الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلد الثاني
الباب الثاني: جهوده في توضيح بقية أركان ومباحث الإيمان (تابع)
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –رحمه الله في توضيح النبوات
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
…
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –رحمه الله في توضيح النبوات
تمهيد: تعريف النبي والرسول لغةً وشرعاً:
أولاً: تعريف النبي والرسول لغةً:
النبي لغةً مشتق من النبأ؛ وهو الخبر، كما في قوله تعالى:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} 1.
وقيل: إن النبي مأخوذ من النبوة، والنباوة؛ وهي الارتفاع؛ لارتفاع قدره، ولأنه شرف على سائر الخلق. فأصله غير مهموز. وقيل: النبي: الطريق. والأنبياء طرق الهدى2.
أما الرسول لغةً: فهو الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذاً من قولهم: جاءت الإبل رسلاً، أي متتابعة.
والرسول: اسم من أرسلت. وأصل الرِسل: الانبعاث على التؤدة3.
ثانيا: تعريف النبي والرسول شرعاً:
تعددت الآراء في تعريف النبي والرسول إلى أقوال كثيرة4، وأشهرها:
أن الرسول مَنْ أُوحِي إليه بشرع، وأُمِرَ بتبليغه. والنبي من أُوحِي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه5.
1 سورة النبأ، الآيتان [1-2] .
2 انظر: الصحاح للجوهري 1/74. وتهذيب اللغة 15/486. والمفردات للراغب الأصفهاني ص481-482. ولسان العرب 1/162.
3 انظر: تهذيب اللغة 12/391. والمفردات للراغب الأصفهاني ص195. ولسان العرب 11/284.
4 انظر: الجامع لأحكام القرآن 12/54. وأعلام النبوة للماوردي ص37-38.
5 انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص167. ولوامع الأنوار البهية 1/49.
وهذا التفريق لا يسلم من الاعتراض؛ لأن الإنسان الذي دون النبي مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبلاغ الناس أمور دينهم، وعدم كتمان العلم. فكيف بالنبي الذي هو منبأ عن الله سبحانه وتعالى؛ لاشك أن مسؤوليته أعظم، وموقفه أخطر. وقد دلت النصوص على أن الأنبياء مأمورون بالإبلاغ؛ فقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} 1، وقوله صلى الله عليه وسلم:"عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد. "2.
لذلك لم يرتض الشيخ الأمين –رحمه الله هذا التعريف، وبين تعارضه مع النصوص، فقال في معرض الرد عليه موضحاً القول الحق في هذه المسألة:"وآية الحج هذه3تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه: غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} 4يدل على أن كلاً منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول؛ هو من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} 5"6.
1 سورة الحج، الآية [52] .
2 أخرجه البخاري في الصحيح 7/199. ومسلم في الصحيح 1/199 عن ابن عباس رضي الله عنهما، واللفظ لمسلم.
3 يعني قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} .
4 سورة الحج، الآية [52] .
5 سورة المائدة، الآية [44] .
6 أضواء البيان 5/735. وانظر رحلة الحج ص 136-137.
وهذا التعريف الذي أخذ به الشيخ الأمين –رحمه الله أسلم من غيره من التعريفات؛ لذلك ارتضاه غير واحد من العلماء السابقين؛ منهم البيضاوي1-رحمه الله الذي قال في الفرق بين النبي والرسول: "الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهما السلام. لذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول"2.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعريف قريب من هذا التعريف؛ يقول فيه رحمه الله: "فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول. إلى أن قال: فقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} 3 دليل على أن النبي مرسل، ولا يسمى رسولاً عند الإطلاق؛ لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء." 4"5.
1 هو ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي. ولد في مدينة البيضاء بفارس، وتوفي سنة [685هـ] .
(انظر: البداية والنهاية 13/327. وشذرات الذهب 5/392. والأعلام 4/110) .
2 أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 4/57.
3 سورة الحج، الآية [52] .
4 أخرجه أبوداود في سننه 4/57، رقم 3641. وقال الألباني في مشكاة المصابيح (1/74، رقم212) : إسناده حسن.
5 النبوات ص255-256.
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
جميع الرسل متفقون في الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك؛ فالغاية التي بعثوا من أجلها: إفراد الله بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، فهذه مهمة جميع الرسل من نوح عليه السلام إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فكل واحد من الأنبياء والرسل، عليهم السلام، يقول لقومه:{اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 1.
وقد اهتم الشيخ الأمين –رحمه الله بتوضيح هذه المسألة الجليلة التي هي وسيلة لأعظم غاية من أجلها خلق الخلق وأوجدت الكائنات؛ فقال رحمه الله: "كل دعوات الرسل هي مضمون "لا إله إلا الله" التي قام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولهذا كان كل رسول إنما يبدأ قومه بالدعاء إليها، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 2"3.
1 سورة المؤمنون، الآية [23] .
2 سورة الأنبياء، الآية [25] .
3 معارج الصعود، ص136.
وأوضح الشيخ –رحمه الله في موضع آخر أن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة، فكلهم يدعو إلى التوحيد الخالص، فقال رحمه الله:"إن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيراً واحداً فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون "لا إله إلا الله" كما أوضحه تعالى بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} 1، وقوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 2، وقوله تعالى:{وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} 3. وأوضح تعالى أن من كذَّب بعضهم فقد كذّب جميعهم، في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} 4، وأشار إلى ذلك في قوله: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} 5، وقوله: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} 6، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} 7. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} 8، ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحاً
1 سورة النحل، الآية [36] .
2 سورة الأنبياء، الآية [25] .
3 سورة الزخرف، الآية [45] .
4 سورة النساء، الآيتان [150-151] .
5 سورة البقرة، الآية [285] .
6 سورة البقرة، الآية [136] .
7 سورة النساء، الآية [152] .
8 سورة الشعراء، الآية [105] .
وحده، حيث أفرد ذلك بقوله:{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} إلى قوله: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} 1. وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} 2، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث أفرده بقوله: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ} 3. ونحو ذلك في قوله تعالى، في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه. ويزيده إيضاحاً قوله صلى الله عليه وسلم:"إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد." 4؛ يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع"5.
وفي موضع آخر أشار الشيخ الأمين –رحمه الله إلى أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو أشد الأنبياء احتياطاً في حماية جناب التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل. فقال رحمه الله: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطاً خاتمهم صلى الله عليه وسلم ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطاً في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا؛ فالسجود لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى مع أنه كان جائزاً في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة
1 سورة الشعراء، الآيتان [106-117] .
2 سورة الشعراء، الآية [123] .
3 سورة الشعراء، الآية [124] .
4 مروي عن أبي هريرة من طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة؛ رواه البخاري في الصحيح 4/142. ومسلم في الصحيح 4/1837. والعَلَاّت جمع علّة وهي الضرة فهم بنو رجل واحد من نسوة شتى. انظر (النهاية في غريب الحديث والأثر 3/291) .
وقال ابن حجر –في معنى الحديث-:"إن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة". فتح الباري (6/489) .
5 أضواء البيان 7/827-828.
والسلام. كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} 1، ولذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 2.
وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أن لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه صلى الله عليه وسلم في أصله الأعظم الذي هو لا إله إلا الله؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذباً لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة" 3.
وهكذا يتضح لنا اهتمام الشيخ الأمين –رحمه الله ببيان هذه المسألة العظيمة؛ حيث أقام الأدلة على أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد العبادة، وأن أصل دينهم واحد، وهومضمون شهادة أن لا إله إلا الله.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام في "العقيدة التدمرية" يؤيد ما قاله الشيخ الأمين –رحمه الله؛ فقد أوضح رحمه الله أن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وأن رأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع رسله عليهم الصلاة والسلام4.
1 سورة يوسف، الآية [100] .
2 سورة الأنبياء، الآية [108] .
3 رحلة الحج، ص134.
4 انظر العقيدة التدمرية، ص167، 174.