الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان
الإسلام والإيمان كما هو مقرر في قواعد أهل السنة والجماعة:
إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا1؛ أي إذا اجتمعا باللفظ افترقا بالمعنى؛ فيشمل الإسلام الأعمال الظاهرة. والإيمان الأعمال الباطنة. وإذا افترقا باللفظ اجتمعا بالمعنى؛ فيشمل كلّ واحد منهما الأعمال الظاهرة والباطنة.
وقد صرح بهذا المعنى الشيخ الأمين –رحمه الله، وذكر أمثلة لورود الإيمان متضمنا للإسلام، شاملا للأعمال الظاهرة والباطنة.
وبين رحمه الله أنّ الإيمان يطلق أحيانا على الأعمال القلبية فقط؛ فيكون مغايرا لمعنى الإسلام:
يقول رحمه الله في بيان ذلك كله عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ} 2:
"ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام. وقد دلّ بعض الآيات على اتحادهما؛ كقوله تعالى: {فأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 3. ولا منافاة في ذلك؛ فإنّ الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل؛ كما ثبت في
1 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 1/148. وجامع العلوم والحكم ص26.
2 سورة الزخرف، الآية [69] .
3 سورة الذاريات، الآية [35-36] .
الصحيح من حديث وفد عبد القيس1. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. ومن أصرحها في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وسبعون –وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح- وستون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" 2؛ فقد سمى صلى الله عليه وسلم "إماطة الأذى عن الطريق" إيمانا. وقد أطال البيهقي رحمه الله في شعب الإيمان في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة بتسميتها إيمانا. فالإيمان الشرعي التام، والإسلام الشرعي التام معناهما واحد.
وقد يطلق الإيمان إطلاقا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب؛ كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح3.
والقلب مضغة في الجسد إذا صلح الجسد كله؛ فغيره تابع له. وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام.
فالإيمان على هذا الإطلاق اعتقاد، والإسلام شامل للعمل. واعلم أنّ مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى:{قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 4؛ قال بعض العلماء: المراد بالإيمان هنا: معناه الشرعيّ، والمراد بالإسلام: معناه اللغويّ؛ لأنّ إذعان الجوارح وانقايدها دون إيمان القلب: إسلام لغة لا شرعا.
وقال بعض العلماء: المراد بكلّ منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإيمان في قوله:{وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ} يراد به عند من قال هذا: نفي كمال الإيمان، لا نفي أصله. ولكنّ ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله:
1 سبق تخريجة.
2 سبق تخريجة.
3 سبق تخريجة.
4 سورة الحجرات، الآية [14] .
"ولما يدخل" فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم على التحقيق وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح جدا كما قدمنا مرارا"1.
وما ذكره الشيخ الأمين –رحمه الله هو قول المحققين من أهل العلم كما نقله الإمام النووي2عن أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله، وغيره.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الإسلام والإيمان؟ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة. فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع. وهذا هو الواجب"3.
1 أضواء البيان 7/278-279. والمصدر نفسه 7/636-639.
2 شرح النووي على صحيح مسلم 1/148.
3 الفتاوى 7/259-260.