المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[أحمد عجاج كرمى]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المختصرات والرموز

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

- ‌أولا: مفهوم مصطلح الإدارة

- ‌ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية

- ‌ثالثا: الإدارة في مكة

- ‌رابعا: الإدارة في يثرب

- ‌الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

- ‌أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة

- ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

- ‌رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

- ‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

- ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

- ‌ثانيا: الإدارة الدينية

- ‌ثالثا: الكتابة والكتاب

- ‌رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)

- ‌الفصل الرابع الإدارة المالية

- ‌أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة

- ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة

- ‌رابعا: تنظيم شؤون التجارة

- ‌خامسا: تنظيم شؤون الصناعة

- ‌سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة

- ‌الفصل الخامس الإدارة العسكرية

- ‌أولا: التمويل

- ‌ثانيا: الخدمات المساعدة

- ‌ثالثا: القيادة

- ‌رابعا: التخطيط وأساليب القتال

- ‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

- ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

- ‌ثانيا: القضاء في الأمصار

- ‌ثالثا: المظالم

- ‌رابعا: الحسبة

- ‌ملاحظات:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المصادر:

- ‌ثانيا: المراجع:

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

قام مصعب بن عمير (ت 3 هـ) بمهمة عظيمة في يثرب، فكان عليه أن يطلع على أحوالها عن قرب، ويتعرف إلى طبيعة أهلها وحقيقة شعورهم تجاه الدعوة ورسولها وليعطي صورة صادقة لهذا البلد الذي توجهت إليه أنظار الرسول عليه السلام؛ ليكون منطلقا للدولة الإسلامية، وليخرج الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير صحيح ويتصرف على أساسه بسرعة ودقة، وحتى لا يتكرر الموقف الذي واجه الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف «1» .

لقد كانت دعوة مصعب بن عمير (ت 3 هـ) بالمقرئ «2» . تفيد أن هناك توجها جديدا في الرئاسة لتنظيم الدعوة الإسلامية بعيدا عن القبيلة وأعرافها.

فكان هذا المقرئ يتولى دعوة الناس إلى الإسلام وتعليمهم أحكامه، أضف إلى ذلك إمامته المؤمنين في الصلاة، وبذلك غدت يثرب- بفضل هذا الرئيس المقرئ- تشهد طلائع تنظيم إداري جديد يقوم على أساس الدين بمفاهيمه الجديدة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم على اتصال مباشر مع مصعب. وتشير الروايات أن مصعبا كتب كتابا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشيره في أن يجمع بهم بعد أن دخل الإسلام إلى كل بيت من بيوت الأنصار «3» ، فرد النبي عليه السلام على كتاب مصعب بقوله:«أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبنائكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين» «4» . ويلاحظ أن ذكر اليهود هنا كان يعني أن الدعوة بدأت مرحلة جديدة من التحدي وإثبات الوجود، ولا سيما في

(1) العدوي، نظم (ص 107) .

(2)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 434، 435)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 357)(ابن إسحاق) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 96) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 437) .

(4)

الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام (ت 211 هـ) المصنف، تحقيق حبيب الله الرحمن الأعظمي (ط 1) ، (1390 هـ، 1971 م) ، (ج 3، ص 160)(رقم الحديث 1546) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 220) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص 53) . الأحمدي، علي بن حسين بن علي، مكاتيب الرسول، بيروت، دار صعب، د. ت (ج 1، ص 239) ، المقصود صلاة الجمعة.

ص: 69

يثرب التي يكثر فيها اليهود ولهم دور كبير في خلخلة أمنها واستقرارها.

لقد مكث مصعب في يثرب عاما واحدا استطاع خلاله أن يوجد قاعدة صلبة للدين الجديد، تمثل ذلك في عدد المؤمنين الذين جاؤوا إلى الموسم في مكة للالتقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعوه البيعة الثانية والتي سميت «بيعة العقبة الثانية» «1» .

لقد كان أمر التهيئة لمباحثات البيعة قد تم بتخطيط دقيق وفيها تم تحديد معالم الدولة الجديدة وقيادتها، فقد تحرك الوفد اليثربي إلى مكة بسرّية تامة، فلم يكن أحد من قومهم يعلم بهدف خروجهم، ولما وصلوا مكة «تواعدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواسط أيام التشريق في منى» «2» ، وكان التخطيط النبوي يقتضي أن يخرج هؤلاء لموعد اللقاء خروجا منظما. يقول كعب بن مالك (ت 50 هـ) :«حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلّل القطا» «3» . ويشير ابن سعد (ت 230 هـ) إلى ذلك بقوله: «فخرج القوم يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» «4» .

وكانت الخطوة التالية من التخطيط المحكم كما يشير المقريزي (ت 845 هـ) هو تأمين مكان الاجتماع بالحراسة اليقظة، فقال: وجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس

فأوقف العباس (ت 32 هـ) عليّا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر (ت 13 هـ) على فم الطريق الاخر عينا له «5» . فلم يعلم أحد من الصحابة بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة من الحراسة والمراقبة وهما علي وأبو بكر رضى الله عنهما.

وهكذا؛ فقد تم اللقاء بين الأنصار وبين رسول الله بنجاح كامل وبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الأنصار، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن موسى أخذ من بني إسرائيل

(1) كانت هذه البيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمكره والمنشط وعدم منازعة الأمر أهله، وأن يقول بالجد، وعدم الخوف في الله لومة لائم» . انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 454) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 222، 223) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 354)(الواقدي) . ابن حبان، كتاب الثقات (ج 1، ص 111، 112) .

(2)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 440)(ابن إسحاق) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 239، 240) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 369)(ابن إسحاق) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج 2، ص 272) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 441)(ابن إسحاق) ، وانظر. الطبري، تاريخ (ج 2، ص 362) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 98) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 221) . وانظر: البيهقي، سنن (ج 9، ص 9) .

(5)

المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 35) .

ص: 70

اثني عشر نقيبا فأخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا» «1» . ولكن ابن سعد (ت 230 هـ) يروي رواية أخرى تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي اختار النقباء وقال لهم: «فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل عليه السلام» «2» .

ويؤيد هذا الرأي ما أشار إليه مالك بن أنس (ت 179 هـ) بقوله: «كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجل، ومن قبيلة رجلان حتى حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إليهم يوم البيعة» «3» . ولكن يلاحظ من خلال استعراض أسماء هؤلاء النقباء أنهم كانوا من المنظور إليهم في أقوامهم ولهم مكانة اجتماعية مميزة، وذلك كان ضروريّا لتقتنع هذه القبائل بهم، ومن خلال نظام النقباء الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أن يحافظ على التقسيمات القبلية للبطون والأفخاذ في المدينة ويسخرها في نفس الوقت لخدمة النظام الجديد.

لقد تم اختيار النقباء، وكان هذا أول تنظيم إداري عملي حدد النبي صلى الله عليه وسلم فيه مسؤولية هؤلاء النقباء ووضع لهم نظاما خاصّا في الإتصال والحركة بوصفهم نواة للمجتمع الجديد، فقال لهم:«أنتم كفلاء على قومكم» «4» . وهذه الكفالة كانت توجب على هؤلاء أن يحافظوا على انضباط قومهم والتزامهم بمبادئ الدين الجديد ولم يعف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من المسؤولية فقال: «وأنا كفيل على قومي» «5» وينتظر أن يكون هؤلاء النقباء هم رجال النظام الإداري للدولة القادمة، ووصل هذا النظام إلى درجة دقيقة من الدقة واتباع التسلسل الهرمي في المسؤولية بحيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم «أسعد بن زرارة (ت 1 هـ) نقيبا للنقباء» «6» . وكانت مهمة أسعد تصل أحيانا إلى أن يفوض عن النبي صلى الله عليه وسلم في حالة غيابه، فيروي البلاذري (ت 279 هـ) : «أن سليط بن قيس (ت 13 هـ) حضر يوم

(1) إشارة إلى قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: 12] . وانظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 443، 444) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 253)(الواقدي) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 362) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 99) .

(2)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 222، 223) .

(3)

الذهبي، السيرة (ص 207) . ويرى سرجنت «أن عدد النقباء اثنا عشر هو مجرد مصادفة وليس مخططا» . انظر:

.Sarjeant، Constitution of Medina، Islamic Guar lerly، London، 1978، part 1، p.p.10.

(4)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 443- 444) . وانظر: ابن سعد، الطبقات، (ج 1، ص 222، 223) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 253)(الواقدي) .

(5)

الأجزاء والصفحات نفسها.

(6)

ابن سعد، الطبقات (ج 3، ص 603) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 253)(الواقدي) .

ص: 71

العقبة ليبايع فوجد الناس قد تفرقوا فبايع أسعد بن زرارة (ت 1 هـ) نقيب النقباء، وحضر مالك بن الدخشم وقد تفرق الناس فبايع أسعد أيضا» «1» .

وعند ما نقارن قائمة النقباء بالقبائل المذكورة أسماؤها في وثيقة الحلف يتضح أن كل قبيلة من قبائل الخزرج كان يمثلها نقيب أو اثنان، وأن ثلاثة نقباء كانوا يمثلون الأوس، وهذا العدد يتناسب مع عدد كل من القبيلتين الكبيرتين الذين حضروا البيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويفترض أن تكون مهمة هؤلاء النقباء قد استمرت بعد الهجرة. ويذكر الحاكم (ت 405 هـ)«أنه لما مات أسعد بن زرارة (سنة 1 هـ) نقيب بني النجار جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مات نقيبنا فنقّب علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا نقيبكم» «2» ولم تشر المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين نقباء جددا بدل أولئك الذين ماتوا أو استشهدوا في بدر (2 هـ) وأحد (3 هـ) والخندق (5 هـ)«3» .

ويبدو أن هذه القبائل كانت تعين نقباءها بنفسها، وأما (بنو النجار) فقد جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أخواله، ولهذا فقد قال لهم:«أنتم أخوالي، وأنا نقيبكم» «4» فكانت هذه فضيلة لبني النجار.

لقد اتى التنظيم المبكر للجماعة الإسلامية أكله في إعداد العدة لتهيئة الظروف المناسبة لهجرة النبي وأصحابه إلى يثرب، وبهذه الهجرة انتقلت الدعوة الإسلامية إلى مرحلة جديدة من التنظيم الإداري والسياسي.

(1) البلاذري، أنساب، (ج 1، ص 252)(الواقدي) .

(2)

الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (405 هـ) ، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت (ج 3، ص 186) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 3، ص 661) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 398)(ابن إسحاق) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج 1، ص 72) .

(3)

مثل سعد بن خيثمة، استشهد يوم بدر (ت 2 هـ) . وسعد بن الربيع، استشهد يوم أحد (سنة 3 هـ) . وعبد الله ابن رواحة، استشهد يوم مؤتة (سنة 8 هـ) . وسعد بن معاذ، استشهد في الخندق (سنة 5 هـ) . وكان هؤلاء من النقباء، انظر ابن هشام، السيرة (ج 1، ص 707) ، (ج 2، ص 25) ، (ج 2، ص 379) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 3، ص 611) .

ص: 72

الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

ثالثا: ملامح الإدارة في الهجرة النبوية

علمت قريش بخبر الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فازدادوا اضطهادا للمسلمين «1» وكان هذا مدعاة إلى أن يستأذن المسلمون في الهجرة إلى إخوانهم في الدين، فلم يأذن لهم النبي ابتداء، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:«رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة» «2» فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالهجرة، وأشار البخاري (ت 256 هـ) إلى ذلك بقوله: قال صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين

هاجر

» «3» ويلاحظ أن المسلمين خرجوا إلى المدينة جماعات جماعات حتى لا يسترعوا الانتباه إليهم، فقال ابن سعد (ت 230 هـ) :«فخرج المسلمون تباعا يترافدون بالمال والظهر» «4» وتأخر النبي صلى الله عليه وسلم في مكة؛ إذ ليس من الحكمة أن يخرج في البداية؛ لأنه القائد والمخطط والمراقب للموقف عن كثب والمتابع للأخبار، وإصدار القرارات المناسبة لذلك أمر مهم في مثل هذه الحالة.

وتذكر المصادر أن قريشا بدأت تعدّ خطتها لمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة، وتشير الايه القرانية إلى هذا الإعداد فيقول الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: 30]«5» .

لقد شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بذلك الإعداد المحكم فكان لابد من رسم خطة

(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 337، 379) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 257، 258) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 1، ص 210) .

(2)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 71) . وانظر: البيهقي، السنن (ج 9، ص 9) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 75) . وانظر: ابن هشام، السيرة (ج 1، ص 468) . وأحمد، المسند (ج 6، ص 198) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 226) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 277) ، الذهبي، السيرة (ص 213) .

(5)

انظر: تفاصيل هذا الاجتماع في ابن هشام، السيرة (م 1، ص 484) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 260) . الطبري، تفسير (ج 13، ص 494- 496) . تاريخ (ج 1، ص 370) . الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 154، 155) . ابن العربي، الجامع (ج 2، ص 84) . أبا حيان، البحر المحيط (ج 4، ص 487) . السيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 51- 53) .

ص: 73

محكمة؛ للخروج دون الاصطدام بقريش، وقد وضعت هذه الخطة على أسس سليمة فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من علي بن أبي طالب (استشهد 39 هـ) أن ينام في فراشه؛ حتى يظن هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال في فراشه «1» ، وكل ذلك كان يتم بسرية تامة، فلا يعلم بالخروج إلا من كان له دور مرسوم في تنفيذ الخطة.

ابتدأ بتنفيذ الخطة المرسومة بأن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته وجاء إلى بيت صاحبه أبي بكر، وكان ذلك في وقت الهاجرة «2» إذ يغلب على هذه الساعة هجوع الناس، فلا يسترعى إليه الانتباه، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج هو وأبو بكر من مكان خاص في بيت أبي بكر. يقول ابن إسحاق (ت 151 هـ) :«خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته» «3» ، وفي الجهة المقابلة، فكان من المنتظر أن يعد أبو بكر الصديق بقية الأمور، اشترى راحلتين قويتين وتركهما عند عبد الله بن أريقط وقد استأجره أبو بكر «يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحلتهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما» «4» . أخذ النبي صلى الله عليه وسلم طريقه إلى غار ثور جنوب مكة «5» باتجاه اليمن؛ لأنه يفترض في الملاحقين أن يتجهوا إلى الشمال وهم يعلمون أن وجهة النبي إلى المدينة الواقعة إلى الشمال من مكة، ولهذا يقول المباركفوري:«ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما» «6» .

لقد اتجه النبي إلى غار ثور وذلك بعد أن تدارس الموقف مع أبي بكر وأفراد عائلته ولا سيما أولئك الذين لهم دور في الخطة، فاتبع «مبدأ تقسيم العمل» فقام عامر بن فهيرة (ت 4 هـ) بإخفاء اثار أقدامهما «إذ أمره أبو بكر- وهو مولاه- أن

(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 482) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 227) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 260) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 372) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 103) .

(2)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 73، 75) . الساعاتي، الفتح الرباني (ج 20، ص 280) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 485) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 260)(قالوا) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 378) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 104) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 76) . الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 8) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 75) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 486) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 261) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 378) .

(6)

المباركفوري، حقي الرحمن، الرحيق المختوم «مكة المكرمة» ، رابطة العالم الإسلامي، (1980 م) ، (ص 183) .

ص: 74

يرعى غنمه نهاره ثم يريحهما عليهما- أي يأتيهما- إذا أمسى في الغار» «1» ، أما أسماء بنت أبي بكر (ت 64 هـ) فكان دورها في الخطة أن تأتي ليلا بالطعام إلى الغار «2» ، ويبدو أن اختيار أسماء كان مقصودا؛ لأن المرأة لا تثير شك أحد، أما أخوها عبد الله (ت 16 هـ) فكان يقوم بدور مهم في مراقبة تحركات قريش والإتيان بأخبارها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، وكان اختيار عبد الله (ت 16 هـ) في غاية الحكمة فهو «شاب ثقف لقن» «3» أي حاذق سريع الفهم، فكان يخرج من عندهما بالسحر، ويصبح مع قريش بمكة، كأنه كان قائما فيها فلا يسمع من قريش أمرا يبيتونه إلا وعاه حتى يأتيهما في المساء بخبره «4» .

وينتظر أن يقوم كل واحد من هؤلاء بدوره المرسوم في الخطة بدقة متناهية، حتى كان اليوم الثالث، فخف الطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج بعد أن توافق التقدير النبوي المسبق الذي ضربه لابن أريقط وتقادير عبد الله بن أبي بكر (ت 16 هـ) عن مكة.

لقد أنقذت هذه الهجرة الدعوة الإسلامية وانتقلت بها من مرحلة الضعف إلى القوة ومن الدعوة إلى الدولة، وكانت بداية تكوين خطة جديدة تلائم الأرض الجديدة السيادة فيها للإسلام «وهكذا؛ دخل محمد صلى الله عليه وسلم المدينة وعلى رأسه إكليل من الغار وكان استقبال الناس له استقبال فاتح عاد منتصرا لا استقبال مهاجر يطلب ملجأ» «5» .

(1) البخاري، الصحيح (ج 5، ص 76) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 486) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 229) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 26) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 229، 376- 378) .

(2)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 78) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 486) . (ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 229) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 260) . الساعاتي، الفتح (ج 20، ص 281) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 75) .

(4)

مصطفى السباعي، السيرة النبوية، دروس وعبر (ط 5) دمشق، المكتب الإسلامي، (1980 م) ، (ص 64) .

(5)

أرفنج داشنجتون، حياة محمد (ط 2) دار المعارف، مصر، (1966 م) ، (ص 127) .

ص: 75