الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث: خروج يأجوج ومأجوج
خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
وقد دلّ على خروجهم الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} 1، وقوله تعالى:{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} 2.
وأما من السنة فما روته زينب بنت جحش، رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بأصبعيه، الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟.قال: "نعم إذا كثر الخبث"3.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، رضي الله عنه، قال: اطلع النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات "، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
1 سورة الأنبياء، الآية [96] .
2 سورة الكهف، الآية [92-94] .
3 صحيح البخاري 4/109. وصحيح مسلم 4/2207.
عيسى عليه السلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"1.
وقد سلك الشيخ الأمين رحمه الله مسلك السلف في الإيمان بهذه العلامة التي تكون في آخر الزمان دليلاً على قرب قيام الساعة؛ فقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} 2: "إنّ هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أنّ السدّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكاً عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه، وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} 3"4.
ثمّ تعرض رحمه الله إلى زعم المعاصرين أنّ يأجوج ومأجوج هم روسية، وأنّ السدّ فتح منذ زمن طويل5، فردّ هذا القول وفنّده لمصادمته للنصوص الصريحة، وحكى شبهتهم وبين تفاهتها؛ فقال رحمه الله:
1 صحيح مسلم 4/2225-2226.
2 سورة الكهف، الآية [98] .
3 سورة الكهف، الآيتان [98-99] .
4 أضواء البيان 4/181.
5 لم أجد من ذكر أنهم روسية، إلا أنّ الشيخ سيد قطب رحمه الله يرى (في كتابه ظلال القرآن 4/2294) من باب الترجيح لا من باب اليقين أنّ يأجوج ومأجوج هم التتار الذين دمروا الخلافة العباسية وأفسدوا في الأرض.
وللشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله رسالة مطبوعة ضمن كتاب الصين، جمع/الشيخ عبد العزيز المسند ص77، أثبت فيها أنّ يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن من الروس وغيرهم من أمم الكفر، لكنه رحمه الله يرى في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن 5/263) أنهم أمة تخرج في آخر الزمان، وأنّ السدّ باق إلى الآن.
وقد أثبت د/عبد الرزاق العباد في رسالته "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في العقيدة"(ص55) أن التفسير آخر مؤلفات الشيخ السعدي، فلعله رجع عن قوله هذا.
"فإذا قيل: إنما تدلّ الآيات المذكورة في الكهف والأنبياء على مطلق اقتراب يوم القيامة؛ من دكّ السدّ واقترابه من يوم القيامة، لا ينافي كونه قد وقع بالفعل، كما قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} الآية1. وقال: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} 2، وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه –وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها " الحديث3..... فقد دلّ القرآن والسنة الصحيحة على أنّ اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، فلا ينافي دكّ السدّ الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدكّ السدّ إلى الآن"4.
وقد أجاب رحمه الله على هذه الشبهة، فقال:"فالجواب ما قدمنا أنّ هذا البيان بهذه الآيات ليس وافياً بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن"5.
ثمّ ساق رحمه الله حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه الطويل، المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبيّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبيّ
1 سورة الأنبياء، الآية [1] .
2 سورة القمر، الآية [1] .
3 سبق تخريجه.
4 أضواء البيان 4/182-183.
5 المصدر نفسه 4/183.
الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف1في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثمّ يهبط نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت2فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثمّ يرسل الله مطراً لا يكنّ منه بيت مدر3ولا وبر4، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة5، ثمّ يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك." 67.
ثم عقب رحمه الله على هذا الحديث بقوله: "وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يوحي إلى عيسى بن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال.
فمن يدعي لأنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض هذا الحديث
1 النغف عند العرب: ديدان تولد في أجواف الحيوان من الناس وغيرهم. وفي أنوف الإبل والغنم. (انظر تهذيب اللغة 8/146) .
2 البخت: معرب، وهو الإبل الخراسانية، تنتج بين الإبل العربيةوالفالج. (انظر تهذيب اللغة 7/312) .
3 المدر: قطع الطيب اليابس. ومنه سميت القرية المبنية بالطين واللبن: المدرة. (انظر تهذيب اللغة 14/221-222) .
4 الوبر: الوبر صوف الإبل والأرنب وما أشبهها.
(انظر تهذيب اللغة 15/264) .
5 الزلف: وجه المرآة. ويقال: البركة تطفح مثل الزلف.
وقيل: الصحفة، وقيل: الروضة.
(انظر تهذيب اللغة 13/212) .
6 أخرجه مسلم 4/2253-2254.
7 أضواء البيان 4/183.
الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود"1.
ثم ذكر الشيخ الأمين –رحمه الله شبهة عقلية توصلوا بها إلى نفي وجود يأجوج وراء السد إلى الآن، وهي زعمهم أنه لو كانوا وراء السد الآن لاطلع عليهم الناس، لتطور وسائل المواصلات، لكن لما لم يطلع عليهم أحد فليسوا وراء السد. وبذلك نفوا وجودهم.
وقد نقض الشيخ الأمين –رحمه الله هذه الشبهة العقلية، وردّ عليها، فقال:"فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السدّ إلى الآن لاطلع عليهم الناس. غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ} الآية2؛ وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم، ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كلّ حال فربك فعّال لما يريد، وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه صادقة."3.
فالشيخ رحمه الله، لا يرضى هذا القول الذي يمسّ العقيدة ويصادمها، والذي ينبني على أدلة باطلة وتوهمات فاسدة، بل يقف رحمه الله أمامه فيكشف عواره، ويرده بالحجج القوية والبراهين الناصعة ليحصل الاطمئنان إلى المعتقد الصحيح، وليزهق الباطل وينتصر الحقّ.
وما ذكره الشيخ الأمين –رحمه الله في يأجوج ومأجوج، ووضحه بأسلوبه القويّ المقنع، وفنّد أقوال أصحاب التأويلات الفاسدة في هذا
1 أضواء البيان 4/185.
2 سورة المائدة، الآية [26] .
3 أضواء البيان 4/186.
الباب، كلّ ذلك من الأدلة علىاقتفائه أثر سلف هذه الأمة رحمهم الله الذين وضحوا هذا المعتقد أيما إيضاح، وردوا على المخالفين لهذه العقيدة المبنية على الكتاب والسنة.
فهذا ابن قدامة رحمه الله يقول: "ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم، وصحّ به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حقّ وصدق. وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج،
…
ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صحّ به النقل"1.
وقال شارح الطحاوية: "وأحاديث الدجال، وعيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم، يضيق هذا المختصر عن بسطها"2.
1 لمعة الاعتقاد ص 24، 25، 26.
2 شرح الطحاوية ص565.