الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصْل الأوّل مملكة ألمرية
الفتيان الصقالبة. اشتراكهم في حوادث قرطبة. نزوحهم إلى شرقي الأندلس. استيلاء خيران العامري على أوريولة ومرسية وألمرية. يؤيد خلافة المرتضي. اختيار الفتيان لعبد العزيز المنصور زعيماً لهم. خيران يبايع محمد بن عبد الملك ثم يختلف معه. حكم خيران في ألمرية ومنشآته. شجاعته وإقدامه. وفاته وولاية زهير العامري مكانه. صفاته. وزيره أحمد بن عباس. حملته إلى غرناطة ومصرعه استيلاء عبد العزيز بن أبي عامر على ألمرية. استخلافه لوزيره ابن صمادح عليها. تغلب ابن صمادح على ألمرية. بنو صمادح وزعيمهم أبي يحيى عامل وشقة. ولده معن يتولى الوزارة لصهره عبد العزيز ثم ينزع منه ألمرية. وفاته وقيام ولده أبي يحيى المعتصم مكانه. صداقته لباديس صاحب غرناطة. خلافه مع عبد العزيز صاحب بلنسية. الثورة في لورقة. تأييد عبد العزيز لها. الحرب بينه وبين المعتصم وباديس. استقلال الثوار بحكم لورقة. الخلاف بين المعتصم وباديس. استيلاء المعتصم على أراضي غرناطة الشرقية. استيلاؤه على جيان. الخلاف بين المعتصم وعبد الله صاحب غرناطة والصلح بينهما. أدب المعتصم وشاعريته. أقوال ابن بسام. سقوط طليطلة وموقف المعتصم من استدعاء المرابطين. تنافسه مع ابن عباد لدى أمير المسلمين. مساهمة جنده في موقعة الزلاقة. مساهمته في حصار حصن لييط. وفاته وما يروى حولها. ولده معز الدولة. فراره من ألمرية عند مقدم المرابطين.
1 -
عهد الفتيان العامريين
لما وقعت الفتنة، وانتهت الدولة العامرية، بتربع محمد بن هشام المهدي على كرسي الخلافة، في جمادى الآخرة سنة 399 هـ (فبراير 1009 م)، ومقتل عبد الرحمن بن المنصور، بعد ذلك بأيام قلائل، غادر معظم الفتيان الصقالبة قرطبة، فراراً من اضطهاد العهد الجديد، وقصدوا إلى شرقي الأندلس، حيث كانت الأحوال أهدأ وأكثر استقراراً، وجو العمل والمغامرة أكثر انفساحاً، وكان منهم عدة من الفتيان الفحول والخصيان الأذكياء، ذوي الإقدام والعزم، مثل مجاهد، وقد غلب على مدينة دانية والجزائر الشرقية، ولبيب وقد غلب على طرطوشة. ومظفر ومبارك وقد غلبا على بلنسية، ونبيل وقد غلب على شاطبة، وخيران، وقد غلب على ألمرية ومرسية وأوريولة.
وإنما يهمنا هنا، من هذه الجمهرة من الفتيان الصقالبة، خيران العامري،
وقد كان من أقواهم عزماً، وأنشطهم إلى خوض غمار الحوادث، التي تلت سقوط الدولة العامرية. ونحن نعرف أن محمداً بن هشام المهدي حينما تولى الخلافة ثار عليه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في أنصاره ومرشحيه من البربر، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة حول قرطبة وفي الزهراء، هزم فيها سليمان وحزبه في البداية. وكان الفتيان العامريون ينقمون على المهدي ما فعله بهشام المؤيد من حبسه بالقصر واضطهاده، وما فعله بعبد الرحمن المنصور وبني عامر، فائتمروا به وقتلوه، وكان من بين مدبري هذه المؤامرة الحاجب واضح الفتى، وزميلاه عنبر وخيران، وكانا قد قدما من شرقي الأندلس إلى قرطبة مع عدد آخر منهم، ليشتركوا في حوادث قرطبة، وليبحثوا عن طالعهم فيها.
ورفع الفتيان الصقالبة، هشاماً المؤيد إلى كرسي الخلافة مرة أخرى، وتولى واضح حجابته. ولكن البربر تمسكوا بموقفهم وبمرشحهم سليمان، واستأنفوا هجومهم على قرطبة وحاصروها، وقاتلوا أهلها بمنتهى الشدة، ودافع القرطبيون عن أنفسهم بمنتهى البسالة، ولكنهم ضاقوا بالحصار والعدوان ذرعاً، ووجه اللوم في ذلك إلى الحاجب واضح، فقتله زملاؤه، وفي النهاية تغلب البربر على كل مقاومة، واعتلى سليمان كرسي الخلافة باسم المستعين، وذلك في شوال سنة 403 هـ (مايو 1013 م).
وكان الفتيان العامريون قد خشوا العاقبة بعد مقتل واضح، وهالهم في نفس الوقت، ما ارتكبه سليمان وصحبه البربر من العيث والسفك، وجرح الكثير منهم خلال القتال ومنهم خيران، فغادروا قرطبة ناجين بأرواحهم، وقصدوا إلى شرقي الأندلس مرة أخرى.
وسار خيران أولا إلى أوريولة في شرقي الأندلس فاستولى عليها، ثم وثب منها على مدينة مرسية عاصمة تدمير، فأخضعها لسلطانه (403 هـ)، وخرج منها بعدئذ بقواته إلى ثغر ألمرية. وكان عليها أفلح الصقلبي، وهو حسبما تصفه الرواية غرٌّ جلف، قد ذهب به العجب كل مذهب، وكان يدل على زملائه الفتيان الصقالبة بقدمه وشيخوخته، فهاجمه خيران، وقتله هو وولده، وانتزع منه ألمرية، وذلك في المحرم سنة 405 هـ (يوليه 1014 م) وغدت ألمرية من ذلك الحين قاعدته الرئيسية، ومستودع أمواله وعدته، كما غدت مركز الدعوة
لإمامة هشام المؤيد، وهو الذي كان يعتبره فتيان الصقالبة إمامهم ومولاهم. وقد رأينا فيما تقدم من أخبار الدولة الحمودية، كيف ادعى علي بن حمود الحسني حاكم سبتة أيام الفتنة، أنه تلقى عهد هشام، وكيف تحالف معه خيران ثم عاونه بقواته، كما عاونه بربر غرناطة، وانتهى الأمر بأن زحفت القوات المتحدة على قرطبة، وكتب النصر لعلي بن حمود، ودخل قرطبة، ولما لم يعثر على هشام المؤيد بالقصر، دعا لنفسه بالخلافة، وبدأت بذلك دولة بني حمود (سنة 407 هـ).
ثم رأينا كيف غادر خيران قرطبة مغضباً متوجساً من غدر علي بن حمود، وقصد إلى جيان، ودعا أصحابه بالخلافة لعبد الرحمن المرتضي، وأيده في تلك الحركة عدة من ولاة الثغور، ثم وقعت الحرب بين قوات المرتضي وبربر غرناطة، فهزم المرتضي ثم قتل، وعندئذ سار خيران في أصحابه، وقصد إلى ألمرية مرة أخرى، وكان ذلك في سنة 409 هـ (1019 م).
والظاهر أن خيران، بالرغم من اتخاذه ألمرية قاعدته الرئيسية. قد لعب في حوادث شرقي الأندلس دوراً ملحوظاً. ذلك أن الفتيان العامريين في شرقي الأندلس، قد اتفق رأيهم على أن يتخذوا لهم رئيساً من سلالة مولاهم العظيم، المنصور بن أبي عامر، ينضوون جميعاً تحت لوائه من الناحية الأدبية، فوقع اختيارهم في ذلك على عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور، وكان فتى حدثاً ونحن نذكر أنه كان أيام أبيه عبد الرحمن المنصور طفلا، ومع ذلك فلقد أسبغ عليه والده لقب الحجابة، ولقبه بسيف الدولة، وكان منذ مصرع أبيه قد غادر قرطبة سراً، وسار إلى سرقسطة، وأقام بها في كنف صاحبها منذر ابن يحيى التجيبي، فلما اختاره الفتيان العامريون زعيماً لهم، غادر سرقسطة، ولحق بشاطبة، حيث أعلنت بيعته، وذلك في سنة 411 هـ (1021 م). وفي رواية أخرى أن سليمان بن الحكم المستعين، حينما ولي الخلافة لأول مرة، عمل على رد اعتبار بني عامر، فدفن شلو عبد الرحمن المنصور بالتكريم، وآوى ولده الطفل عبد العزيز، وابن عمه الطفل محمد بن عبد الملك تحت رعايته، فبقيا في كنفه وقتاً قصيراً، حتى خلع، واسترد محمد بن هشام الخلافة. فعندئذ غادر الطفلان قرطبة (1). ولسنا نعرف ما هو الدور الذي أداه خيران في اختيار عبد العزيز
(1) أعمال الأعلام ص 193.
للزعامة، وهل كان من مؤيديه أم من خصومه. ذلك أنه لم يمض قليل على ذلك حتى اختلف خيران مع عبد العزيز، وأعلن الخروج عليه، وسار من ألمرية إلى مرسية، وهنالك بايع بالزعامة محمداً بن عبد الملك بن المنصور، وهو ابن عم عبد العزيز، وكان قد غادر قرطبة ولجأ إليه، فقدمه وصحبه إلى مرسية، وثار في نفس الوقت أهل شاطبة بعبد العزيز فغادرها سراً إلى بلنسية. وتسمى محمد بالمؤتمن، ثم بالمعتصم. ثم تنكر له خيران، وأخرجه من مرسيه، واستولى الفتيان على أمواله، فسار إلى غرب الأندلس وعاش هنالك حتى توفي (1) وهكذا لم يكن خيران، وهو في عمالته في شرقي الأندلس، دائماً على وفاق مع أصحابه الفتيان العامريين، وكانت علائقه بالأخص سيئة مع مجاهد صاحب دانية، وكانت تقع بينهما المناوشات والمعارك من آن لآخر.
* * *
ولتتبع بعد ذلك حكم خيران في ألمرية، بعد أن فصلنا الحوادث التي خاضها منذ اضطرام الفتنة، والتي تدل في مجموعها على ما كان يتمتع به هذا الزعيم الصقلبي من الحصافة، والإقدام، وقوة العزم.
استقر خيران في ألمرية، وبسط حكمه على أعمالها، وكانت إمارة ألمرية تشمل يومئذ المنطقة الممتدة من شاطىء اسبانيا الشرقي الجنوبي، على هيئة مثلث كبير، غرباً حتى وادي آش وحدود مملكة غرناطة، وشمالا حتى بسطة وجيان، وقد كانا أهم قواعدها بعد ألمرية، وهذا عدا أوريولة ومرسية، وقد كان يحكمهما بالنيابة زهير العامري. وأبدى خيران في ضبط ألمرية وتنظيمها همة فائقة، وحصن ألمرية، وأصلح قصبتها الشهيرة، وزاد فيها حتى غدت من أعظم القصبات الأندلسية، وأودعها أمواله وذخائره، وما زالت أطلالها الماثلة إلى اليوم تشهد بما كانت عليه من الروعة والحصانة. وزاد خيران في قبلة جامع ألمرية زيادة اتسع لها الجامع، وبنى السور الهابط من الجبل إلى البحر، وجعل له أربعة أبواب منها باب يخرج منه إلى بجانة (2) ونظم خيران جيشه، واستوزر
(1) يراجع في هذه الحوادث أعمال الأعلام ص 210 و 211، وابن خلدون ج 4 ص 162، والبيان المغرب ج 3 ص 164. وكذلك: Gaspar Remiro: Historia de Murcia Musulmana (Zaragoza 1905) p. 96-98.
(2)
كتاب ترصيع الأخبار للعذري (نصوص عن الأندلس نشرت منه بعناية الدكتور عبد العزيز الأهواني)(مدريد 1965) ص 83.
الكاتب البليغ أحمد بن عباس بن أبي زكريا، وعامل رعيته بالرفق والعدل، وفي أيامه بلغت ألمرية منتهى العمران والرخاء، وغدت من أمنع وأجمل ثغور الأندلس.
وكان خيران رئيساً وافر الدهاء والشجاعة، والحصافة، وحسن التدبير، وكان بصيراً بالحروب ومكايدها، وقد جرت بينه وبين جيرانه البربر أصحاب غرناطة، وقائع أبدى فيها قوته وصرامته، فهابوه، ولم يفكروا في مناوأته.
وكان فوق ذلك كله متواضعاً زاهداً في الألقاب، فلم يتسم بشىء من تلك الألقاب الضخمة، التي تسمى بها سائر أمراء الطوائف في عهده، واكتفى بما كان يوصف به من " الخليفة " و " الفتى الكبير "(1).
وقد مدحه شاعر العصر الكبير، أبو عمرو أحمد بن درّاج القسطلي، بقصيدته الشهيرة، التي مطلعها:
لك الخير قد أوفى بعهدك خيران
…
وبشراك قد وافاك عزٌّ وسلطان
هو النجم لا يدعي إلى الصبح شاهد
…
هو النور لا يُبغي على الشمس برهان
إليك شحنّا الفلك تهوى كأنها
…
وقد ذعرت عن مغرب الشمس غربان
على لجج خضر إذا هبت الصبا
…
ترامى بنا فيها ثبير وثهلان (2)
وتوفي خيران العامري بألمرية في جمادى الآخرة سنة 419 هـ (1028 م)، فاجتمع في الحال رجال الدولة، وعلى رأسهم الوزير أحمد بن عباس، ونبأهم بأن خيران، قد أوصى قبل وفاته بأن يخلفه أخوه زهير العامري، واتفق الجميع بذلك على تولية زهير. وكان خيران حينما شعر بدنو أجله قد بعث بالفعل يستدعي زهيراً، نائبه في مرسية وجيان، فقدم زهير على عجل، وأدرك خيران قبيل وفاته، فلما توفي قام في الحال مكانه، وتسلم زمام السلطان، ورضي به الناس ورجال الدولة (3).
وكان زهير ويكنى أبا القاسم، من أهم الفتيان العامريين، وأشدهم بأساً، " وكان شهماً داهية " بعيد النظر، وقد لعب في حوادث الفتنة بقرطبة أدواراً أشرنا إليها في مواضعها، ولما تولى حكم ألمرية اقتفى أثر صاحبه خيران في حسن
(1) أعمال الأعلام ص 212.
(2)
وردت هذه القصيدة بأكملها في ديوان ابن دراج المنشور بعناية الدكتور محمود علي مكي (دمشق 1961) ص 86 - 88، ووردت في الذخيرة (القسم الأول المجلد الأول ص 74 - 78)، وكذلك ابن الخطيب في أعمال الأعلام (ص 212 - 215) وهي طويلة جداً.
(3)
ابن الخطيب في الإحاطة ج 1 ص 525 و 526.
السيرة وحفظ النظام. وهو الذي زاد في المسجد الجامع بألمرية من غربيه وشرقيه وجوفيه، وعظم المسجد بذلك. وبنى السقاية، وكثر الماء في ألمرية. وكان يكرم الفقهاء ويشاورهم في الأمر.
وكانت مملكة ألمرية وقت أن تولى حكمها زهير، تمتد من ألمرية حتى شاطبة، شرقاً، وتمتد شمالا حتى جيّان وبيّاسة، وحتى أعمال طليطلة، ولو أن زهيراً استمع إلى صوت العقل والحكمة، وقنع بتدبير مملكته الكبيرة، لكان له في تاريخ الطوائف شأن آخر، ولكنه كان يقع تحت نفوذ وزيره الكاتب أحمد بن عباس، وقد كان هذا الوزير، بالرغم من صفاته العلمية والأدبية اللامعة، ميالا إلى التهور والمغامرة، وكان يلقى في روع أميره مشاريع خطيرة، ويحرك أطماعه بتحريضه وسيىء نصحه، والظاهر أنه هو الذي بعث إليه فكرة غزو غرناطة، على أثر موت أميرها حبوس بن ماكسن، وتولى ولده باديس الحكم مكانه في سنة 428 هـ (1037 م). فنظم زهير حملته المشئومة إلى غرناطة، ولم يلتفت إلى ما طلبه إليه باديس وأخوه بُلُقِّين، من تجديد أواصر المودة والصداقة التي كانت معقودة بينه وبين أبيهما حبوس، ثم سار إليها في قواته الكبيرة، وقد أخذه الغرور والعجب، حسبما فصلناه في أخبار غرناطة، وهنالك التقى بقوات باديس في ظاهر قرية ألفنت القريبة من غرناطة، وذلك في آخر شوال سنة 429 هـ (1038 م) ونشبت بينهما الموقعة الهائلة التي انتهت بهزيمة زهير ومصرعه وتمزيق قواته، وأسر أكابر رجاله، وفي مقدمتهم وزيره ابن عباس، وقد قتله باديس أيضاً بعد ذلك بأسابيع قلائل (1).
فكانت هذه النكبة ضربة أليمة لمملكة ألمرية، وكان من أثرها أن استولى باديس على الجزء الشمالي الغربي من أراضي ألمرية، وفيها مدينة جيان أكبر قواعدها الشمالية.
ولما فقدت ألمرية أميرها ووزيرها على هذا النحو، اجتمع أهلها، وأسندوا رياستهم إلى شيخ الجماعة أبي بكر الرميمي، فتولى شئونها، وضبط النظام والأمن.
ثم كتب أهل ألمرية إلى عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية يستدعونه لحكم مدينتهم. وكان عبد العزيز يعتبر أنه صاحب الحق الشرعي في تراث الفتيان العامريين، وذلك بحق الميراث والولاء باعتبارهم موالي أسرته، وكان مذ هلك
(1) البيان المغرب ج 3 ص 168 - 172.
زهير، قد بعث وزيره ابن صمادح إلى باديس، يلح عليه في إعدام أكابر الأسرى من زعماء ألمرية الذين وقعوا في يده، ولاسيما الوزير ابن عباس، حتى لا يعارضه منهم أحد بعد في امتلاك ألمرية، وبادر عبد العزيز على أثر ذلك إلى ألمرية، فبايعه أهلها ودخلها في آخر ذي القعدة سنة 429 هـ، ووجد بيت مالها مليئاً بالمال المضروب والذخائر فنقلها جميعاً إلى بلنسية (1)، وترك عليها والياً من قبله هو صهره ووزيره أبو الاحوص معن بن صمادح التجيبي، فكانت ولايته إيذاناً بتطور مصاير مملكة ألمرية.
ْ2 - عهد بني صمادح التجيبيين
ذلك أن عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، لم يكد يفرغ من شئون ألمرية، حتى جاءته الأنباء بأن منافسه وخصيمه مجاهد العامري صاحب دانية وجزائر البليار، قد تحرك لغزو أراضيه. وكان مجاهد يرقب تقدم عبد العزيز واتساع ملكه بعين الحسد، فلما شغل بما آل إليه من تراث الفتيان في ألمرية، خرج مجاهد في قواته صوب بلنسية، فهرع عبد العزيز إلى مدافعته، وترك صهره ووزيره أبا الأحوص معن بن صمادح ليرعى شئون ألمرية. وكان معن رجلا قليل الولاء كثير المطامع، فما كاد عبد العزيز يغادر ألمرية، حتى وضع مشروعه للاستئثار بالسلطة، والاستيلاء على مملكة ألمرية، وما زال يوطد الأمر لنفسه حتى جاهر بخلع الطاعة، ودعا لنفسه واستجاب الناس لدعوته، واستولى على ألمرية وأعمالها وذلك في سنة 433 هـ (1041 م)، وكان من مؤيديه ومعضديه في هذا الانقلاب باديس صاحب غرناطة. ودخلت مملكة ألمرية بذلك في عهد جديد من تاريخها.
وكان هذا الرئيس الجديد الذي سيطر على أقدار ألمرية، ينتمي إلى بيت من أعرق البيوتات العربية، وكان حسبما يوصف من أهل الدهاء والفضل والعلم والأدب (2). وهو معن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن ابن صمادح، وبه عرف بيتهم. وصمادح هذا هو ولد عبد الرحمن بن عبد الله
(1) ابن خلدون ج 4 ص 162، وأعمال الأعلام ص 217، والبيان المغرب ج 3 ص 172 وراجع دوزي: Hist.; V. III ; p. 28
(2)
العذري في " نصوص عن الأندلس " من كتاب ترصيع الأخبار ص 84.
ابن المهاجر بن عميرة، وهو جدهم الداخل إلى الأندلس. وفي عبد الرحمن ابن عبد الله يجتمعون مع بني هاشم التجيبيين أصحاب سرقسطة، فهم مثلهم ينتمون إلى تجيب (1). وكان والده أبو يحيى محمد بن أحمد بن صمادح حاكم مدينة وشقة وأعمالها منذ أواخر أيام هشام المؤيد بالله. ولما تولى سليمان الظافر الخلافة في سنة 403 هـ أقره على ولايته، وكانت بينه وبين ابن عمه منذر بن يحيى التجيبي صاحب سرقسطة في البداية علائق مودة وسلام، فلما انتهت أيام سليمان، واغتصب بنو حمود الخلافة القرطبية في سنة 407 هـ، وعادت الأمور إلى اضطرابها، ساءت العلائق بين المنذر وأبى يحيى، وسار منذر إلى وشقة في قواته واستولى عليها، وفر أبو يحيى في أهله وولده ناجياً بنفسه. فكان على قول ابن حيان " أول ساقط من الثوار لم يتملأ سلطانه ولا أورثه من بعده ". وكان أبو يحيى مع رياسته عالماً محدثاً من أهل الفضل والأدب، روى عنه ابنه أبو الأحوص معن، وله مختصر قيم في غريب القرآن. وقد اشتهرت وصيته لابنيه معن وصمادح بأسلوبها البارع، ومحتوياتها الجامعة لمعظم آداب الدنيا والدين، ودلالتها على وفور علمه، وجلالة معارفه، وسمو نفسه (2). ووصف لنا ابن بسام في الذخيرة أبا يحيى بأنه كان فارساً مقداماً، وكان أديباً ذلقاً حسن البيان، ولكنه كان منكود الطالع، فلم تدم رياسته طويلا (3).
ولجأ أبو يحيى إلى عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، فأكرم وفادته وتوثقت علاقتهما بالمصاهرة، إذ تزوج ولداه معن أبو الأحوص، وصمادح أبو عتيبة بأختي عبد العزيز. ثم أراد أبو يحيى اللحاق بالمشرق، فمات غرقاً في البحر. وذكر لنا ابن حيان أنه هلك غرقاً في البحر الرومي، فيما بين جزيرة يابسة
(1) ابن الأبار في الحلة السيراء (مخطوط الإسكوريال) في ترجمة المعتصم بن صمادح، لوحة 80 و 81، ونقلها دوزي مقتضبة في كتابه: Recherches، V.II.App.XX.. وذكر ابن الخطيب أن صمادح إنما هو اسم امرأة هي صمادح بنت عبد الرحمن بن عبد الله إلى آخر نسبتهم، وأنهم عرفوا باسم أمهم المذكورة (أعمال الأعلام ص 189). ولكنا لم نجد تأييداً لهذه الرواية. وبالعكس فإن النسابة ابن حزم يقرر أن صمادح هو جدهم (جمهرة أنساب العرب ص 405). ويوافقه ابن الأبار حسبما تقدم. وراجع الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 78 - 81.
(2)
ابن عبد الملك المراكشي في "الذيل والتكملة" - الجزء الأول - مخطوط مكتبة باريس الوطنية.
(3)
الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 236.
وشاطىء الأندلس، وكان قد ركبه من ثغر دانية، في مركب تأنق في صنعه واستجادة آلته وعدته، مع نفر عديد من صحبه، فغرق معظمهم، ولم ينج منهم سوى القليل، وذلك في جمادى الأولى سنة 419 هـ (1) وبقي ابنه معن في كنف صهره عبد العزيز، وقد ولاه وزارته، فلما قتل زهير العامري، واستولى عبد العزيز على ألمرية، استخلف عليها وزيره معن. قال ابن حيان:" فكان شر خليفة استخلف. لم يكد يواري وجهه عبد العزيز عنه، حتى خان الأمانة، وطرده من الإمارة، ونصب له الحرب، فغرّب في اللؤم ما شاء. وتنكب ابن أبي عامر التوفيق لاسترعائه الذئب الأزل على ثلته، ومسترعي الذئب أظلم، وكان من العجب أن تملاها ابن صمادح، وخلفها ميراثاً في عقبه "(2)، وانتهى الأمر باستيلاء معن على ألمرية والدعاء بها لنفسه حسبما تقدم. واستمر معن في حكم ألمرية وأعمالها زهاء عشرة أعوام. وكانت بينه وبين باديس صاحب غرناطة علائق مودة وصداقة. وتوفي سنة 443 هـ (1051 م) بعد أن وطد رياسته، ومهد الملك لعقبه.
فخلفه ولده أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح بإجماع القرابة ورجال الدولة، ولما يستكمل الثامنة عشرة من عمره؛ وكان أبوه قد أخذ له البيعة بولاية عهده، بعد أن عرضها على أخيه صمادح أبي عتبة، فاعتذر عن قبولها، واتخذ من الألقاب الملوكية لقبين، هما المعتصم بالله والواثق بفضل الله، والرشيد على قول آخر، وتوطدت في بداية حكمه علائق المودة بينه وبين باديس صاحب غرناطة، على ما كانت بينه وبين أبيه (3). ولكن الخلاف لبث بالعكس مستحكماً بينه وبين خاله عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وكان باديس يعمل على إذكاء هذا الخلاف وتقويته كلما بدت بوادره. ذلك أنه كان باعتباره زعيم البربر يكره الجبهة الأندلسية، ويحاول دائماً أن يعمل على إضعافها، وكان من أبرز الحوادث المتصلة بهذا الخلاف ثورة ابن شبيب صاحب لورقة على المعتصم وذلك في سنة 443 هـ (1051 م). وكان من الواضح أن هذه الثورة لم تكن بعيدة عن وحي
(1) ابن عبد الملك المراكشي في "الذيل والتكملة" - ج 1 من مخطوط مكتبة باريس الوطنية.
(2)
الذخيرة القسم الأول من المجلد الثاني ص 237، والبيان المغرب ج 3 ص 174 وأعمال الأعلام ص 190.
(3)
كتاب التبيان ص 45.
عبد العزيز. ذلك أن لورقة، وهي آخر قواعد مملكة ألمرية الشمالية الشرقية، تقع على حدود مملكة بلنسية، وقد استنصر الثائر بعبد العزيز، فبادر بتلبية دعوته، وأمده ببعض قواته، وزحف المعتصم في جيشه على لورقة، وأمده باديس من جانبه بقواته، ونشبت بين الفريقين معارك انتهت بهزيمة ابن شبيب واستيلاء المعتصم على حصون لورقة، وعودتها إلى حظيرة مملكة ألمرية (1). بيد أنه يبدو أن ابن شبيب قد استأنف الثورة بعد ذلك، واستطاع أن يستقل بحكم لورقة، وخلفه إخوته الثلاثة في حكمها بالتعاقب، واعترف آخرهم بطاعة ابن عباد صاحب إشبيلية، واستمر على حكمها باسمه، حتى سقطت إشبيلية في يد المرابطين في سنة 484 هـ (1091 م)(2). فلما توفي عبد العزيز في سنة 452 هـ (1060 م)، وخلفه في حكم بلنسية، ولده عبد الملك الملقب بالمظفر، بعث المعتصم بن صمادح بعض قواته فأغارت على بعض حصونه في تدمير، وساعده في تلك الحركة أيضاً باديس، ولكنه باء بالفشل، وردت جنده على أعقابها (3).
ثم تطورت العلائق بعد ذلك بين المعتصم وباديس، وثابت للمعتصم أطماع في الاستيلاء على أراضي غرناطة المجاورة لمملكته. والظاهر حسبما يحدثنا الأمير عبد الله بن بلقين أمير غرناطة في مذكراته، أن الذي كان يوحي إليه بتلك الأطماع ويشجعها، هو يوسف بن نغرالة اليهودي، وزير باديس، بل يقول لنا الأمير إن مشروع ابن نغرالة كان يرمي إلى تمكين المعتصم من الاستيلاء على غرناطة ذاتها (4). وعلى أي حال فقد استطاع المعتصم أن يستولي على بعض أراضي غرناطة الشرقية وعلى حصن وادي آش. وقد رأينا فيما تقدم من أخبار باديس أنه ركن إلى الدعة في أواخر عهده، ووقع التفكك في مملكته. وهو قد استرد وادي آش من ابن صمادح فيما بعد، ولكن الظاهر أنه فقد جيان في أواخر عهده، واستولى عليها المعتصم بمداخلة الخوارج فيها. وكانت مملكة ألمرية تشمل
(1) ابن خلدرن ج 4 ص 162.
(2)
Gaspar Remiro: Murcia Musulmana ; p. 105
(3)
الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 239، والبيان المغرب ج 3 ص 174.
(4)
كتاب التبيان ص 53.
عندئذ من القواعد الهامة غير ألمرية، لورقة، وجيان، وبياسة (1) التي استطاع المعتصم أن ينتزعها من أملاك علي بن مجاهد العامري صاحب دانية، بيد أنه لم يحتفظ طويلا بمدينة جيان التي استولى عليها المعتمد بن عباد فيما بعد.
ولما توفي باديس وخلفه حفيده عبد الله بن بلقين، وقعت بين المعتصم وعبد الله منازعات كثيرة بسبب الحصون الغرناطية الواقعة على الحدود مما يلي فنيانة، وانتهى الأمر بأن أرغم عبد الله على هدم تلك الحصون استبقاء للمهادنة والسلم بينه وبين أمير ألمرية (2).
وبذل المعتصم جهوداً عظيمة، في توسيع قصبة ألمرية وتجميلها، وأنشأ بها قصره الكبير الممتد حتى الجبل، وإلى جانبه بستانه العظيم، وأنشأ مجلساً رحباً مفروشاً بالرخام الأبيض، ومجلساً آخر مقرنساً بالرفوف المذهبة، ويليه من الجهة القبلية أبواب عليها شراجب يمكن منها أن يرى جميع مدينة ألمرية، وبحرها، وإقبال السفن إلى مرساها وخروجها منه. وجلب المعتصم الماء إلى المدينة ووصلها إلى جامع ألمرية، وجلب منها فرعاً إلى ما وراء القصبة، ونظم وصول الماء إلى الرياض الملحقة بالقصر، كما ابتنى بخارج ألمرية قصوراً فخمة، وإلى جوارها بساتين تغص بغرائب الأشجار والثمار، وفي إحداها بحيرة عظيمة عليها مجالس مفتوحة، مفروشة بالرخام الأبيض، وكان ذلك البستان الفخم يسمى " بالصمادحية " وهو قريب من ألمرية (3).
على أن أهم ما يشتهر به المعتصم بن صمادح هو أدبه وشعره، وحمايته لدولة الشعر والأدب. وقد كان بلاطه الصغير بألمرية، ينافس في مجالسه الأدبية وفي رعايته للأدباء والشعراء، بلاط إشبيلية.
وكان بلاط المعتصم منتدى لطائفة من أكابر شعراء العصر، فقد كان وزيره أبو الأصبغ عبد العزيز بن أرقم شاعراً مقتدراً يجيد الوصف والمديح، وكان من شعرائه المختصين به، أبو عبد الله محمد بن عبادة المعروف بابن القزاز، إمام الموشحات، وأبو الفضل جعفر بن شرف، وهو من أهل برجة، وكانت
(1) A.R Ibars: Valencia Arabe (Valencia 1901) p. 167
(2)
كتاب التبيان ص 89 و 90.
(3)
العذري في كتاب " ترصيع الأخبار " ص 85.
مدائحه للمعتصم تمتاز بطرافتها، وبديع تصويرها، وأبو القاسم خلف بن فرج المعروف بالميسر، أصله من إلبيرة، وكان يجيد شعر التهكم اللاذع؛ وابن الحداد الوادي آشي، وقد قضى معظم حياته في بلاط المعتصم، ولكن غضب عليه المعتصم ذات يوم لزلة ارتكبها في شعره، فغادر ألمرية، ولجأ حيناً إلى بلاط المقتدر بن هود بسرقسطة، ثم عاد إلى ألمرية، وكان فضلا عن شاعريته التي تبدو في مدائحه الكثيرة للمعتصم، عالماً بالفلسفة. ومن مديحه للمعتصم قوله من قصيدة طويلة:
لعلك بالوادي المقدس شاطىء
…
فكالعنبر الهندي ما أنا واطىء
وإني في رؤياك واجد ريحهم
…
فروح الهوى بين الجوانح ناشىء
ولي في السُّرى من نارهم ومنارهم
…
هداة حداة والنجوم طوافىء
لذلك ما حنت ركابي وحمحمت
…
عِرابي وأوحى سيرها المتباطىء (1)
وقد نوهت الروايات المعاصرة والقريبة من العصر، بحماية المعتصم لدولة الشعر والأدب. فمثلا يقول لنا ابن بسام:" ولم يكن أبو يحيى هذا من ملوك الفتنة، أخلد إلى الدعة، واكتفى بالضيق من السعة. واقتصر على قصر يبنيه، وعلق يقتنيه، وميدان من اللذة يستولي عليه ويبرز فيه. غير أنه كان رحب اللقاء، جزل العطاء، حليماً عن الدماء والدهماء، طافت به الآمال، واتسع في مدحه المقال، وأعملت إلى حضرته الرحال، ولزمته جملة من فحول شعراء الوقت كأبي عبد الله بن الحداد، وابن عبادة، وابن الشهيد وغيرهم .. ".
ويزيد ابن بسام على ذلك، أن ما خاضه المعتصم من الفتن والحروب مع خصومه من ملوك الطوائف، لم يكن مما يتفق وطبيعته الوادعة، وإنما استدرج إليها، وأكره عليها إكراهاً (2).
وقد كان المعتصم في الواقع يؤثر العيش الهادىء بقصره الأنيق المشرف على البحر والمسمى، " بالصمادحية " وينفق كثيراً من وقته في المجالس الشعرية والأدبية.
(1) أوردها ابن بسام في الذخيرة - القسم الأول المجلد الثاني ص 218، وأورد من بعدها قصائد أخرى من مدائحه للمعتصم (ص 218 - 233) وراجع أيضاً نفس المصدر ص 241 و242 وص 372 - 380.
(2)
الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 239، والحلة السيراء (دوزي) ص 172، و (القاهرة) ج 2 ص 82 و 83، وقلائد العقيان ص 47.
ولم تقتصر حماية المعتصم ورعايته على دولة الشعر والأدب، ولكن بلاطه كان في نفس الوقت مقصد المفكرين والعلماء من كل ضرب، ومن هؤلاء أبو عبيد عبد الله البكري أعظم جغرافي الأندلس، وصاحب المعجم الجغرافي اللغوي الشهير، فقد عاش حيناً في ألمرية في كنف المعتصم، وكان صديقه الأثير، وأغدق عليه المعتصم فيض رعايته وصلاته.
وكان بنو صمادح أنفسهم جميعاً من نجوم الشعر والأدب، فقد كان المعتصم، وبنوه معز الدولة ورفيع الدولة ورشيد الدولة من شعراء العصر. ولهم جميعاً آثار شعرية انتهى إلينا الكثير منها. وكانت أم الكرام بنت المعتصم كذلك شاعرة عصرها (1) وكان المعتصم فوق ذلك كله، معنياً بشئون الدين، وإقامة أحكام الشريعة، يعقد المجالس في قصره للمذاكرة، ويجلس يوماً في كل أسبوع للفقهاء والخواص، يتناظرون بين يديه في كتب التفسير والحديث (2).
واشتهر المعتصم بن صمادح بشعره وطرائفه الأدبية، وقد أورد لنا صاحب الذخيرة ضمن ما أورده من بعض قصائده، الأبيات الغزلية الآتية:
وتحت الغلائل معنى غريب
…
شفاء الغليل وبرء العليل
فهل لي من نيله نائل
…
ولابن السبيل إليه سبيل
فما لي إلا الهوى متجر ..
. فغير الغواني متاع قليل
فيا ربة الحسن في غاية
…
وعصر الشباب وظل المقيل
ذرينى أعانق منك القضيـ
…
ـب وأرشف من ثغرك السلسبيل (3)
ولما تطورت الحوادث، وأدت الفتن والحروب بين ملوك الطوائف، إلى عاقبتها المحتومة، واستأسد عليهم ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأخذ يضرب بعضهم ببعض، حتى ظفر بالاستيلاء على طليطلة (صفر 478 هـ)، واتجه ملوك الطوائف وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد، إلى الاستنصار بأمير المسلمين يوسف
(1) نقل إلينا ابن بسام في الذخيرة كثيراً من قصائدهم (القسم الأول المجلد الثاني ص 241 - 244). وكذلك في المغرب في حلي المغرب ج 2 ص 196 - 203، وابن الأبار في الحلة السيراء (المخطوط) لوحات 82 و 83 و 84.
(2)
الحلة السيراء (القاهرة) ج 2 ص 82.
(3)
الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 241.
ابن تاشفين المرابطي، لم يكن المعتصم فيما يبدو من المتحمسين لتلك الفكرة ذلك أنه نظراً لموقع مملكته في الطرف الجنوبي في شبه الجزيرة، لم يكن قد آنس بعد خطر النصارى الداهم، كما آنسه ابن عباد وابن الأفطس، وكان فضلا عن ذلك يشعر كما يشعر معظم أمراء الطوائف بما يقترن بمقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة من الاحتمالات الخطيرة (1). ومع ذلك فإن المعتصم، حينما عبر أمير المسلمين إلى الأندلس في شهر ربيع الآخر سنة 479هـ (1086 م) لم يتقاعس عن المساهمة في القوات الأندلسية التي حشدت للتعاون مع الجيش المرابطي، وذلك حسبما نفصل بعد في موضعه، ثم إنه بعد ذلك تقرب من أمير المسلمين يوسف بالهدايا والتحف الجليلة، والتلطف في خدمته، حتى قربه إليه وأغدق عليه عطفه. وكان يوسف يبدي عطفه وتقديره بالأخص لرجلين من أمراء الطوائف هما المعتصم والمعتمد بن عباد، وكان يقول عنهما لأصحابه إنهما رجلا الجزيرة. ويقول لنا عبد الواحد المراكشي، إن المعتصم وابن عباد كان يشعر كل منهما نحو الآخر بعاطفة من المرارة والتحاسد، وأنهما حاولا غير مرة أن يتصافيا باللقاء، وأن المعتمد زار المعتصم بقصره بألمرية، واحتفل المعتصم بإكرامه أعظم احتفال، ومع ذلك فقد لبث الضغن كامناً في نفسيهما. فلما شعر المعتصم بتمكن منزلته لدى أمير المسلمين فيما بعد، أخذ يدس لديه في حق المعتمد، ويحاول أن يغير نفسه عليه، وقد كان في ذلك فاسد التدبير قصير النظر، حسبما أثبتت الحوادث فيما بعد (2).
ولم يشهد المعتصم موقعة الزلاّقة، معتذراً لدى أمير المسلمين بضعفه وكبر سنه، ولكن قواته ساهمت فيها بقيادة ولده معز الدولة. واستمر المعتصم بعد ذلك في الحكم بضعة أعوام أخرى. وكان ألفونسو السادس بعد هزيمته المروعة في الزلاقة، قد استطاع أن ينهض من عثارها بسرعة، وتحول عدوانه عندئذ إلى شرقي الأندلس، حيث كان الضعف يسود الإمارات الأندلسية الصغيرة.
وكانت القوات القشتالية، قد رابطت في حصن لييط (3) المنيع الواقع فيما بين مرسية ولورقة، وأخذت ترهق الأنحاء القريبة بغاراتها المتوالية، وكان أمير المسلمين قد
(1) راجع كتاب التبيان ص 104. وراجع كذلك دوزي: Hist.، V.III.p. 124
(2)
راجع المعجب ص 73 و 74.
(3)
هو بالإسبانية Alédo، وما زالت أطلال هذا الحصن قائمة حتى اليوم.
عاد على أثر موقعة الزلاقة إلى المغرب، فلما وقف على اضطراب شئون الأندلس وتفككها بعد رحيله، واشتداد عدوان النصارى في المنطقة الشرقية، عاد فعبر البحر إلى الأندلس في قواته (481 هـ)، وتعاونت القوات الأندلسية مع القوات المرابطية في حصار حصن لييط، وكان المعتصم في مقدمة الأمراء الذين هرعوا إلى المساهمة في ذلك الحصار، وخصوصاً لقرب ذلك الحصن من أراضيه، وتعرضها بذلك لعيث النصارى. وطال الحصار مدى أربعة أشهر، ولم ينجح المسلمون في اقتحام لييط، بالرغم من وفرة قواتهم وعددهم، واضطروا إلى ترك الحصار، بعد أن فنيت معظم حاميته، واضطر ألفونسو بعد ذلك إلى إخلائه لعقم الدفاع عنه.
وتوفي المعتصم بن صمادح في ربيع الآخر سنة 484 هـ (1091 م) بعد أن حكم إحدى وأربعين عاماً. بيد أنه شهد قبل أن يثوي إلى قبره نذر الخاتمة المشئومة تبدو في الأفق. ذلك أن يوسف بن تاشفين عبر البحر للمرة الثالثة (483 هـ) لا لينجد أمراء الأندلس هذة المرة، ولكن ليقضي عليهم وعلى دولهم المنحلة المفككة، وبدأ في ذلك بإمارة غرناطة واستولى عليها، ثم بعث قواته إلى إشبيلية لتقضي هنالك على دولة بني عباد. وهنالك روايتان فيما يتعلق بسقوط ألمرية، الأولى أن المرابطين حاصروها بالفعل، وامتلكوا معظم حصونها، وضيقوا على المعتصم، وهو ملازم سريره يعاني مرض موته، وأنه ألقى عندئذ عبارته المشهورة:" نُغص علينا كل شىء حتى الموت ". وحينما ألفى جاريته تبكي عند رأسه قال هذا البيت:
ترفق بدمعك لا تفنه
…
فبين يديك بكاء طويل (1)
ومما قاله أيضاً حينما شعر بدنو أجله:
تمتعت بالنعماء حتى مللتها
…
وقد أضجرت عينيَّ مما سئمتها
فيا عجباً لما قضيت قضاءها
…
وملِّيتُها عمري تصرم وقتها
وأما الرواية الثانية فتقول بأن المعتصم توفي قبل مقدم المرابطين، وأنه أوصى
(1) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 240 و 241، والبيان المغرب ج 3 ص 168، وأعمال الأعلام ص 193، وابن خلدون ج 4 ص 162.
قبل وفاته ولده معز الدولة أحمد، بأنه متى علم بسقوط إشبيلية وخلع أميرها المعتمد وهو قطب الجزيرة، أن يعبر البحر في أهله وأمواله إلى أمراء بني حماد أصحاب القلعة بشرقي العدوة، وأن معز الدولة تولى حكم ألمرية بعد وفاة أبيه بضعة أشهر. فلما سقطت إشبيلية، وأسر أميرها المعتمد، وذلك في رجب سنة 484 هـ، بادر معز الدولة باتخاذ أهبة الفرار، ثم ركب البحر في أهله وأمواله في ثلاث سفن أعدها لذلك، وأحرق السفن الباقية خشية المطاردة، واستطاع أن يغادر ألمرية قبل أن يطوقها المرابطون وذلك في رمضان سنة 484 هـ (1091 م) ونزل على آل حماد أمراء القلعة على مقربة من بجاية، فأكرمت وفادته، وعاش هناك حتى توفي (1).
(1) أورد هذه الرواية صاحب الحلة السيراء (دوزي) ص 174 والقاهرة ج 2 ص 89 و 90 وراجع روض القرطاس (طبعة أبسالة 1843) ص 101.