الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأجابه أنا أكفيكه يا رسول الله، وما لبث أن اتصل برجل من قيس وأعطاه عشرة دنانير لقاء تعهده بقتل ابن جحاش، فأدى الأعرابي المهمة، وعاد ابن يامين لكي يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضاء على الخائن «1» .
وهكذا تم إجلاء طائفة أخرى من اليهود بسبب خرقها الميثاق وخفرها الذمة وخيانتها الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد جاء انتصار المسلمين هذا في أعقاب محنتهم في أحد وفجيعتهم في حادثتي الرجيع وبئر معونة، ومن ثم تولوا زمام المبادرة ثانية، وتغيّر بانتصارهم هذا مجرى الأحداث، ونزلت- بعد قليل- سورة بأكملها هي سورة (الحشر) تعرض لظروف هذا الحدث الخطير، وتعلق على مجرياته ونتائجه التي ما كانت لتحدث هكذا لولا إرادة الله الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ «2» وإن كان ثمة شيء يزاد على روايات التاريخ فهو المدى الواسع الذي ينطوي في الآية الرابعة من السورة الآنفة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذ يصحّ أن يقال إن محاولة بني النضير اغتيال النبي إنما كانت سببا مباشرا، وأنه كان منهم قبل ذلك مواقف مشاقة مؤذية ومزعجة كثيرة طفح بها الكيل وحق عليهم من أجلها التنكيل «3» .
[6]
لم يشأ زعماء بني النضير الذين استقروا في خيبر أن يظلوا ساكتين إزاء هزيمتهم وامتداد الإسلام إلى كل مكان، وتدارسوا الأمر فرأوا أن أحد أكبر الأسباب في الهزائم التي مني بها أعداء الإسلام من الوثنيين واليهود هي قتالهم المسلمين كل على انفراد، الأمر الذي مكّن هؤلاء من تصفية خصومهم وتحقيق
(1) الواقدي: 1/ 373- 374.
(2)
ابن هشام ص 205 الواقدي 1/ 380- 383 وعن الآيات المتعلقة بإجلاء بني النضير انظر سورة الحشر: الآيات 2- 7، 11- 17.
(3)
دروزة: عصر الرسول صلى الله عليه وسلم 2/ 198.
الانتصارات المتتالية عليهم، وإذن فإن خير أسلوب لتفادي الهزيمة كرة أخرى هي أن يسعوا لتشكيل حلف قوي يضم كافة القوى الوثنية واليهودية وتوجيه ضربة مشتركة للإسلام لا تقوم له بعدها قائمة. وسرعان ما انطلق نفر منهم على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم للاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى وإقناعهم جميعا بالفكرة التي توصلوا إليها. وعندما قدموا على قريش ودعوها إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله، أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييا عن قومه من بني النضير فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. فسألوه عن بني قريظة فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وتساءل بعض رجالات قريش:
يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ أجاب اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. كان اليهود مستعدين لأن يزيفوا كل شيء، ويتجاوزوا منطقهم الديني نفسه في سبيل التودد إلى الوثنية وتحريكها لضرب الإسلام. ولقد نجحوا في هذا السبيل، بعد أن اتصلوا بالقبائل العربية الآخرى، وانطلق الأحزاب في هجوم شامل على المدينة لاستئصال الإسلام «1» .
ولقد أدرك زعماء بني النضير أن هدفهم لن يكسب ضمانه النهائي إلا بإقناع يهود بني قريظة في يثرب، أولئك الذين كانوا لا يزالون ملتزمين بميثاقهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، بالتمرد على التزامهم والإنضواء إلى صفوف الأحزاب، والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك. فانطلق حيي بن أخطب «2» ، وقد حوصرت المدينة، إلى حصون بني قريظة القابعة إلى الجنوب منها، وقصد زعيمها كعب بن أسد. فلما سمع هذا بقدوم حيي أغلق دونه باب حصنه تجنبا للمشاكل والتزاما بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه حيي بالدخول عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي محاولا إقناعه بما جاء من أجله: ويحك يا كعب.. افتح لي. أجابه كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم وإني قد
(1) ابن هشام ص 211- 212، الواقدي: 2/ 441- 442، وانظر: الشريف: مكة والمدينة ص 455.
(2)
يذكر ابن سعد 2/ 1/ 48 بأن أبا سفيان هو الذي دس حييا إلى بني قريظة كي ينقضوا عهدهم، ويذهب الواقدي إلى ما ذهب إليه ابن سعد: المغازي 2/ 454- 455.
عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك. أجاب كعب: ما أنا بفاعل. قال حيي مستفزا رفيقه: «والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيشتك «1» أن أكل منها معك» فاضطر كعب إلى أن يفتح له.
وما أن دخل زعيم بني النضير حتى بادر رفيقه قائلا: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بجانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألايبارحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. أجابه كعب وهو يخمن المصير الذي ينتظره وقومه إذا ما تمردوا على العهد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد أهراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يخاتله ويراوغه ويمنيه حتى أجابه كعب بعد أن شرط عليه أنه إذا ما عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا دخل معه حصنه حتى يصيبه ما أصابه. وعند ذلك قام كعب بنقض العهد وأعلن براءته مما كان بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم «2» .
عندما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنباء نقض بني قريظة عهدها معه بعث سعد ابن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وآخرين وقال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فتوجه هؤلاء إلى حصون قريظة وسألوهم عما بلغهم عنهم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، وعندما عنفهم سعد بن معاذ شتموه! وعاد الرجال لكي يخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم عن صحة ما ورده من أنباء زادت المسلمين بلاء على بلاء «3» .
وسرعان ما همت بنو قريظة في القيام بهجوم ليلي على قلب المدينة، وأرسل زعماؤها حيي بن أخطب إلى معسكر قريش لكي يأتي بألفي رجل منها ومن غطفان يستعينون بهم على هذا الهجوم، الأمر الذي دفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى
(1) الجشيشة: طعام من البر يطحن غليظا.
(2)
ابن هشام ص 214- 215، الطبري: تاريخ 2/ 571- 572، الواقدي 2/ 454- 457.
(3)
ابن هشام ص 215، الطبري: تاريخ 2/ 572، الواقدي 2/ 457- 459.
تجريد كتيبتين من خمسمائة فارس لحراسة المدينة والطواف في أحيائها ورفع معنويات أهاليها. ويحدثنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيقول: «لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان.. فكان مما رد الله به بني قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تحرس» «1» . وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث العيون من جهته إلى بني قريظة لكي يجيئوه بأماكن خللهم ونقاط ضعفهم «2» وقد تمكن عشرة من أشداء اليهود من التسلل يوما إلى أطراف المدينة فتصدى لهم نفر من المسلمين واشتبكوا معهم في قتال بالنبال أسفر عن تراجع اليهود واحتمائهم بحصونهم، وسيطر الرعب عليهم «فلم يقدروا أن يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفا شديدا» «3» .
وصمد المسلمون لمحنة (الأحزاب) وتمكنوا من دحر أخطر هجوم في تاريخ دعوتهم، فتفككت عرى الأحزاب وقفلت عائدة إلى ديارها، وحان الوقت لإنزال العقاب العادل بالجماعة اليهودية التي نقضت العهد في أخطر ساعة عاشها المسلمون. جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ أجاب الرسول: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم مؤذنا يؤذن في الناس (من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة)«4» ، إسراعا بالمسلمين إلى هدفهم واستنهاضا لهم بعد الجهد والعناء الذي أصابهم خلال أيام الحصار الشاقة.
لقد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال، فلو أنه أبطأ في حركته هذه لاستفاد اليهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم، أو إقناع اليهود الآخرين بمعاونتهم، أو التشبث بالحصول على قوات من القبائل لتدعيم قوتهم، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية
(1) الواقدي، 2/ 460.
(2)
المصدر السابق 2/ 461- 462.
(3)
المصدر السابق 2/ 462.
(4)
ابن هشام ص 223، الطبري: تاريخ 2/ 581، ابن سعد 2/ 1/ 53- 55، الواقدي: 2/ 496- 499، البلاذري: أنساب 1/ 347- 348.
التي يحتاجونها في القتال حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة.
ولكن إسراع الرسول لتطويقهم حال بين اليهود وبين كل ذلك، إذ لم يكن اليهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كافة متطلبات القتال المتوقع ضد المسلمين، بل إن حركة المسلمين السريعة لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم، كما لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم أي خطة على الإطلاق.. كما أن حركة المسلمين مبكرا شلّت معنويات اليهود وقضت على روح المقاومة فيهم «1» .
ومما يزيد في قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب، لقد كانوا منهوكي القوى لسهرهم على حراسة مواضعهم مدة حوالي شهر في موقف عصيب يحطم أعصاب الشجعان، وكان الطقس باردا وقد تحملوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة. وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه، إذ ما هي إمكانيات إعاشتهم مثلا وهي أهم ما يديم قوة المقاتلين؟ إن عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو إلى الإعجاب والتقدير «2» .
استمر الحصار خمسا وعشرين ليلة وبدأ الرعب يتسرب إلى قلوب اليهود، وأدركوا ألا قدرة لهم على الصمود حتى النهاية. ولما أيقن زعيمهم كعب بن أسد أن الرسول صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى ينزل بهم عقابه، عرض على قومه حلولا عدة علها تخلصهم من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه فقال: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: إذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا
(1) شيت خطاب: الرسول القائد ص 167.
(2)
المرجع السابق، ص 168.
نخشى عليه، وأن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد علينا سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ وقال نباش بن قيس، أحد زعمائهم: وكيف نصيب منهم غرة وأنت ترى أمرهم كل يوم يشتد، كانوا أول ما يحاصروننا إنما يقاتلون بالنهار ويرجعون بالليل
…
فهم الآن يبيتون الليل ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟ قال كعب: ما بات رجل منكم، منذ ولدته أمه، ليلة من الدهر حازما.
ومن ثم أعلن اليهود نزولهم على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم «1» .
عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، زعيم الأوس، وقد كان بنو قريظة مواليهم، بإصدار الحكم. وكان سعد آنذاك يمرض من جراحه التي أصابته في معركة الخندق تشرف على تمريضه في المسجد امرأة تدعى رفيدة كانت تداوي الجرحى، وتتولى رعاية من لا أهل له من المقاتلين. فجاء به قومه يحملونه وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيم. فلما ألحوا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم أصدر حكمه بقتل الرجال المحاربين، وتقسيم الأموال، وسبي الذراري والنساء، فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له (لقد حكمت فيهم بحكم الله- من فوق سبع سماوات- وحكم رسوله)«2» !!.
لم يكن رجال بني قريظة سوى مجرمي حرب، وفق قوانين القتال المعاصرة، نقضوا العهد، وانضموا إلى الأعداء والحرب قائمة بين المسلمين والأحزاب. فكان نقضهم خيانة عظمى، ولم يكن عقابهم العادل المكافىء لفعلتهم سوى القتل. وقد أنزلوا من حصونهم مقرنين في الأصفاد، وحفرت لهم
(1) ابن هشام: ص 224- 225، الطبري: تاريخ 2/ 583- 584، الواقدي 2/ 501- 503، ابن الأثير: الكامل 2/ 185- 187، السمهودي: وفاء الوفا 1/ 218- 220.
(2)
ابن هشام 226- 228، الطبري: تاريخ 2/ 586- 588، ابن سعد 2/ 1/ 54، الواقدي: 2/ 510- 512، اليعقوبي 2/ 43، البلاذري: فتوح 1/ 23- 24، أنساب 1/ 347، البخاري: تجريد 2/ 82- 83، ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 116- 126.
الخنادق، ثم جيء بهم فوجا فوجا حيث لاقوا مصيرهم ودفنوا هناك، وبلغ عددهم بين الستمائة والسبعمائة رجل فيهم سيدهم كعب بن أسد وحيي بن أخطب، زعيم بني النضير الذي كان قد لجأ إلى حصون بني قريظة بعد انسحاب الأحزاب، وامرأة كانت قد ألقت- خلال الحصار- رحى على مسلم يدعى خلاد ابن سويد فقتلته.
وما أن تم تنفيذ الحكم برجال بني قريظة حتى انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا «1» بعد أن استجاب ربه لدعائه يوم جرح في معارك الخندق «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» «2» .
وبفتح حصون بني قريظة يكون المسلمون قد تخلصوا من آخر كتلة يهودية في المدينة اختارت بنفسها- كسابقاتها- أن تقف من الإسلام موقف الحقد والعداء، وأن تنقض ميثاقها مع الرسول صلى الله عليه وسلم. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليستخدم أسلوب العقاب الجماعي إزاء اليهود الذين لم يروا منه- كما قال سيدهم كعب بن أسد- إلا وفاء وصدقا. فكان لا يعاقب إلا القبائل التي نقضت عهدها معه تاركا القبائل الآخرى تمارس حريتها الدينية والمدنية كاملة ما دامت على عهدها.
وهكذا لم تؤد حادثة سوق الصاغة إلا إلى إجلاء مسببيها من بني قينقاع، كما لم تؤد محاولة اغتياله إلا إلى طرد القائمين بها من بني النضير، ولو ظلت بنو قريظة على عهدها، ولم تمارس خيانتها الخطيرة في معركة الخندق لكان لها شأن آخر غير المصير الذي انتهت إليه، هذا فضلا عن أن العقاب الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينزله بخصومه اليهود كان يجيء دوما مكافئا لحجم الجرم الذي مارسته الكتل اليهودية، إذ سمح لكل من بني قينقاع وبني النضير بالخروج إلى أي مكان يشاؤون داخل الجزيرة أم خارجها، بعد أن حقن دماءهم ولم يستخدم أسلوب القتل إلا إزاء أولئك الذين خانوا العهد في ساحة الحرب وتعاونوا مع الأعداء، وهو العقاب الذي تمارسه جميع القوانين. أما اليهود، كأفراد لا ينتمون إلى هذه الكتلة وتلك من الكتل اليهودية ذات الوجود السياسي والعسكري، فقد ظلوا حتى
(1) ابن هشام ص 228- 229، 232، الطبري: تاريخ 2/ 588- 589، 592، الواقدي: 2/ 513- 518، السمهودي: وفاء الوفا 1/ 220- 221، ابن كثير: البداية والنهاية: 4/ 126- 130.
(2)
الطبري: تاريخ 2/ 575، ابن سعد 2/ 1/ 56، الواقدي 2/ 512، 525.