الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة
أعظم نعيم الجنة وملذاتها رؤية المؤمنين وجه ربهم الكريم الذي ليس كمثله شيء.
والمؤمنون يرون ربهم في الجنة من فوقهم رؤية بصرية كما جاءت النصوص من القرآن والسنة النبوية:
فمن القرآن: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 1، وقوله:{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 2، وقوله جلّ شأنه:{عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} 3.
ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا" 4، وقال، صلى الله عليه وسلم:"إنكم سترون ربكم عياناً "5.
وقد أوضح الشيخ الأمين رحمه الله هذه المسألة العظيمة من خلال تفسيره للآيات الدالة على رؤية الرب سبحانه وتعالى؛ فذكر حقيقة الرؤية، وأدلتها، ومعتقد أهل السنة في إثباتها في الآخرة ومنعها في الدنيا، وذكر في المقابل أدلة المعطلة النافين لرؤية الله سبحانه وتعالى، وبين خطأ استدلالهم، وردّ عليهم.
1 سورة القيامة، الآيتان [22-23] .
2 سورة المطففين، الآية [15] .
3 سورة المطففين، الآية [23] .
4 أخرجه البخاري في صحيحه –واللفظ له- 8/179. ومسلم في الصحيح 1/439.
5 أخرجه البخاري في صحيحه 8/179.
ومما قاله رحمه الله: "وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم -أنه قال في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 1؛ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم2. وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 3.
وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم. وتحقيق المسألة: أنّ رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلاً في دار الدنيا: قول موسى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 4؛ لأنّ موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى. وأما شرعاً: فهي جائزة وواقعة في الآخرة؛ كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح. وأما في الدنيا: فممنوعة شرعاً كما تدلّ عليه آية "الأعراف"5 هذه، وحديث:" إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا "67.
1 سورة يونس، الآية [26] .
2 قال البيهقي رحمه الله: هذا تفسير استفاض واشتهر فيما بين الصحابة والتابعين، ومثله لايقال إلا بالتوقيف (انظر لوامع الأنوار البهية 2/242) .
وقد أخرج مسلم عن صهيب رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"إذا دخل أهل الجنة، الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل. ثمّ تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ". (صحيح مسلم 1/163) .
3 سورة ق، الآية [35] .
انظر في تفسير هذه الآية: الرد على الجهمية للدارمي ص62.
4 سورة الأعراف، الآية [143] .
5 قوله تعالى: "قال لن تراني". (الأعراف، 143) .
6 لم أجده بهذا اللفظ. وهو في مسلم 4/2245 وسنن الترمذي (4/508) بلفظ: " إنه لن ير أحد منكم ربه حتى يموت". وقال: "حديث حسن صحيح".
7 أضواء البيان 2/332. وانظر المصدر نفسه 3/262، 401، 4/199، 7/654. ودفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان 10/122، 312. وآداب البحث والمناظرة 2/51، وتفسير سورة النور ص141، 157- جمع د/عبد الله قادري.
أما من منع رؤية الله: فهم المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة1.
وقد استدلوا على ماذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى:{لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ} 2، وقوله تعالى:{لَنْ تَرَانِي} 3، وقوله تعالى:{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} 4، وغيرها من الأدلة.
وقد استعرض الشيخ الأمين رحمه الله هذه الأدلة، وبين أنها لاتعارض معتقد السلف في إثبات رؤية الله بالأبصار يوم القيامة، ودفع التوهم الذي التبس على هؤلاء المعطلة؛ فقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى:{لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ} الآية5: هذه الآية الكريمة توهم أنّ الله تعالى لايرى بالأبصار. وقد جاءت آيات أخر تدلّ على أنه يرى بالأبصار؛ كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 6. وكقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 7؛ فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وكذلك قوله: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 8 على أحد القولين.
وقوله تعالى في الكفار: {كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون} 9؛ يفهم من دليل خطابه أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من
1 انظر: شرح الطحاوية ص204.
2 سورة الأنعام، الآية [103] .
3 سورة الأعراف، الآية [143] .
4 سورة البقرة، الآية [55] .
5 سورة الأنعام، الآية [103] .
6 سورة القيامة، الآيتان [22-23] .
7 سورة يونس، الآية [26] .
8 سورة ق، الآية [35] .
9 سورة المطففين، الآية [15] .
ثلاثة أوجه: الأول: أنّ المعنى: "لاتدركه الأبصار": أي في الدنيا، فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب من المعنى الأول. الثالث: وهو الحقّ؛ أنّ المنفيّ في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه. أما مطلق الرؤية فلا تدلّ الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل هذا الجواب: أنّ الإدارك أخصّ من مطلق الرؤية؛ لأنّ الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى لاتدركه الأبصار: لاتحيط به، كما أنه تعالى يعلمه الخلق، ولايحيطون به علما. وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخصّ لايستلزم نفي الأعمّ؛ فانتفاء الإدراك لايلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أنّ الله تعالى لايدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق؛ والدليل على هذا الوجه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور، أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"1.
فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقاً"2.
وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} الآية3:
"استدلّ المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة: فإنّ المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما
1 أخرجه مسلم 1/161-162.
2 دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان 10/120-121.
3 سورة الأعراف، الآية [143] .
صرح به تعالى في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 1، وقوله في الكفار:{كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 2؛ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا"3.
وقال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} 4:
"واستدلال المعتزلة بهذه الآية وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل، ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال وأعظم الباطل. وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إنّ الله لايرى: قول باطل، وكلام فاسد. والحقّ الذي لاشك فيه أنّ المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة؛ كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما"5.
وبهذا العرض الشيق من الشيخ رحمه الله لأدلة السلف رحمهم الله في إثبات رؤية الباري جل وعلا في الآخرة، وبهذا الردّ القويّ على أدلة المنكرين وشبههم: يتضح للمنصف أنّ الحقّ في جانب السلف الذين تمسكوا بالنصوص فلم يوؤلوها بعقولهم.
وأذكر ها هنا أقوالا لبعض السلف رحمهم الله في إثبات رؤية الربّ جل وعلا يوم القيامة، وأنها حقّ لا مرية فيه:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (قد دلّ القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث؛ عصابة الإسلام ونزل الإيمان
1 سورة القيامة، الآيتان [22-23] .
2 سورة المطففين، الآية [15] .
3 أضواء البيان 2/332.
4 سورة البقرة، الآية [55] .
5 أضواء البيان 6/304-305. وانظر المصدر 2/206.
وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنّ الله يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة"1.
وقال العلامة ابن أبي العزّ الحنفي رحمه الله: "وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها معرفة يقطع بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قالها"2.
وبذكر هذين المثالين من قولي هذين الإمامين الجليلين يتضح مذهب السلف رحمهم الله في هذه المسألة؛ من إثبات الرؤية البصرية كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة المتواترة، وذلك أعظم ما يعطاه المؤمن في الجنة من النعيم، نسأل الله بمنه وفضله أن يرزقنا ذلك إنه جواد كريم.
1 حادي الأرواح ص211.
2 شرح الطحاوية ص210.