الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: الهداية
الهداية نوعان: هداية دلالة على الحقّ وإرشاد؛ وهي لجميع الخلق، وهي التي يقدر عليها الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى:{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} 1. وهداية توفيق وتثبيت من الله منة منه وفضلا لعباده المتقين؛ وهي التي لايقدر عليها إلا الله، قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} 2"3.
وقد أوضح الشيخ الأمين رحمه الله نوعي الهداية، فقال رحمه الله: "إنّ الهدى يستعمل في القرآن استعمالين؛ أحدهما عام، والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحقّ وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} 4؛ أي بينا لهم طريق الحقّ على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله عز وجل {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} 5.
ومنه أيضا قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} 6 أي بينا له طريق الخير والشرّ، بدليل {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} 7.
1 سورة الرعد، الآية [7] .
2 سورة القصص، الآية [56] .
3 انظر الجامع لأحكام القرآن 1/112-113.
4 سورة فصلت، الآية [17] .
5 سورة فصلت، الآية [17] .
6 سورة الإنسان، الآية [3] .
7 سورة الإنسان، الآية [3] .
وأما الهدى الخاصّ: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ} 1،2.
وقال أيضا: "إنّ الهدى المثبت له صلى الله عليه وسلم هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد.
وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم فبين المحجة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك. والهدى المنفي عنه في آية {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} 3 هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق: لأنّ ذلك بيد الله وحده، وليس بيده صلى الله عليه وسلم؛ كما قال:{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} الآية4"5.
ثمّ وضح الشيخ الأمين رحمه الله أنّ التوفيق الخاص هو ملك لله يمنّ به على من يشاء من عباده؛ فقال عند تفسير قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} 6.
"فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه؛ يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك دينا علينا ولاواجبا مستحقا يستحقه علينا بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل"7.
1 سورة الأنعام، الآية [125] .
2 دفع إيهام الاضطراب 10/8.
3 سورة القصص، الآية [56] .
4 سورة المائدة، الآية [41] .
5 أضواء البيان 7/126-127. وانظر المصدر نفسه 3/268، 4/147، 6/456.
6 سورة الأنعام، الآية [149] .
7 أضواء البيان 7/223.
وتقسيم الشيخ الأمين رحمه الله للهداية إلى هذين النوعين ليس بدعا، بل قد سبقه إليه أئمة السلف رحمهم الله؛ منهم الإمام ابن القيم رحمه الله الذي قال في توضيح نوعي الهداية:(قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها. والهداية معرفة الحقّ والعمل به، فمن لم يجعله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء؛ فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لايتخلف عنها؛ وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به. فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولانبيّ مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} 1، مع قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2؛ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود فاستحبوا العمى عليها، وهي التي قال تعالى فيها: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} 3؛ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لايضلّ من هداه بها، فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته؛ فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولايليق بهم)4.
وقال رحمه الله أيضاً يتكلم عن القسم الثاني من أقسام الهداية، ألا وهو تفضل الله على العبد بتوفيقه رحمة منه وفضلاً جل وعلا: "التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فالعبيد مقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال
1 سورة القصص، الآية [56] .
2 سورة الشورى، الآية [52] .
3 سورة التوبة، الآية [115] .
4 شفاء العليل ص53. وانظر: المصدر نفسه ص65. وبدائع الفوائد 2/35. ولوامع الأنوار البهية 1/334. وشرح العقيدة الطحاوية ص500.
نصيبه من هذا وهذا
…
فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته. وهو المحمود على هذا وهذا له أتمّ حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله"1.
1 مدارج السالكين 1/413. وانظر شرح الطحاوية ص500.