الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالِث
إمارة شنتمرية الشرق
بنو رزين. نزولهم بأرض السهلة. كبيرهم هذيل بن عبد الملك. قيامه بشنتمرية وتلقبه بالحاجب عز الدولة. الخصومة بين هذيل ومنذر التجيبي. هذيل واتباعه لسياسة الحياد. صفاته وبذخه. جواريه وجلساته الفنية. وفاته وقيام ولده أبي عبد الملك مروان مكانه. تلقبه بالحاجب جبر الدولة. حكمه الطويل وصموده للحوادث. صفاته بين الذم والمديح. تأديته الجزية لألفونسو السادس. نكوله عقب موقعة الزلاقة. السيد يغير على أراضيه ويعيث فيها. اتفاقه مع السيد وعوده إلى دفع الجزية. ابن لبون صاحب مربيطر يلتجىء إلى حماية عبد الملك ويسلمه حصنه. شروط هذا التسليم ونكث عبد الملك بعهوده. مشاريع عبد الملك نحو بلنسية. إغارة السيد على أراضيه. خضوعه وعوده إلى دفع الجزية. صهره يحاول اغتياله. نجاته ثم وفاته. عبد الملك والشعر. يحيى بن عبد الملك الملقب بحسام الدولة. مصانعته لملك قشتالة وهديته إليه. استيلاء المرابطين على بلنسية. زحفهم نحو الثغر الأعلى. استيلاؤهم على شنتمرية الشرق وخلعهم لأميرها يحيى. انتهاء دولة بني رزين.
كانت هذه الإمارة الصغيرة - إمارة شنتمرية أوشنتمرية ابن رزين (1) - تقع في بسيط سهل خصيب من الأرض، يقع في جنوبي الثغر الأعلى، وفي شمال شرقي الثغر الأوسط، عند منابع نهر خالون فرع إبرة، وتحدها من الشرق سلسلة من الجبال تسمى بنفس الاسم، أى جبال بني رزين، وقد عرف بنو رَزين هؤلاء أصحاب شنتمرية الشرق، باسم جدهم الأعلى رزين البرنسي، أحد أكابر رجال البربر الداخلين إلى الأندلس في جيش طارق بن زياد، وهو ينتمي إلى هوارة إحدى بطون قبيلة البرانس البربرية الكبرى، وكان منزل بني رزين بقرطبة، ولجدهم رزين بها آثار كثيرة (2)، ثم نزحوا إلى الثغر، ونزلو بأراضي السهلة، وهي التي تتوسطها شنتمرية، واستقروا هنالك سادة وحكاماً.
ولما انتثر عقد الأندلس الكبرى إبان اضطرام الفتنة، تطلع كبيرهم يومئذ أبو محمد هذيل بن عبد الملك بن خلف بن لب بن رَزين المعروف بابن الأصلع
(1) سميت شنتمرية الشرق تمييزاً لها من شنتمرية الغرب، وهي الواقعة في جنوب غربي ولاية الغرب الأندلسية على المحيط الأطلنطي، وتشغل مكانها اليوم مدينة فارو البرتغالية، وتعرف شنتمرية الشرق الإسبانية بمدينة Albarracin وهو تحريف لاسم بني رزين أمرائها أيام الطوائف.
(2)
تاريخ ابن حيان - مخطوط مكتبة القرويين - لوحة 245 ب.
إلى الاستقلال بما في يده من الأراضي، أسوة بما فعله جاره اسماعيل بن ذى النون، فأعلن استقلاله عن حكومة قرطبة، واستبد بحكم شنتمرية وأعمالها، وذلك في سنة 403 هـ (1012 م)، وتلقب بالحاجب عز الدولة. واعترف في نفس الوقت بطاعة الخليفة سليمان المستعين الاسمية، وقنع منه سليمان بذلك، وأقره على ما بيده من الأعمال، وحاول الحاجب منذر بن يحيى التجيبي صاحب الثغر الأعلى، أن يخضعه لصولته، أسوة بما تم له نحو بعض أصاغر أمراء الثغر، فأبى هذيل ووقف في سبيل أطماعه. واضطرمت بينهما الخصومة، وامتنع هذيل بعاصمته المنيعة، وتحالف مع الموالي العامريين أعداء منذر، واعترف معهم بدعوة هشام المخلوع، وقطع دعوة سليمان واستطاع بيقظته، وموقع بلده البعيد عن متناول العدوان، أن يجتنب عوامل الشر، وأن يسير في حكم إمارته آمناً مطمئناً.
وكان له في خصب أراضيه، وانتظام عمارتها، موارد طيبة للجباية، فكثرت أمواله، وغدا ينافس في ذلك جاره إسماعيل بن ذى النون، وكان مثله في طغيانه وصرامته، وشدة بخله، وكان يتبع سياسة الحيدة المطلقة، ولا يتدخل في أي نزاع أو حلف، مما ينساق إليه زملاؤه أمراء الطوائف، وقد استطاع بهذه الوسيلة أن يحافظ على سلام مملكته، واستطاع بالأخص أن ينجو من ضغط قشتالة ومطالبها في اقتضاء الجزية.
وكما أن الرواية تشيد بطغيان هذيل، وجبروته، وجهله وفظاظته، حتى زعموا أنه قتل والدته بيده، فهي كذلك تقدمه إلينا في صورة أخرى أكثر بهجة وإشراقاً، فتقول لنا إنه كان فتى بارع الجمال، حسن الخلق، جميل العشرة، ظاهر المروءة، لم ير في الأمراء أبهى منه منظراً، ثم تشيد بطلاقة لسانه، وحسن ْتوصله بالكلام إلى حاجته دون معرفة. وقد اشتهر هذيل بالأخص بحياته المترفة الناعمة، ورفيع ذوقه في الفنون، وشغفه باقتناء أجمل وأروع الجواري والقينات في عصره، حتى لقد ذكروا أنه اشترى جارية الطيب أبى عبد الله الكناني بعد أن أحجمت عنها الملوك لغلاء ثمنها، ودفع فيها ثلاثة آلاف دينار، وكانت وحيدة عصرها. وقد وصف لنا ابن حيان في تاريخه تلك القينة الشهيرة فقال: " لم ير في زمانها، أخف منها روحاً، ولا أسرع حركة، ولا ألين عطافاً،
ولا أطيب صوتاً، ولا أحسن غناء، ولا أجود كتابة، ولا أبدع أدباً، ولا أحضر شاهداً، مع السلامة من اللحن في كتبها وغنائها، لمعرفتها بالنحو واللغة والعروض، إلى المعرفة بالطب وعلم الطبائع والتشريح وغير ذلك، مما يقصر عنه علماء الزمان، وكانت محسنة في صناعة الثقاف، والمجادلة بالتراس، واللعب بالرماح والسيوف أو الخناجر المرهفة، لم يسمع لها في ذلك بنظير " (1)، وكان هذيل يقتني أروع مجموعة في عصره من الجواري والقينات البارعات في الحسن، وفي الغناء والموسيقى، وكانت " ستارته " أعني جلساته الفنية أشهر ستائر ملوك الأندلس. وقيل عنه اجتمعت لديه منهن مائة وخمسون، وكان لديه من الوصفاء الصقالبة ستون وصيفاً، لم تجتمع عند أحد من نظائره. وكان إلى جانب ذلك، وافر الجود والكرم، فسيح الجناب للقصاد، وعلى الجملة فقد كان هذيل من أحب أمراء عصره إلى شعبه، وقد استمر في حكم إمارته الصغيرة ثلاثة وثلاثين عاماً، مرت كلها في أمن وسلام ورخاء، وتوفي بالسهلة في سنة 436 هـ (1045 م)(2).
فخلفه في الإمارة ولده أبو مروان عبد الملك بن هذيل بن رَزين، وكان في حياة أبيه يسمى حسام الدولة، وتلقب عند ولايته بذي الرياستين الحاجب جبر الدولة. وقد حكم أبو مروان مملكة شنتمرية الشرق زهاء ستين عاماً، وشهد طائفة كبيرة من الأحداث تجتاح هذه المنطقة، ولاسيما في الثغر الأعلى وفي مملكة بلنسية، وشاء حسن الطالع أن يصمد للأحداث، وأن يبقى في رياسته، بل أن يوسع نطاقها. وقد اختلف الرأي في تصوير أبي مروان وخلاله، فنرى معاصره ابن حيان، يحمل عليه بشدة، وفي عبارات لاذعة، ويقول لنا إنه " كان سيئة الدهر، وعار العصر، جاهلا لامتجاهلا، وخاملا لامتخاملا، قليل النباهة، شديد الإعجاب بنفسه، بعيد الذهبة بأمره، زارياً على أهل عصره، إن ذكرت الخيل فزيدها، أو الدهاة فسعدها وسعيدها، أو الشعراء
(1) الذخيرة، القسم الثالث، المخطوط لوحة 21 أوب و 22 أوب. ونقله البيان المغرب ج 3 ص 181 - 184.
(2)
راجع في أخبار هذيل بن رزين: الحلة السيراء (دوزي) ص 179 - 182، والبيان المغرب ج 3 ص 181 - 183، والذخيرة القسم الأول المجلد الأول ص 88، وأعمال الأعلام ص 205 و206. وكلها مشتقة من أقوال ابن حيان على اختلاف في النقل والتلخيص.
فجريرها وأسيدها، أو الأمراء فزيادها ويزيدها، أو الكتاب فيه فبديع همذان، أو الخطابة فقس سحبان، أو النقد فقدامة العلم، أو العلم فليس منه ولا كرامة، خلي من المعارف، وشعره أهتف من كل هاتف " (1). هذا بينما يقدم لنا عنه ابن الأبار صورة أفضل، مما سمعه من الرواة، فيقول لنا " إن أبا مروان هذا كانت له نجدة وصرامة وإقدام، قرب جنده من نفسه، وتحبب إليهم، واختلط بهم، حتى كان لا يمتاز عنهم في مركب ولا ملبس، ووقائعه في الثغر مشهورة " (2).
ويغرق الفتح بن خاقان كعادته في مديحه ومديح دولته، ويقول لنا إنه كان منتهى فخار قومه، وقطب مدارهم، وإنه رجل " اتخذته البسالة قلباً، وضمت عليه شفافاً وخلباً، لا يعرف جبناً ولا خوراً، ولا يتلو غير سور الندى سوراً.
وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان، ترتضع فيه المكارم أخلاف، وتدار بها للأماني سلاف ". إلى غير ذلك من العبارات الرنانة (3). ويشاطره ابن بسام بعض هذا المديح فيقول لنا إن أبا مروان " كان له طبع يدعوه فيجيب، ويرمي بغرة الصواب عن قوسه فيصيب، على ازدراء كان منه بالأمة، وقلة استجداء لمن عنى بالأخذ عنه من الأئمة ". ويزيد ابن بسام على ذلك أنه كان شاعراً مجيداً "(4).
ولم نعثر في مختلف المصادر، على كثير من التفاصيل، المتعلقة بأخبار عبد الملك بن هذيل وأعماله، خلال حكمه الطويل، وكل ما وقفنا عليه من ذلك يتلخص في أنه استمر في حكم مملكته، بعيداً عن الأحداث والعواصف التي هزت ممالك الطوائف الأخرى. بيد أنه اضطر عقب سقوط طليطلة في يد ألفونسو السادس في سنة 478 هـ، أن يؤدي له الجزية أسوة بسائر ممالك الطوائف فلما وقعت الهزيمة الساحقة على ألفونسو في الزلاّقة، في العام التالي، وهيض جناحه نوعاً، نكل عبد الملك عن دفع الجزية. وفي تلك الأثناء كانت أعمال السيد إلكمبيادور ومغامراته في منطقة بلنسية، تزعج سائر الإمارات الإسلامية
(1) نقله ذيل البيان المغرب ج 3 ص 309.
(2)
الحلة السيراء ص 185.
(3)
قلائد العقيان ص 51.
(4)
الذخيرة، ونقله البيان المغرب ج 3 ص 184.
المجاورة. ونحن نعرف أن السيد سار إلى قشتالة ليسوي شئونه مع الملك ألفونسو السادس، وليحصل منه على حق فتح بلنسية، وأنه خرج من قشتالة في ربيع سنة 1089 م (482 هـ)، عائداً إلى شرقي الأندلس، ومعه سبعة آلاف مقاتل واخترق في طريقه أراضي السهلة (شنتمرية)، وعسكر في " كالاموشا " في شمالها الشرقي، ولبث حيناً في تلك الوديان النضرة، يجمع محاصيلها، وأقواتها.
ولما شعر أبو مروان بما يهدد مملكته من الخراب والإمحال، قصد بنفسه إلى معسكر السيد، واتفق معه على أن يتركه في سلام، على أن يؤدي الجزية للملك ألفونسو كما كان الشأن قبل موقعة الزلاّقة، وأن يدفع في الحال إلى السيد بصفته نائباً عن الملك مبلغ عشرة آلاف دينار. وعندئذ رفع السيد معسكره، وغادر أراضي السهلة إلى بلنسية (1).
ولما اشتدت وطأة السيد على بلنسية والأنحاء المجاورة لها، شعر القائد أبو عيسى بن لبّون صاحب مربيطر (ساجنتو)، أنه لا يستطيع الصمود لهذا الإرهاق، وأنف من مفاوضة السيد، وآثر أن ينتمي إلى حماية أبي مروان عبد الملك، وأن يسلمه حصنه، فقبل عبد الملك هذا العرض، وتعهد لابن لبون، بحمايته ورعايته وأن يجري عليه رزقاً كافياً، وتسلم منه حصن مربيطر في نوفمبر سنة 1092 م (أواخر 486 هـ)، ثم سار إلى السيد، وفاوضه في عقد المودة والإبقاء على الحصن، على أن تكون سائر الحصون الواقعة في أراضيه مفتوحة للبيع والشراء، وأن تقدم إلى جنود السيد ما يحتاجونه من المؤن، وسار ابن لبون بعد ذلك في أهله وأمواله صحبة عبد الملك إلى عاصمته ونزل في كنفه. بيد أنه لم يمض سوى قليل حتى تنكر له عبد الملك، وأخذ في مضايقته والتقتير عليه، وقاسى ابن لبون من ذلك حتى كره البقاء، ومما نظمه يومئذ في محنته:
نفضت كفي عن الدنيا وقلت لها
…
إليك عني فما في الحق أغتبن
من كسر بيتي لي روض ومن كتبي
…
جليس صدق على الأسرار موتمن
أدري به ما جرى في الدهر من خبر
…
فعنده الحق مسطور ومختزن
وما مصابي سوى موتي ويدفنني
…
قوم وما لهم علم بمن دفنوا
ولما استولى عبد الملك على مربيطر، ورأى اضطراب الأحوال في بلنسية،
(1) R.M.Pidal: La Espana del Cid ; P. 357-359
ثابت له فكرة في محاولة الاستيلاء عليها، فنكل عن أداء الجزية المتفق عليها إلى السيد، وفاوض بيدرو (بطره) ملك أراجون في معاونته على تحقيق مشروعه، وعرض عليه مبلغاً كبيراً من المال، فلما وقف السيد على هذه التطورات انقض بقواته على أرض السهلة، وعاث فيها، وانتسف الزروع واستاق الماشية، وسبى جموعاً كبيرة، وبعث الجميع إلى " جُبالة " على مقربة من بلنسية حيث كان معسكره الرئيسي، وعندئذ اضطر عبد الملك مرة أخرى إلى الخضوع اجتناباً لهذا السيل المدمر، وصوناً لأراضيه ورعيته (1093 م - 486 هـ)(1).
وفي أواخر حكمه، وقد شاخ يومئذ، وقع عليه حادث اغتيال كاد يودي بحياته. وذلك أن صهره، زوج أخته، عبيد الله حاكم إذكون الواقعة شمال شرقي العاصمة، كان يضمر له الشر، ويود إزالته ليحكم مكانه، فدعاه ذات يوم إلى حفل عقده بحصنه، فحضر ومعه جماعة منهم ابن لبون، فلما تمكن الشراب من عبد الملك، وثب به عبيد الله وصحبه فطعنوه بسيوفهم، واتفق أن كانت أخته حاضرة، وهي زوج عبيد الله القاتل، فصعدت إلى شرفة عالية، وصاحت واقتيلاه، فهرع الناس إلى مكان الجريمة، وألفوا عبد الملك وقد أثخن جراحاً، وبه رمق، فأرادوا الفتك بقاتله، فأمرهم بالقبض فقط على عبيد الله وابنه، ثم برىء عبد الملك من جراحه، وخرج دميماً مشوهاً، فأمر بصهره فقطعت يداه ورجلاه، وسملت عيناه، ثم صلب، وقطعت رجل ابنه.
وتوفي عبد الملك بعد ذلك بقليل في سنة 496 هـ (1103 م) بعد أن حكم نحو ستين عاماً (2).
وكان عبد الملك بن رَزين ينظم الشعر، وكان حسبما يصفه ابن بسام شاعراً مجيداً، وهو وصف يأباه عليه ابن حيان، إذ يصف شعره بأنه " أهتف من كل هاتف ". ويقول لنا ابن الأبار " إن ضعيف منظومه أكثر من قويه ".
وكان على الرغم من أدبه وشعره، متعسفاً مع الشعراء مقصراً في إجازتهم. ومن نظمه في الفخر وهو ما يصفه ابن حيان بالسخف:
أنا ملك تجمع فيّ خمس
…
هي للأنام محييٍ مميت
هي ذهن وحكمة ومضاء
…
وكلام في وقته وسكوت
(1) R.M.Pidal ; ibid ; p. 453-455
(2)
الحلة السيراء (دوزي) ص 185 و 186. والقاهرة ج 2 ص 114 و 115.
وقوله:
يا رب ليل أطال الهجر مدته
…
فأيأس القلب عن إدراك منتصفه
ليل تطاول حتى قد تبين لي
…
عند التأمل أن الدهر من سدفه
وقوله في الغزل:
أترى الزمان يسرنا بتلاقي
…
ويضم مشتاقاً إلى مشتاق
وتعض تفاح الخدود شفاهنا
…
ونرى منى الإحداق بالأحداق
وتعود أنفسنا إلى أجسامها
…
فلطالما شردت على الآفاق (1)
وخلف عبد الملك بن رزين ولده يحيى الملقب بحسام الدولة، وكان أميراً عاجزاً ضعيف العقل، مدمناً للشراب، وكان يسعى إلى مصانعة ملك قشتالة ألفونسو السادس، والتماس مودته، واجتناب سطوته، فبعث إليه بهدية حافلة من الحلي والخيل والبغال، ومختلف التحف النادرة، فكافأه عنها ألفونسو بأن بعث إليه قرداً هدية منه إليه. فكان يحيى لسخفه وسقم عقله، يفخر باقتناء هذا القرد، ويفخر بأن هاداه ملك قشتالة (2). والواقع أن مُلك بني رزين كان يدنو عندئذ من نهايته بسرعة. ذلك أن المرابطين كانوا قد اجتاحوا يومئذ شرقي الأندلس كله، وتوجوا سلطانهم في تلك المنطقة بالاستيلاء على بلنسية في شعبان سنة 495 هـ (1102 م)، وأخذوا يضعون خططهم للاستيلاء على قواعد الثغر الأعلى. وكان عبد الملك بن رزين. قد أعلن قبيل وفاته طاعته لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين (3)، ولكن هذا الاعتراف لم يكن كافياً لتحقيق خطة المرابطين في القضاء على سائر دول الطوائف. ومن ثم فقد تابع المرابطون زحفهم نحو الشمال، وفي اليوم الثامن من رجب سنة 497 هـ (إبريل 1104 م) دخل المرابطون مدينة شنتمرية، وخلعوا أميرها يحيى بن عبد الملك بن رزين، وانتهت بذلك دولة بني رزين الصغيرة بعد أن عاشت زهاء تسعين عاماً، ولم يبق من بعدها من دول الطوائف العديدة سوى مملكة سرقسطة، وقد كانت هي الأخرى تدنو سراعاً من الخاتمة المحتومة.
(1) راجع الذخيرة - القسم الثالث - المخطوط لوحة 21 أوب، والحلة السيراء ص 182 و183، والبيان المغرب ج 3 ص 184 و 309 و 310، وقلائد العقيان ص 53 - 56، وقد ورد بها الكثير من شعر ابن رزين.
(2)
البيان المغرب ج 3 ص 311. وينسب دوزي هذه الواقعة إلى عبد الملك بن هذيل، ويقول لنا إنه حمل هديته بنفسه إلى ألفونسو وهو مشرف على أخذ طليطلة: Hist.V.III.p. 121
(3)
ابن الأبار في الحلة السيراء (دوزي) ص 182. والقاهرة ج 2 ص 110.