المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولنشأة المرابطين - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٢

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصر الثانيدُوَل الطَّوَائِف مُنْذ قيامِهَا حَتّى الفتحْ المرابِطي

- ‌مقدمةالطبعة الأولى

- ‌تصدير

- ‌تمهيدنذر الانحلال والتفكك

- ‌الكِتابُ الأوّلقرطبة ودول الطوائفْ في الأندلس الغربية والوسطى

- ‌الفصل الأوّلدولة بني جهور في قرطبة

- ‌الفصل الثانيبنو عباد ومملكة إشبيلية

- ‌الفصل الثالِثبنو عباد ومملكة إشبيلية

- ‌الفصل الرّابعبنو الأفطس ومملكة بطليوس

- ‌الفصل الخامِسُمملكة بني ذى النون في طليطلة

- ‌الكِتابُ الثانيالدّول البربريَّة في جنوبيِّ الأندلس

- ‌الفصل الأوّلدولة بني مناد البربرية في غرناطة ومالقة

- ‌الفصْل الثاني الإمارات البربرية الأخرى

- ‌الكتابُ الثالِثدول الفتيان الصقالبة وخلفائهم في شرقيّ الأندلس

- ‌الفصْل الأوّل مملكة ألمرية

- ‌الفصل الثانِيمملكة مرسية

- ‌الفصل الثالِثمملكة دانية والجزائر

- ‌الكتاب الرابعدول الطوائف في منطقة بلنسية

- ‌الفصْل الأوّل مملكة بلنسية

- ‌الفصل الثانِيمملكة بلنسية

- ‌الفصل الثالِثإمارة شنتمرية الشرق

- ‌الفصل الرابعإمارة ألبونت

- ‌الكتاب الخامِسدول الطوائف في الثغر الأعلى

- ‌الفصْل الأوّلمملكة سرقسطة

- ‌الفصل الثانيمملكة سرقسطة

- ‌الكتِاب السادسموقعة الزلاّقة والفتح المرابطيّ

- ‌الفصْل الأوّلنشأة المرابطين

- ‌الفصل الثانِىموقعة الزلاّقة

- ‌الفصل الثالِثالفتح المرابطي

- ‌الفصل الرّابعالفتح المرابطي

- ‌الكِتابُ السابعالممالك الإسبانية النصرانيّة خلال القرن الحادي عشر الميلاديّ

- ‌الفصل الأوّلالمملكة الإسبانية الكبرى

- ‌الفصل الثانِيإسبانيا النصرانية عقب وفاة فرناندو الأول

- ‌الفصل الثالِثالنصارى المعاهدون

- ‌ثبت المراجع

الفصل: ‌الفصل الأولنشأة المرابطين

‌الفصْل الأوّل

نشأة المرابطين

وقيام الدولة المرابطية بالمغرب

أصل المرابطين. قبيلة لمتونة وحياتها في القفر. دخولها في الإسلام. أول ملوكها. افتراق كلمتها. الأمير ابن تيفاوت اللمتوني. مصرعه وقيام الأمير يحيى الجدالي مكانه. رحيله إلى المشرق. لقاؤه بالفقيه أبى عمران الفاسي. عبد الله بن ياسين. رحيله مع الأمير إلى الصحراء. بثه لتعاليم الإسلام بين أهلها. صرامته وانصرافهم عنه. مغادرته لهم مع أصحابه وانقطاعه للعبادة. وفود أعيان صنهاجة إليه. قيام جماعة المرابطين. أطماع عبد الله الدفينة. تكاثر تلاميذه. يدعوهم إلى الجهاد. دعوته إلى اتباع أحكام الدين. مقاتلته لقبائل صنهاجة وإخضاعها. سلطانه الروحى على القبائل. يحيى بن ابراهيم الكدالي يتولى السلطة الزمنية. وفاته وقيام يحيى بن عمر اللمتوني مكانه. ورعه وفتوحه في الصحراء. صدى حركة المرابطين في المغرب. أحوال المغرب في ذلك العهد. استدعاء فقهاء درعة وسجلماسة للمرابطين. مسير المرابطين إلى درعة والاستيلاء عليها. استيلاؤهم على سجلماسة. عبد الله بن ياسين يأمر بإزالة المنكرات. وفاة الأمير يحيى وقيام أخيه أبي بكر مكانه. مسير المرابطين إلى بلاد السوس. يوسف بن تاشفين يقود الجيش. افتتاحه لقواعد السوس. الطائفة البجلية وسحقها. مسير المرابطين إلى الأطلس. افتتاحهم لأغمات. استيلاؤهم على تادلا. قبائل برغواطة ومذهبها الوثني. مطاردتهم ومحاربتهم على يد بلكين بن زيري والفتى واضح. مسير المرابطين لقتالهم. إصابة عبد الله بن ياسين ووفاته. قيام أبي بكر اللمتوني مكانه. بدء الدولة المرابطية. متابعة حرب برغواطة. افتتاح مكناسة ولواتة. أنباء الخلاف في الصحراء. أبو بكر يندب يوسف بن تاشفين للرياسة ويسير إلى الصحراء. تقسيم القوات المرابطية بين الزعيمين. أبو بكر يصلح شئون الصحراء. يوسف بن تاشفين ينظم افتتاح باقي المغرب. نجاحه واشتداد بأسه. اختطاطه لمدينة مراكش حاضرة المغرب. تنظيم يوسف للجيش. افتتاحه لمدينة فاس. مسيره إلى بلاد غمارة. فقد فاس واستردادها. عود أبي بكر من الصحراء إلى المغرب. تأثره بعظمة شأن يوسف وضخامة ملكه. لقاء الرجلين. زينب زوجة يوسف ودورها في ذلك. انصراف أبي بكر إلى الصحراء. يوسف يتم فتح المغرب. افتتاحه لطنجة. افتتاحه للمغرب الأوسط. قيام الدولة المرابطية الكبرى. يوسف بن تاشفين. نشأته وخلاله. يحكم أعظم إمبراطورية إسلامية في الغرب. ألقابه وانضواؤه تحت لواء الخلافة العباسية. يوسف وشئون الأندلس. صريخ ملوك الطوائف إليه. ظروف هذا الصريخ واختلاف الرواية في شأنه. أصل الفكرة ومبعثها. الإعتراض عليها. سقوط طليطلة وأثره في إذكائها. سفارة الأندلس إلى يوسف. العهود المتبادلة. مطالبة يوسف بثغر الجزيرة. يوسف يلبي نداء الطوائف. مسير الجيوش المرابطية إلى سبتة. جوازها إلى شبه الجزيرة. دعاء يوسف خلال الجواز.

ص: 298

يجدر بنا أن نقف الآن قليلا لنلقي بعض الضوء على أصل أولئك المرابطين، الذين شملت دولتهم الكبرى، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، سائر أنحاء المغرب من لوبية إلى المحيط غرباً، وإلى السودان جنوباً، والذين استجابوا إلى صريخ ملوك الطوائف، وعبروا البحر إلى شبه الجزيرة الإسبانية نصرة للإسلام وبنيه.

إن المرابطين هم من قبيلة لمتونة، ولمتونة هذه بطن من بطون صنهاجة، أعظم القبائل البربرية، وهي بدورها فرع من فروع قبيلة البرانس الكبرى.

وينتمي إلى صنهاجة، عدا لمتونة، عدد كبير من القبائل البربرية مثل مسوفة، ومسراتة، ومداسة، وكدالة. ووتريكة، ولمطة وغيرها. وقد لعب الكثير منها في تاريخ المغرب أدواراً ملحوظة. وفي بعض الروايات أن صنهاجة، وهي الأم الكبرى لهذه القبائل ترجع نسبتها إلى العرب اليمانية، وأنها فخذ من ولد عبد شمس ابن وائل بن حمير، وهي كسائر الروايات المماثلة في أنساب البطون البربرية رواية ضعيفة، تقوم على القصص والأسطورة (1).

وكانت لمتونة تسكن منذ عصور بعيدة قبل الإسلام في قلب الصحراء، ما بين جنوبي المغرب والسودان. في تلك المنطقة التي كانت تسمى منذ أيام الرومان إقليم " موريتانيا ". وكانت تؤثر حياة القفر على أية حياة أخرى " انتباذاً عن العمران، واستئناساً بالانفراد، وتوحشاً بالعز عن الغلبة والقهر "، وكانوا يعتمدون في قوتهم على لحم الإبل ولبنها، ولا يعرفون حرثاً ولا ثماراً، ولا يأكلون الخبز (2). وكان شعارهم " اللثام " ومن ثم فقد عرفوا " بالملثمين "، وقيل في سبب ذلك إنهم كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، أو لأنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال (3)، وقيل بل كانوا يقلدون في ذلك قبيلة حمير التي يدعون الانتساب إليها.

وذكر لنا أبو عبيد البكري، في معجمه " المسالك والممالك "، فيما يتعلق بأمر اللثام الذي يلتزمه المرابطون، أن جميع قبائل الصحراء يلتزمون، النقاب، وهو

(1) راجع روض القرطاس ص 75.

(2)

ابن خلدون ج 6 ص 181، وروض القرطاس ص 76.

(3)

راجع الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوي (1306 هـ) ج 1 ص 98 و 99.

ص: 299

فوق اللثام، حتى لا يبدو منه إلا محاجر عينيه، ولا يفارقون ذلك في حال من الأحوال، ولا يميز رجل من وليه ولا حميمه إلا إذا تنقب. وكذلك في المعارك إذا قتل منهم القتيل. ونزل قناعه لم يعلم من هو حتى يعاد عليه القناع، وصار ذلك لهم ألزم من جلودهم، وهم يسمون من خالف زيهم هذا من جميع الناس أفواه الذبان بلغتهم (1).

وكانت لمتونة، كسائر القبائل البربرية، تدين بالمجوسية، واستمروا على ذلك حتى ذاع بينهم الاسلام عقب فتح الأندلس، وبدأت رياستهم من ذلك الحين تتخذ نوعاً من الملك. وفي أيام عبد الرحمن الداخل، أعني في أواسط القرن الثاني الهجري، كان ملكهم يدعى تيولوثان بن تيكلان الصنهاجي اللمتوني، فبسط سلطانه على سائر نواحي الصحراء، وحارب القبائل الوثنية، ونشر الإسلام بين كثير منها، وفرض الجزية على سائر ملوك السودان المجاورين، وكانت مملكته بالصحراء مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها. ولما توفي في سنة 222 هـ، خلفه في الرياسة حفيده الآثر بن بطين بن تيولوثان (2)، واستطال حكمه زهاء خمسة وستين عاماً، حتى وفاته في سنة 287 هـ، فخلفه ولده تمييم، واستمر في الحكم إلى أن ثار عليه في سنة 306 هـ أشياخ قبيلة صنهاجة وقتلوه. وعندئذ افترقت كلمة الجماعة، وانقسموا شيعاً، واستمروا دون رياسة جامعة زهاء مائة وعشرين عاماً، إلى أن قام فيهم الأمير أبو عبد الله محمد بن تيفاوت اللمتوني المعروف بتارسنا، فالتفوا حوله، واجتمعوا على رياسته. وكان أميراً فاضلا ورعاً، شغوفاً بالجهاد، فلم يطل أمد حكمه سوى ثلاثة أعوام، إذ استشهد في غزوة من غزواته ضد بعض قبائل السودان الوثنية. فولى من بعده صهره الأمير يحيى بن ابراهيم الجدالي، زعيم قبيلة جدالة أوكدالة، وهي شقيقة لمتونة يجمعهما أب واحد، واستمر على رياسته لصنهاجة، وقيادتها في حروبها ضد أعدائها، حتى سنة 427 هـ (1035 م)(3)، ثم استخلف في الرياسة ولده إبراهيم

(1) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب المستخرج من كتاب " المسالك والممالك " لأبى عبيد البكري والمنشور بعناية المستشرق البارون دي سلان (الطبعة الثانية) ص 170.

(2)

وردت هذه التسمية في روض القرطاس ص 76. ولكن ابن خلدون يسميه يلتان (ج 6 ص 182).

(3)

هذه رواية ابن أبي زرع (ص 77)، ويوافقه صاحب الاستقصاء (ج 1 ص 99)، ولكن ابن خلدون يضع نهاية رياسته في سنة 440 هـ (ج 6 ص 182).

ص: 300

ابن يحيى، ورحل إلى المشرق مع طائفة من زعماء قومه، ليقضي فريضة الحج.

والظاهر أيضاً أن يحيى الكدالي كانت تحدوه في تلك الرحلة مُثل أخرى، فهو قد رأى ما كان عليه قومه من التأخر والجهل بتعاليم الإسلام وأصوله، فرحل إلى المشرق يطلب العلم إلى جانب قضاء الفريضة. ولما عاد من المشرق، عرج في طريقه على مدينة القيروان، وهنالك التقي وصحبه بالفقيه أبى عمران الفاسي شيخ المذهب المالكي يومئذ، وتأثروا بوعظه وعلمه. وشكا إليه يحيى من جهل قومه، وطلب إليه أن يختار له فقيهاً من تلاميذه، يتولى تعليم قومه وتثقيفهم بتعاليم الإسلام الصحيحة، ولما لم يجد أبو عمران من تلاميذه بالقيروان من يقبل تلبية هذه الدعوة، بعث معه كتاباً إلى تلميذ من تلاميذه بالسوس الأقصى يدعى أبو محمد واجاج بن زلوا اللمطي، وكان فقيهاً ورعاً يدرس العلم لتلاميذه في رباط خاص أنشأه لذلك، فلما مثل لديه يحيى قرأ خطاب الشيخ أبى عمران على تلاميذه، فاستجاب للدعوة منهم رجل يدعى عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان من أنبه تلاميذه وأكثرهم علماً وورعاً. وكان قد رحل إلى الأندلس، وأنفق فيها بضع سنين يدرس في ظل الطوائف، فزاد علماً وتجربة. فسار مع يحيى إلى الصحراء، فاغتبطت بمقدمه لمتونة وكدالة، واستقبلوه بمنتهى الحفاوة والتكريم (1).

- 1 -

وكان عبد الله بن ياسين فقيهاً شديد الورع، والغيرة على تعاليم الإسلام، وكان فوق ذلك خطيباً موهوباً قوي التأثير، فأخذ يبث تعاليم الدين بين أولئك البدو الصحريين، ويبصرهم بأحكام الإسلام، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. بيد أنه اشتد في مؤاخذتهم، ومطالبتهم بالإقلاع عن تقاليدهم المنافية للإسلام مثل الزواج بأكثر من أربع، وكان من الأمور الشائعة بينهم، وغير ذلك من التقاليد المغرقة، فأخذوا ينصرفون عنه، ويعرضون عن تعاليمه، لما رأوا من صرامته، وما تكبدهم تعاليمه من المشقة والضيق. وعندنذ عول عبد الله، وتلميذه وصديقه الوفي يحيى بن ابراهيم، على انتباذ أولئك البدو الجهلة، والانقطاع إلى العبادة والزهد، في أحد المواضع النائية، وانضم إليه في ذلك سبعة نفر من كدالة

(1) روض القرطاس ص 77 و 78، والإستقصاء ج 1 ص 99 و 100، وابن خلدون ج 6 ص 192. وراجع الحلل الموشية ص 9.

ص: 301

ويحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة. ويقول لنا ابن خلدون إن عبد الله ابن ياسين وأصحابه انقطعوا للعبادة في جزيرة يحيط بها بحر النيل من سائر جهاتها، وهو قول لا يمكن أن ينصرف إلى نهر النيل المعروف لنا، لبعد النيل عن صحراء المغرب الجنوبية بمسافات شاسعة، ولكن تفسير هذا الغموض يرجع إلى أن " نهر النيجر " كان يظن يومئذ أنه امتداد أو فرع لنهر النيل العظيم، يخترق الأقطار السودانية الغربية. ومن ثم فقد كان نهر النيجر يعرف يومئذ بنهر النيل أو النهر الأعظم، وبهذا الاسم يسميه الرحالة ابن بطوطة في أقواله عن رحلته في مملكة مالي السوداء (1).

وإذاً فإن الموضع الذي انقطع فيه عبد الله بن ياسين وأصحابه للعبادة كان فيما يرجح جزيرة تقع في منحنى نهر " النيجر " على مقربة من تنبكتو، وهذا ما يؤيده وصف صاحب روض القرطاس (2).

وعلى أي حال فقد انقطع عبد الله وصحبه للعبادة في هذا الموضع، وابتنوا به رابطة للصلاة والعبادة، وما لبث أن اشتهر أمره، ووفد عليه كثير من أشراف صنهاجة ممن آثروا الزهد والعبادة، فعكف عبد الله على تثقيفهم ووعظهم، وسماهم " بالمرابطين " للزومهم رابطته، وأخذ يعلمهم أحكام الكتاب والسنة والصلاة والزكاة، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويشوقهم إلى الجنة، ويحذرهم عذاب النار، ويلهب حماستهم للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة المخالفين لأحكام كتابه. وكان عبد الله بن ياسين، حسبما أسلفنا واعظاً موهوباً، وخطيباً ذلقاً مؤثراً، وكان هذا الفقيه الورع، يضطرم في أعماق نفسه بمشاريع وأطماع دفينة أخرى، غير تلقين أحكام الدين، وبث الورع والخشوع في نفوس أصحابه.

ْذلك أنه ما كاد يرى كثرة تلاميذه - فقد بلغوا الألف عندئذ - ويوقن بولائهم، وانقيادهم لأوامره، حتى دعاهم إلى الجهاد بصورة عملية، وبعثهم إلى أقوامهم، لينذروهم، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات، واتباع أحكام الدين الصحيح، ففعلوا ما أمروا به، ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى، ومجانبة التقاليد المنافية للدين، فلم يصغ لهم أحد من أقوامهم، فخرج إليهم عبد الله ابن ياسين بنفسه، واستدعى أشياخ القبائل ووعظهم، وحذرهم عقاب الله،

(1) راجع رحلة ابن بطوطة (القاهرة 1322 هـ) ج 2 ص 201 و 202 و 203.

(2)

روض القرطاس ص 79.

ص: 302

ونصحهم باتباع أحكامه، فلم يلق منهم سوى الإعراض والتحدي، فعندئذ قرر عبد الله وصحبه إعلان الحرب على أولئك المخالفين، وكان صحبه يزداد عديدهم كل يوم، حتى بلغوا بضعة آلاف.

وخرج عبد الله بن ياسين لقتال كدالة، فغزاهم في نحو ثلاثة آلاف، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسلم الباقون من جديد إسلاماً صحيحاً (434 هـ - 1042 م).

ثم سار لقتال لمتونة، وضيق عليهم حتى أذعنوا للطاعة، وبايعوه على الكتاب والسنة.

وسار بعد ذلك لقتال مسوفة فحذوا في الطاعة والبيعة حذو لمتونة. وهكذا تعاقب خضوع قبائل صنهاجة واحدة بعد الأخرى، حتى خضعوا جميعاً. وكان من ْتعاليمه أن يضرب التائب مائة سوط حتى يطهر، ثم يلقن تعاليم القرآن وأحكام الشرع. وبسط عبد الله بن ياسين سلطانه الروحي على سائر قبائل تلك الصحارى، وجعل السلطة الزمنية ليحيى بن ابراهيم الكدالي، وإن كان هو المستأثر في الواقع بكل سلطة وإليه الأمر والنهي، وجبى عبد الله الأموال من الزكاة والعشور والفيء، واقتنى الخيل والسلاح، واشتد بأسه، واشتهر أمره في سائر جنبات الصحراء، وفي المغرب والسودان. ولما توفي الأمير يحيى بن إبراهيم، ندب عبد الله مكانه للرياسة الأمير يحيى بن عمر بن تلاكاكين اللمتوني ليتولى شئون الحرب والجهاد (1).

وكان يحيى بن عمر اللمتوني أميراً ورعاً زاهداً، وكان كثير الولاء والطاعة لعبد الله بن ياسين. ومما يروى في ذلك أن عبد الله ضربه ذات يوم عشرين سوطاً لأنه باشر القتال بنفسه مع جنده، ولأن الأمير يجب ألا يعرض نفسه للمخاطر، وأن يقتصر على حث جنده وتقوية نفوسهم، وحياة الأمير هي حياة عسكره وفي موته فناء جيوشه. وقاد الأمير يحيى عدة حملات، وافتتح جميع جهات ْالصحراء، وغزا بلاد السودان وافتتح كثيراً من أنحائها. وكانت حركة المرابطين وأعمال زعيمهم عبد الله بن ياسين قد أخذت تحدث صداها في قواعد المغرب.

وكان المغرب يومئذ، قد انقسم بعد انقضاء أمر الأدارسة، وبعد أن لبث منذ منتصف القرن الرابع مسرحاً لحروب الشيعة وخلفاء قرطبة الأمويين، إلى ممالك

(1) روض القرطاس ص 80، والاستقصاء ج 1 ص 101.

ص: 303

وإمارات عدة، تسودها مختلف القبائل البربرية، ولاسيما صنهاجة وزناته ومغراوة، وكانت أعظم ممالكهم مملكة زيري بن عطية الزناتيين وبنيه بعده، وقد استطالت منذ أيام المنصور بفاس، ومعظم أعمال المغرب الشمالي، حتى أوائل القرن الخامس، واستقر بنو يفرن بأعمال الشاطىء في سلا وما يليها، واستقر بنو خزرون المغراويون بدرعة وسجلماسة وأعمالها، وبأنحاء أخرى في أواسط المغرب. واستقرت برغواطة جنوباً بشاطىء المحيط. وهكذا كان المغرب يقدم يومئذ بظروفه وإماراته الصغيرة المتفرقة، فرصة طيبة للطامعين والمتوثبين. وكانت العناصر الناقمة في تلك الإمارات المستبدة، تتطلع إلى أولئك القوم الجدد، الذين يضطرمون بالحماسة الدينية وينادون بالإصلاح، والتزام أحكام القرآن والسنة. ففي سنة 444 هـ بعث فقهاء درعة وفقهاء سجلماسة بكتبهم إلى عبد الله ابن ياسين، وإلى الأمير يحيى اللمتوني وأشياخ المرابطين، يشكون ما يقع في بلادهم من ضروب الظلم والعسف، والخروج على أحكام الدين، ويدعونهم إلى إنقاذ المسلمين من هذا النير المرهق. وكانت درعة وسجلماسة يومئذ تحت حكم بنى وانودين من زعماء مغراوة، وأميرهم يومئذ هو مسعود بن وانودين، فجمع عبد الله بن ياسين أشياخ المرابطين وشاورهم في الأمر، فرأوا وجوب قبول الدعوة والسير إلى غوث أهل المدينتين. ففي سنة 445 هـ خرج المرابطون من الصحراء على خيولهم في حشد ضخم، وعلى رأسهم عبد الله بن ياسين ويحيى اللمتوني، وقصدوا أولا إلى مدينة درعة فأخرجوا عنها عاملها، واستولوا عليها واستولوا في أرباضها على خمسين ألف من الإبل من أموال أميرها مسعود، ونهض مسعود بن وانودين لرد الغزاة والدفاع عن أراضيه، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، قتل فيها مسعود، وأبيد معظم جنده، واستولى المرابطون على دوابهم وأسلابهم. ثم ساروا إلى سجلماسة، فاقتحموها، وقتل من كان بها من جند مغراوة. وأمر عبد الله بن ياسين بإزالة المنكرات ورفع المكوس الجائرة، وتفريق الأخماس على المرابطين وفقهاء البلدين، وتطبيق أحكام الدين، وندب لحكم سجلماسة عاملا من اللمتونيين، وكانت هذه بداية الفتح المرابطي للمغرب (1).

(1) ابن خلدون ج 6 ص 183. ويضع ابن أبي زرع تاريخ هذه الغزوة في سنة 447 هـ (روض القرطاس ص 81). وراجع السلاوي في الإستقصاء ج 1 ص 102.

ص: 304

وهنا يذكر لنا أبو عبيد البكري، أن عبد الله بن ياسين بعد أن أتم فتح سجلماسة، سار جنوباً وغزا في سنة 446 هـ، مدينة أودفست، وهي من أعمال مملكة غانة السوداء، وبينها وبين سجلماسة مسيرة شهرين، وبينها وبين مدينة غانة مسيرة خمسة عشر يوماً. وكان يسكن هذه المدينة خليط من زناتة والعرب، فدخلها المرابطون واستباحوها، وجعلوا جميع ما أصابوا فيها فيئاً (1).

وفي سنة 447 هـ توفي الأمير يحيى بن عمر اللمتوني، فعين عبد الله بن ياسين مكانه للقيادة أخاه أبا بكر بن عمر. وكانت الخطوة الثانية في افتتاح المغرب، هي غزو بلاد السوس، ففي ربيع الثاني سنة 448 هـ، سار المرابطون نحو جنوب غربي المغرب قاصدين بلاد السوس، وجعل الأمير أبو بكر على مقدمة جيشه ابن عمه يوسف بن تاشفين اللمتوني، وهي أول مرة تقدم إلينا الرواية فيها، عاهل المرابطين العظيم فيما بعد. وبدأ بغزو بلاد جزولة ثم فتح ماسة، ثم سار إلى مدينة تارودنت قاعدة بلاد السوس فافتتحها. وكان بتارودنت طائفة من الرافضة تسمى البجلية نسبة إلى مؤسسها، على بن عبد الله البجلي الرافضي، وكان قد قدم إلى تلك الأنحاء أيام عبد الله الشيعي (أواخر القرن الثالث الهجري)، ونشر بها مذهبه، وهو يتضمن كثيراً من التعاليم المثيرة، فقتل المرابطون أولئك الروافض وارتد من بقي منهم إلى السنة، ودوخ المرابطون بلاد السوس، واستولوا على سائر نواحيها، وعين عبد الله بن ياسين لها عمالا من المرابطين، وأمرهم باتباع العدل والسنة، والاكتفاء بتحصيل الزكاة والأعشار، وإسقاط ما عدا ذلك من المغارم الجائرة.

وعبر المرابطون بعد ذلك جبال الأطلس، وقصدوا إلى بلاد المصامدة، وتوغلوا في جبال درن، وفتحوا وردة وشفشاوة ونفيس، وسائر بلاد منطقة جدميوه، وبايعتهم قبائل تلك الناحية. ثم ساروا إلى مدينة أغمات، وكانت يومئذ لمغراوة، وأميرها لقوط بن يوسف بن علي المغراوى، فضربوا حولها الحصار، ودافع لقوط عن مدينته أشد دفاع، ولكنه لما رأى عبث المقاومة، فر منها في أهله وحشمه تحت جنح الظلام، والتجأ إلى حماية بني يفرن أمراء تادلا. ودخل عبد الله بن ياسين وجنده المرابطون أغمات في سنة 449 هـ، وأقام

(1) كتاب المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب المستخرج من كتاب " المسالك والممالك " والمنشور بعناية البارون دي سلان (الطبعة الثانية) ص 168.

ص: 305

بها نحو شهرين حتى استراح جنده. ثم قصد إلى بلاد بني يفرن وهاجم قاعدتهم تادلا واقتحمها، وقتل من بها من بني يفرن، وظفر بلقوط المغراوي فقتله، وكانت زوجه زينب بنت إسحاق النفزاوية قد اشتهرت بحسنها ونبلها، فتزوجها الأمير أبو بكر اللمتوني. وبعد أن نظم عبد الله بن ياسين شئون هذه المنطقة سار إلى تامسنا لمقاتلة قبائل برغواطة.

وكانت هذه القبائل تدين بمذهب تنافي تعاليمه الإباحية أحكام الإسلام، أسسه رجل يهودي الأصل يدعى صالح بن طريف البرناطي نسبة إلى برناط، وهو حصن من أعمال شذونة بالأندلس، ووفد على منطقة تامسنا منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة ونشر مذهبه بين أهلها، وهم قوم تسودهم البداوة والجهالة المطلقة، فادعى النبوة وأنه قد نزل عليه قرآن جديد، كان يتلو بعض سوره وزعم أنه المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وجعل الصلوات خمساً في النهار وخمساً في الليل، والصوم في شهر رجب، وأباح لهم الزواج بأي عدد من النساء إلى غير ذلك. وكثر عدد أنصاره بمضي الزمن حتى أصبحوا أمة كبيرة يطلق عليها برغواطة. وفي بعض الروايات أن برغواطة تنتمي إلى قبيلة زناتة الشهيرة.

ويقول ابن خلدون إنهم من المصامدة من حيث الوطن والجوار، وهم قبائل شتى لا يجمعهم أصل واحد، وإنما هم أخلاط من البربر اجتمعوا إلى مذهب صالح بن طريف (1). وأقام هذا الدعي صالح بن طريف لنفسه رياسة وملكاً في تلك المنطقة، منطقة تامسنا، وشاطىء المحيط الممتد من شمالي أزمور جنوباً حتى آسفي، وتوارث أعقابه وقرابته الملك من بعده. واشتهر منهم في أواخر القرن الثالث أبو غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح، واشتدت شوكته وعظم أمره، وكانت له في البربر وقائع مشهورة. وحارب ملوك العدوتين المغرب والأندلس، من الأدارسة وبني أمية والشيعة، قبائل برغواطة، وحاربهم بلكين بن زيري زعيم صنهاجة، حينما غزا المغرب سنة 368 هـ، ولقيه أميرهم أبو منصور عيسى بن أبي الأنصاري في قومه، فهزم وقتل، وأمعن بلكين فيهم تقتيلا. ثم حاربهم المنصور بن أبي عامر، وبعث لقتالهم الفتى واضح،

(1) ابن خلدون ج 6 ص 209 و 210، والاستقصاء ج 1 ص 103.

ص: 306

فأثخن فيهم. وحاربهم بنو يفرن. وهكذا استمرت قبائل برغواطة، هدفاً للعداء والنقمة، حتى كان ظهور المرابطين في أوائل القرن الخامس.

وكان من الطبيعي أن يتجه المرابطون إلى قتال هؤلاء الأقوام الكفرة الوثنيين.

ومن ثم فقد سار عبد الله بن ياسين، وقائده أبو بكر اللمتوني في جموع المرابطين إلى أرض برغواطه، وكان الأمير عليهم يومئذ أبو حفص بن عبد الله بن أبي غفير ابن محمد بن معاذ، المتقدم الذكر. ونشبت بين المرابطين وبين البرغواطيين وقائع شديدة، أصيب فيها عبد الله بن ياسين الجزولي إمام المرابطين، ومنشىء طائفتهم، بجراح بالغة توفي منها في نفس اليوم. وجمع قبيل وفاته أشياخ المرابطين وحثهم على الثبات في القتال، وحذرهم من عواقب التفرقة والتحاسد في طلب الرياسة. وكان مصرعه في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 451 هـ (1059 م) ودفن في مكان يعرف بكريفلة أوكريفلت على مقربة من تامسنا، وأقيم على قبره فيما بعد مسجد، وما يزال مزاره قائماً معروفاً حتى اليوم. وفي الحال اتفق رأي المرابطين على اختيار قائدهم أبي بكر بن عمر اللمتوني للرياسة مكان إمامهم المتوفى، وهو اختيار أوصى به عبد الله قبل أن يلفظ النفس الأخير (1)

وكان عبد الله بن ياسين فقيهاً شديد الورع والتقشف، شديد الحمية والتعصب لمذهبه، وقد ألفى في تلك القبائل الصحرية الساذجة، مادة طيبة لبث تعاليمه، واستطاع أن يذكي في نفوس أولئك المرابطين - أتباعه - تلك الحماسة الدينية البالغة، التي حملتهم من الصحراء إلى ربوع المغرب، وعاونتهم على انتزاعها تباعاً من أيدي القبائل الخصيمة. بيد أن عبد الله كان مع شديد ورعه، مشغوفاً بالنساء، يتزوج في كل شهر عدداً منهن ويطلقهن، ويسعى إلى خطبة الحسان أينما وجدن. وكان يأخذ ثلث الأموال المختلفة، وهو إجراء يصفه المؤرخ بالشذوذ (2).

وقد ذكر لنا أبو عبيد البكري في معجمه " المسالك والممالك " بعض الأحكام الشاذة التي كان يطبقها عبد الله بن ياسين على المرابطين المنضوين

(1) روض القرطاس ص 84. ويضع ابن خلدون تاريخ وفاة عبد الله بن ياسين في سنة 450 هـ (ج 6 ص 209).

(2)

روض القرطاس ص 84.

ص: 307

تحت إمامته، وفي مقدمتها أخذه الثلث من مختلف الأموال بحجة أن ذلك يطيب باقيها، وهو مالا تسوغه الشريعة، من أي مذهب، ومنها أن الرجل إذا دخل في دعوتهم، وأبدى توبته على سالف ذنوبه، قيل له أنك ارتكبت في سالف شبابك ذنوباً كثيرة، ويجب أن يقام عليك حدودها، وتطهر من إثمها، فيضرب حد الزاني مائة سوط، وحد المفتري ثمانين سوطاً، وحد الشارب مثلها. وكذلك يفعل المرابطون بمن تغلبوا عليه، وأدخلوه قسراً في رباطهم، وإن علموا أنه قتل قتلوه، سواء أتاهم تايباً طائعاً، أو غلبوا عليه مجاهراً عاصياً. ومن تخلف عن شهود الصلاة مع الجماعة ضرب عشرين سوطاً، وغير ذلك من الأحكام القاسية التي لا تطبعها سماحة الإسلام الحقيقي (1).

- 2 -

ونستطيع أن نقول إنه بوفاة عبد الله بن ياسين، وقيام أبي بكر اللمتوني مكانه في الرياسة، تبدأ الدولة اللمتونية أو الدولة المرابطية. وهو أبو بكر بن عمر بن تلاكاكين بن واياقطين. وكان أول ما عنى به بعد دفن الإمام، هو متابعة حرب برغواطة، فحشد سائر قواته، وجد في قتالهم، وأثخن فيهم، حتى مزق طوائفهم، وقتل وسبى منهم جموعاً كبيرة، حتى أذعنوا إلى الطاعة وأسلموا إسلاماً جديداً، ونبذوا تقاليدهم الوثنية المثيرة. وجمع ما استولى عليه من الأموال والغنائم، وقسمها بين المرابطين، ثم عاد إلى مدينة أغمات، وأقام بها حتى شهر صفر سنة 452 هـ (1060 م). ثم غادرها في قوات ضخمة من صنهاجة وجزولة، والمصامدة، وافتتح بلاد فازاز ومكناسة، وسائر أراضي زناتة، ثم سار إلى مدينة لواتة، وكانت بيد بني يفرن فاقتحمها عنوة وخربها وقتل بها خلقاً كثيراً، وذلك في شهر ربيع الثاني سنة 452 هـ، وعاد بعدئذ إلى أغمات.

ولبث أبو بكر في أغمات بضعة أشهر أخرى، وعندئذ وفد إليه رسول من بلاد القبلة قاعدتهم بالصحراء، ونبأه باختلاف المرابطين هناك، ووقوع الخلاف

(1) المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، المستخرج من كتاب المسالك والممالك، والمنشور بعناية البارون دي سلان ص 169.

ص: 308

بين لمتونة ومسوفة، فخشى أبو بكر أن يتفاقم الأمر هناك بين القبائل الشقيقة، وقد كانت الصحراء منبع أمرهم، ومطلع سلطانهم، فقرر أن يعود إلى قومه، ليجبر الصدع ويوحد الكلمة. فوكل شئون المغرب لابن عمه يوسف بن تاشفين ونزل له عن زوجته الحسناء زينب بنت إسحاق النفزاوية، بعد أن طلقها، حتى لا تشاطره خشونة الحياة الصحرية، فتزوجها يوسف فيما بعد، وأمره بمتابعة قتال مغراوة وبني يفرن وزناتة، ووافق أشياخ المرابطين على هذا الاختيار، لما يعلمونه عن يوسف " من دينه وفضله وشجاعته وحزمه وشدته وعدله وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته "(1).

وقسمت القوات المرابطية عندئذ إلى جيشين، تولى يوسف إمرة أحدهما ليتم به إخضاع المغرب، وتولى أبو بكر إمرة الآخر. وخرج أبو بكر في جيشه في شهر ذي القعدة سنة 453 هـ (ديسمر 1061 م) واخترق بلاد تادلا وسجلماسة، ثم سار جنوباً إلى الصحراء، وهناك قام بإصلاح شئونها، والقضاء على أسباب الخلاف بين أقوامها، وتوحيد كلمتهم، ثم حشد قوات جديدة، وسار في جيشه الضخم إلى بلاد السودان، فغزا الكثير من نواحيه، وتوغل في أراضيه إلى مسيرة ثلاثة أشهر. وفي تلك الأثناء كان يوسف بن تاشفين، يؤدي مهمته العظيمة في افتتاح باقي أقطار المغرب، فبدأ بذلك بأن قسم الجيش المرابطي، وقد بلغ يومئذ أربعين ألف مقاتل، إلى أربعة أقسام، اختار لها أربعة من أقدر قواده، وهم سير بن أبي بكر اللمتوني، ومحمد بن تميم الكدالي، وعمر بن سليمان المسوفي، ومدرك التلكاني، وعقد لكل منهم على خمسة آلاف، وجعلهم في مقدمة قواته، وبعث بهم إلى مختلف أنحاء المغرب، وتولى هو قيادة بقية الجيش يسير به في أثرهم. وأخذت تلك الجيوش المرابطية في محاربة القبائل الخصيمة، ولاسيما مغراوة وزناتة وبني يفرن، ودوختها وغلبت على سائر أراضيها، وهرعت القبائل يجنح بعضها إلى المقاومة حتى يهزم ويغلب، ويجنح البعض الآخر إلى الاستسلام والطاعة. ولم تمض بضعة أشهر حتى كان يوسف قد غلب على معظم نواحي المغرب الجنوبية والوسطى، فعاد من غزاته المظفرة إلى أغمات في أواخر سنة 454 هـ، وقد عظم أمره، واشتد بأسه، وذاع صيته في سائر أنحاء المغرب.

(1) روض القرطاس ص 89، وابن خلدون ج 6 ص 184.

ص: 309

وفكر يوسف عندئذ أن يختط لنفسه محلة، تكون قاعدة لجيوشه، ومستودعاً لذخائره، ووقع اختياره في ذلك على أرض تقع شمال غربي مدينة أغمات، وكانت لبعض المصامدة، فاشتراها يوسف واختط بها قصبة ومسجداً، وكان يعمل في بناء المسجد بنفسه مع الفعلة، فكان ذلك مولد مدينة مَرَّاكُش الشهيرة (سنة 454 هـ - 1062 م). وكان هذا الاسم يطلق على هذا المكان، ومعناه بلغة المصامدة، " إمش مسرعاً ". إذ كان مأوى اللصوص وقطاع الطريق. واختار يوسف أن تكون قاعدته في قلب بلاد المصامدة، إذ كانوا أشد قبائل المغرب قوة وأكثرهم جمعاً، وكانوا قوام جيوشه، ومن جهة أخرى فقد كانت القاعدة الجديدة تقع في حمى جبل درن من شعب الأطلس. ونزل يوسف في محلته بالخيام أولا ودون أن تبنى أسوارها، ثم أقيمت بها القصور والأبنية فيما بعد، واختط بها الناس وحفرت بها الآبار، على أن مراكش لم يكمل بناؤها وتتسع رقعتها، ويقام سورها العظيم، إلا في عهد على بن تاشفين ولد يوسف، وذلك في سنة 526 هـ. وقد كان القسم الذي أنشأه يوسف من مدينة مراكش العظيمة، يشمل القسم الذي يعرف بسور الحجر فيما بينه وبين جامع الكتبيين، وهو الذي يعرف اليوم بالسجينة. وقد غدت مراكش في فترة يسيرة من أعظم المدن المغربية وأجلها، وغدت من ذلك التاريخ، قاعدة الدول المغربية العظيمة، ما عدا دولة بني مرين، ولعبت في تاريخ المغرب أعظم دور. وما زالت تحتفظ حتى اليوم بكثير من روعتها وجلالها القديم (1).

وعمل يوسف في ذلك الحين على تقوية جيشه وحرسه، فاقتنى من العبيد نحو ألفين، وبعث إلى الأندلس فاشترى عدداً كبيراً من العلوج والأرقاء النصارى، وأنشأ منهم فرقة قوية من الفرسان برسم حرسه وحجابته، واشتهرت فيما بعد ببلائها في مواقع كثيرة، واستعان يوسف على نفقاته العسكرية بما فرضه يومئذ على اليهود من ضرائب فادحة اجتمع له منها مال كثير (2).

وما كاد يوسف ينتهي من إنشاء حاضرته، وتنظيم جيشه. حتى تأهب لفتح مدينة فاس عاصمة المغرب القديمة، وأعظم مدائنه يومئذ. وكانت الجيوش

(1) راجع في إنشاء مراكش: روض القرطاس ص 89، وابن خلدون ج 6 ص 184، والاستقصاء ج 1 ص 107. وراجع ياقوت في معجم البلدان تحت كلمة مراكش.

(2)

الحلل الموشية ص 13.

ص: 310

المرابطية، قد تضخمت في تلك الأثناء، وعنى يوسف بتنظيمها، وتجهيزها بالرماة والعدة، والبنود والطبول، ويقال إنها بلغت يومئذ أكثر من مائة ألف فارس من قبائل صنهاجة، وجزولة، وزناتة، والمصامدة. وفي أواخر سنة 454 هـ سار يوسف لافتتاح مدينة فاس، فتلقته قبائلها من زواغة ولماية ولواتة وصدينة ومغيلة ومديونة وغيرها، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة، انهزمت فيها تلك القبائل، وامتنعت بصدينة، فاقتحمها يوسف، وقتل منها عدة آلاف.

ثم سار إلى فاس، ونازل أولا قلعة فازاز وهي من حصونها الأمامية، ثم زحف على فاس ذاتها، وبها صاحبها معنصر المغراوي، وافتتح حصونها تباعاً، ثم اقتحمها، وذلك في سنة 455 هـ، واستعمل عليها عاملا من لمتونة. وسار بعد ذلك إلى بلاد غمارة، وغلب على كثير من نواحيها، حتى أشرف على طنجة.

وفي خلال ذلك عاد بنو معنصر المغراوي إلى فاس، فاقتحموها وقتلوا عامل يوسف، واحتلوها، واضطر يوسف أن يعود لمنازلتها، فسار إليها في جيش ضخم، وضرب حولها الحصار بشدة، ثم اقتحمها عنوة، وقتل بها كثيراً من مغراوة وبني يفرن، وذلك في أوائل سنة 462 هـ (1069 م).

- 3 -

ويجب قبل أن نتم الكلام عن فتوح يوسف، أن نعطف على واقعة كان لها أثرها الحاسم في حياة يوسف، وفي مصاير دولة المرابطين، وذلك أن الأمير أبا بكر اللمتوني بعد أن نظم شئون الصحراء، وقضى في غزواته بضعة أعوام، نمى إليه ما وفق إليه ابن عمه يوسف من الفتوح العظيمة، ومن ضخامة السلطان واستقراره، فقرر أن يعود إلى المغرب ليسبر غور الأمور، وربما جال بخاطره أن يعزل يوسف، وأن يسترد هو سلطانه، باعتباره أمير المرابطين الشرعي.

ويقول لنا صاحب الحلل الموشية إن مقدم أبي بكر من الصحراء إلى المغرب كان في سنة 465 هـ، وإنه نزل بمحلته خارج مدينة أغمات، فهرع صحبه إلى مراكش العاصمة الجديدة، لرؤيتها والسلام على يوسف، واستقبلهم يوسف بالترحاب، وأغدق عليهم الهدايا والصلات (1). وأدرك أبو بكر مبلغ ما انتهى إليه يوسف من الضخامة والتوطد، وما يتمتع به من المحبة والنفوذ بين طائفته، وأنه لم يبق

(1) الحلل الموشية ص 13 و 14.

ص: 311

له أمل في انتزاع شىء مما في يده. بيد أنه يبدو لنا على ضوء رواية ابن أبى زرع وابن خلدون أن مقدم أبى بكر إلى المغرب كان قبل ذلك بقليل. ذلك أن زينب النفزاوية زوجة يوسف، لعبت دوراً في لقاء الرجلين. وقد توفيت زينب في سنة 464 هـ. وخلاصة هذه الرواية أن يوسف شعر عند مقدم أبى بكر بدقة الموقف، وما يتهدد سلطانه، فاستشار زوجه زينب النفزاوية في الأمر، وكانت إلى جانب جمالها من أعقل نساء زمانها، وأبعدهن نظراً، وكان مذ تزوجها يرجع إليها في عظائم الأمور، ويعتمد على نصحها، وذكائها، وحسن سياستها فأشارت عليه بأن يستقبل أبا بكر بالجفاء والغلظة، ويشعره بقوة السلطان والاستبداد، ويلاطفه مع ذلك بالهدايا والطعام والخلع بما يصلح للصحراء. وسار يوسف للقاء أبي بكر، فالتقيا بموضع بين أغمات ومراكش. وشعر أبو بكر مما أبداه يوسف، ومن تعاليه في السلام عليه وهو راكب فرسه، أنه حريص على سلطانه، مستعد للدفاع عنه، وزهد في التنافس والقتال، وأوصى يوسف باتباع العدل والرفق، ثم ودعه وعاد إلى الصحراء، وقد زوده يوسف بطائفة عظيمة من الهدايا الجليلة، من المال والخيل والبغال والأسلحة المحلاة بالذهب، والجواري والثياب الفاخرة والمؤن والدواب، وهنالك استأنف الجهاد والغزو حتى قتل في بعض غزواته وذلك في سنة 480 هـ (1087 م)(1).

وقضى يوسف أعواماً أخرى في إتمام فتح المغرب، حتى سيطر على معظم نواحيه، ودوخ سائر قبائله. وفي سنة 470 هـ (1077 م) نراه وقد أشرف على طنجة، وانتزعها من يد صاحبها الحاجب سكوت (أوسواجات) البرغواطي وهو في نفس الوقت صاحب سبتة. وكان سكوت من موالي بني حمود، وقد ولى حكم سبتة في أواخر أيامهم، ثم استولى على طنجة، وقوي أمره في ذلك الركن المنعزل من المغرب، وأطاعته قبائل غمارة، واستمرت ولايته زهاء عشرين عاماً. فلما زحفت الجيوش المرابطية إلى تلك الناحية، اعتزم سكوت الدفاع عن ملكه، وكان شيخاً في التسعين من عمره، ولكنه كان فارساً مقداماً.

فالتقى بالمرابطين في وادي منى على مقربة من طنجة، وقاتل حتى قتل ومزق جيشه، وسقطت طنجة في أيدي المرابطين، واعتصم ولده يحيى بن سكوت

(1) روض القرطاس ص 86، وابن خلدون ج 6 ص 184، والاستقصاء ج 1 ص 106.

ص: 312

بسبتة. وفي سنة 474 هـ زحف يوسف على المغرب الأوسط، واستولى على مدينة وجدة، ثم استولى على تلمسان ووهران، واستمر في سيره المظفر حتى تونس فافتتحها، واستولى بذلك على سائر شواطىء المغرب وثغوره الشمالية، وقضى على سلطان سائر الأمراء المحليين الذين كانوا يقتسمون المدن والثغور يومئذ، وشمل سلطانه جميع الأقطار الغربية، حتى تونس شرقاً وحتى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالا حتى حدود السودان جنوباً (1).

وهكذا قامت الدولة المرابطية الكبرى، وأقامتها عبقرية رجل واحد، وهو يوسف بن تاشفين، بعد أن وضع أسسها الأولى فقيه متعصب هو عبد الله ابن ياسين، واستحالت بسرعة على يد أبي بكر اللمتوني ثم يوسف من بعده، من زعامة دينية محلية، إلى ملك سياسي ضخم. وقد ذكرت لنا الرواية عن هذا الزعيم الموهوب والجندي العظيم بعض معلومات خلاصتها، أنه أبو يعقوب يوسف بن تاشفين بن ابراهيم بن ترقوت بن وارتقطين بن منصور بن مصالة ابن أمية الحميري الصنهاجي اللمتوني، فهي بذلك تنسبه إلى حمير، وأمه حرة لمتونية اسمها فاطمة بنت سير بن يحيى. وقد ولد بالصحراء في سنة 400 هـ (1009 م). بيد أننا لا نعرف شيئاً عن حياته ونشأته الأولى، وتذكره لنا الرواية لأول مرة في سنة 448 هـ، حينما ندبه الأمير أبو بكر اللمتوني ليكون قائداً لجيش المرابطين الزاحف لغزو المغرب. وكان يوسف يومئذ في الثامنة والأربعين من عمره. ومن ذلك التاريخ فقط، تتبع الرواية أعمال يوسف وفتوحه العظيمة المتعاقبة. وهي التي فصلناها فيما تقدم. وتنوه الرواية بورع يوسف وزهده، وبساطته وتواضعه، فقد كان بالرغم مما أتاه الله من بسطة في الملك والنعم، آية في التقشف، يرتدي الصوف طول حياته، ولا يرتدي سواه قط، ولا يأكل سوى الشعير ولحوم الإبل وألبانها. وكان بطلا شجاعاً حازماً، مهيباً، دائب التفقد لبلاده وثغوره، وأحوال رعيته، مجاهداً لا يفتر عن متابعة الجهاد، منصوراً مظفراً في معظم الوقائع التي خاضها، جواداً كريماً عادلا رفيقاً، ينأى عن إرهاق رعيته بالمغارم المحرمة، ولا يفرض منها إلا ما يجيزه ْالشرع، من الزكاة والأخماس والأعشار، وجزية أهل الذمة. وأما عن شخصه،

(1) روض القرطاس ص 93، والاستقصاء ج 1 ص 110.

ص: 313

فقد كان معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، أكحل العينين، أقنى الأنف، جعد الشعر، رقيق الصوت (1).

وقد حكم يوسف بن تاشفين، أعظم امبراطورية إسلامية قامت في الغرب الإسلامي، فهو فضلا عن إنشاء الإمبراطورية المغربية الكبرى، ممتدة فيما بين تونس والمحيط، وما بين البحر وحدود السودان، قد انتهى بعد ظفره في موقعة الزلاّقة على جيوش اسبانيا النصرانية حسبما نفصل بعد، إلى افتتاح ممالك الطوائف الأندلسية، وبسط سيادة الدولة المرابطية المغربية على اسبانيا المسلمة، وبذا كانت تمتد امبراطوريته عبر البحر شمالا حتى سرقسطة في شمال شرقي اسبانيا، وحتى شنترين وأشبونة في قلب البرتغال.

وكان يوسف بن تاشفين في بداية أمره يلقب بالأمير، فلما فتح المغرب وترامت حدود مملكته، أراد بعض أشياخ المرابطين أن يحملوه على اتخاذ سمة الخلافة، فأبى واكتفى باتخاذ لقب أمير المسلمين، وناصر الدين، وأصدر مرسومه، بأن يدعى له بذلك اللقب، وذلك في سنة 466 هـ (2). وفي أواخر عهده، بعد أن ملك الأندلس، نصح له الفقهاء أن تكون ولايته من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، فأرسل إلى الخليفة المستظهر بالله العباسي ببغداد، سفيراً ومعه هدية جليلة، وكتاب بما فتح الله عليه من الملك، وما أولاه من النصر، وطلب تقليده الولاية، فبعث إليه الخليفة بمرسوم الولاية، والخلع والتشاريف (3) ومما يؤكد لنا انضواء يوسف تحت لواء الخلافة العباسية، ذكره في سكته لاسم الخليفة العباسي (4).

- 4 -

ننتقل الآن إلى تلك المرحلة الأخرى من حياة يوسف، وهي مرحلة تدخله في حوادث شبه الجزيرة الإسبانية، وهي مرحلة تتخذ في البداية طابع الجهاد في سبيل الله، ثم تنقلب بعد ذلك، إلى موجة جديدة من الفتح المرابطي.

(1) روض القرطاس ص 87 و 88، والحلل الموشية ص 12.

(2)

الحلل الموشية ص 16 و 17، وقد أورد لنا نص المرسوم.

(3)

ابن الأثير ج 10 ص 145.

(4)

روض القرطاس ص 88، وابن خلدون ج 6 ص 188.

ص: 314

وقد سبق أن ذكرنا في أخبار مملكتي إشبيلية وبطليوس، ما انتهى إليه أمراء الطوائف. عقب استيلاء ألفونسو السادس ملك قشتالة على طليطلة ومملكة بني ذى النون في سنة 478 هـ. وتهديده لهم جميعاً بالويل والفناء، من وجوب الاستنصار بإخوانهم في عدوة المغرب، وإرسالهم بصريخهم المتوالي إلى يوسف بن تاشفين، لينهض إلى نجدتهم وإغاثتهم. وقد اختلفت الرواية في تفصيل مقدمات هذا الصريخ وظروفه. والقول المشهور في ذلك، هو أن سقوط طليطلة، كان هو العامل الجوهري، الذي حمل ملوك الطوائف، على أن يتجهوا إلى الاستنصار بالمرابطين. بيد أن هناك ما يحمل على الاعتقاد بأن هذا الاتجاه يرجع إلى ما قبل سقوط طليطلة بعامين أو ثلاثة، فقد سقطت طليطلة في يد ملك قشتالة في صفر سنة 478 هـ (مايو 1085 م)، ولكنا نجد صريخ الأندلس يتوالى على بلاط مراكش منذ سنة 474 هـ، فقد وفد في ذلك العام على يوسف جماعة من أهل الأندلس، وشكوا إليه ماحل بهم من عدوان النصارى، وطلبوا إليه النجدة والعون، فوعدهم بتحقيق أمنيتهم (1). ثم توالى صريخهم بعد ذلك. ويحدثنا يوسف بن تاشفين نفسه عما تلقاه من صريخ الأندلس المتوالي في رسالته التي بعث بها عقب موقعة الزلاقة إلى المعز بن باديس أمير إفريقية، فيقول:" ولما بلغنا من استحواز النصارى، - دمرهم الله - على بلاد الأندلس ومعاقلها، والتزام الجزية لرؤسائها، واستيصال أقالمها، وإيطايهم البلاد داراً داراً، لا يتخوفون عسكراً يخرج إليهم، فيبدد جمعهم، ويفل حدهم، وهم مع ذلك كله يقتلون الشيب والشبان، ويأسرون النساء والصبيان، فخوطبنا عن الجواز إلى الأندلس من جميع الأحواز المرة بعد المرة، وألوتنا الأعذار إلى وقت الأقدار "(2). ويؤيد ابن خلدون هذه الرواية، ويوردها بصورة أخرى، فيقول لنا إن المعتمد بن عباد خاطب أمير المسلمين يوسف، ملتمساً إنجاز وعده في إنجاد الإسلام في الأندلس، وكاتبه أهل الأندلس كافة من العلماء والخاصة، فاهتز أمير المسلمين للجهاد، وبعث ابنه المعز في عساكر المرابطين إلى سبتة فنازلها براً، وطافت بها سفن ابن عباد بحراً، ثم اقتحموها عنوة في ربيع الآخر

(1) الحلل الموشية ص 20.

(2)

راجع رسالة يوسف عن موقعة الزلاقة، وقد نشرناها في باب الوثائق في نهاية الكتاب.

ص: 315

سنة 476 هـ، وأسر صاحبها يحيى بن سكوت ثم قتل. وجاز ابن عباد بعد ذلك، وقصد إلى أمير المسلمين، ولقيه بفاس مستنفراً له في الجهاد، ونزل له عن ثغر الجزيرة ليكون رباطاً لجهاده (1). ويقول لنا ابن أبي زرع، إن أمير المسلمين لما عاد إلى مراكش في سنة 475 هـ عقب فتحه لوهران وتونس، ورد عليه كتاب المعتمد بن عباد، يعلمه بحال الأندلس، وما آل إليه أمرها من تغلب العدو على معظم ثغورها، ويسأله الإنجاد والعون، فأجابه يوسف بأنه إذا فتح الله عليه سبتة فإنه سوف يتصل بهم، ثم يحدثنا بعد ذلك عن الغزوة التي قام بها ألفونسو في نفس العام، في أراضي إشبيلية وكيف اخترقها بقواته حتى وصل إلى طريف، وخاض الماء بفرسه قائلا، هذا آخر الأندلس قد وطأته، وأنه لما استولى على طليطلة اتفق أمراء الأندلس وكبراؤها على الاستنصار بيوسف وكتبوا إليه جميعاً يلتمسون منه الغوث، وأنهم سوف يكونون معه يداً واحدة في جهاد العدو. فلما توالت كتب الأندلس على يوسف بعث ابنه المعز لافتتاح سبتة، فحاصرها وافتتحها في شهر ربيع الأول سنة 477 هـ، فسر بذلك أمير المسلمين، وسار في الحال بقواته نحو الشمال ليجوز منها إلى الأندلس (2). وفي أقوال ابن أبي زرع شىء من الغموض والتناقض في التواريخ. ولكنه مع ذلك يؤيد الواقعة الجوهرية، وهي أن اتجاه أمراء الطوائف إلى الاستنصار بأمير المسلمين، حدث قبل سقوط طليطلة ببضعة أعوام، وأن سقوط طليطلة لم يكن إلا عاملا جديداً في تقوية هذا الاتجاه وإذكائه.

وإنه ليلوح لنا أن فكرة استدعاء المرابطين لإنجاد الأندلس، قد خطرت لأول مرة للمعتمد بن عباد حينما اشتد ألفونسو في إرهاقه بطلب الجزية، وأرسل إليه ابن شاليب اليهودي في اقتضائها، وذلك في سنة 475 هـ ووقع عندئذ ما وقع من بطش ابن عباد برسل ألفونسو، وخروج ملك قشتالة في قواته للانتقام من ابن عباد، واجتياحه لمملكته، وتخريبه لمدنها ومروجها، من إشبيلية جنوباً حتى مدينة طريف، وذلك حسبما فصلناه في موضعه من أخبار مملكة إشبيلية.

والظاهر أن المعتمد قد أدرك عندئذ، وإن يكن متأخراً، فداحة الخطأ الذي

(1) ابن خلدون ج 6 ص 186. وقد وهم ابن خلدون في واقعة عبور المعتمد إلى المغرب وزيارته لأمير المسلمين. والواقع أن هذه الزيارة تمت بعد موقعة الزلاقة.

(2)

روض القرطاس ص 92 و 93.

ص: 316

ارتكبه، بخضوعه لملك قشتالة ومحالفته، وأدرك مدى ما تنطوي عليه سياسة هذا الملك القوي من الخديعة والغدر، واعتزم عندئذ أمره في استدعاء المرابطين.

وليس معنى ذلك أن ابن عباد كان ينفرد بهذا التفكير وهذا العزم، فلا شك أن معظم أمراء الطوائف قد جالت بخواطرهم تلك الفكرة، فقد كانوا جميعاً يشعرون بنفس الخطر، وكانوا جميعاً يعانون ضغط ملك قشتالة، وتخريبه لأراضيهم، وجشعه في استصفاء أموالهم باسم الجزية، بيد أن ابن عباد، قد كان كبير ملوك الطوائف، وكان يواجه في نفس الوقت أعظم الأخطار المباشرة من عدوان ملك قشتالة، وكان حرياً بأن يتقدمهم في اعتناق هذه الفكرة وتنفيذها.

على أن فكرة الاستنصار بالمرابطين لم تكن دون معارضة، فقد كان ثمة بين ملوك الطوائف من يخشى عواقبها ويحذر ابن عباد من مغبة سياسته، وقد أجابهم ابن عباد بكلمته المأثورة " رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، يقصد بذلك أن خير له أن يغدو أسيراً لدى أمير المسلمين يرعي جماله، من أن يغدو أسيراً لملك قشتالة النصراني (1).

ثم كان سقوط طليطلة بعد ذلك بعامين، فكان نذيراً لا شك في خطورته.

وإذا كانت فكرة الاستنصار بالمرابطين، قد بدت من قبل لأمراء الطوائف أملا يداعبهم، فقد بدت عندئذ ضرورة ماسة، وبدت بالنسبة للأندلس مسألة حياة أو موت، ومن ثم فإن الصريخ الذي كان يتخذ من قبل صورة الكتب والدعوات الخاصة، يتخذ عندئذ صورته الرسمية، وتشاطر الأندلس كلها، أمراؤها وفقهاؤها وكافتها هذا الاتجاه، ويبعث ابن عباد وزميلاه المتوكل ابن الأفطس صاحب بطليوس، وعبد الله بن بلقين صاحب غرناطة، سفارتهم الرسمية إلى أمير المسلمين، على يد أبي بكر عبيد الله بن أدهم قاضي قرطبة، وأبى إسحق بن مُقانا قاضي بطليوس، وأبى جعفر القليعى قاضي غرناطة، وأبى بكر بن زيدون وزير المعتمد (2). وعبر سفراء الأندلس البحر إلى المغرب وقصدوا إلى أمير المسلمين في مراكش، وكانت وفود الأندلس تتوالى من قبل

(1) راجع الروض المعطار ص 85.

(2)

راجع الحلة السيراء ج 2 ص 99، والروض المعطار ص 86، ونفح الطيب ج 2 ص 526. وراجع دوزي: Histoire ; Vol.III p 124

ص: 317

ذلك على يوسف مستعطفة باكية، ترجوه الغوث والإنجاد، فيستمع إلى قولهم، ويعدهم خيراً. والظاهر أن سفارة الأندلس الرسمية لم تأت لكي تلتمس العون، دون قيد ولا شرط. وقد وقعت بينها وبين أمير المسلمين مفاوضات أسفرت عن عهود متبادلة، خلاصتها أن يتعاون أمير المسلمين وأمراء الطوائف في محاربة النصارى، وأن يؤمن أمراء الطوائف في ممالكهم، وألا تحرض رعيتهم على شىء من الفساد، ومن جهة أخرى فقد طلب أمير المسلمين عملا بنصح وزيره الأندلسي عبد الرحمن بن أسبط أن يُسلم إليه ثغر الجزيرة، وقد كان يومئذ من أملاك ابن عباد، لكي يكون قاعدة أمينة لعبور جيشه، وقد نزل ابن عباد عند هذه الرغبة، وأمر حاكم الجزيرة ولده يزيد الراضي بإخالائها. لتكون رهن تصرف أمير المسلمين (1).

وقد سبق أن أشرنا إلى ما عمد إليه ملك قشتالة عقب استيلائه على طليطلة، من الكتابة إلى ابن عباد يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وما كتب به كذلك إلى المتوكل بن الأفطس في هذا المعنى، وإلى ما رد به كل من الأميرين المسلمين، على الملك النصراني، وذلك في أخبار مملكتي إشبيلية وبطليوس.

* * *

وهكذا اعتزم أمير المسلمين أمره، بعد استشارة قومه وفقهائه، وقرر أن يلبي صريخ أهل الأندلس، وأن يبادر إلى غوثهم، ولم يك ثمة شك في أن يوسف وقومه المرابطون، كانت تحدوهم نزعة الجهاد في سبيل الله، بيد أن أولئك الجند الصحراويين الذين نشأوا في غمار القفر والبداوة، كانت تحدوهم في نفس الوقت رغبة في رؤية الأندلس، وما اشتهرت به من الخصب والنعماء، وأن يبلوا حرب النصارى (2). ومن الصعب علينا في هذا الموطن، أن نستشف نيات يوسف ْالتي كشف عنها فيما بعد، في افتتاح الأندلس وامتلاكها، بيد أنا نرجح أنه لم يكن يجيش بمثل هذه النية في البداية، وأنها خطرت له فيما بعد، بعد أن درس أحوال الأندلس، وأحوال أمرائها. واستنفر يوسف سائر قواته وحشوده للجهاد،

(1) راجع كتاب التبيان أو مذكرات الأمير عبد الله ص 102 و 103، والحلل الموشية ص 32 و 33.

(2)

الحلل الموشية ص 31.

ص: 318

وكان قد تم له يومئذ فتح سبتة، فسار إليها، والجيوش تتلاحق في أثره من الصحراء، وبلاد الزاب، ومختلف نواحي المغرب، وأصلح مرافئها وحشد السفن لعبور قواته، وكان أول ما عبر منها قوة من الفرسان بقيادة داود بن عائشة، عبرت إلى ثغر الجزيرة الخضراء، واحتلته وفقاً لما تم الاتفاق عليه، ثم أخذت الجيوش المرابطية تعبر تباعاً، حتى تم عبورها جميعاً إلى شبه الجزيرة. وفي في يوم الخميس منتصف ربيع الأول سنة 479 هـ (30 يونيه 1086 م) عبر البطل الشيخ في بقية قواته. وما كادت السفن العابرة تمخر عباب المضيق، حتى اضطرب البحر وتعالت الأمواج، فنهض الزعيم المرابطي حسبما يحدثنا بنفسه وسط سفينته، وبسط يديه بالدعاء نحو السماء قائلا:" اللهم إن كنت تعلم أن في جوازنا هذا خيرة للمسلمين، فسهل علينا جواز هذا البحر، وإن كان غير ذلك فصعبه حتى لا أجوزه ". ثم يقول لنا، إنه ما كاد يتم كلامه حتى " سهل الله المركب، وقرب المطلب ". وشاء ربك أن تعبر السفن المرابطية، في ريح طيبة وبحر هادىء، وأن تصل إلى ثغر الجزيرة في سلام (1).

(1) روض القرطاس ص 93. وهذا ما ذكره يوسف بن تاشفين نفسه في خطابه بالفتح إلى المعز بن باديس. (ويراجع الخطاب المذكور في باب الوثائق في نهاية الكتاب).

ص: 319