الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثانِي
مملكة بلنسية
2 -
السيد إلكمبيادور وعهد السيادة القشتالية
السيد إلكمبيادور. أصله ونشأته. بدء حياته الحربية. رسول ألفونسو السادس إلى ابن عباد. تغير ألفونسو عليه وإبعاده عن قشتالة. ملوك الطوائف واستعانتهم بالجند النصارى. مسير السيد إلى شمال شرقي الأندلس. التحاقه بخدمة المقتدر بن هود. وفاة المقتدر. الحرب الأهلية بين ولديه المؤتمن والمنذر. انضمام السيد إلى المؤتمن ونفوذه لديه. وفاة المؤتمن وقيام ولده المستعين. التحاق السيد بخدمته. حملة ابن بسام على بني هود. مسير المستعين والسيد إلى بلنسية. يعقدان ميثاقاً بشأنها. مقدمهما في قواتهما إلى بلنسية. انسحاب المنذر بن هود عنها. موقف القادر بن ذى النون ومساعيه السرية. المستعين يكشف للسيد عن حقيقة مشروعه. موقف السيد ومطله. السيد يبدو على حقيقته. مخادعاته ومفاوضاته السرية. مسيره إلى قشتالة وتفاهمه مع ألفونسو. وقوف المستعين على غدر السيد ومقاطعته. تحالفه مع الكونت برنجير. عود السيد ونزوله بأراضي السهلة. يخضع ابن رزين لأداء الجزية. السيد يغدو قائد عصابة ناهبة. السيد والكونت برنجير. مسير السيد إلى بلنسية. إخضاعه لمربيطر ونزوله في الكدية. القادر يضع نفسه تحت حمايته ويمده بالأموال الوفيرة. قصة أموال القادر. خروج السيد إلى ألبونت وإرغامه صاحبها على أداء الجزية. فرضه الجزية على سائر النواحي المجاورة. صدى أعمال السيد في قشتالة. تغير ألفونسو عليه. تطور الأمور في الثغر الأعلى. توجس المستعين ابن هود من المرابطين. عوده إلى الاستعانة بالسيد. مقدم السيد إلى سرقسطة وتحالفه مع الملوك المجاورين. تعليق ابن بسام. مشروع ألفونسو السادس لغزو بلنسية وتحطيم نفوذ السيد. تحالفه مع جنوه وبيزه. مسيره إلى بلنسية. رسالة السيد إلى ألفونسو. حرج موقف ألفونسو وتركه لحصار بلنسية. عيث السيد في أراضي قشتالة. عود ألفونسو إلى مصانعته والعفو عنه. الاضطراب في بلنسية. القاضي ابن جحاف يتزعم الثورة ضد القادر والسيد. مفاوضة المرابطين. دخول قوة مرابطية بلنسية. ابن جحاف يقتحم القصر بجموعه. مقتل القادر واستيلاء ابن جحاف على ذخائره. اختيار ابن جحاف لحكم المدينة. استعداده للطوارىء. مسير السيد إلى بلنسية ومحاصرتها. المفاوضة بين ابن جحاف والسيد. شروط الإتفاق بينهما. نكث السيد وغدره. مطالبه المرهقة لابن جحاف والخلاف بينهما. ابن جحاف يغلق المدينة. استغاثته بالمرابطين وغيرهم. اشتداد السيد في محاصرة المدينة وعيثه في أحوازها. عصف الحصار بأهل بلنسية. المفاوضة بين أهل بلنسية والسيد. شروط الهدنة والتسليم. انتهاء الهدنة وتوقيع عهد التسليم. دخول السيد بلنسية. وعوده الخلابة. تسلمه أموال القادر من ابن جحاف. مطالبته له بباقيها واستحلافه عليها. حلف ابن جحاف بالنفي. اكتشاف السيد لمخبأ الأموال والحلي. قبضه على ابن جحاف وإحراقه. أقوال ابن بسام. إحراق بعض أعلام بلنسية. طغيان السيد وعسفه. شعر في محنة بلنسية. صدى سقوط بلنسية في الأندلس والمغرب. اعتزام
أمير المسلمين العمل لاستردادها. إرساله حملة إلى الأندلس. مسير المرابطين إلى بلنسية. الذعر بين النصارى في بلنسية. حصار المرابطين لها. مفاجأة السيد للمحاصرين. استغاثة السيد بملك أراجون وألفونسو السادس. المعارك بين السيد وبين المرابطين. غزو المرابطين لأراضي طليطلة وقونقة. مرض السيد ووفاته. زوجه خمينا تتولى الدفاع عن المدينة. استغاثتها بألفونسو. قدوم ألفونسو في قواته إلى بلنسية. اجتماع القوات المرابطية بقيادة المزدلي. توجس ألفونسو واعتزامه الانسحاب. مغادرة خمينا للمدينة ومعها أموال القادر. انسحاب ألفونسو وجنده. إحراقه للمدينة. دخول المرابطين بلنسية وانتهاء مغامرات النصارى. السيد وشخصيته. اختلاف الآراء في تصويره وتقديره. مبالغة الرواية القشتالية في تصوير بطولته. الأساطير القشتالية حولها. السيد في الشعر وفي الأغاني. حقيقة السيد. السيد جندي قدير. أوصاف ابن بسام للسيد. السيد مغامر لا ذمام له ولا مبدأ. نزعته المكيافيللية. السيد ليس بطلا قومياً. السيد والتفكير الغربي. رأي دوزي ورينان. رأي مننديث بيدال. السيد في الرواية العربية. تاريخ بلنسية لابن علقمة.
لم يسر المستعين بن هود وحده إلى إنجاد بلنسية، بل كان معه جيش آخر، يسير أيضاً لإنجاد بلنسية في الظاهر، وكان على رأس هذا الجيش صديق المستعين وحليفه. وصديق أبيه المؤتمن، وجده المقتدر من قبل، الفارس القشتالي الأشهر، السيد إلكمبيادور.
إن قصة السيد الكمبيادور تملأ فراغاً كبيراً في الروايات والتواريخ القشتالية، ونجد كذلك صداها في التواريخ العربية. وقد اقترنت سيرة السيد بالأخص بمغامراته في بلنسية، وافتتاحه إياها، وسيطرته عليها بضعة أعوام، ثم وفاته، مدافعاً عنها ضد المرابطين. فهذه الأحداث هي ألمع صفحة في تاريخ السيد، وهي التي اتخذت منها التواريخ القشتالية عناصر بطولته، بل هي التي رفعته في نظر التواريخ والأساطير القشتالية إلى مرتبة بطل اسبانيا القومي، ومن ثم فإنه يجدر بنا قبل أن نمضي في تسطير هذه الأحداث، أن نقول كلمة موجزة في نشأة السيد وحياته الأولى.
إن السيد، هو فارس قشتالي، واسمه الأصلي رودريجو أو روي دياث دي بيبار، أما تلقبه " بالسيد" El Cid فهو تحريف لكلمة " السيد " العربية، وقد أطلقها عليه المسلمون الذين كان يخدم بينهم، ويحارب معهم، وأما وصفه بالكمبيادور، El Campeador، فمعناها المحارب الباسل، وقد أطلقت عليه لشجاعته وجرأته وشغفه بالقتال (1). وقد ولد " السيد " في مدينة
(1) ويعرف السيد الكمبيادور في الرواية العربية "بالقنبيطور"(نفح الطيب ج 2 ص 577) ويسميه ابن بسام رذريق الكنبيطور، وهو أدق تعبير للاسم القشتالي، " رودريجو إلكمبيادور " =
برغش على ما يرجح في سنة 1043 م، وكان أبوه لايان كالفو قاضي قشتالة في عهد الملك فرويلا الثاني. ولا يعرف التاريخ شيئاً عن حياته الأولى، بل كل ما فيها يرجع إلى الأسطورة والقصة. وكان بدء ظهوره في ميدان الحوادث، عقب وفاة فرناندو الأول ملك قشتالة وليون في أواخر سنة 1065 م، ونشوب الخلاف بين أولاده، فقد انضم " السيد " يومئذ إلى ولده سانشو (شانجه) وسار مع قوات حليفه أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة، لمحاربة راميرو ملك أرجوان، وقد هزم في جرادوس سنة 1068 م. ثم كان إلى جانب أخيه سانشو سنة 1071 م، حينما نشبت الحرب، بينه وبين أخيه ألفونسو ملك ليون، قد هزم سانشو في البداية، ولكنه عاد وجمع فلوله تحت جنح الظلام، ودهم أخاه بإرشاد " السيد " وهزمه وأسره.
ولبث " السيد " يحارب إلى جانب سانشو ملك قشتالة، حتى قتل هذا الملك أمام أسوار سمورة في العام التالي (1072 م). فانتقل إلى خدمة أخيه ألفونسو.
الذي تولى عرش قشتالة أيضاً بعد مصرع أخيه. ولما اشتد بأس ألفونسو على ملوك الطوائف، وأخذ يرهقهم بمطالبه في الجزية، كان رسوله إلى ابن عباد صاحب إشبيلية في سنة 1079 م هو " السيد " نفسه، وقد اشترك " السيد " يومئذ مع قوات ابن عباد، في معركة وقعت بينه وبين الأمير عبد الله صاحب غرناطة، وقد كان يغير على أراضيه مع سرية من الفرسان النصارى، فهزم عبد الله، وسر المعتمد لذلك، وأدى الجزية المطلوبة مع طائفة كبيرة من التحف والهدايا برسم ملك قشتالة (1).
وقضى السيد في بلاط ملك قشتالة، عامين آخرين. ولكن الظاهر أن الدسائس كانت تعمل ضده حتى قيل إنه احتجز لنفسه الهدايا والتحف، التي تلقاها من المعتمد برسم مليكه. هذا إلى أن الملك ألفونسو لم ينس له قط وقوفه ضده إلى جانب أخيه سانشو، وانتصاره عليه، وقد كان يشعر من ذلك الحين
= (الذخيرة القسم الثالث - المخطوط لوحة 19 أ). وكذا يسميه ابن الأبار بالكنبيطور (الحلة السيراء، دوزي ص 189، والقاهرة ج 2 ص 125)، وابن الخطيب في أعمال الأعلام ص 203.
ويقول لنا ابن عذارى إن كلمة "القنبيطور" معناها "صاحب الفحص" ج 3 ص 305.
(1)
R.M.Pidal: ibid، p. 256 & 261
بعاطفة من الحسد إزاء هذا الفارس المظفر، لازمته طول حياته (1)، ومن ثم فقد انتهى إلى إبعاد " السيد " عن بلاطه، وعن سائر أراضيه، وذلك في سنة 1081 م.
وهنا يبدأ الفصل الروائي حقاً في حياة السيد إلكمبيادور، فيبدو مغامراً يبحث وراء طالعه، ويخرج على كل اعتبار ديني أو قومي، فيؤجر نفسه وصحبه، تارة للأمراء المسلمين وتارة للأمراء النصارى، ويندس إلى كل ثورة تنشب أو حرب تضطرم هنا وهنالك، ويطلب الغنم والسلطان، حيثما استطاع، وبأي الوسائل. وكانت ظروف اسبانيا المسلمة، يومئذ مما يفسح المجال لأطماع، جندي مغامر كالسيد. فهناك الحروب الأهلية المستمرة، وهناك الرغبة المستمرة في الاستعانة بالجند النصارى، وإغداق الأموال عليهم، وقد رأينا في أخبار دول الطوائف، وأخبار ملوكهم، ما يؤيد هذه الحقيقة المؤلمة كل التأييد. وكانت هذه الحروب الإنتحارية تجري يومئذ في سائر أنحاء الأندلس، وكانت في الوقت الذي خرج فيه السيد بعصابته من قشتالة تضطرم بنوع خاص في الإمارات الشمالية، التي استقر فيها بنو هود، فيما بين سرقسطة، وثغور الشاطىء، وفيما بينها وبين بلنسية. فإلى هذا الميدان المضطرم، هبط السيد وجنوده المرتزقة، والتحق أولا بخدمة المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وكان المقتدر قد استعان على محاربة أخيه المظفر صاحب لاردة، بجنود من البشكنس والقطلان حتى هزمه أخيراً وأسره، فكان المظفر أسيراً وقت أن حل السيد ببلاط المقتدر. ثم توفي المقتدر بعد قليل سنة 474 هـ (1081 م) بعد أن قسم مملكته بين ولديه، فخص ولده المؤتمن بسرقسطة وأعمالها، وأخاه المنذر بدانية وطرطوشة ولاردة.
ثم وقعت الحرب الأهلية بين الأخوين، فاستعان المنذر بسانشو راميرز ملك أراجون وكونت برشلونة، وحارب السيد إلى جانب المؤتمن، ولد حاميه والمحسن إليه، وانتهى الأمر بهزيمة المنذر، وعاد السيد إلى سرقسطة ظافراً، فاحتفى به أهلها أيما احتفاء، وبالغ المؤتمن في إكرامه وإثابته. وكان المؤتمن يعتز بصداقة السيد ومحالفته، ويعلي من شأنه ويأخذ بنصحه في معظم الأمور، ولا يرى في ذلك غضاضة وانحرافاً، وكان المنذر من جهة أخرى يبغض السيد أشد البغض، ويستعين في محاربته بالأمراء القطلان أصحاب برشلونة. ولما توفي
(1) R.M.Pidal: ibid ; p. 261،580 & 590
المؤتمن في سنة 478 هـ (1085 م)، خلفه في سرقسطة وأعمالها ولده المستعين، والتحق السيد بخدمته أيضاً، واستمر على نفوذه ومكانته في المملكة. ويحمل ابن بسام على حماية بني هود للسيد، واستخدامهم إياه، وإعلائهم لشأنه في قوله:" وكان بنو هود قديماً هم الذين أخرجوه (أعني السيد) من الخمول، مستظهرين به على بغيهم الطويل، وسلطوه على أقطار الجزيرة، يضع قدمه على صفحات أنجادها، ويركز علمه في أفلاذ أكبادها، حتى غلظ أمره، وعم أقاصيها ودانيها شره "(1).
ولسنا نعرف شيئاً عن أعمال السيد في خدمة المستعين في بضعة الأعوام التالية.
بيد أننا نرى السيد والمستعين في سنة 1088 م، كلاهما يسير في قواته صوب بلنسية.
وهناك رواية خلاصتها أن المستعين والسيد، حينما ورد صريخ القادر، عقدا ميثاقاً سرياً على غزو بلنسية وافتتاحها، نص فيه على أن تكون الأسلاب كلها من نصيب السيد ورجاله، وأن تكون المدينة ذاتها من نصيب المستعين (2).
وهناك رواية أخرى، هي أن المستعين دعا السيد إلى مرافقته في جيشه لإغاثة بلنسية، دون أن يفضي إليه بنيته في الاستيلاء على المدينة، وقدم إليه أموالا جليلة لكي يحشد بها القوات اللازمة، وكان السيد في هذا الوقت بالذات يدعو الجند إلى رايته، للمحاربة مع المسلمين، وقد اجتمع له منهم، حسبما يخبرنا ابن علقمة مؤرخ مأساة بلنسية عدد كبير، وكانت قوة المستعين لا تعدو أربعمائة فارس، أما جيش السيد فكان يضم ثلاثة آلاف فارس، وهي قوة ضخمة وفقاً لمقاييس العصر.
وهكذا أشرف المستعين والسيد في قواتهما على بلنسية، إجابة لصريخ مليكها وإنجاداً له في الظاهر، وكلاهما يضطرم في الواقع بنيات ومشاريع أخرى. وكان المنذر صاحب لاردة وطرطوشة، ما يزال مرابطاً بقواته حول المدينة، فلما علم بمقدم السيد، وابن أخيه المستعين، أدرك أنه لا طائل من الانتظار وعول على الانسحاب (3)، وبعث إلى القادر يعرض عليه صداقته ومحالفته، واستعداده
(1) الذخيرة القسم الثالث - المخطوط - لوحة 18 ب.
(2)
وردت هذه الرواية في كتاب "الاستكفاء" لابن الكردبوس. ونقله دوزي في: Recherches ; V.Il. App.II.
(3)
رواية ابن الكردبوس السالفة الذكر.
لمعاونته ضد ملك سرقسطة، فأجابه القادر إلى عقد الحلف المنشود، ولكنه لما رأى المنذر بعد ذلك يبتعد بقواته عن بلنسية في طريق العودة إلى بلاده، أدرك أنه لا مفر من الالتجاء إلى القشتاليين، وأنهم هم وحدهم الذين يستطيعون إنجاده وإنقاذه.
ودارت عندئذ سلسلة من المفاوضات والمواثيق السرية، بين أولئك الزعماء المخادعين المخاتلين، فبعث القادر إلى السيد خفية عندما اقترب من بلنسية، يرجوه عقد المودة والتحالف بينهما سراً، ودون علم المستعين، وبعث إليه في الوقت نفسه طائفة من الأموال والتحف الجليلة. ولما وصل السيد والمستعين إلى بلنسية، أفضى إليه المستعين بحقيقة نياته، وأنه إنما قدم إلى بلنسية لا لإنجادها ولكن لافتتاحها، وطلب إليه النصح والعون، ولكن السيد ماطل في مهاجمة المدينة بحجة أن القادر مستظل بحماية ألفونسو، وأن المدينة في الواقع هي من أملاك ألفونسو وقد أعطاها للقادر، فأية محاولة لافتتاحها تعتبر اعتداء على حقوق الملك ألفونسو نفسه، وأنه لابد قبل إجراء مثل هذه المحاولة، أن يأذن الملك ألفونسو نفسه بذلك، وأخيراً أنه لا يستطيع أن يقوم بعمل ضد مليكه وسيده الطبيعي، أعني ملك قشتالة.
وهنا يبدو السيد على حقيقته، ويكشف عن خلاله الأصيلة، خلال مغامر لا ذمام له يبيع العدو والصديق معاً، وينتهز الفرصة بأي ثمن، فهو ينصح القادر سراً بألا يسلم المدينة لأحد، وهو يعد القادر والمستعين كل بمعزل عن الآخر أنه سوف يعاونه على تحقيق بغيته في الوقت الملائم، ويؤكد للمستعين أنه على أهبة لأن يساعده على أخذ بلنسية، إذا حصل على موافقة الملك ألفونسو، ثم يعتزم السيد أن يقطع علائقه القديمة مع صديقه وحاميه المستعين، ويبعث سراً إلى عمه وخصيمه المنذر بن هود، يعقد معه اتفاقاً بالصداقة والتحالف، وأخيراً يبعث السيد إلى ألفونسو ملك قشتالة، يؤكد له أنه فيما يعمله ويغنمه، إنما هو تابع له، وأن أولئك الفرسان الذين يقودهم في أراضي المسلمين، دون أية نفقة من الملك - إنما هم تحت تصرف الملك، ينزلون ضرباتهم " بالكفرة "، وفي وسعهم أن يحصلوا على شرقي الأندلس بسهولة. وقد وافق ألفونسو على
رسالة السيد، وأذن له أن يجول بفرسانه حيث شاء في أراضي المسلمين (1).
ولم يكتف السيد بذلك، بل رأى بعد أن قام بعدة غارات ناهبة في الأنحاء القريبة، ودرس طبيعتها وأحوالها، أن يذهب بنفسه إلى الملك ألفونسو، ليعقد معه الإتفاق اللازم لإخضاع هذه المناطق، فسار إلى قشتالة، واستطاع أن يحصل من الملك ألفونسو على وثيقة الموافقة، وفيها يصرح للسيد ويؤكد، بأن كل الأراضي والحصون التي يستطيع السيد أن ينتزعها من المسلمين، تغدو ملكاً خاصاً له، ثم لأولاده وبناته وسائر عقبه من بعده، ميراثاً شرعياً.
وأدرك المستعين خلال ذلك، مدى نفاق السيد وغدره، وانحرافه إلى العمل لصالحه وصالح قشتالة، فقطع علائقه معه، واتجه إلى محالفة برنجير كونت برشلونة، وكان من ألد أعداء السيد، وعقدت بينهما، أواصر التحالف، وقدم المستعين إلى الكونت أموالا جزيلة، وبعثه إلى محاصرة بلنسية. ولكن القادر اعتزم أن يصمد لهذا الحصار الجديد، حتى يعود السيد من قشتالة.
وأخيراً عاد السيد من قشتالة ومعه سبعة آلاف مقاتل، ونزل بجيشه في أراضي السهلة، التابعة لابن رزين صاحب شنتمرية الشرق (مايو 1089 م) فخرج إليه ابن رزين، وتعهد من جديد بأداء الجزية لملك قشتالة، وكان يؤديها قبل موقعة الزلاّقة، واتفق على أن تكون الجزية عشرة آلاف دينار في العام، فقبل السيد عهده، وغادر أراضي السهلة وسار بجيشه صوب بلنسية.
وغدا السيد عندئذ قائد جيش خطير من المرتزقة، أو بالحري رئيس عصابة ناهبة، تجوب أنحاء الولايات الشرقية طلباً للغنيمة والسلب، وهابه سائر الأمراء والحكام في تلك النواحي، وأخذوا جميعاً يرقبون الفرص لمقاومته وسحقه. وكان أشدهم نشاطاً في ذلك خصمه القديم الكونت برنجير أمير برشلونة، وكان الكونت يحاصر بلنسية بقواته منذ حين، والظاهر أنه حين اقترب السيد بقواته من بلنسية، وقعت بينه وبين الكونت معركة هزم فيها الكونت، وأسر مع نفر من بطانته، ولم يطلقهم السيد إلا لقاء فدية كبيرة، ثم انتهى الأمر بينهما إلى التفاهم، ورفع الكونت الحصار عن بلنسية، وعاد بجيشه شمالا إلى برشلونة.
(1) R.M.Pidal: ibid، p. 352-354. وقد نقل الأستاذ بيدال هذه الفقرة الأخيرة المتعلقة برسالة السيد إلى الملك ألفونسو، من أقوال ابن علقمة صاحب تاريخ بلنسية المفقود، الذي نقلت منه شذور كثيرة في التواريخ القشتالية.
وكان السيد قد عسكر بقواته أولا تجاه مربيطر شمالي بلنسية، ثم سار بعد ذلك جنوباً إلى بلنسية، وأخضع في طريقه مربيطر، وأرغم صاحبها - ابن لبُّون - على أن يؤدي له جزية سنوية قدرها ثمانية آلاف دينار. ونزل أخيراً بجنده في " الكُدية " ضاحية بلنسية الشمالية التي يفصلها عن المدينة نهر " طوريا "، ففي الحال بعث إليه القادر بالأموال والتحف، وأبلغه أنه يضع نفسه تحت حمايته، ويؤدي له الجزية، واتفق على أن يدفع له في كل أسبوع ألف دينار، على أن يقوم بحمايته من سائر أعدائه. وقيل إن الجزية التي ارتضى القادر أن يؤديها للسيد مقابل حمايته بلغت مائة ألف دينار في العام، وهو مبلغ طائل في هذا العصر (1).
وهنا يسوغ لنا أن نتساءل عن مصدر هذه الأموال الوفيرة التي كان يغدقها القادر في كل مناسبة على السيد وغيره، ممن كان يستصرخهم لحمايته. والجواب عن ذلك أن القادر ورث عن جده المأمون صاحب طليطلة أموالا طائلة، وطائفة عظيمة من الحلي والجواهر والتحف. وكان ألفونسو ملك قشتالة حينما عاونه القادر على استرداد عرشه في طليطلة، عندما أقصته الثورة عنه، يرهق القادر بمطالبه المالية المتوالية، لما كان يعلمه من غناه الطائل، وكانت سياسة ألفونسو ترمي إلى استصفاء أموال ملوك الطوائف بطريقة إرغامهم على دفع الجزية، وغيرها من أنواع الإبتزاز السياسي والعسكري، وقد رأيناهم جميعاً يسارعون إلى الأداء، ويجمع ملك قشتالة منهم الأموال الوفيرة. وكان القادر من أكثرهم ثراء واقتداراً. وكان يخفي أموالا طائلة حملها معه حينما سار منفياً إلى بلنسية، بعد أن فقد ملكه في طليطلة، وهناك أخفاها بمنتهى الحيطة والحذر، وقد أثارت هذه الأموال الدفينة فيما بعد شره السيد، واستطاع أن يحصل عليها عقب دخوله بلنسية حسبما نفصل بعد.
وخرج السيد من مقره في " الكدية " إلى جبال ألبونت القريبة، حيث كان يحكم عبد الله بن قاسم، وعاث في أراضيه، وأرغمه على أن يدفع له جزية سنوية قدرها عشرة آلاف دينار، ثم عاد جنوباً وعسكر في بلدة "ركّانة" الواقعة غربي بلنسية. وهكذا أخضع السيد لصولته سائر إمارات هذه المنطقة:
(1) هذا ما ذكره ابن الكردبوس في روايته السالفة الذكر: Recherches; V.II.App، II.
بلنسية ومربيطر، وألبونت وشنتمرية الشرق، وفرض عليها جميعاً الإتاوات الفادحة، واستقر بقواته على مقربة منها تتردد بعوثه في أراضيها، وتشعرها بصفة مستمرة أنها رهينة سلطانه ورحمته.
في ذلك الحين تطورت الأمور في قشتالة، وكان لهذا النجاح الضخم الذي أحرزه السيد على هذا النحو في شرقي الأندلس صداه السيىء في نفس الملك " الإمبراطور " ألفونسو السادس (1)، وكان السيد قد تخلف عن معاونة ألفونسو في معركة حصن لييط " أليدو " التي نشبت بينه وبين المرابطين سنة 481 هـ (1088 م)، وانتهز خصوم السيد في البلاط هذه الفرصة، فأثاروا نفس الملك عليه، وصوروا له تصرفه بالعقوق والخيانة، وأوعزوا إليه بمعاقبته. وفعلا أمر الملك بإخلاء سائر الحصون والدور الخاصة بالسيد، وبالقبض على زوجه وأولاده الصغار، وذلك لأن القانون القديم كان ينص على تضامن الأسرة في الأمور الجنائية، ولا يسمح بذرة من التهاون أو الرأفة في تهمة الخيانة (2).
وتطورت الأمور أيضاً في الثغر الأعلى، وشعر المستعين بن هود ملك سرقسطة بأن المرابطين بعد استيلائهم على مرسية وحصن لييط، أضحوا على مقربة منه، وأضحوا يهددون سلامته وملكه، فعندئذ استغاث بالسيد مرة أخرى، وعقد معه صلحاً وحلفاً جديداً. وسار السيد في جيشه إلى سرقسطة، وعسكر على مقربة منها على ضفة النهر الأخرى، وهنالك عقد محالفة مع ملك أراجون وأخرى مع ملك نافار، وكان الغرض من هذه الأحلاف جميعاً هو التعاون على دفع خطر المرابطين الداهم، وإنقاذ شرقي الأندلس من سلطانهم. ولبث السيد حيناً في سرقسطة ينظم شئونها وخططها الدفاعية. وهذا ما يشير إليه ابن بسام في الذخيرة بقوله المسجع:" ولما أحس أحمد بن يوسف بن هود المنتزي إلى وقتنا هذا على ثغر سرقسطة، بعساكر أمير المسلمين تنسل من كل حدب، وتطلع على أطرافه من كل مرقب، آسد كلباً من أكلب الجلالقة، يسمى بلذريق ويدعى بالكنبيطور، وكان عقالا، وداء عضالا له في الجزيرة وقائع، وعلى طوائفها بضروب المكاره إطلاعات ومطالع "(3).
(1) R.M.Pidal: ibid، p. 360
(2)
R.M.Pidal: ibid، p. 367 & 368
(3)
الذخيرة - القسم الثالث - المخطوط، لوحة 8 ب و 9 أ. وراجع: R.M.Pidal: ibid ; p. 415 & 416
ولم يجد ألفونسو ملك قشتالة لمعاقبة السيد، على مطله وغدره وخيانته، وتحطيم نفوذه البالغ، الذي أخذ يزعجه ويثير حفيظته، خيراً من أن يفتتح بلنسية، التي كان السيد في الواقع سيدها الحقيقي، وكانت أمنع معقل لسيادته ونفوذه، وأخصب مصدر لموارده، فعقد حلفاً مع جمهوريتي جنوه وبيزه، لكي يعاونانه بأساطيلهما من البحر على أخذها، ثم سار في قواته إلى بلنسية، وعسكر في جُبالة أو "كبولا" من ضواحيها، وطلب من أصحاب القواعد والحصون المجاورة أن يؤدوا إليه الجزية التي كانوا يدفعونها للسيد، وبعث إلى القادر بأن يحجز الجزية وسائر الإيرادات التي كان يتلقاها السيد. فلما علم السيد بذلك وهو في ظاهر سرقسطة، وبأن ملك قشتالة جاء لينزعه نفس المنطقة التي أعطاه إياها، اعتزم أن يقابل القوة بالقوة، وبعث إلى ألفونسو يعرب له عن دهشته واستنكاره وعن ثقته بالله، وينذره بأنه لن يصبر على تلك الإهانة بل سينتقم لها، وبأنه سوف يرى كيف أسىء نصحه وتوجيهه (1).
والواقع أنه لم يمض قليل على ذلك حتى شعر ألفونسو بحرج موقفه. وذلك ْأن السفن الجنوية والبيزية لم تأت حسبما تقرر، وقد قلت المؤن في معسكره، وأخذ يعاني الصعاب، فعندئذ أمر برفع الحصار، وغادر بلنسية لدهشة قواده وصحبه، وارتد راجعاً إلى قشتالة. وما كاد يبتعد عنها حتى أشرفت السفن الحليفة وكانت نحو أربعمائة. بيد أنها لم تستطع أن تعمل شيئاً. فغادرت بلنسية وسارت إلى طرطوشة، ولكنها استطاعت أن تصمد لها. وفضلا عن ذلك فقد أراد السيد أن ينتقم من الملك ومستشاريه، فسار نحو قلهرّة ولوجرنيو، وضرب الأراضي التابعة لرجال البلاط من خصومه، وعاث في أحواز قشتالة، واجتاح منها منطقة شاسعة، وأمعن فيها قتلا وتخريباً (2). فعندئذ رأى ألفونسو أن يعود إلى سياسة اللين، وأصدر عفوه عن السيد، وكتب إليه بذلك، وبأنه قد رفع الحظر عن أملاكه، وسمح له بأن يعود إلى قشتالة متى شاء، فكتب إليه السيد يشكره ويرجوه ألا يصغى لنصحاء السوء. وكان ذلك في أوائل سنة 1092 م (485 هـ).
* * *
(1) R.M.Pidal: ibid، p. 418
(2)
رواية ابن الكردبوس السالفة الذكر في: Recherches; V.II.App.II
ْوفي ذلك الحين اشتد الاضطراب في بلنسية، واعتزم البلنسيون أن يحطموا ذلك النير المرهق الذي فرضه السيد على المدينة. وكان قاضي المدينة أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحّاف المعافري، يتزعم أقوى الأحزاب في المدينة، وهو الحزب المناوىء للسيد والقشتاليين بوجه عام، ويناهض الحزب " الإسباني " أو الحزب الذي يلتف حول القادر، وكان يثير في الجموع روح الثورة، ويتطلع إلى انتزاع السلطة، وكان المرابطون قد اقتربوا في ذلك الوقت من بلنسية، باستيلائهم على مرسية ودانية، ففاوض ابن جحاف قائد المرابطين ابن عائشة، ووعده بتسليم بلنسية إذا ساعده على محاربة القادر والسيد، فاستجاب ابن عائشة لدعوته، وبعث إليه سرية من الجند المرابطين بقيادة أبي ناصر المرابطي، فما كادت تدخل بلنسية حتى اشتد فيها الهرج والاضطراب، وقاد ابن جحاف جموع الثائرين، وقبض على ابن الفرج مندوب " السيد " في المدينة، واقتحم القصر، وبحث عن القادر حتى عثر به، وكان قد اختفى في بعض حمامات القصر، ومعه صندوق من الحلي والجواهر الخاصة بزوجه السلطانة زبيدة. فقتل في الحال، وحملت رأسه على رمح وطيف بها في شوارع بلنسية، وذلك في اليوم الثالث والعشرين من رمضان سنة 485 هـ (28 أكتوبر سنة 1092 م). واحتوى ابن جحاف على طائفة عظيمة من الأموال والذخائر والتحف التي كان يحتفظ بها القادر. وآلت السلطة بذلك إلى " الجماعة ". وفي اليوم التالي، الرابع والعشرين من رمضان، اختير ابن جحاف رئيساً للجماعة، فتولى زمام الأمور، وأخذ يحشد الجند، ويحصن أطراف المدينة، ويستعد للطوارىء (1).
ولما علم السيد بهذه التطورات المزعجة، سار في الحال في قواته صوب بلنسية، وفرض المغارم والأقوات على سائر الحصون الواقعة في طريقه، ونزل في " جُبالة "(كبولا)، وهنالك اجتمع إليه أنصار الملك المقتول (أواخر سنة 1092 م). وفي الحال ضرب الحصار حول المدينة، بعد أن أحرق ما حولها من الضياع والمروج، واستولى على معظم الأنحاء القريبة، واقتحم " الكُدية " ضاحية المدينة الشمالية، وفرض عليها سلطانه. وأنشأ ابن جحاف داخل المدينة فرقة من ثلاثمائة فارس من المرابطين وغيرهم، لتقاوم الحملات المخربة التي كان
(1) البيان المغرب ج 3 ص 305 و R.M.Pidal: ibid ; p. 434
يشنها السيد على أحوار المدينة. وكثر الجدل في الداخل بين مختلف الاحزاب والطوائف. وبعث السيد سراً إلى ابن جحاف يطلب إليه طرد المرابطين، ويتعهد له بأن يتركه ملك بلنسية الوحيد، وأن يمده بالعون والحماية، فجنح ابن جحاف إلى التفاهم، وأخذ يدبر الأمر، وآثر البلنسيون كذلك التفاهم والصلح، وانتهت المفاوضات بين السيد وأهل بلنسية على ما يأتي: أن يغادر المرابطون المدينة آمنين، وأن يعطى ابن جحاف إلى السيد ثمن ما كان مودعاً بمخازنه من المؤن وقت مقتل القادر، وأن تؤدى له الجزية السابق تقريرها، ومقدارها ألف دينار في الأسبوع مع متأخراتها، من وقت أن بدأت الحرب، وأن تبقى ضاحية الكُدية بيد السيد، وأن يرتد الجيش القشتالي إلى " جُبالة " ويبقى هنالك ومعه السيد. وهكذا عقدت شروط التسليم، وعادت بلنسية بمقتضاها، كما كانت بلداً خاضعاً يؤدي الجزية كما كان أيام القادر (1).
ولم يمانع المرابطون في عقد الصلح على هذا النحو، لما تولاهم من السأم في بلد لا تهدأ له ثائرة، وغادروا المدينة بسلام. وعاد السيد فرابط بقواته في " جبالة ". ولكن سرعان ما نقض عهوده، شيمته التي تلازمه في كل عمل وكل موطن، وأخذ يتردد في جنده على ضواحي المدينة ويعيث فيها، ويرهق ابن جحاف بمطالبه المالية، التي لا يرتوي منها شرهه قط، وابن جحاف يعاني في نفس الوقت من الاضطراب الداخلي، ومن مناوأة الزعماء المحليين، ولاسيما بني طاهر أصحاب مرسية السابقين النازلين ببلنسية، وكان هؤلاء يتصلون سراً بالسيد، ويتآمرون معه على ابن جحاف. ثم طلب السيد من ابن جحاف أن يأذن له بالنزول مع بعض صحبه في قصر وحدائق " بله نوبه " وهي ضاحية بلنسية في الشمال الشرقي، وينزل باقي جنده في " ريوسا " في جنوبها الغربي تجاه الرُّصافة، فوافق ابن جحاف مرغماً، وكان السيد يرمي بذلك إلى إحكام تطويق المدينة، لاسيما وهو يحتكم من قبل على ضاحية الكُدية. وعاد السيد بعد ذلك فاشتط في مطالبه، وطلب إلى ابن جحاف أن يسلم كل موارد المدينة، وأن يقدم إليه ابنه رهينة بولائه. فعندئذ رفض ابن جحاف، وأغلق أبواب المدينة، وكتب الى ابن عائشة قائد المرابطين يستغيث به، وبعث بنفس الصريخ إلى المستعين ملك
(1) R.M.Pidal: ibid ; p. 449
سرقسطة، فأرسل إليه يعده خيراً، وكتب كذلك إلى ألفونسو السادس، فبعث إليه يعده بالعون. واعتزم ابن جحاف مقاومة السيد إلى آخر لحظة، واستؤنفت الأعمال العدوانية بين الفريقين، وضرب السيد حول المدينة حصاراً صارماً، وعاث في الأنحاء المجاورة، ولم يدخر وسعاً في قطع الأقوات عن المدينة المحصورة خوفاً من أن تصمد له حتى يدهمه المرابطون، واستمر الحصار على هذا النحو عشرين شهراً، حتى بلغ الضيق بالبلنسيين المنتهى، وفتك بهم الجوع أيما فتك، " وأكلوا الفيران والكلاب والجيف " وغدوا كالأشباح هزالا (1). وقد وصف المؤرخ البلنسي المعاصر، محمد بن علقمة في تاريخه الذي سوف نشير إليه فيما بعد، بعض ما قاساه البلنسيون من المحن في تلك الآونة العصيبة، فذكرا " أن رطل القمح بلغ ثمنه مثقال ونصف، وأوقية الجبن ثلاثة دراهم، ورطل البقل بخمسة دراهم، وبيضة الدجاجة بثلاثة دراهم، ورطل اللحم بستة دنانير. وفي ربيع الأول (486 هـ) عظم البلاء، وتضاعف الغلاء، واستوى في عدم القوت الفقراء والأغنياء، فأمر ابن جحاف اقتحام الدور بحثاً عن القوت. وأعاد استصراخ ابن هود، ورغبه في المال والبلد مع الأجر في استنقاذ المسلمين من القتل والأسر.
وترمق ساير الناس بالجلود والأصماغ وعروق السوس، ومن دون هؤلاء بالفيرة والقطط وجيف بني آدم. وهجم على نصراني وقع في الحفير فأخذ باليد، ووزّع لحمه. وجد الطاغية في حرق من خرج من المدينة إلى المحلة ليلا يخرج الضعفاء، ويتوفر القوت على الأغنياء. وبان على الناس الإحراق بالنار، فعيث فيهم بالقتل، وعلقت جثثهم على صوامع الأرباض وبواسق الأشجار. ودخل جمادى الأولى وعدمت الأقوات بالجملة، وهلك الناس، ولم يبق من ذلك الجم إلا النزر اليسير، وتوالى اليبس واستحكم الوباء. ولما بلغ الأمر إلى هذا القدر، وابن هود يخاطب بالتسويف والمطل، اجتمع الناس إلى الفقيه أبي الوليد الوقشي في التكلم لابن جحاف (2) وعندئذ اجتمع أعيان المدينة، وأرغموا ابن جحاف على مفاوضة السيد في التسليم وعقد الصلح، فأذعن وترك لهم المفاوضة، فذهب وفد منهم لمفاوضة السيد، وتم الاتفاق على أن يبعث البلنسيون رسلهم إلى ملك سرقسطة،
(1) الذخيرة لابن بسام، القسم الثالث، المخطوط لوحة 19 ب، والبيان المغرب ج 3 الملحق ص 305.
(2)
من أوراق مخطوطة من البيان المغرب عثر بها المؤلف بخزانة جامع القرويين بفاس.
وإلى ابن عائشة قائد المرابطين في مرسية، في طلب الغوث والإنجاد، وذلك في مدة خمسة عشر يوماً، وأن يقوم ابن عديس خلال ذلك بالإشراف على المدينة، وأن تسلم الأبواب ليحتلها الروم المحليون، فإذا لم يحضر أحد للنجدة في خلال المدة الممنوحة سلمت بلنسية بالشروط الآتية:
" أن يبقى ابن جحاف قاضياً للمدينة وحاكماً لها، وأن يؤمن في نفسه وماله وأهله، وأن يؤمن السكان في أنفسهم وأموالهم، وأن يتولى مندوب السيد الإشراف على تحصيل الضرائب، وأن تحتل المدينة حامية من النصارى المعاهدين (المستعربين) الذين يعيشون بين المسلمين، وأن يرابط السيد بجيشه في "جُبالة" (كبولا) وألا يغير شيئاً من شرائع المدينة وأحكامها ".
عقدت الهدنة على هذه الشروط، وسافر الرسل في طلب النجدة، ولكن مضت الخمسة عشر يوماً دون أن يعود أحد منهم. ففي صباح اليوم التالي، وهو يوم الخميس 15 يونيه سنة 1094 م (28 جمادى الأولى سنة 487 هـ)(1)، خرج ابن جحاف ومعه عدد من أعيان المسلمين والنصارى، ووقعوا عهداً بتسليم المدينة، على أن يؤمن سكانها في أنفسهم وأموالهم، وأن يسلم ابن جحاف إلى السيد سائر أموال القادر. وفي الظهر فتحت بلنسية أبوابها للسيد إلكمبيادور وجنده، واحتشد البلنسيون، وهم كالأشباح هزالا، أو كأنهم كالموتى خرجوا يوم الحشر من القبور ليمثلوا أمام الخالق (2)، ليشهدوا دخول القشتاليين الظافرين بلدهم.
ودخل السيد وجنده بلنسية، وفي الحال احتلوا أبراجها خلافاً لشروط المعاهدة، ونزل السيد بالقصر، ثم جمع أشراف المدينة وألقى فيهم خطاباً وعد
(1) تختلف الرواية الإسلامية في تاريخ دخول السيد بلنسية. فيقول ابن بسام وهو معاصر للحادث أنه وقع في سنة 488 هـ (1095 م) - الذخيرة القسم الثالث - المخطوط لوحة 19 ب.
ويوافقه صاحب الذيل في البيان المغرب ج 3 ص 306. ولكن ابن الأبار يقول لنا إن دخول السيد بلنسية كان في سنة 487 - 1094 م (الحلة السيراء دوزي ص 189 والقاهرة ج 2 ص 125).
وهذه أيضاً رواية ابن الكردبوس في " كتاب الاكتفاء " Recherches، V.II.App.II. وهذا التاريخ هو المرجح، وهو يوافق الرواية القشتالية، وبه يأخذ الأستاذ مننديث بيدال مؤرخ السيد، فيقول إن دخول السيد بلنسية كان في 15 يونيه سنة 1094 م. ( Pidal: ibid ; p. 485)
(2)
وهو تصوير ابن علقمة مؤرخ مأساة بلنسية، وقد نقلت روايته المفقودة في التواريخ القشتالية ( Pidal: ibid ; p 484) .
فيه أن يسير شئون المدينة بالعدل، وأن يستمع لظلامات أهلها، وأن يحميهم، وأن يرد إلى كل ذي حق حقه، إلى غير ذلك من الوعود الخلابة. ومع ذلك فقد احتل النصارى معظم دور المدينة وضياعها، ولم يستمع أحد إلى تذمر أو ظلامة، وتسلم السيد من ابن جحاف أموال القادر وذخائره، وأبقاه في منصبه قاضياً للمدينة، ولكنه شدد عليه في السؤال عما إذا كان قد بقي لديه شىء منها، وطلب إليه الحلف أمام أعيان الشهود من الملتين، فحلف ابن جحاف بأنه لم يخف شيئاً وليس لديه شىء منها. وأنذره السيد بأنه إن وجد لديه شيئاً مما تقدم، فإنه سوف يستبيح دمه، ووافق على هذا العهد أعيان الملتين، المسلمون والنصارى. وشاءت الأقدار أن يقع السيد بعد ذلك بقليل على مخبأ الحلي والذخائر التي انتزعها ابن جحاف من القادر حين مقتله، فكان ذلك نذيراً بنكبته المروعة، التي ترك لنا عنها المؤرخ البلنسي المعاصر، وشاهد العيان السابق ذكره أبو العباس بن علمقة، صوراً مؤسية مبكية.
ذلك أن السيد أمر في الحال بالقبض على ابن جحاف وأفراد أسرته، وعذبه عذاباً شديداً، ثم أمر بإعدامه حرقاً، فأقيمت له وقدة كبيرة في ساحة المدينة وأحرق فيها بصورة مروعة، ولقي هذا القاضي المجاهد مصيره بشجاعة مؤثرة.
قال ابن علقمة، وكان من شهود المأساة " إن القنبيطور أمر بتعذيبه أي ابن جحاف فعذب عذاباً شديداً، ثم أمر به فجمع له حطب كثير، وحفرت له حفرة وأقيم فيها، وأصير الحطب حوله، وأوقدت فيه النار فكان يضم النار إليه بيديه ليكون ذلك أسرع لخروج روحه "(1). وقال ابن بسام، بعد أن ذكر واقعة إحراق ابن جحاف:" أخبرني من رآه في ذلك المقام، وقد حفر له إلى مرفقيه، وأضرمت النار حوله، وهو يضم ما بعد من الحطب بيديه، ليكون أسرع إلى ذهابه، وأقصر لمدة عذابه، كتبها الله له في صحيفة حسناته، ومحا به سالف سيئاته، وهم الطاغية يومئذ بتحريق زوجه وبناته، فكلمه فيهن بعض طغاته، فبعد لأي ما لفته عن رأيه، وتخلصهن من يدي نكرائه. وأضرم هذا المصاب الجليل أقطار الجزيرة يومئذ ناراً، وجلل سائر طبقاتها حزناً وعاراً "(2).
(1) أورده البيان المغرب في الذيل ج 3 ص 306.
(2)
الذخيرة - القسم الثالث المخطوط لوحة 19 ب.
وأمر السيد كذلك بإحراق جماعة من أعلام بلنسية، ومنهم أبو جعفر البتي الشاعر المشهور (1)، وبدا السيد عندئذ في ثوبه الحقيقي، ثوب الفاتح المتجبر والطاغية المنتقم، فمال على البلنسيين، وأذلهم، واشتط في إرهاقهم بصنوف المظالم والمغارم. وكان من الظواهر المؤلمة يومئذ، أن التف حول السيد رهط من الخونة المسلمين، ومعظمهم من الأشرار والسفلة، انضووا تحت لوائه، وأخذوا يعيثون في المدينة فساداً، ويعتدون على إخوانهم، يقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال، وقد ارتد عن الإسلام جماعة منهم، وكان يطلق يومئذ على تلك العصابات المجرمة اسم " الدوائر "(2)، وغادر بلنسية كثير من أهلها المسلمين، واحتل النصارى دورهم وأحياءهم، وغدا السيد، وهو يزاول سلطانه بالقصر، كأنه ملك متوج، وسيد مملكة عظيمة، وغدا باستيلائه على بلنسية سيد شرقي الأندلس كله.
وفي محنة بلنسية يومئذ يقول الشاعر المعاصر أبو إسحاق بن خفاجه:
عاثت بساحتك العدا يا دار
…
ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر
…
طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها
…
وتمحصت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها
…
لا أنت أنت ولا الديار ديار
وروعت الأندلس لسقوط بلنسية في أيدي النصارى، كما روعت من قبل بسقوط طليطلة، وتوالى على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صريخ الأندلس، ورسائل أعيانها، تصف ما أصاب بلنسية وشرقي الأندلس من الدمار، وتقطيع الأوصال، والذل على يد النصارى. قال ابن بسام:" وتجرد أمير المسلمين عندما بلغه هذا النبأ الفظيع، واتصل به هذا الرزء الشنيع، فكانت قذى أجفانه وجماع شأنه، وشغل يده ولسانه ". واعتزم أمير المسلمين أن يسترد المدينة الأندلسية العظيمة، فسار إلى سبتة وحشد الجند، وندب ابن أخيه محمداً بن تاشفين ليقود الحملة، وكتب إلى حاكم غرناطة المرابطي، وإلى أمراء شرقي
(1) وهو أحمد بن عبد المولى البتي نسبة إلى بتة من قرى بلنسية. وكان من أكابر الأدباء وعلماء اللغة.
(2)
راجع رواية ابن الكردبوس السالفة الذكر: Recherches; V.II.App.II
الأندلس، أصحاب شنتمرية الشرق، وألبونت، ولاردة، وطرطوشة، أن يجمعوا الجند للسير إلى استنقاذ بلنسية. وعبرت الجند المرابطية إلى الجزيرة في سبتمبر سنة 1094 م، أعني لثلاثة أشهر فقط من سقوط بلنسية، واجتمعت الحشود الأندلسية، وسارت القوات المتحدة صوب بلنسية، فوصلت إلى " كوارت " ثم إلى " مسلاته "، الواقعتين غربي بلنسية جنوبي النهر، في شهر أكتوبر (رمضان 488 هـ)، وصلوا صلاة الفطر في مسلاته، ثم بدأ الهجوم على بلنسية.
وكانت الأنباء قد وصلت إلى بلنسية بمقدم الجيش المرابطي. فشاع الذعر بين النصارى، وأمر السيد بأن يجمع من أهل بلنسية، سائر السلاح والقطع الحديدية، وأخرج من المدينة سائر المسلمين الذين يشك في ولائهم. وتكررت هجمات المرابطين على المدينة بشدة، ولما رأى محمد بن تاشفين مناعة المدينة وصمودها الراسخ، ضرب حولها الحصار المطبق. ولم تمض أيام قلائل، حتى خرج السيد في قواته بالليل، وفاجأ المعسكر الإسلامي، وهاجمه بشدة، فأوقع فيه الاضطراب والذعر، واستولى على غنائم عظيمة من الخيل والسلاح والعتاد والمؤن، وقتل من المسلمين عدد جم، ثم عاد فامتنع داخل المدينة.
واستمر الحصار طويلا. وبعث السيد إلى بيدرو الأول ملك أراجون يستصرخه للغوث، وعقدت بينهما محالفة ضد المسلمين، وكتب أيضاً إلى ألفونسو السادس. وتجددت المعارك بين المرابطين والقشتاليين في أحواز بلنسية، واستولى السيد خلالها على مربيطر، وعلى عدد آخر من الحصون. وفي يناير سنة 1097 م وقعت بين قوات السيد وحليفه بيدرو ملك أراجون، وبين المسلمين، معركة شديدة عند جبل " مندير "، هزم فيها المسلمون، وعاد بيدرو إلى بلاده، وعاد السيد إلى بلنسية.
وفي تلك الأثناء كان جيش مرابطي قد سار من الجنوب نحو أراضي طليطلة وعاث فيها، وهزم قوات ألفونسو السادس عند " كونسويجرا "، وفي تلك الموقعة قتل دون ديجو ابن السيد الوحيد. وفي نفس الوقت سار ابن عائشة حاكم مرسية في جيش ضخم إلى أحواز قونقة، وهزم القشتاليين بقيادة ألبارهانيس ثم اخترق أراضي مملكة بلنسية حتى " الجزيرة "، وهنالك التقى بفرقة من جنود السيد، فأبادها تقريباً ولم ينج منها إلا عدد يسير فروا عائدين إلى بلنسية.
وكان السيد قد اشتد عليه المرض يومئذ، وهدمه الإعياء، وأدمى قلبه مصرع ولده الوحيد، فتوفي غماً وألماً، وذلك في يوليه سنة 1099. فتولت مكانه زوجه خمينا الدفاع عن المدينة، واستطاعت أن تصمد أمام هجمات المرابطين، زهاء عامين آخرين. وأخيراً بعثت إلى ألفونسو السادس تستصرخ به، وتعرض تسليم المدينة إليه، فهرع ألفونسو إلى بلنسية في بعض قواته، ودخل بلنسية في مارس سنة 1102 م. وكانت القوات المرابطية قد اجتمعت قبل ذلك ببضعة أشهر، تحت إمرة قائدها الأمير أبى محمد المزدلي، تستعد للوثبة الحاسمة، فلما قدم ألفونسو بقواته، اجتنبت لقاءه، وعسكرت في كولييرا الواقعة على البحر بين بلنسية وشاطبة. وقضى ألفونسو شهراً في بلنسية، ثم خرج إلى أحواز كولييرا، وانتسف زروعها، وهالته ضخامة الجيش المرابطي، فارتد إلى المدينة وهو عازم على إخلائها، ولم يشأ أن يغامر بجيشه مع العدو القوي في مواقع نائية. وغادر بلنسية سكانها النصارى، يحملون أمتعتهم وأموالهم، وخرجت خمينا زوجة السيد، ومعها ذخائر القادر بن ذى النون، والأموال العظيمة التي انتهبها السيد خلال غزواته ومغامراته، وقد استولى ألفونسو فيما بعد على معظمها، ثم خرج ألفونسو وجنده، وخرج معه فرسان السيد يحملون رفات زعيمهم لتدفن في أراضي قشتالة (4 مايو سنة 1102 م). بيد أنه أمر قبل خروجه بإحراق المدينة، ولم يغادرها إلا بعد أن غدا معظمها أطلالا دارسة.
وفي اليوم التالي، الخامس من شهر مايو سنة 1102 م، الموافق شعبان سنة 495 هـ (1)، دخل المرابطون بلنسية وعاد الثغر العظيم بذلك إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، وعاد السلم يخيم على تلك الربوع، وانهار باختفاء السيد، أكبر عامل في بث الروع، والاضطراب إلى شرقي الأندلس، ووقفت مغامرات النصارى في تلك الأنحاء مدى حين (2).
* * *
(1) يقول صاحب الذخيرة إن استرداد المرابطين لبلنسية كان في رمضان سنة 495 هـ، ولكنا باحتساب التوافق بين التاريخين الميلادي والهجري، نجد أن شهر مايو سنة 1102 م يوافق شعبان سنة 495 هـ. ويأخذ ابن خلدون بنفس التاريخ، فيضع استرداد بلنسية في سنة 495 هـ (ج 4 ص 162).
(2)
يراجع فيما تقدم، الذخيرة لابن بسام - القسم الثالث المخطوط - لوحة 26 أوب وكذلك: R.M.Pidal: ibid ; p. 508، 533، 539 & 581
والآن وقد انتهينا من تتبع حوادث مملكة بلنسية منذ قيامها في ظل الطوائف وفصلنا بهذه المناسبة أخبار السيد إلكمبيادور، مذ ظهر في كنف بني هود أصحاب سرقسطة، حتى غلب على شرقي الأندلس، ثم افتتح بلنسية، وحكمها حتى وفاته بضعة أعوام، نود أن نقول الآن كلمة عن شخصية السيد، وعن خلاله.
لقد اختلفت الآراء في تصوير السيد وتقدير بطولته. فالآداب النصرانية، والآداب القشتالية، بوجه خاص، تحاول أن تجعل منه مثلا أعلى للبطولة القومية، وتحيط تاريخه بطائفة من الأساطير المغرقة، وتذهب في بعض الأحيان إلى اعتباره، فضلا عن كونه بطلا قومياً لإسبانيا النصرانية، قديساً يحيط الجلال بسيرته، وتروي لنا أن الناس كانوا على هذا الاعتبار، يحجون إلى مزاره، ويلتمسون البركة من رفاته. وكان قد دفن أولا في دير سان بيدرو دي كاردينا على مقربة من برغش، ثم نقلت رفاته بعد ذلك إلى بناء بلدية برغش. ومما يروى في ذلك أن تابوت السيد فتح في أيام الإمبراطور شارلكان، في سنة 1541، فانتشرت منه رائحة ذكية، ووجدت الجثة ملفوفة في رداء عربي، ومعها سيف ورمح، وكان الشرق عظيماً في تلك الآونة، فما فتح التابوت حتى هطل مطر غزير، روى جميع أرجاء قشتالة. وأشد ما تبدو هذه الأساطير في الشعر، وفي الملاحم والأغاني القشتالية، التي وضع معظمها بعد وفاة السيد بنحو قرن. ففيها يصور السيد، بأنه الفارس الكامل، الشهم، الذي لا يقهر في الحرب، وبأنه مثل الوطنية الحقة، وزهرة الخلال والفضائل النصرانية. ومن أشهر الملاحم التي وضعت عن السيد، وأقربها إلى عهده، قصيدة أو ملحمة، Mio Cid ( سيدي) الشهيرة، التي كتبت بأراضي مدينة سالم بعد وفاة السيد بنحو أربعين عاماً فقط، وهي فضلا عما تحتويه من مختلف صور العصر وحوادثه وعاداته، تقدم لنا صورة كاملة لخلال السيد، وتشيد بوطنيته وإخلاصه، بالرغم من جور مليكه، كما تصف رفقه ولينه، وهو الظافر، نحو المسلمين المغلوبين، وما ينطوي عليه قلبه، وهو الفارس الأمثل، من الحب العائلي، حتى انه كان خلال المعارك، يتصور أعين زوجته خمينا وبناته، متطلعات إليه، إلى غير ذلك من الصور والنعوت (1).
(1) راجع كتاب الأستاذ بيدال، R.M.Pidal: ibid ; p. 8
بيد أننا إذا جردنا السيد من إغراق الأسطورة، ومن أضواء الملاحم والأغاني، وإذا أردنا أن نحكم على شخصيته من حوادث حياته، فإن الرأي المنزه المجرد من المؤثرات القومية والدينية، يحملنا في الحال على الحكم عليه، وعلى خلاله بأقسى النعوت الأخلاقية والأدبية. لقد كان السيد جندياً عظيماً، وقائداً بارعاً، ما في ذلك من ريب، ولقد أشادت الرواية الإسلامية المعاصرة ذاتها بخلاله كفارس وقائد مظفر، فيقول لنا ابن بسام مثلا في وصفه ما يأتي: " وكان هذا البائقة وقته، في درب شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي صرامته، آية من آيات ربه
…
وكان - لعنه الله - منصور العلم، مظفراً على طرائق العجم، لقي زعماءهم، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير، كثير عديدهم، وكانت تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويعجب ". ويزيد ابن بسام على ذلك أنه بلغه أن السيد كان يقول، وقد طما طمعه ولح به جشعه: " على لذريق فتحت الأندلس، ولذريق يستنقذها " (1). ولكن من الحق أيضاً أن نذكر أن السيد، كان إلى جانب هذه الجرأة، والبراعة العسكرية والمغامرات المظفرة، يتصف بكثير من الرذائل والصفات الذميمة التي تأباها خلال الفروسة، فهو حسبما رأينا من وقائع حياته التي استقيناها من أوثق المصادر، ولاسيما من أعظم مؤرخيه المعاصرين الأستاذ مننديث بيدال، يبدو مغامراً لا مبدأ له ولا ذمام، يسعى إلى الكسب أينما كان، وهو يبدأ حياته في خدمة الملوك المسلمين أعداء أمته ودينه ثم يخرج عليهم، ويتنكر لهم، وهو يقطع مختلف العهود، ثم ينقضها، متى رآها عقبة في سبيل أهوائه، وهو يبيع العدو والصديق لكسب المال، ويبدو في معظم حملاته العسكرية، قاطع طريق، ورئيس عصابة ناهبة، أكثر منه قائد جيش مجاهد منظم، وهو جشع لاقتناء المال، لا يخبو له في سبيل ذلك ظمأ، وهو يناوىء مليكه وأمته، ويخرج عليه غير مرة، ويعيث في أراضي بلاده، وينتهك حرماتها، تحقيقاً لمآربه الشخصية، وأغراضه المادية. وعلى العموم، فهو يبدو مغامراً، يجمع في شخصه كل رذائل عصره، وهو بذلك أبعد من أن يبدو بطلا قومياً مثالياً، وأشد بعداً من أن يبدو قديساً خارقاً.
(1) الذخيرة - القسم الثالث - المخطوط لوحة 19 أوب.
والتفكير الغربي نفسه يختلف في تقدير السيد ومنزلته من البطولة، فالعلامة المستشرق دوزي مثلا يخصص لحوادث حياته كتاباً (1)، وينتهي فيه إلى أن السيد ليس إلا جندياً مغامراً يبحث وراء طالعه، ويجمع في شخصه من رذائل عصره أكثر مما يجمع من فضائله. ويجاريه في هذا الرأي العلامة الفرنسي رينان، ويقول " إنه لم يفقد بطل بخروجه من حيز الأسطورة إلى حيز التاريخ قدر ما فقد إلسيد ". ولكن العلامة مننديث بيدال، مؤرخ السيد، يخالف كل هذه الآراء، ويبالغ في تقدير السيد، ويخصص لتقدير بطولته شذوراً طويلة، ويقول " إن الشعر والتاريخ يتفقان في شأنه، وأنه بالعكس لا يوجد بطل ملاحم أكثر لمعاناً في ظل التاريخ "(2).
ويخصص ابن بسام، وهو معاصر لمعظم الأحداث التي خاضها السيد، لشخصية السيد وأعماله، شذوراً كثيرة. بيد أنه قد كتبت عن السيد، وعن مأساة بلنسية بالأخص وثيقة عربية مؤثرة، كتبها مؤرخ بلنسي، وشاهد عيان للحوادث، هو أبو عبد الله محمد بن خلف الصدفي المعروف بابن علقمة، وقد ولد ابن علقمة ببلنسية في سنة 428 هـ (1037 م)، وتوفي بها سنة 509 هـ (1115 م) وكان أديباً شاعراً. وقد هزته الحوادث والخطوب المفجعة التي مرت بوطنه بلنسية، والتي شهدها عن كثب، فألف تاريخاً لحوادث عصره، ولاسيما تغلب السيد على بلنسية، وما اقترن به من المآسي، أو كما يقول ابن الأبار، إنه " ألف تاريخاً في تغلب الروم على بلنسية، سماه "البيان الواضح في الملم الفادح"، وذلك قبل سنة 500 هـ "(3). وقد نوه بتاريخ بلنسية هذا، الذي ضاع ولم يصلنا، فضلا عن ابن الأبار، وهو بلنسي أيضاً، كثير من المؤرخين اللاحقين، ومنهم صاحب رواية الطوائف الواردة بذيل البيان المغرب، حيث يقول: " وقد
(1) كتاب دوزي المشار إليه هو: Le Cid d'aprés de nouveaux documents (Leyde 1860)
وقد نشر بتمامه في الطبعة الثالثة من كتاب دوزي: Recherches ; V.II.p. 1-133
(2)
R.M.Pidal: La Espana del Cid ; V.II.p 593-604
(3)
راجع " التكملة " لابن الأبار ج 1 رقم 514، والبيان المغرب ج 3 ص 305 و 306، وابن الخطيب في " الإحاطة " (القاهرة 1956) ج 1 ص 91. وراجع أيضاً: Pons Boigues Ensayo Bio - Bibliografico sobre los Historiadores y Geograficos Arabigo - Espanoles ; (Madrid 1898) p. 175
ألف ابن علقمة كتاباً في أمرها وحصارها (أي بلنسية) يبكي القارىء ويذهل العاقل "، ثم ينقل عنه قصة القاضي ابن جحاف (1). وكذلك ابن الخطيب فإنه يذكره في مقدمة " الإحاطة "، ضمن تواريخ المدن الخاصة (2). هذا وقد أثبت البحث الحديث أن التواريخ القشتالية المعاصرة واللاحقة، قد نقلت كثيراً مما ورد في تاريخ ابن علقمة، ولاسيما تاريخ ألفونسو العالم Cronica General عن السيد وعن حوادث بلنسية (3).
(1) البيان المغرب ج 3 ص 305 و 306.
(2)
كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة ج 1 ص 91.
(3)
يراجع في تاريخ السيد وحوادث بلنسية: البيان المغرب ج 3 ص 305 و 306، ونفح الطيب ج 2 ص 577، وأعمال الأعلام ص 203 و 204. والذخيرة، القسم الثالث، المخطوط، اللوحات 19 أإلى 26 ب. وكذلك: دوزي في كتابه المشار إليه: " Le Cid" و Recherches sur l'Histoire et Littérature d'Espagne au moyen Age. (V.II.App.I - XVIII) . وكتاب الأستاذ بيدال السابق ذكره، وهو مؤلف فخم في نحو ألف صفحة.
وأخيراً يراجع كتاب A.P.Ibars: Valencia Arabe ; Vol.I.p. 227-332