المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامسمملكة بني ذى النون في طليطلة - دولة الإسلام في الأندلس - جـ ٢

[محمد عبد الله عنان]

فهرس الكتاب

- ‌العصر الثانيدُوَل الطَّوَائِف مُنْذ قيامِهَا حَتّى الفتحْ المرابِطي

- ‌مقدمةالطبعة الأولى

- ‌تصدير

- ‌تمهيدنذر الانحلال والتفكك

- ‌الكِتابُ الأوّلقرطبة ودول الطوائفْ في الأندلس الغربية والوسطى

- ‌الفصل الأوّلدولة بني جهور في قرطبة

- ‌الفصل الثانيبنو عباد ومملكة إشبيلية

- ‌الفصل الثالِثبنو عباد ومملكة إشبيلية

- ‌الفصل الرّابعبنو الأفطس ومملكة بطليوس

- ‌الفصل الخامِسُمملكة بني ذى النون في طليطلة

- ‌الكِتابُ الثانيالدّول البربريَّة في جنوبيِّ الأندلس

- ‌الفصل الأوّلدولة بني مناد البربرية في غرناطة ومالقة

- ‌الفصْل الثاني الإمارات البربرية الأخرى

- ‌الكتابُ الثالِثدول الفتيان الصقالبة وخلفائهم في شرقيّ الأندلس

- ‌الفصْل الأوّل مملكة ألمرية

- ‌الفصل الثانِيمملكة مرسية

- ‌الفصل الثالِثمملكة دانية والجزائر

- ‌الكتاب الرابعدول الطوائف في منطقة بلنسية

- ‌الفصْل الأوّل مملكة بلنسية

- ‌الفصل الثانِيمملكة بلنسية

- ‌الفصل الثالِثإمارة شنتمرية الشرق

- ‌الفصل الرابعإمارة ألبونت

- ‌الكتاب الخامِسدول الطوائف في الثغر الأعلى

- ‌الفصْل الأوّلمملكة سرقسطة

- ‌الفصل الثانيمملكة سرقسطة

- ‌الكتِاب السادسموقعة الزلاّقة والفتح المرابطيّ

- ‌الفصْل الأوّلنشأة المرابطين

- ‌الفصل الثانِىموقعة الزلاّقة

- ‌الفصل الثالِثالفتح المرابطي

- ‌الفصل الرّابعالفتح المرابطي

- ‌الكِتابُ السابعالممالك الإسبانية النصرانيّة خلال القرن الحادي عشر الميلاديّ

- ‌الفصل الأوّلالمملكة الإسبانية الكبرى

- ‌الفصل الثانِيإسبانيا النصرانية عقب وفاة فرناندو الأول

- ‌الفصل الثالِثالنصارى المعاهدون

- ‌ثبت المراجع

الفصل: ‌الفصل الخامسمملكة بني ذى النون في طليطلة

‌الفصل الخامِسُ

مملكة بني ذى النون في طليطلة

مملكة طليطلة وأهمية موقعها. بنو ذى النون. أصلهم وظهورهم. عبد الرحمن بن ذى النون وولده إسماعيل. أحوال طليطلة عقب الفتنة. استدعاء أهلها لإسماعيل. ولايته لطليطلة، وتلقبه بالظافر. كبير الجماعة أبو بكر الحديدي. وفاة إسماعيل وقيام ولده المأمون. الحرب بين المأمون وابن هود. هزيمة المأمون وارتداده. استعانته بفرناندو ملك قشتالة. عيث النصارى في أراضي ابن هود. التحالف بين المأمون وابن عباد. استعانة ابن هود بملك قشتالة وعيثه في أراضي طليطلة. تحالف المأمون مع غرسية ملك نافار. عيث النصارى في أراضي طليطلة وسرقسطة. سعي أهل طليطلة للصلح. مهاجمة ابن هود لمدينة سالم. غزو القشتاليين لأراضي طليطلة. غزو النافاريين لأراضي سرقسطة. وفاة ابن هود وانتهاء الفتنة. النزاع بين المأمون وبين ابن الأفطس. إغارة ملك قشتالة على أراضي طليطلة. تعهد المأمون له بالجزية. استيلاء المأمون على بلنسية. مختلف الروايات في ذلك. وفاة فرناندو ملك قشتالة والنزاع بين أولاده. فرار ألفونسو. التجاؤه إلى المأمون. محاولة المأمون غزو قرطبة وفشله. مؤامرة ابن عكاشة. استيلاؤه على قرطبة واستدعاؤه للمأمون. مقتل سراج الدولة ابن المعتمد. دخول المأمون قرطبة ثم وفاته. زحف ابن عباد على قرطبة واقتحامه إياها. مصرع ابن عكاشة. المأمون وخلاله. ثراؤه وقصوره الباذخة. ما ينسب إليه من البخل. ابن حيان يهدي إليه كتابه. يحيى القادر حفيد المأمون وخلفه. الوزيران ابن الفرج وابن الحديدي. بطش القادر بابن الحديدي. القلاقل والمؤامرات ضد القادر. ضغط ابن هود عليه. يلتمس حماية ملك قشتالة ويعترف بطاعته. الثورة في طليطلة وفرار القادر. المتوكل بن الأفطس يتولى حكم طليطلة. استعانة القادر بألفونسو واسترداده لعرشه. مشروع ألفونسو لغزو طليطلة. المعتمد بن عباد يعقد حلفاً مع ألفونسو خضوع ملوك الطوائف لملك قشتالة. اختلاف أهل طليطلة. الحزب الموالي للنصارى. تخريب ألفونسو لأراضي طليطلة. انصراف ملوك الطوائف عن غوثها. أبو الوليد الباجي ودعايته. عمر المتوكل يحاول إنجادها. حصار ألفونسو لطليطلة. القادر وموقفه المريب. تفاقم الخطب. محاولة أهل المدينة التفاهم مع ألفونسو. إصرار ألفونسو على التسليم. عروض التسليم وشروطه. ألفونسو السادس يدخل طليطلة. مغادرة القادر إياها. سقوط طليطلة وآثاره المادية والأدبية. طليطلة حاضرة قشتالة. أثر النكبة في موقف الطوائف. فجيعة الشعر الأندلسي.

لم تكن أهمية مملكة بني ذى النون في طليطلة وأعمالها، في ضخامة رقعتها، وإن كانت أيضاً من أكبر دول الطوائف رقعة، ولكن في موقعها الحربي (الاستراتيجي) على مشارف الأندلس الشمالية الوسطى. ونحن نعرف أن طليطلة وأعمالها، كانت منذ قيام الدولة الإسلامية بالاندلس تعرف بالثغر الأوسط

ص: 94

لمتاخمة حدودها للممالك الإسبانية النصرانية، واعتبارها بذلك حاجز الدولة الإسلامية وجناحها الشمالي الأوسط، ضد عدوان النصارى.

ولم يتغير هذا الوضع بقيام دولة بني ذى النون، على أثر انهيار الخلافة، وتمزق الأندلس، في تلك المنطقة، ومن ثم كانت أهمية مملكة طليطلة. وكانت هذه المملكة تشمل رقعة كبيرة في قلب الأندلس، تمتد شرقي مملكة بطليوس، من قورية وتَرجالُه نحو الشمال الشرقي، حتى قلعة أيوب وشنتمرية الشرق، جنوب غربي مملكة بني هود في الثغر الأعلى، وتمتد شمالا بشرق فيما وراء نهر التاجُه متاخمة لقشتالة القديمة، وجنوباً بغرب حتى حدود مملكة قرطبة، عند مدينتي المعدن والمدور، وتتوسطها عاصمتها طليطلة. ومن أعمالها مدينة سالم ووادي الحجارة وقونقة ووبذة وإقليش ومورة وطلبيرة وترجالُه وغيرها.

كانت هذه المنطقة الشاسعة الهامة وقت الفتنة غنماً لبني ذى النون، أقاموا بها مملكة لامعة زاهية، ولكن سيئة الطالع، قصيرة الأمد. وقد كان بنو ذى النون من أصول البربر، من قبائل هوارة، ويقال إن أصل لقبهم هو زنون، فتطور بمضي الزمن إلى رسمه المعروف، أعني ذى النون، وقد ظهروا وفقاً لأقوال الرواية، منذ أيام الدولة الأموية، حيث كان جدهم الأعلى ذو النون بن سليمان حاكماً لحصن إقليش، منذ أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن. وظهر جدهم ذو النون هذا، ونال عطف الأمير محمد عن طريق حادث عارض، خلاصته أن الأمير محمدا، عند اجتيازه في بعض غزواته لأرض شنت برية (1)، موطن ذى النون اعتل له خصي من أكابر خصيانه، وهو في طريق العودة من غزاته، فتركه عند ذى النون حتى يبرأ من علته أو يموت، فاعتنى به ذو النون عناية فائقة حتى برىء، ثم أخذه بنفسه إلى قرطبة، فسر الأمير محمد بمروءته، وكافأه على صنيعه بأن أهدى له سجلا بولايته على ناحيته، واعتباره زعيم قومه، وارتهن بعض أولاده كفالة بحسن طاعته، ومن ذلك الحين يظهر اسم بني ذى النون على مسرح الحوادث. ومنها أن موسى بن ذى النون، اشترك أيام الفتنة في الخلاف

(1) شنت برية وبالإسبانية Santaver، هي بلدة حصينة كانت تقع شمالي غرب قونقة، وجنوبي شرقي وادي الحجارة على مقربة من منابع نهر التاجه، وقد كانت قاعدة للكورة الأندلسية التي تسمى بهذا الاسم، والتي تشغل منطقة قونقة وإقليش حتى شرقي طليطلة.

ص: 95

وخرج عن الطاعة، وذلك في سنة 260 هـ، وأخضعه الأمير محمد (1). ومن ذلك أيضاً أن ابنه الفتح بن موسى، خرج في مستهل عهد الناصر بقلعة رباح وأحوازها، فبعث إليه الناصر بحملة طاردته وانتهت بإخضاعه.

ويقول لنا ابن الخطيب إن بني ذى النون لم يكن لهم رياسة ولا نباهة إلا في دولة المنصور بن أبي عامر، ولكن ابن حيان يذكر لنا من جهة أخرى "أنه في شهر جمادى الأولى سنة 363. هـ في عهد الحكم المستنصر بالله سجل لمطرف بن اسماعيل ابن عامر ذى النون على وبذة"(2) وحصنه، وأضيفت إليه أكثر حصون شنت برية وقراها (3). ويقع حصن وبذة هذا على مقربة من شمال حصن إقليش معقل بني ذى النون فيما بعد. وعلى أي حال ففي أيام المنصور، ظهر عبد الرحمن ابن ذى النون وولده إسماعيل، وخدم في ظل المنصور، والظاهر أن عبد الرحمن هذا هو ولد مطرف بن إسماعيل بن ذى النون السابق ذكره. فلما انقرضت الدولة العامرية، لحق بالثغر، واجتمع إليه بنو عمه، ومنحه سليمان الظافر حكم إقليش.

ولما مات الفتى واضح العامري حاكم قلعة قونقة، استولى عليها إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذى النون، وضبطها حتى يجىء بزعمه من يولي عليها. وأخذ إسماعيل يستولي على الأنحاء المجاورة شيئاً فشيئاً، حتى بسط حكمه على كورة شنتبرية كلها.

وأولاه سليمان الظافر عطفه، فمنحه رتبة الوزارة، ولقبه بناصر الدولة. ونحن نعرف أن البربر كان لهم في أيام سليمان الغلبة والكلمة العليا، فلما اضطرمت الفتنة وانهارت السلطة المركزية، أعلن إسماعيل استقلاله بما في يده من الأراضي، وجبي الأموال، واتسعت أعماله. وينوه ابن حيان، ببخله وإمساكه في النفقة، ثم يصفه فيما يلي: " ولم يرغب في صنيعة، ولا سارع إلى حسنة، ولا جاد بمعروف، ولا عرّج عليه أديب ولا شاعر، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر، ولا استخرج من يده درهم في حق ولا باطل، ولا حظى أحد منه بطائل، وكان

(1) نقل إلينا ابن حيان هذه المعلومات عن عيسى بن أحمد الرازي، ووردت في القطعة المخطوطة من تاريخ ابن حيان المحفوظة بمكتبة جامع القرويين (لوحة 272 ب).

(2)

وهي بالإسبانية Huete

(3)

ورد ذلك في المقتبس لابن حيان - قطعة مكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد المنشورة بعناية الأستاذ عبد الرحمن الحجي (بيروت 1965) ص 150.

ص: 96

مع ذلك سعيد الجد، تنقاد إليه دنياه، وتصحبه سعادته، فينال صعاب الأمور بأهون سعيه، وهو كان فرط الملوك في إيثار الفرقة، فاقتدى به من بعده، وأموا في الخلافة نهجه، فصار جرثومة النفاق، ومنه تفجر ينبوع الفتن والمحن " وهكذا كان مؤسس مملكة بني ذى النون (1).

وكانت طليطلة حينما اضطرمت الفتنة، وانهار سلطان الحكومة المركزية، قد قام بالأمر فيها وضبطها قاضيها أبو بكر يعيش بن محمد بن يعيش الأسدي. بيد أنه يبدو أنه لم يكن منفرداً بالرياسة، وأنه كان يحكم معه جماعة من الرؤساء على نحو ما كانت الجماعة في بدايتها بقرطبة، وكان من هؤلاء ابن مسرّة، وعبد الرحمن ابن متيوه. ثم وقع الخلاف بين الجماعة، وعزل القاضي ابن يعيش، وسار إلى قلعة أيوب وتوفي بها في سنة 418 هـ (2). ولما توفي عبد الرحمن بن متيوه، خلفه في الحكم ولده عبد الملك، وأساء السيرة، واضطربت الأمور، فرأى أهل طليطلة أن يتخلصوا من أولئك الزعماء جملة، وبعثوا رسلهم إلى عبد الرحمن ابن ذى النون في شنتبرية يستدعونه لتولي الرياسة، فوجه إليهم ولده إسماعيل، وكان ذلك في سنة 427 هـ (1036 م).

وهكذا تولى إسماعيل بن ذى النون حكم طليطلة وأعمالها، وتلقب بالظافر وامتدت رياسته شرقاً حتى قونقة وجنجالة، واعتمد في تدبير الأمور على كبير الجماعة بطليطلة أبي بكر بن الحديدي، وكان عالماً وافر العقل والدهاء، يحظى بتأييد الكثرة الغالبة من أهل المدينة، فكان إسماعيل لا يقطع أمراً دون رأيه ومشورته.

ولم يطل أمد اسماعيل في الملك أكثر من بضعة أعوام، إذ توفي في سنة 435 هـ (1043 م). وفي عهده ذاعت قصة ظهور هشام المؤيد، وكان هشام المزعوم هذا بقلعة رباح من أعمال مملكته، فأخرج منها وأخذ إلى إشبيلية، حيث أظهره القاضي ابن عباد، وأخذ له البيعة وأعلن خلافته، حسبما ذكرنا ذلك في موضعه.

فخلفه ولده يحيى بن إسماعيل، وتلقب بالمأمون، وسار على سنة أبيه في

(1) راجع في أصل بني ذى النون ونشأتهم: الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 110 و111، وأعمال الأعلام ص 176 و 177، وابن خلدون ج 4 ص 161.

(2)

ابن بشكوال في الصلة رقم 1520.

ص: 97

تقديم وزيره ابن الحديدي، والاعتماد على رأيه في مهام الشئون. وكان ثمة إلى جانب ابن الحديدي ثلاثة وزراء آخرين، أوصى أبوه إسماعيل بأن يشركهم في رأيه، ويعتمد على عونهم، وهم الحاج بن محقور، وابن لبون، وابن سعيد ابن الفرج (1). وفي عهد المأمون اتسعت حدود مملكة طليطلة، وترامت شرقاً حتى بلنسية، وأضحت من أعظم دول الطوائف رقعة وموارد، وساد بها الأمن والرخاء.

بيد أن عهد المأمون الذي استطال ثلاثة وثلاثين عاماً، كان في الوقت نفسه مليئاً بالحروب والخصومات، التي اضطرمت بين المأمون، وبين منافسيه القويين ابن هود صاحب سرقسطة والثغر الأعلى، وابن عباد صاحب إشبيلية. ووقع النزاع بادئ بدء بين المأمون، وبين ابن هود جاره من الناحية الشمالية الشرقية. وكانت سلسلة المدن والقلاع الحصينة التي تمتد بين الثغر الأعلى، وبين مملكة طليطلة، منذ قلعة أيوب حتى وادي الحجارة، موضع الاحتكاك بين الفريقين، وكانت مدينة وادي الحجارة بالأخص مثار نزاع بينهما، وبالرغم من أنها كانت من أعمال مملكة طليطلة، إلا أن فريقاً من أهلها كانوا ينزعون إلى الانضواء تحت سلطان سليمان بن هود صاحب سرقسطة، وكان سليمان يعمل على بث الاضطراب فيها، على يد رسله وأعوانه، فلما نضجت دعوته أرسل إليها قوة من جيشه بقيادة ولده وولي عهده أحمد فنازلتها، ثم دخلتها بمعاونة بعض أهلها الضالعين معه، (436 هـ - 1044 م). وما كاد المأمون بن ذى النون يقف على هذا الاعتداء، حتى هرع في قواته إلى وادي الحجارة، ونشبت بينه وبين أحمد بن هود معارك كانت الغلبة فيها لابن هود، فارتد بقواته، وابن هود يطارده حتى حصره في مدينة طلبيرة، الواقعة على نهر التاجه غربي طليطلة، وشدد ابن هود في الضغط على المأمون ومضايقته، ثم كتب إلى أبيه يخبره بما تهيأ له، فكتب إليه أبوه أن يرفع الحصار عن طلبيرة، وأن يترك المأمون وشأنه، فصدع بالأمر، وارتد بقواته عائداً إلى سرقسطة، ونجا المأمون من مأزق شديد الحرج.

ولم يشأ المأمون أن يقف عند هذا الحد، بل صمم على متابعة الحرب والانتقام من ابن هود، ففاوض فرناندو الأول ملك قشتالة، وطلب عونه، وتعهد

(1) أعمال الأعلام ص 177، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 113.

ص: 98

بأن يقر بسيادته، وأن يؤدى له الجزية (1)، فاستجاب فرناندو لدعوته، وبعث سريات من جنده، فعاثت في أراضي ابن هود المتاخمة لقشتالة، وأمعنت فيها تخريباً، وكان ذلك في أوان الصيف والزروع على وشك الحصاد، فقام الجند النصارى بحصدها، ونقلها إلى بلادهم، وجردت المنطقة من سائر الزروع والأقوات، وقتل النصارى، وسبوا ما استطاعوا، ثم عادوا إلى بلادهم، كل ذلك وابن هود ممتنع في حصونه مجتنب للاشتباك مع المعتدين، وانتهز المأمون هذه الفرصة، فأغار بدوره على أراضي ابن هود المتاخمة له وعاث فيها.

ورأى المأمون في نفس الوقت أن يقوي أواصر الصداقة مع المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية، طمعاً في عونه ونصرته على ابن هود، فوعده ابن عباد بما طلب، وأسفرت المفاوضات بينهما، عن اعتراف المأمون بالدعوة الهشامية، التي احتضنها ابن عباد، ورفضها في البداية إسماعيل بن ذى النون، وأخذت البيعة لهشام المؤيد في طليطلة، ودعى له على منابرها (2). بيد أن ابن عباد ما لبث أن شغل بحروبه مع ابن الأفطس، ولم ينل المأمون من عونه شيئاً.

وأما ابن هود فإنه ما لبث أن انحدر إلى نفس الطريق الذي انحدر إليه المأمون وسعى بدوره إلى محالفة النصارى، واستعدائهم على خصمه ابن ذى النون، وبعث إلى فرناندو أموالا وتحفاً طائلة، على أن يغير على أراضي ابن ذى النون، فاستجاب فرناندو إلى دعوته، وبعث سرياته فاخترقت أراضي طليطلة شمالا، حتى وادي الحجارة. وقلعة النهر (قلعة هنارس)، وأمعنت فيها عيثاً وتخريباً، فاستشاط المأمون غيظاً، والتمس محالفة غرسية ملك نافار أخى فرناندو ملك قشتالة، وبعث إليه بالأموال والتحف، فأغار بقواته على أراضي ابن هود المتاخمة له، فيما بين تطيلة ووشقة وعاث فيها، وافتتح منها قلعة قلهرّة (437 هـ - 1045 م)، وكانت مما افتتحه المنصور بن أبي عامر من أعمال نافار الجنوبية، وقام فرناندو ملك قشتالة مرة أخرى بالإغارة على أحواز طليطلة وتخريبها.

وهكذا استباح النصارى أراضي المملكتين الإسلاميتين، بمساعي ابن هود وابن ذى النون الذميمة، وانهارت فيها خطوط الدفاع، وساءت أحوال المسلمين إلى

(1) البيان المغرب ج 3 ص 278، وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas، p.53

(2)

البيان المغرب ج 3 ص 220.

ص: 99

أبعد حد. واضطر أهل طليطلة أن يبعثوا إلى سليمان بن هود بعض كبرائهم، سعياً إلى طلب الصلح والمهادنة، فقصدوا إليه في سرقسطة فناشدوه السلم، وحذروه من العواقب، ومما تهيأ للنصارى من الظفر، فتظاهر بالقبول، وكذلك أبدى ابن ذى النون ميله إلى المهادنة والصلح، وصرف حلفاءه النصارى إلى بلادهم.

على أن ابن هود لم يكف عن خطته، فخرج بقواته مع سرية من حلفائه النصارى وهاجم مدينة سالم، وهي نهاية أعمال طليطلة المتاخمة له، وقتل معظم المدافعين عنها، ثم استولى على سائر الحصون التي كان قد انتزعها منه المأمون، وكان معه في تلك الغزوة، عبد الرحمن بن إسماعيل بن ذى النون، أخو المأمون الثائر عليه يدله على عوراته وثغراته. وهرع المأمون بقواته إلى مدينة سالم للدفاع عنها، وانتهز النصارى من حلفاء ابن هود هذه الفرصة، فعاثوا في أراضي طليطلة كرة أخرى، واشتد الخراب والكرب بأهل طليطلة، فبعثوا إلى فرناندو يسألونه الصلح والمهادنة، فطلب منهم أموالا كثيرة، واشترط شروطاً فادحة، عجزوا عن قبولها، وبعثوا يقولون له، لو كانت لدينا هذه الأموال، لأنفقناها على البربر، واستدعيناهم للدفاع عنا، فرد عليهم فرناندو بما يأتي، وهي أقوال تمثل سياسة اسبانيا النصرانية نحو الأندلس أصدق تمثيل:

" أما استدعاؤكم البرابرة، فأمر تكثرون به علينا، وتهددونا به، ولا تقدرون عليه، مع عداوتهم لكم، ونحن قد صمدنا إليكم ما نبالي من أتانا منكم، فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديماً في أول أمركم، فقد سكنتموها ما قضي لكم، وقد نصرنا الآن عليكم برداءتكم، فارحلوا إلى عدوتكم، واتركوا لنا بلادنا فلا خير لكم في سكناكم معنا بعد اليوم، ولن نرجع عنكم، أو يحكم الله بيننا وبينكم "(1).

وفي الوقت نفسه كانت قوات غرسية ملك نافار، حليف ابن ذى النون، تغير على أراضي ابن هود، وتعيث فيها. وهكذا استمرت الفتنة والنضال بين "هذين الأميرين المشئومين على المسلمين" ثلاثة أعوام من سنة 435 إلى آخر سنة 438 هـ، ولم تنقطع إلا بموت سليمان بن هود في العام ذاته، وكانت فتنة

(1) البيان المغرب ج 3 ص 282.

ص: 100

وضيعة كبيرة، ونموذجاً صارخاً لتلك الحروب والمنافسات الإنتحارية المدمرة التي انحدر إليها ملوك الطوائف (1).

وتنفس المأمون بن ذى النون الصعداء لوفاة خصمه الألد، وهدأت الأمور في الثغر الأعلى، إذ قسمت مملكة ابن هود بين أولاده الخمسة كما سيجىء، بيد أن المأمون لم يلتزم السلم والهدوء طويلا، بل اتجه إلى مخاصمة بني الأفطس جيرانه من الغرب، ونشبت بينه وبين المظفر ابن الأفطس صاحب بطليوس سلسلة من المعارك المحلية، لم تسفر عن أية نتائج ذات شأن. وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن هذه المعارك، قد نشبت بين الفريقين على الأرجح بعد سنة 443 هـ (1051 م).

وكان فرناندو ملك قشتالة، قد عاد في تلك الآونة إلى الإغارة على أراضي مملكة طليطلة، ولكن في تلك المرة لحسابه الخاص، وكان هذا الملك القوي، يطمح إلى إخضاع ممالك الطوائف الضعيفة المتخاصمة، أو على الأقل إلى أن يرهقها بمطالبه في أداء الجزية، ثم يتوصل باستصفاء أموالها إلى إضعافها. ففي سنة 1062 م (454 هـ) خرج في جيش قوي من الفرسان والرماة، وانقض على أراضي مملكة طليطلة الشمالية، فخربها وعاث فيها عيثاً شديداً، ولم يجد المأمون في النهاية بداً من أن يذعن إلى طلب الصلح، وأن يتعهد بأداء الجزية.

وكان من أهم أعمال المأمون بعد ذلك، استيلاؤه على بلنسية وأعمالها. وكانت بلنسية يومئذ تحت حكم عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر، وهو حفيد للمنصور وكان قد ولي حكمها على أثر وفاة أبيه عبد العزيز في آخر سنة 452 هـ، وكان صهراً للمأمون بن ذى النون، تزوج ابنته عقب وفاة أخيه زوجها الأول، فأهانها وأساء عشرتها، لما كان عليه من ذميم الصفات، والخلاعة، والانهماك في الشراب، والانحطاط في مهاوي اللذات الوضيعة. فحقد عليه المأمون وأضمر له الشر، وكانت ثمة أسباب سياسية أخرى لغضب المأمون على صهره، خلاصتها أنه طلب إليه أن يعاونه بالجند فاعتذر عبد الملك بأنه لا يستطيع بذل مثل هذه المعاونة، نظراً لتحالف الفتيان العامريين أمراء قسطلونة وشاطبة ومربيطر ضده، وتربصهم به. فاعتزم المأمون أمره ضد صهره، وهنالك في استيلاء

(1) راجع في حروب المأمون وابن هود، البيان المغرب ج 3 ص 278 - 282، وأعمال الأعلام ص 178. وراجع دوزي: Hist. des Musulmans d'Espagne V.III.p. 74-75

ص: 101

المأمون على بلنسية روايتان الأولى، أنه قدم إلى بلنسية زائراً لصهره، فاستقبله عبد الملك هو وغلمانه وعبيده بقصره، فأقام لديه أياماً، ثم دبر له في ذات ليلة كميناً، فقبض عليه وعلى ابنه، وأخرجهما ليلا إلى بلدة شنت برية، واستولى بذلك على بلنسية بأيسر أمر.

وأما الرواية الثانية فتقول لنا إن المأمون استعد سراً لغزو بلنسية، واستعان بفرقة من الجند النصارى أمده بها حليفه فرناندو الأول صاحب السيادة الاسمية عليه، وأن القوات المتحالفة دهمت بلنسية، والبلنسيون مثل أميرهم غافلون غارقون في اللهو واللعب، فلم يستطع البلنسيون دفاعاً، ومزقت قواتهم، وقتل منهم عدد جم، وأسر عبد الملك بن أبي عامر وآله، ولم ينقذ حياته سوى تدخل زوجه ابنة المأمون. وتسمي الرواية هذه الموقعة بموقعة بطرنة، وهي بلدة من ضواحي بلنسية، وتنسب وقوعها إلى سنة 455 هـ أو 457 هـ أو 458 هـ، بيد أن المرجح أنها وقعت في ذي الحجة سنة 457 هـ (أكتوبر سنة 1065 م). وتختلف الرواية في مصير عبد الملك بن أبي عامر، فيقال إن صهره المأمون اعتقله في شنت برية أو قلعة إقليش، أو قلعة قونقة (1).

ولم يمض قليل على ذلك حتى توفي فرناندو ملك قشتالة (ديسمبر 1065)، وثارت بين أولاده الثلاثة سانشو ملك قشتالة، وألفونسو ملك ليون، وغرسية ملك جليقية، حرب أهلية استمرت أعواماً، وانتهت مرحلتها الأولى في سنة 1071 م، بانتصار سانشو واغتصابه ملك أخويه، والتجأ غرسية إلى حماية ابن عباد ملك إشبيلية، والتجأ ألفونسو إلى حماية المأمون بن ذى النون، وعاش في بلاط طليطلة زهاء تسعة أشهر معززاً مكرماً، حتى توفي أخوه سانشو قتيلا تحت أسوار سمورة، حينما أراد انتزاعها من يد أخته أوراكا، فغادر طليطلة إلى ليون واسترد عرشه. ويقال إنه حينما وصل إليه نبأ وفاة أخيه وهو بطليطلة أخفاه، وأراد أن يغادرها سراً، ففطن المأمون إلى ذلك، وحاول اعتقاله، ولكنه استطاع الفرار. وعلى أي حال، فإن ألفونسو، استطاع خلال إقامته بطليطلة في ضيافة صديقه وحاميه المأمون، أن يدرس أحوالها وأحوال بلاطها،

(1) راجع البيان المغرب ج 3 ص 252 و 253 و 261 و 267 و 303، ودوزي: Hist. des Musulmans d'Espagne V.III.p. 79 ، وراجع أيضاً اشباخ: تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين (الطبعة الثانية سنة 1958) ص 49.

ص: 102

ومواطن ضعفها، وأن يستغل ذلك فيما بعد، في تدبير القضاء على مملكة المحسن إليه (1).

وقد أشرنا من قبل عند الكلام على دولة بني جهور بقرطبة، إلى ما حدث من محاولة المأمون بن ذى النون غزو قرطبة، وانتزاعها من يد الجهاورة، وكيف استغاث عبد الملك بن جهور بصديقه ابن عباد، فبعث إليه بالمدد تحت إمرة قائديه خلف بن نجاح ومحمد بن مرتين، ورد المأمون عن المدينة، ولكن قوات ابن عباد استولت عليها بطريقة غادرة، وفقاً لخطة سرية وضعها المعتمد ابن عباد من قبل، وانتهى الأمر بالقضاء على دولة الجهاورة (462 هـ - 1070 م) وندب المعتمد لحكمها ولده الحاجب سراج الدولة عباداً بن محمد بن عباد، وأبقى معه حامية بقيادة ابن مرتين.

ولكن المأمون بن ذى النون لم يقف عند هذا الحد، ولبث يتحين الفرصة لتنفيذ مشروعه في الاستيلاء على قرطبة، وهنا لجأ إلى سلاح التآمر والدس، فاتصل برجل من رجاله يدعى حكم بن عكاشة، وكان مغامراً وافر الجرأة، وكان من قبل من معاوني ابن السقاء، وزير بني جهور، فلما قتل ابن السقاء، قبض عليه فيمن قبض عليهم، وزج إلى السجن، ففر من محبسه ولحق بالمأمون ابن ذى النون، فاستخدمه وولاه أحد الحصون القريبة من قرطبة، وكان "شهماً صارماً". وتفاهم المأمون مع ابن عكاشة، على تدبير مؤامرة للفتك بالعباديين وأميرهم، والاستيلاء على قرطبة. فوضع ابن عكاشة خطته، ولبث يدبر أمره، ويحشد إلى جانبه من استطاع من المغامرين، وفي ذات ليلة دخل المدينة في جمع من شيعته بواسطة رجال من أنصاره فتحوا له الأبواب، ولم يفطن قائد العباديين ابن مرتين إلى ما يحدث من حوله، وكان رجلا متهاوناً، عاكفاً على لهوه وشرابه. وقصد المغيرون دار ابن جهور حيث كان يقيم سراج الدولة، ودهموه على غرة، فلقيهم في نفر من رجاله، وقتل مدافعاً عن نفسه. ثم قصدوا بعد ذلك إلى دار ابن مرتين، وكان منكباً على لهوه، فلما وقف على الخبر، فر تحت جنح الظلام، ولكنه أخذ بعد أيام قلائل وقتل. وفي صباح اليوم التالي

(1) راجع البيان المغرب ج 2 ص 232، والذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 124، وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas p. 53

ص: 103

كانت خطة ابن عكاشة قد كللت بالنجاح، فبسط حكمه على المدينة، وانضم إليه كثيرون من الدهماء، ودعا الناس إلى بيعة المأمون بن ذى النون وطاعته، وبعث إليه برأس سراج الدولة. وكان المأمون يقيم يومئذ في بلنسية، فقدم على عجل، ودخل قرطبة في موكب عظيم، وذلك في أواخر جمادى الآخرة سنة 467 هـ (1075 م). ولكنه لم يلبث طويلا حتى مرض وتوفي بعد ذلك بأشهر قلائل، في أواخر ذي القعدة من نفس العام. واحتمل جثمانه إلى طليطلة ودفن بها. ويقال إنه توفي مسموماً. وتولى ابن عكاشة من بعده حكم قرطبة، نائباً عن يحيى القادر بن ذى النون حفيد المأمون وخلفه في حكم طليطلة. وكانت وفاة المأمون إيذاناً بتطور الحوادث. ذلك أن المعتمد بن عباد، مذ قتل ولده وضاعت قرطبة، كان يضطرم رغبة في استرداد المدينة والانتقام لولده، وكان جماعة من أهل قرطبة قد بعثوا إليه يدعونه للقدوم، فما كاد المأمون يختفي من الميدان، حتى زحف على قرطبة في قواته، وأدرك ابن عكاشة أن لا طاقة له بالمقاومة، ففر من المدينة، ودخلها جند ابن عباد على الأثر، وبعث المعتمد في أثر ابن عكاشة سرية من الفرسان طاردته حتى ظفرت به وقتلته، وجىء به فصلب مع كلب إمعاناً في الزراية به، وفر ولده حريز بن عكاشة إلى طليطلة، فولاه يحيى بن ذى النون حاكماً لقلعة رباح (1)، وكان حريز هذا شاعراً مطبوعاً ذكره الفتح في " مطمح الأنفس "(2).

وكان المأمون بن ذى النون من أعظم ملوك الطوائف، وأطولهم عهداً، إذ حكم ثلاثة وثلاثين عاماً، وامتدت رقعة مملكة طليطلة في عهده حتى وصلت شرقاً إلى بلنسية، وازدهرت وعمها الرخاء. وجمع المأمون ثروات طائلة، وابتنى بعاصمته قصوراً باذخة اشتهرت في ذلك العصر بروعتها وفخامتها. وكان منها مجلسه الشهير المسمى " المكرم " كان آية في الروعة والبهاء. وقد نقل إلينا ابن حيان عن ابن جابر، وقد كان من شهوده في حفلة من حفلات المأمون الباذخة، بعض أوصافه. قال: " وكنت ممن أذهلته فتنة ذلك المجلس، وأغرب ما قيد لحظي

(1) أعمال الأعلام ص 158 و 159، وابن خلدون ج 4 ص 161، وراجع دوزي: Hist.Abbadidarum V.II.p. 122-126

(2)

ابن الأبار في الحلة السيراء (دوزي) ص 196. والقاهرة ج 2 ص 179.

ص: 104

من بهي زخرفه، الذي كاد يحبس عيني عن الترقي عنه، إلى ما فوقه، إزاره الرائع الدائر بأسِّه حيث دار، وهو متخذ من رفيع المرمر الأبيض المسنون، الزارية صفحاته بالعاج في صدق الملاسة، ونصاعة التلوين، قد خرمت في جثمانه صور البهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار، وقد تعلق كثير من تلك التماثيل المصورة بما فيها من أفنان أشجار وأشكال الثمر. وكل صورة منها منفردة عن صاحبتها، متميزة من شكلها، تكاد تقيد البصر عن التعلي إلى ما فوقها. قد فصل هذا الإزار عما فوقه كتاب نقش عريض التقدير، مخرم محفور، دائر بالمجلس الجليل من داخله، مرقوم كله بأشعار حسان، قد تخيرت في أماديح مخترعه المأمون. وفوق هذا الكتاب الفاصل في هذا المجلس، بحور منتظمة من الزجاج الملون الملبس بالذهب الإبريز، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار، وصور أنعام وأشجار، يذهل الألباب ويقيد الأبصار. وأرض هذه البحار مدحوة من أوراق الذهب الإبريز، مصورة بأمثال تلك التصاوير من الحيوان والأشجار بأتقن تصوير، وأبدع تقدير ".

ثم قال: " ولهذه الدار بحيرتان، قد نصت على أركانهما صور أسود مصنوعة من الذهب الإبريز، أحكم صياغة تتخيل لمتأملها، كالحة الوجوه، فاغرة الشدوق، ينساب من أفواهها نحو البحيرتين الماء، هوناً كرشيش القطر أو سحالة اللجين. وقد وضع في قعر كل بحيرة منها حوض رخام يسمى المذبح، محفور من رفيع المرمر، كبير الجرم، غريب الشكل، بديع النقش، قد أبرزت في جنباته، صور حيوان وأطيار وأشجار

".

وذكر ابن بدرون أن المأمون يحيى بن ذى النون صاحب طليطلة، بنى بها قصراً تأنق في بنائه، وأنفق فيه مالا كثيراً، وصنع فيه بحيرة، وبنى في وسطها قبة، وسيق الماء إلى رأس القبة على تدبير أحكمه المهندسون، فكان الماء ينزل على القبة حواليها محيطاً بها، متصلا بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكب لا يفتر، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شىء، ولو شاء أن يوقد فيها الشمع لفعل (1).

(1) نقله نفح الطيب ج 2 ص 523. وراجع " سراج الملوك " للطرطوشي (القاهرة) ص 45.

ص: 105

ونقل إلينا ابن حيان أيضاً، عن ابن جابر أوصاف ذلك الحفل الباهر الذي أقامه المأمون، احتفالا بختان حفيده يحيى، الذي تولى الحكم فيما بعد باسم القادر، وفيه من صور البذخ والإغداق والسعة ما ينم عن الغنى الطائل، الذي حققه بنو ذو النون، واتسم به بلاطهم. بيد أن المأمون كان بالرغم من ذلك ينسب إلى التقتير والشح، وكان قليل من الشعراء يقصدون إليه للمديح " لقلة نائله، وتفاهة طائله " على حد قول ابن بسام (1).

والواقع أنه لم يكن ببلاط بني ذى النون للشعر والأدب دولة زاهرة، كما كان الشأن في إشبيلية وألمرية وبطليوس. بيد أننا نجد مع ذلك أكابر شعراء العصر وعلمائه يعيشون في ظل المأمون، وكان من هؤلاء شاعره ابن أرفع رأس، صاحب الموشحات المشهورة، والعلامة الرياضي ابن سعيد مؤلف تاريخ العلوم المسمى "طبقات الأمم"، وكان يلقي دروسه في المسجد الجامع، والعلامة النباتي ابن بصّال الطليطلي.

وقد رأينا فيما تقدم كيف ينوه ابن حيان أيضاً، بما جبل عليه مؤسس دولة بني ذى النون اسماعيل، من البخل والتقتير، ومع ذلك فإنه مما يلفت النظر حقاً، أن ابن حيان لم يجد من يهدي إليه مؤلفه التاريخي الضخم، سوى المأمون بن ذى النون، إذ يقول لنا في مقدمته إنه كان بعد تأليفه ينوي الاستئثار به لنفسه، وأن يخبئه لولده ضناً بفوائده الجمة على من تنكب إخماده به إلى ذمه ومنقصته، ثم يقول:" إلى أن رأيت زفافه إلى ذى خطبة سنية، أتتني على بعد الدار، أكرم خاطب، وأسنى ذى همة، الأمير المؤثل الإمارة، المأمون ذى المجدين، الكريم الطرفين يحيى بن ذى النون "(2).

- 2 -

وخلف المأمون حفيده يحيى بن ذى النون الملقب بالقادر. ذلك أن هشاماً ولد المأمون، توفي قبل وفاته أو أنه قد حكم بضعة أشهر فقط ثم توفي (3). وكان القادر

(1) راجع ما نقله ابن بسام في الذخيرة عن ابن حيان، في أوصاف الحفلات والقصور المأمونية، القسم الرابع المجلد الأول ص 99 - 104 و 114.

(2)

الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص 88.

(3)

راجع ابن خلدون ج 4 ص 161، وأعمال الأعلام ص 171. وكذلك: P.y Vives: Los Reyes de Taifas (Cit.Cronica General p. 54،nota)

ص: 106

فتى حدثاً، قليل الخبرة والتجارب قد ربي في أحجار النساء، ونشأ بين الخصيان والغانيات، فغلب على أمره العبيد والموالي. وكان يحكم مملكة عظيمة ولكن مفككة. وكان المأمون قد قسم الأعمال بين وزيريه الأثيرين، وهما ابن الفرج والفقيه أبو بكر بن الحديدي، وكان الأول يختص بتدبير الأجناد، والنظر في طبقات القواد، والشئون السلطانية، والأعمال الديوانية، ويختص الثاني بالنظر في الشئون المالية وشئون الرعية، وإبداء الرأي والمشورة. وأوصى المأمون قبل وفاته حفيده، بأنه متى اضطلع بالحكم، أن يعتمد على عون ابن الحديدي ونصحه، وأن يأخذ رأيه في كل أمر، واتخذ العهود الوثيقة على ابن الحديدي، أن يخلص النصح لحفيده، وأن يشد أزره بكل ما وسع. بيد أنه لم يمض سوى قليل، حتى بدأ نفر من خاصة القادر يسعون لديه في حق ابن الحديدي، ويوغرون صدره عليه، ويقنعونه بأنه لا يمكن أن يحكم بصورة حقيقية، حتى يتخلص من نير ابن الحديدي وطغيانه؛ وكان المأمون قد قبض من قبل بإيعاز ابن الحديدي على جماعة من أعيان طليطلة، واعتقلهم بالمعتقل خشية انتقاضهم فرأى القادر بعد أن استقرت لديه فكرة التخلص من ابن الحديدي، أن يستظهر بهم عليه، فأطلقهم واستدعاهم إلى مجلسه، فلما حضر ابن الحديدي ورآهم، استشعر الخطر، وحاول أن يلوذ بحماية القادر، فغادر القادر المكان، وفتك الحضور بابن الحديدي، ونهبت دوره، وكان ذلك في أوائل المحرم سنة 468 هـ (1076 م).

ولم يلبث القادر أن أدرك سقطته؛ وأخذ يجني ثمار جريمته. فقد وهم أنه تخلص من نير ابن الحديدي، ولكنه وقع في براثن تلك الطغمة التي آزرته في الجريمة، وبدأ أولئك الأعيان الحاقدون، خصوم جده القدماء، يحيكون له الدسائس، ويضعون الصعاب في طريقه، ويثيرون الشعب ضده، حتى ضعف سلطانه، وبدأت أعراض الثورة تبدو في النواحي. وكان ابن هود صاحب سرقسطة، يرهقه بمطالبه وغاراته، ويستعين ضده بالجند النصارى، حتى انتهى بأن انتزع منه مدينة شنتبرية. ومن جهة أخرى فقد ثار أبو بكر بن عبد العزيز ببلنسية وخلع طاعة بني ذى النون، ونادى بنفسه أميراً مستقلا، فداخله ابن هود وخطب إليه ابنته أملا في أن يستطيع بذلك التغلب على بلنسية. وكادت مدينة

ص: 107

قونقة تسقط في يد سانشو راميرز ملك أراجون، لولا أن افتداها أهلها بمبلغ كبير من المال. وحاول القادر أن يرد خصومه، فبعث جنده تحت إمرة الفتى بشير لمقاتلة ابن هود وراميرز، ولكنهما انصرفا دون قتال. وعندئذ اضطر القادر أن يتجه ببصره إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأن يلتمس عونه وحمايته.

وكان المأمون قد اعترف بطاعته من قبل، وقبل تأدية الجزية. وحذا القادر بالطبع حذوه، ولكن ملك قشتالة أخذ عندئذ يشتط في مطالبه، ويطالب القادر بالمال تباعاً، وبتسليم بعض حصونه القريبة من الحدود، وقد تسلم منها بالفعل حصون سرية وفتورية وقنالش، كل ذلك والقادر عاجز عن رده، مرغم على إرضائه، حتى كادت خزائنه تنضب، وكان خصومه في الداخل من جهة أخرى يدبرون السعي لإسقاطه. وأخيراً اضطرمت طليطلة بالثورة، فاضطر القادر أن يلوذ بالفرار، وأن يلجأ مع أهله وولده إلى حصن من حصونه الشرقية، هو حصن وبذة (472 هـ) وألفى أهل طليطلة أنفسهم بلا أمير، ولا حكومة تقي المدينة شر الفوضى، فرأى الجماعة منهم أن يستدعوا المتوكل بن الأفطس أمير بطليوس، ليتولى أمرهم، وقبل المتوكل هذه المهمة كارهاً، وقدم إلى طليطلة، وقام بالأمر فيها.

وفي تلك الأثناء سار القادر بن ذى النون من ملجئه إلى مدينة قونقة، وكتب إلى ألفونسو ملك قشتالة يذكره بسالف الود بينه وبين جده المأمون، وما كان للمأمون من فضل في عونه وإغاثته، ويطلب منه العون في محنته. فاستجاب ألفونسو لدعوته، وهو يزمع في قرارة نفسه، أن ينتهز كل فرصة سانحة، وسار معه إلى طليطلة في سَريَّة من فرسانه. وكان المتوكل بن الأفطس خلال ذلك يجد في اقتناص كل ما يستطيع اقتناصه من أسلاب القادر، من أثاث وفراش وآنية وسلاح وكتب وغيرها، حتى بعث منها إلى بطليوس المقادير الجمة.

فلما شعر بحركة ألفونسو ومقدم القادر، غادر طليطلة مسرعاً إلى حاضرته، وذلك بعد أن قضي في حكمها زهاء عشرة أشهر، ويقال إن ألفونسو حاصر طليطلة بقواته، واضطر ابن الأفطس أن يغادرها بطريق الفرار (إبريل 1080)(1).

(1) ابن الخزرجي في كتاب الاكتفاء في أخبار الخلفاء، ونقله دوزي في: Hist.Abba-didarum V.II.p. 16

ص: 108

ودخل القادر طليطلة في حمى ألفونسو وجنده النصارى، بعد أن تصدى له أهلها وحاولوا رده بالقوة، فنكلت بهم الجند النصارى، ومزقوهم شر ممزق، وجلس القادر مرة أخرى على عرشه المضطرب الواهي، والفوضى تسود المدينة، وأهلها في كدر ووجوم، يتوقعون من تلك الحال سوء المصير، وكان ذلك في آخر سنة 474 هـ (1081 م)(1).

- 3 -

والواقع أن كل شىء كان ينذر بوقوع النكبة المرتقبة. ذلك أن ألفونسو السادس ملك قشتالة كان يدبر خطته الكبرى للاستيلاء على طليطلة، وكانت وهي في يد ملكها الضعيف المتخاذل، تبدو له ثمرة دانية القطوف، بعد أن غدا القادر في يده شبه أسيره. وتقول لنا الروايات القشتالية إن القادر كان حينما طلب من ألفونسو معاونته على استرداد المدينة، قد تعهد له بأن يحكمها باسمه، وأن يسلمها إليه متى شاء، على أن يعاونه على استرداد بلنسية لتكون مقر إمارته. بيد أن الحوادث التالية، وموقف القادر في الدفاع عن مدينته، يجعلنا نشك في أنه قطع مثل هذا العهد. وعلى أي حال فإن سقوط طليطلة في يد القشتاليين، لم يحدث بدون ممهدات ووقائع عنيفة.

وكان ألفونسو إلى جانب خططه العسكرية، قد مهد لمشروعه بأعمال السياسة.

وكان المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، لما رأى من استفحال قوة ألفونسو، وتغلبه على سائر ممالك الطوائف المتاخمة لمملكته، قد خشي أن ينساب تيار الغزو إلى أراضيه، ورأى أن عقد المهادنة والصلح مع ملك قشتالة، هو خير ضمان لاتقاء شره، وسلامة مملكته. فبعث وزيره البارع ابن عمار إلى ليون ليفاوض ملك قشتالة، وانتهى ابن عمار إلى أن عقد معه معاهدة، يتعهد فيها ملك قشتالة بأن يعاون ابن عباد بالجند المرتزقة ضد سائر أعدائه من الأمراء المسلمين، ويتعهد ابن عباد مقابل ذلك، بأن يؤدي إلى ملك قشتالة جزية كبيرة، ويتعهد بالأخص بما هو أهم، وهو أن يتركه حراً طليقاً في أعماله ضد طليطلة، وألا يعترض مشروعه في الاستيلاء عليها. وربما كان في الرسالة التي بعث بها المعتمد فيما بعد إلى

(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 124 - 127.

ص: 109

ألفونسو السادس ما يؤيد هذه الرواية، حيث يعرب المعتمد عن ندمه لمسالمة ملك قشتالة. وقعوده عن نصرة إخوانه. وتزيد الروايات القشتالية على ذلك أن المعتمد ابن عباد قدم في هذه المناسبة أو في مناسبة لاحقة، إحدى بناته لتكون زوجة أو حظية لملك قشتالة، وهي التي تعرفها التواريخ القشتالية "بزائدة" وذلك لكي يكون مهرها ما استولى عليه من أراضي طليطلة، حتى لا ينزع النصارى منه هذه الأراضي، وهي قصة سوف نتناولها في موضعها، عند الكلام على الفتح المرابطي لمملكة إشبيلية.

وفي هذا الوقت كان معظم ملوك الطوائف، قد خضعوا لوعيد ملك قشتالة، وتعهدوا بأن يؤدوا له الجزية، إلا ملك بطليوس الشهم عمر المتوكل، حسبما ذكرنا ذلك في موضعه، فكان ألفونسو السادس بذلك على يقين من أن الجو قد أضحى ممهداً لتنفيذ مشروعه، وأنه لن يجرأ أحد أن يقف في طريقه. وكان مما يقوي أمله أن أهل طليطلة، لم يكونوا على وفاق فيما بين أنفسهم، وأن حزباً قوياً منهم يناصر سياسته وأطماعه، ويشجعه على العمل، وكانت الغزوات والحملات المتوالية، التي شنها ألفونسو على أراضي طليطلة، حتى ذلك الحين، سواء لحسابه الخاص، أو بحجة معاونة القادر ضد الثوار عليه، قد نالت من هاتيك السهول، وخربت كثيراًَ من ربوعها النضرة، وأشاعت فيها الضيق والحاجة، وأخذت العاصمة طليطلة، تتأثر بهذا الضغط على مواردها، بيد أن ألفونسو كان يزمع أن يستمر في حملاته المخربة حتى يتم تجريد المدينة العظمى من سائر مواردها.

وقد بدأت هذه الحملات الجديدة منذ سنة 474 هـ (1081 م)، أي مذ عاد القادر إلى عرشه، واستمرت أربع سنوات كاملة، وكانت تنظم بتواطىء الحزب الموالي من أهل طليطلة، وهو الحزب الذي تصفه الرواية القشتالية بالحزب " المدجّني " أي الموالي لملك النصارى، وفي كل عام يجتاح ألفونسو بقواته أراضي طليطلة من سائر جنباتها، ويخرب الضياع، ويقطع الأشجار، ويبيد الزروع، ويسبي الذرية، ولا يجد أمامه من يرده عن ذلك العيث. وكان من الواضح أن هذه الأعمال المدمرة، سوف تنتهي بالقضاء على كل موارد طليطلة، وبتجريدها من وسائل الدفاع، وهو ما كان يرمي إليه ملك النصارى.

وكان موقف ملوك الطوائف في تلك الآونة العصيبة من حياة اسبانيا المسلمة،

ص: 110

موقفاً يثير الألم والحسرة معاً. فقد كان أعظمهم وأقواهم المعتمد بن عباد، بعد أن تفاهم مع ألفونسو السادس، على تركه وشأنه في مشاريعه نحو طليطلة، مشغولا بمحاربة عبد الله بن بلقِّين بن باديس صاحب غرناطة. وكان المقتدر بن هود أقوى الأمراء المتاخمين لمملكة طليطلة من ناحية الشمال والشرق، مشغولا بنضاله المستمر ضد هجمات ملك أراجون وأمراء برشلونة. وكانت دول الطوائف الشرقية والجنوبية، بعيدة عن ميدان الخطر، لا تستطيع حتى إذا شاءت، لبعد الشقة، أن تقوم بإنجاد طليطلة بصورة ناجعة. وهكذا عدمت طليطلة كل مصدر للعون الحقيقي، كل ذلك والموقف يتحرج، وألفونسو السادس ماض في غزواته المدمرة، حتى أضحت سهول طليطلة كلها خراباً يباباً. ولم يكن يخفى على عقلاء المسلمين أن الموقف عصيب، وأن سقوط طليطلة إحدى قواعد الأندلس العظمى في يد قشتالة، إنما هو نذير السقوط النهائي، وأن انهيار الحجر الأول في صرح الدولة الإسلامية، إنما هو بداية انهيار الصرح كله، فبادر جماعة منهم إلى الحث على الاتحاد واجتماع الكلمة إزاء الخطر المشترك، ونهض القاضي العلامة أبو الوليد الباجي، بإشارة المتوكل بن الأفطس، حسبما تقدم، فطاف بالولايات والقواعد الأندلسية صائحاً منذراً، محذراً من عواقب التفرق، وهو يهيب بملوك الطوائف وشعوبها، أن يبادروا إلى نجدة طليطلة، مؤكداً أن ملك قشتالة سوف يسحق دول الطوائف كلها، واحدة بعد الأخرى. ولكن جهود أولئك الرسل العقلاء الذين كانوا يستشقون ببصرهم الثاقب، ما يضمره المستقبل من ويل، ذهبت كلها سدى، وغلبت الأطماع والأهواء الشخصية، على كل تفكير سليم ومبدأ حكيم، ولبث ملك إشبيلية وهو أولى وأقرب من تقع عليه تبعة الإنجاد، يشهد تفاقم الخطب جامداً معرضاً، وكل همه أن يحتفظ بما انتزعه من أراضي مملكة طليطلة الجنوبية، ولم يتقدم لإنجاد القادر وإنجاد أهل طليطلة، سوى أمير بطليوس الشهم عمر المتوكل بن الأفطس، فقد نزل إلى ميدان النضال ضد ألفونسو السادس، وحاول مدافعته، فبعث ولده الفضل والي ماردة في جيش قوي، ليحاول رد ألفونسو عن طليطلة. ولكنه لم يستطع مغالبة قوى النصارى المتفوقة عليه في العدد والعدة، فارتد آسفاً بعد أن خاض معارك دامية. وكان المتوكل قد بذل مثل هذه المحاولة قبل ذلك ببضعة أعوام في سنة 471 هـ، وتغلب عليه

ص: 111

أيضاً ألفونسو السادس، وانتزع منه مدينة قورية من أملاكه الشمالية المجاورة لأراضي طليطلة.

وهكذا تركت المدينة المنكوبة لمصيرها. وفي خريف سنة 477 هـ (1084 م) اقترب ألفونسو السادس بقواته من المدينة، ونزل بالمنية المسورة الواقعة في منحنى نهر التاجُه، وهي المنية الشهيرة التي كان المأمون بن ذى النون قد زودها بالقصور الفخمة والبساتين اليانعة، وجعل منها جنة يخلد إليها أيام أنسه ولهوه، وهي التي تعرفها الرواية القشتالية ببستان الملك Huerta del Rey. ويقول ابن بسام في وصفها " المنية المسورة، التي كان المأمون يحشد إليها كل حسن، ويباهي بها جنة عدن "(1). وضرب ألفونسو الحصار حول طليطلة. ثم دخل الشتاء، وشحت الأقوات، واشتد الأمر بأهل المدينة. وكان موقف القادر بن ذى النون مريباً، ولم يكن دون شك متفقاً في الشعور مع الحزب المناوىء لملك قشتالة المتشدد في مقاومته، وكان جماعة من هؤلاء يعملون بكل ما وسعوا لإطالة أمد المقاومة، عسى أن يمل ملك قشتالة ويخبو عزمه، أو أن يتقدم لإنجادهم أحد.

وكان الأمر يشتد بالمدينة المحصورة يوماً عن يوم، حتى تحرج الموقف، واضطر الزعماء والقادة بالاتفاق مع القادر أن يرسلوا إلى ملك قشتالة وفداً للتحدث في أمر الصلح، فأبى أن يستقبلهم، واستقبلهم وزيره سسنندو (ششنند). وكان هذا الوزير في الأصل من النصارى المستعربين، أسر حدثاً وربي في بلاط إشبيلية، وظهر أيام المعتضد بن عباد، وسفر بينه وبين فرناندو ملك قشتالة، ثم نزح إلى جلِّيقية، وخدم فرناندو، ثم من بعده ولده ألفونسو، وكان داهية ذا براعة فائقة، فانتهى بأن وطد صولة ألفونسو لدى معظم ملوك الطوائف، والتزموا بأداء الجزية. فلما قصد إليه وفد طليطلة استمع إليهم، وأبدى أنه لا فائدة من المفاوضة، وأنه لا أمل بأن يتزحزح الملك النصراني عن موقفه قيد شعرة، وأنه لابد من تسليم المدينة. ويقول لنا ابن بسام في هذه المناسبة إن سسنندو أدخل زعماء طليطلة لدى مليكه، وأن ألفونسو حين أفضوا إليه أنهم ينتظرون العون والإنجاد من بعض ملوك الطوائف، أنبهم وسخر منهم، واستدعى من خيامه

(1) ابن بسام في الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 128. ويقوم اليوم مكانها حصن سان سرفاندو San Servando

ص: 112

سفراء ملوك الطوائف، وقد كانوا جميعاً يومئذ لديه يسعون إلى خطب وده، ويقدمون إليه الأموال، وأن زعماء طليطلة خرجوا من لدنه، يتعثرون في أذيالهم، وقد فقدوا كل أمل وأيقنوا بسوء المصير (1).

وكان قد مضى على حصار القشتاليين للمدينة يومئذ زهاء تسعة أشهر، وقد تفاقم الخطب، وبلغت الشدة بالمحصورين أقصاها، وتحطمت كل محاولة لعقد الصلح مع ملك قشتالة، سواء من جانب القادر للاعتراف بطاعته والحكم باسمه، أو من جانب زعماء المدينة، ولم تجد صلابة أولئك الذين تمسكوا بالمقاومة والدفاع حتى الموت شيئاً، وغلب صوت العامة الذين أضناهم الجوع والحرمان. ولم تمض ثلاثة أيام على تلك المقابلة، حتى عرضت المدينة التسليم لملك قشتالة. ويلخص الأب ماريانا، وهو من أقدم المؤرخين الذين كتبوا عن سقوط طليطلة شروط التسليم فيما يلي:" أن يسلم القصر وأبواب المدينة والقناطر وحديقة الملك (وقد كانت حديقة نضرة غناء على ضفة التاجه) إلى الملك ألونسو (ألفونسو)، وأن يذهب الملك المسلم حراً إلى مدينة بلنسية وفقاً لرغبته، وأن يسمح بالحرية لمن شاء أن يتبعه من المسلمين، وأن يأخذوا معهم أموالهم. وأما الذين يقيمون في المدينة، فلا تؤخذ منهم أمتعتهم ولا أملاكهم، وأن يبقى المسجد الجامع بأيدي المسلمين يقيمون فيه شعائرهم، وألا تفرض عليهم ضرائب أكثر مما كانوا يدفعونه لملوكهم، وأن تجري عليهم أحكام شريعتهم، وعلى يد قضاتهم المسلمين دون غيرهم، وأن يقسم الطرفان كل وفق تقاليده على احترام هذه العهود، وأخيراً أن يقدم أهل المدينة لفيفاً من أعيانهم كرهائن ". على أن هذا النص الذي يقدمه ماريانا ينقصه شىء من الدقة في بعض تفاصيله. والمتفق عليه، أن شروط تسليم طليطلة قد صيغت على النحو الآتي: أن يؤمن أهل المدينة في النفس والمال، وأن يغادرها من شاء منهم حاملين أموالهم، وأن يسمح لمن عاد منهم باسترداد أملاكهم، وأن يؤدي المقيمون بها إلى ملك قشتالة ما كانوا يؤدونه لملوكهم من الضرائب والمكوس وأن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع، وأن يتمتعوا أحراراً بإقامة شعائرهم وأن يحتفظوا بقضاتهم وشريعتهم، وأن يسلموا إلى ملك قشتالة سائر القلاع

(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 129 و 130.

ص: 113

والحصون والقصر الملكي، والمنية المسورة التي كان ينزل بها ملكهم. وأما بالنسبة ْللقادر فقد تكفل ملك قشتالة بأن يمكنه من الاستيلاء على بلنسية، وقيل بل عرض عليه أيضاً أن يحصل له على دانية وشنتمرية الشرق، إذ كان يعرف جيداً أنها إذا خلصت للقادر، فستكون في الواقع ملكاً له ورهن تصرفه، وأن القواعد الشرقية كلها سوف تخضع له عن طريق ملكها الإسمي الضعيف، أعني القادر (1).

تلك هي الشروط التي اتفق عليها لتسليم طليطلة، وتظاهر ملك قشتالة بقبولها، وتعهد باحترامها وعدم النكث بها. وكان ذلك في اليوم السادس من شهر مايو سنة 1085 م. ومضى على ذلك زهاء أسبوعين آخرين، كان يستعد خلالهما القادر لتهيئة أسباب الرحيل، وإخلاء المدينة. وفي يوم الأحد الخامس والعشرين من مايو (فاتحة شهر صفر سنة 478 هـ) دخل ألفونسو السادس مدينة طليطلة ظافراً، ونزل في الحال بقصرها المشهور، وهو الذي كان ينزل به أيام محنته في ضيافة المأمون، وعهد بحكم المدينة إلى سسنندو، فسلك مع أهلها مسلك المودة واللين، وبذل جهده ليخفف عنهم وقع هذا التبديل في مصايرهم، فاستمال قلوب الكثيرين منهم، وأقبل بعض العامة على التنصر، ونصح سسنندو إلى مليكه أن يلتزم الاعتدال والروية في معاملة المدينة المفتوحة، وأن يقف مؤقتاً عند هذا الحد، وألا يلح على ملوك الطوائف خوفاً من أن تنقلب الآية، فيتجهوا بأبصارهم إلى وجهة أخرى (2).

واستتبع استيلاء ألفونسو على طليطلة استيلاؤه على سائر أراضي مملكة طليطلة، الباقية بعد الذي استولى عليه منها ابن عباد صاحب إشبيلية، أعني قسمها الواقع شمال نهر التاجه من طلبيرة غرباً حتى وادي الحجارة وشنتبرية شرقاً، وهي تتضمن ثمانين موضعاً بها مساجد، هذا عدا القرى والضياع (3).

أما الملك المنكود يحيى القادر بن ذى النون، فقد غادر طليطلة بأهله وأمواله، ومعه جماعة كبيرة من الكبراء والأشراف الذين آثروا مغادرة المدينة المفتوحة

(1) Mariana: Historia General de Espana (Cap. 16) . وكذلك: R. Menendez Pidal: La Espana del Cid (Madrid 1947) p. 306

(2)

الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 131.

(3)

كتاب الإكتفاء للخزرجي، ونقله دوزي في: Hist. Abbadidarum V.II.p. 29

ص: 114

قاصداً إلى بلنسية، واستقر أياماً بمحلة ملك قشتالة واضعاً نفسه تحت حمايته، وكان ملك قشتالة قد وعده بأنه إذا تعذر تحقيق غايته في الحصول على بلنسية بطريقة سلمية، فإنه سوف يبعث لمعاونته قائده الشهير ألبرهانيس. وقد ظهر للقادر بالفعل، خلال مسيره من موقف الحصون المختلفة، أنها جميعاً تقف ضده ولم يبق على ولائه منها سوى حصن قونقة، فنزل به القادر وصحبه، حتى تتهيأ له ظروف العمل. وسوف نعود إلى تتبع أخباره فيما بعد.

ويصف لنا ابن بسام خروج القادر من طليطلة في تلك العبارات اللاذعة:

" وخرج ابن ذى النون خائباً مما تمناه، شرقاً بعقبى ما جناه، والأرض تضج من مقامه وتستأذن في انتقامه، والسماء تود لو لم تُطلع نجماً إلا كدرته عليه حتفاً مبيداً، ولم تنشىء عارضاً، إلا مطرته فيه عذاباً شديداً، واستقر بمحلة أذفنش، مخفور الذمة، مذال الحرمة، ليس دونه باب، ولا دونه حرمه ستر ولا حجاب "(1).

ويبدي ابن الخطيب شماتته في القادر وفي أهل طليطلة حين يقول: " واقتضاه الطاغية الوعد، وسلبه الله النصر والسعد. وهلكت الذمم، واستؤصلت الرمم، ونفذ عقاب الله في أهلها جاحدي الحقوق، ومتعودي العقوق، ومقيمي أسواق الشقاق والنفاق، والمثل السائر في الآفاق "(2).

* * *

وهكذا سقطت الحاضرة الأندلسية الكبرى، وخرجت من قبضة الإسلام إلى الأبد، وارتدت إلى النصرانية حظيرتها القديمة، بعد أن حكمها الإسلام ثلاثمائة وسبعين عاماً. ومن ذلك الحين تغدو طليطلة حاضرة لمملكة قشتالة، ويغدو " قصرها " منزلا للبلاط القشتالي، بعد أن كان منزلا للولاة المسلمين.

وقد كانت بمنعتها المأثورة، وموقعها الدفاعي الفذ، في منحنى نهر التاجه، حصن الأندلس الشمالي، وسدها المنيع الذي يرد عنها عادية النصرانية، فجاء سقوطها ضربة شديدة لمنعة الأندلس وسلامتها. وانقلب ميزان القوى القديم، فبدأت قوى الإسلام تفقد تفوقها في شبه الجزيرة، بعد أن استطاعت أن تحافظ

(1) الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 130.

(2)

أعمال الأعلام ص 181.

ص: 115

عليه زهاء أربعة قرون، وأضحى تفوق القوى النصرانية أمراً لا شك فيه. ومن ذلك الحين تدخل سياسة الإسترداد الإسبانية " لاريكونكستا La Reconquista ، في طور جديد قوي، وتتقاطر الجيوش القشتالية لأول مرة، منذ الفتح الإسلامي، عبر نهر التاجه، إلى أراضي الأندلس، تحمل إليها أعلام الدمار والموت، وتقتطع أشلاءها تباعاً، في سلسلة لا تنقطع من الغزوات والحروب.

وكان لظفر ألفونسو السادس بالاستيلاء على طليطلة، فضلا عن آثاره المادية الخطيرة، وقع أدبي عميق في سائر ممالك اسبانيا النصرانية، فقد كانت طليطلة عاصمة المملكة القوطية القديمة، وكانت إلى جانب ذلك حاضرة اسبانيا الدينية، وقد وطد استيلاء ملك قشتالة عليها، مركز الصدارة الذي يتمتع به بين زملائه ملوك اسبانيا النصرانية، ووطد هيبته الملوكية والإمبراطورية، فأضحوا جميعاً يقرون له بلقب الإمبراطور، الذي اتخذه لنفسه. ومن جهة أخرى، فقد كان لتلك النكبة التي حلت بالإسلام في اسبانيا، أعظم وقع في جنبات الأندلس، وفي سائر أنحاء العالم الإسلامي، وقد ارتاع لها ملوك الطوائف جميعاً، وأدركوا بعد فوات الوقت، أنها نذير بالقضاء عليهم واحداً بعد الآخر، وأدرك المعتمد بن عباد ْبالأخص، وهو أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث، أنه لن يمضي وقت طويل حتى يواجه نفس الخطر الداهم. بيد أن النكبة كانت في نفس الوقت نقطة تحول عظيم في تفكير أولئك الأمراء المتخاصمين المتنابذين، ملوك الطوائف، وفي روحهم، فجنحوا جميعاً ولأول مرة إلى اجتماع الكلمة، ونبذ الشقاق، واتجهوا بأنظارهم جميعاً، إلى ما وراء البحر يلتمسون غوث إخوانهم في الدين، إلى أولئك البربر المرابطين، الذين كان لتدخلهم في سير الحوادث بالأندلس، أعظم الآثار (1).

وأذكى رزء الأندلس بفقد طليطلة، فجيعة الشعر الأندلسي، ونظمت في بكائها القصائد الرائعة. وكان من أشهرها هذه القصيدة الرائية الكبرى، التي مطلعها:

(1) راجع في حوادث سقوط طليطلة: الذخيرة القسم الرابع المجلد الأول ص 127 - 132، وأعمال الأعلام ص 181، وابن خلدون ج 4 ص 161، ونفح الطيب ج 2 ص 522 و523، وراجع أيضاً R.Menendez Pidal: La Espana del Cid p. 303-307، ودوزي Hist. des Musulmans de l'Espagne، V.III.p.120 et suiv. وكذلك: P.y Vives Los Reyes des Taifas p. 54 & 56

ص: 116

خريطة:

دول الطوائف والممالك الإسبانية النصرانيّة عقب سقوط طليطلة 478 هـ - 1085 م.

ص: 117

لثكلك كيف تبتسم الثغور

سرورا بعد ما يئست ثغور

أما وأبي مصاب هد منه

ثبير الدين فاتصل الثبور

ومنها:

طليطلة أباح الكفر منها

حماها إن ذا نبأ كبير

فليس مثالها إيوان كسرى ..

. ولا منها الخورنق والسدير

محصنة محسنة بعيد

تناولها ومطلبها عسير

ألم تك للدين صعباً

فذلله كما شاء القدير

وأخرج أهلها منها جميعاً

فصاروا حيث شاء بهم مصير

وكانت دار إيمان وعلم

معالمها التي طمست تنير

مساجدها كنائس أي قلب

على هذا يقر ولا يطير

فيا أسفاه يا أسفاه حزناً

يكرر ما تكررت الدهور

ومنها:

كفى حزناً بأن الناس قالوا

إلى أين التحول والمسير

أنترك دورنا ونفر عنها

وليس لنا وراء البحر دور

ولا ثم الضياع تروق حسناً

نباكرها فيعجبنا البكور

لقد ذهب اليقين فلا يقين

وغر القوم بالله الغرور

فلا دين ولا دنيا ولكن

غرور بالمعيشة ما غرور

رضوا بالرق يالله ماذا

رآه وما أشار به مشير

مضى الإسلام فابك دماً عليه

فما ينفي الجوى الدمع الغزير

ونح واندب رفاقاً في فلاة

حيارى لا تحط ولا تسير

ولا تجنح إلى سلم وحارب

عسى أن يجبر العظم الكسير (1).

(1) راجع نفح الطيب ج 2 ص 593 وما بعدها حيث يورد القصيدة بأكملها، وهي في أكثر من سبعين بيتاً.

ص: 118