- رَوْث: جمع روثة، فضلة الدَّابة ذات الحافر، وأكثرها الحمير.

- إنَّهما لا يطهِّران: تعليل للنَّهي عن الاستنجاء بهما.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

النَّهي عن الاستنجاء بالعظم، وأنَّه لا يطهر.

2 -

الحكمة في ذلك: ما جاء في البخاري أنَّ أبا هريرة قال: يا رسول الله! ما بال

(1) الدَّارقطني (1/ 56).

ص: 355

العظم؟ فقال: "هي طعام إخوانكم من الجنِّ".

3 -

النَّهي عن الاستنجاء بالرَّوْث، وأنَّها لا تطهِّر.

4 -

الحكمة في ذلك: ما جاء في الحديث السَّابق: "إنَّها رِكْسٌ" أي: نجس.

5 -

في الحديث دلالة على أنَّ الاستنجاء بالأحجار يطهِّر، ولا يلزم بعدها الماء، لأنَّه علَّل بأنَّ العظم والرَّوث لا يطهِّران؛ فدلَّ على أنَّ الأحجار تطهِّر.

6 -

إذا كان الاستنجاء بالعظم لا يجوز لكونه طعام الجنِّ، فإنَّ تحريم طعام الإنس من باب أولى بالتحريم.

7 -

كلُّ ما يقوم مقام الحجارة مِنَ الأعواد، والأخشاب، والخرق، والأوراق المنشِّفة، وغيرها ممَّا لم يُمْنَعِ الاستجمار به، تحصل به الطهارة.

* خلاف العلماء:

المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ الاستجمار بالحجارة ليس مطهِّرًا للمحل، وإنَّما هو مبيحٌ للصَّلاة ونحوها؛ وبناءً عليه: فإنَّ أثر الاستجمار نجس، وإنَّما يُعْفى عن يسيره.

قال في الإنصاف: وعليه جماهيرُ الأصحاب.

والرِّواية الأُخرى: أنَّه مطهِّرٌ؛ اختاره جماعة.

والحديثُ الذي معنا يدلُّ على طهارة المحلِّ بعد الاستجمار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يطهران" يعني: العظم والروث؛ فدلَّ على أنَّ الحجارة وحدها تطهِّر.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيحُ: أنَّ الاستجمار مطهِّر للمحل بعد الإتيان بما يعتبر شرعًا؛ للنَّص الصحيح أنَّه مطهِّر.

والاستجمار الذي تحصُلُ به الطهارة هو الإنقاءُ بالحجارة ونحوها، بحيث لا يبقى من النَّجاسة إلَاّ أَثَرٌ لا يزيله إلَاّ الماء.

***

ص: 356

89 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

وَلِلْحَاكِمِ: "أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ". وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيح.

وله شاهدٌ في الصحيحين، في تعذيب أحد صاحبي القبرَيْن بسبب عدم تنزُّهه من البول، وأَمَّا زيادة الحاكم، فقال المصنِّف: صحيحُ الإسناد، وصحَّحه الدَّارقطني، والنووي، والشوكاني.

* مفردات الحديث:

- استنزهوا من البول: يُقال: نَزُهَ يَنْزُهُ نَزهًا: باعد نفسه ونحَّاها عن القبيح، فالمعنى: اطلبوا النَّزاهة بابتعادِكُمْ عن البول، فالنَّزاهة: هي البعد عمَّا يستكره.

- عامَّة عذاب القبر منه؛ مؤنَّثُ عامٍّ، أي: أكثر عذاب القبر سَبَبُهُ عدمُ التنزُّه من البول؛ كما جاء في رواية الحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول".

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

الحرص على التنزُّه والابتعاد من البول بأنْ لا يصيبه في بدنه ولا ثوبه.

2 -

الأفضلُ المبادرةُ بغَسْله، والطَّهارةُ منه بعد إصابته؛ لئلَّا تصاحبه النَّجاسة، أمَّا وجوبُ إزالتها: فيكون عند الصلاة.

3 -

أنَّ البول نجس، فإذا أصاب بدنًا أو ثوبًا أو بقعةً، نجَّسها؛ فلا تصح بذلك

(1) الدَّراقطني (1/ 128)، الحاكم (1/ 293).

ص: 357

الصلاة؛ لأنَّ الطهارة من النَّجاسة أحد شروطها.

4 -

أنَّ أكثر عذاب القبر من عدم التحرُّز من البول؛ كما جاء في الصحيحين أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين فقال: "إنَّهما يعذَّبان وما يعذَّبان بكبير، أمَّا أحدهما: فكان لا يستبرىء من البول، وأمَّا الآخر: فكان يمشي بالنَّميمة".

5 -

إثبات عذاب القبر، وأنَّه حقٌّ؛ ففي البخاري (1372)، ومسلم (586) عن عائشة قالت: سألتُ النَّبيَّ عن عذاب القبر؟ قال: "نعم، عذاب القبر حق".

ومذهبُ أهل السنَّة: أنَّ عذاب القبر على الرُّوح والبدن.

قال شيخ الإِسلام: العذابُ والنَّعيمُ على النَّفْسِ والبدن جميعًا، باتفاق أهل السُّنَّةِ والجماعة.

6 -

إثباتُ الجزاء في الآخرة، فأوَّلُ مراحل الآخرة هي القبورُ، فالقبر: إمَّا روضةٌ من رياض الجنَّة، أو حفرةٌ من حُفَرِ النَّار.

7 -

قال شيخ الإِسلام: الصحيحُ جوازُ ملامسة النَّجاسة للحاجة إذا طهَّر بدنه وثيابه عند الصلاة، ولا يكره ذلك في أصحِّ الرِّوايتين، وهو قول أكثر الفقهاء.

8 -

قال الشيخ: قوله عليه الصلاة والسلام: "فإنَّه لا يتنزَّه من بوله" الاستبراء لا يكونُ إلَاّ مِنْ بَوْلِ نفسه، الذي يصيبه غالبًا في فَخِذَيْهِ وساقيه، وربَّما استهان بإنقائه، ولم يُحْكِمِ الاستنجاء منه.

***

ص: 358

90 -

وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: "عَلَّمَنَا صلى الله عليه وسلم فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى" رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف.

قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع (2/ 89): الحديث ضعيف لا يحتجُّ به، لكن يبقى المعنى، ويُسْتأنس بالحديث.

قال في التلخيص: رواه الطبراني، والبيهقي، من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه، وفي إسناده من لا يُعْوَف، قال الحازمي: لا نعلم في الباب غيره، وادَّعى ابن الرفعة أنَّ في الباب عن أنس، فلينظر. أهـ.

* مفردات الحديث:

- الخلاء: بفتح الخاء والمد، أصله: المكان الخالي، فَسُمِّيَ به المكانُ المُعَدُّ لقضاء الحاجة، لخلوِّه من النَّاس، أو لِخَلْوة الإنسان به.

- نقْعُد: يُقال: قَعَدَ يَقْعُدُ قعودًا، من باب نصر، والقعود: الجلوس، إلَاّ أنَّ القعود فيه لبث.

- ننصب: نَصَبَ يَنْصِبُ نَصْبًا، من باب ضرب، أي: رفع، والمراد: أنْ يرفع رجله اليمنى حال قضاء الحاجة.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

استحبابُ نصبِ الرجل اليمنى، والتحامُلِ على الرِّجل اليسرى، وذلك أثناء

(1) البيهقي (1/ 96).

ص: 359

قضاء الحاجة.

2 -

قال العلماء: إنَّ هذه الكيفية تسهِّل خروج الخارج.

3 -

أنَّ الشريعة المحمدية جاءتْ بكلِّ ما فيه صلاح، ونهت عن كلِّ ما فيه ضرر، وأنَّها لم تترك شيئًا من أمور العبادة إلَاّ بيَّنته، حتَّى في هذه الحال، وجَّهتهم إلى ما فيه راحتهم وصِحَّتهم.

4 -

قال الدكتور الطبيب محمد علي البار: إنَّ أحسن طريقة فسيولوجية لقضاء الحاجة لإخراجِ الفضلاتِ: الجلوسُ على الأرض، والاتكاء على الرِّجْلِ اليسرى؛ وذلك أن شكل المستقيم -وهو آخر الأمعاء الغليظة، وفيه تنخزن الفضلات- على شكل (4)، فإنْ اتكأ على اليسرى؛ صار مستقيمًا، وسهُل نزولُ الغائط، كما أنَّ خَلْفَ المستقيم مِعًى غليظًا يدعى "القولون السيني"؛ لأنَّه على شكل (س)، وكذلك يستقيم وضعه عند الاتكاء على الرِّجل اليُسْرَى، وذلك كله من أسباب سهولة خروج الفضلات.

5 -

لا شك أنَّ هذا من الإعجاز العلمي في السنَّة المطهَّرة، وأنَّ هذه التَّعاليم الحكيمةَ الرَّشيدةَ من حكيمٍ عليم.

***

ص: 360

91 -

وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ -أو ازْدَادَ- عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (1).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث ضعيف.

رواه ابن ماجه، وأحمد (18574)، وأبو داود في المراسيل، والبيهقي (1/ 113)، وأبو نعيم في المعرفة، والعقيلي في الضعفاء (3/ 381)، كلُّهم من رواية عيسى بن يزداد، عن أبيه.

قال ابن معين: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوه.

وقال أبو حاتم: حديثُهُ مرسل، ولا صحبةَ له.

وقال النوويُّ في شرح المهذَّب: اتفقوا على أنَّه ضعيف.

وقال ابن القيِّم في إغاثة اللهفان: راجعتُ شيخنا -يعني ابن تيمية- في السلت والنتر، فلم يره، وقال: لم يَصِحَّ الحديث.

* مفردات الحديث:

- فيلنتر ذكره: نَتَرَ ذكره بالمثنَّاة: جذبَهُ أو قذفه بشدَّه، قال في القاموس: استنتر مِنْ بوله: اجتذبه، واستخرج بقيَّته من الذكر عند الاستنجاء.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

نتر الذكر هو جَذْبُهُ؛ ليقذفَ بقيَّةَ البول بشدَّة.

2 -

الحديثُ على استحبابِ النتر ثلاث مرَّات بعد البول.

(1) ابن ماجة (326).

ص: 361

3 -

الحكمة في ذلك هو إخراجُ بقيَّة البول من الذَّكر إلى الخارج زيادةً في الإنقاء، وتخلُّصًا من بقيَّة البول.

4 -

استحبابُ النتر والسلت هو المشهورُ من مذهب الإمام أحمد، والَّذي مشى عليه أصحابُهُ في مصنَّفاتهم.

قال في الإنصاف: نصَّ على ذلك، وقال به الأصحاب.

5 -

قال شيخ الإِسلام: سلت الذَّكر ونتره بدعةٌ، والبولُ يخْرُجُ بطبعه.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الصحيحُ أنَّه لا يستحبُّ المسح والنتر؛ لعدم ثبوت ذلك، ولأنَّه يُحْدِثُ الوسواس.

قال النووي: ينبغي أنْ لا يُتَابعَ الأوهام؛ فإنَّه يؤدِّي إلى تمكين الوسوسة في القلب.

***

ص: 362

92 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ:"إنَّ اللهَ يُثْنِي عَلَيْكُمْ، فَقَالوا: إِنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ" رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيْفٍ (1)، وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه بِدُوْنِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ (2).

ــ

* درجة الحديث:

الحديث صحيحٌ بدون ذكر الحجارة، ضعيفٌ معها.

قال في التلخيص: حديث قباء: "

وكانوا يجمعون بين الماء والحجارة"، رواه البزَّار في مسنده، وقال لا نعلم أحدًا رواه عن الزهري إلَاّ محمَّد بن عبد العزيز، ومحمد بن عبد العزيز ضعَّفه أبو حاتم؛ ولذا قال النووي في شرح المهذَّب: المعروفُ من طرق الحديث أنَّهم كانوا يستنجون بالماء، وقال في الخلاصة: وأمَّا ما اشتهر في كتب التفسير والفقه مِنْ جمعهم بين الأحجار والماء، فلا يُعْرَفُ، والمحفوظُ الاقتصار على الماء.

وضعَّفه أبو حاتم، والنووي، وابن القيم، وابن حجر، وقال المحب الطبري: لا أصل له، ومرادهم الجمع بين الماء والحجارة، وأمَّا الاقتصار على الماء، فقال الشيخ الألباني: الصحيح أنَّ الآية نزلت في استعمال الماء فقط، كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا.

وبالاقتصار على الماءِ صحَّحه ابن خُزَيْمَةَ، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ فصحَّ الحديث بشواهده.

(1) البزار (227 كشف الأستار).

(2)

أبو داود (44)، الترمذي (3100).

ص: 363

* مفردات الحديث:

- قباء: بضم القاف، وفتح الباء الموحَّدة التحتية المخفَّفة.

قال البكري: من العرب من يُذَكِّرُهُ وَيَصرِفه، ومنهم من يؤنِّثه ولا يصرفه.

قال النووي: الذي عليه المحقِّقون: أنَّه ممدود مذكَّر مصروف.

وقباء: حيٌّ في المدينة معروف، كان يسكنه بطنٌ من الأنصار يُقال لهم: بنو عمرو بن عوف، في هذا الحي المسجد الذي قال الله تعالى فيه:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ} [التوبة: 108].

- نتبع الحجارةَ الماءَ: ينزِّهون أدبارهم بالحجارة من الغائط، ثم يغسلونها بالماء؛ ليحصل كمال الإنقاء.

- أثنى عليكم: قال في المصباح: الثناء بالفتح والمد، يقال: أثنيْتُ عليه خيرًا وبخير، وأثنيْتُ عليه شرًّا وبشرٍّ، نص عليه جماعةٌ منهم صاحب المُحْكَم.

وقال بعضهم: لا يستعمل الثَّناء إلَاّ بالحسن، وفيه نظر؛ ففي البخاري (1301) ومسلم (949):"أن الصحابة مرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: وَجَبَتْ، ثمَّ مرَّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: وجبت، فسُئِلَ عن قوله: وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار"، ولأنَّ الثناء مجرَّد الوصف.

* ما يؤخذ من الحديث:

1 -

أثنى الله تعالى على أهل قباء -إحدَى قبائل الخزرج، وهم بنو عمرو بن عوف -بقوله:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)} [التوبة]؛ فسألهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن سبب هذا الثَّناء؟ فقالوا: إنَّا نتبع الحجارة الماء عند الاستنجاء.

2 -

في هذا دليلٌ على إزالة النَّجاسة من السبيل بتخفيفها بالحجارة، ثمَّ إتباعها الماء، هو أكمَلُ التطهُّر؛ حيث لم يبق بعد هذا أثر النَّجاسة.

ص: 364

3 -

أحوال الاستنجاء ثلاث:

(أ) أكملها استعمالُ الحجارة، ثمَّ إتباعُها بالماء حتَّى الإنقاء.

(ب) يليها الاقتصارُ على الماء فقط.

(ج) آخرها رتبةً وفضلًا الاقتصارُ على الحجارة؛ لأنَّ الماء أبلغ في الإنْقَاء وإزالة النَّجاسة.

***

ص: 365