الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع الإدارة المالية
ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة
لقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان أهلها أصحاب مزارع، فحاولوا أن يشركوا المهاجرين في الزراعة، فيذكر البخاري (ت 256 هـ) قول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال:«لا» ، فقال عليه السلام:
«تكفونا المؤونة ونشرككم في التمر» ، قالوا: سمعنا وأطعنا «1» ، ويفيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد للمهاجرين أن يتفرغوا للدعوة والجهاد؛ لأن أعمال الزراعة تحتاج إلى وقت كبير بحيث لا يتناسب مع وضع المهاجرين.
وذكرت المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بعض أصحابه أرضا كي تستعمل في الزراعة، فقد أقطع الزبير بن العوام (ت 36 هـ) أرضا بالمدينة»
، وأقطع عليّا عيونا بينبع، وعمل علي فيها بنفسه «3» ، وربما كان ذلك في فترة متأخرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ استقر وضع المهاجرين وفتحت مكة وسائر أنحاء الجزيرة.
وتشير المصادر إلى أن هذه القطائع كانت من الموات الأرض، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهدف من خلالها إلى «التأليف على الإسلام» وكان ممن أقطع لهذه الغاية زعماء القبائل، من أمثال فرات بن حيان «4» ، والعباس بن مرداس السّلمي (ت 18 هـ) وغيرهما «5» ، وكان هناك نوع من الإقطاع لغرض «إحياء الأرض الموات» فأقطع أبيض ابن حمال المازني الملح الذي بمأرب «6» وسليط الأنصاري أقطعه أرضا ليحييها، ولكنه عاد واستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتخلي عنها فأقطعها الزبير «7» ، وأقطع الزبير (ت 36 هـ) ،
(1) البخاري، الصحيح (ج 5، ص 39) . وانظر: مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 99) .
(2)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق (ص 319) .
(3)
عمر بن شبة، أبو زيد عمر بن شبة البصري (ت 262 هـ) ، كتاب تاريخ المدينة، تحقيق فهيم محمد شلتوت، المدينة المنورة، (1393 هـ) ، (ج 2، ص 222) .
(4)
أبو عبيد، الأموال (ص 387، 388، 395) . ابن زنجويه، حميد بن مخلد بن قتيبة الخرساني (ت 251 هـ) ، الأموال، تحقيق شاكر ذيب فياض (ط 1) الرياض، مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، (1406 هـ، 1986 م)(ج 2، ص 613) .
(5)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 273) .
(6)
ابن ادم، الخراج (ص 107) . ابن زنجويه، الأموال (ج 2، ص 630) . قدامة، الخراج (ص 216) .
(7)
أبو يوسف، الخراج (ص 61) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 215، 216) .
وأبا بكر (ت 13 هـ) ، وعمر (ت 23 هـ) ، وسهيل بن حنيف، وعبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) عامرا ومواتا من أموال بني النضير، وتشير بعض الروايات أنه أقطعه غامرا، وهي الأرض الخراب التي لا يبلغها الماء «1» .
وكانت هناك بعض الإقطاعات لغرض «السكن» ، فقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لبني زهرة من ناحية مؤخرة المسجد، وجعل للزبير بن العوام بقيعا واسعا، وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع داره، وكذلك فعل بالنسبة إلى أبي بكر وعثمان وغيرهم من الصحابة «2» .
لقد تراوحت صيغ هذه القطائع بين «إني أقطعتك» «3» و «هذا ما أعطى» «4» «وأن لهم» «5» و «ما وهب» «6» و «هب لي» «7» و «أن له» «8» ، ولم تشر المصادر إلى مساحة هذه القطائع، وإن كان بعضها قد أشار إلى أنها قدر رمية السهم «9» أو غدوة الغنم «10» .
لقد استطاعت الإدارة النبوية أن تحقق هذه الأهداف مجتمعة، ولكن في كل الحالات لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا حقّا لمسلم أو لجماعة، بل كانت من الأراضي التي لم يكن لها مالك «11» ، فيروي ابن سعد (ت 230 هـ) أن حريث بن حسان الشيباني سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتابا بالدهناء، خاصة دون تميم، وكانت الدهناء مرعى لبني بكر بن وائل وتميم، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم وهمّ بالكتابة إليه، إلا أن امرأة تدعى قيلة بنت مخرمة كانت في وفد تميم قالت لرسول الله: إنه لم يسألك السوية في الأرض إذ سألك، فقال:«أمسك يا غلام» «12» واسترجع النبي صلى الله عليه وسلم ملح مأرب الذي
(1) الشيباني، محمد بن الحسن (ت 189 هـ) ، كتاب السير الكبير، إملاء محمد بن أحمد السرخسي، تحقيق عبد العزيز أحمد، معهد المخطوطات، جامعة الدول العربية، (1972 م) ، (ج 2، ص 611) .
(2)
ابن الفقيه، مختصر (ص 23) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 270) .
(3)
انظر: ابن زنجويه، الأموال (ج 2، ص 630) .
(4)
ابن منظور، محمد بن مكرم (ت 711 هـ) ، مختصر تاريخ دمشق، تحقيق روحية النحاس، دمشق، دار الفكر، (1984 م) ، (ج 2، ص 344، 345) .
(5)
م. ن (ج 2، ص 335) .
(6)
الحلبي، السيرة (ج 3، ص 273) .
(7)
أبو عبيد، الأموال (ص 288) .
(8)
ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (ج 2، ص 331، 332، 346) .
(9)
ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (ج 2، ص 334) .
(10)
م. ن (ج 2، ص 335) .
(11)
انظر: محمد خريسات، القطائع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، (بحث غير منشور) ، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (1407 هـ، 1987 م) ، (ص 13) .
(12)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 319) .
أقطعه أبيض بن حمّال؛ لاشتراك الناس في الملح «1» .
لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتنظيم أمور الزراعة اهتماما كبيرا فأمر باستغلال الأراضي الزراعية، فقال:«من أحيا أرضا ميتة فله أجر، وما أكلت العانية منها فله منها صدقة» «2» ، وكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسك أحد أرضا دون استغلالها، فقال:«من كانت له أرض فليحرثها، فإن كره أن يحرثها فليمنحها أخاه، فإن كره أن يمنحها أخاه فليدعها» «3» .
لقد وضعت الإدارة النبوية حوافز كبيرة لاستغلال الأراضي وإصلاحها، ووضعت قواعد شرعية سارت عليها الأمة، فقال:«من أحيا أرضا مواتا فهي له» «4» وروى البخاري (ت 256 هـ) عن عائشة (ت 56 هـ) قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهي له» «5» .
ويلاحظ من خلال تفحص كتب الحديث المعتمدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالزراعة حتى إن البخاري (ت 256 هـ) أفرد بابا في صحيحه سماه: «باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه» وقد أورد قوله: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» «6» ، وروى الإمام أحمد (ت 241 هـ) قوله عليه السلام:«لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألايقوم حتى يغرسها فليفعل» «7» .
كانت هناك مجموعات من الناس تعمل في الزراعة، ففي المدينة كان الأوس والخزرج يعملون بالزراعة بأنفسهم وبالاستعانة بغيرهم، ويبدو أن قبائل المدينة لم تكن تأنف الزراعة، كما كانت تأنفها القبائل العربية الاخرى «8» ، أما اليهود فكانوا أصحاب مزارع ونخيل، وكان لديهم من الخبرة ما يجعلهم يتفوقون على غيرهم في الزراعة «9» ، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك في أيديهم خيبر ووادي القرى وفدك يزرعونها على الشطر فيما
(1) ابن ادم، الخراج (ص 107) . أبو عبيد، الأموال (ص 390) . ابن زنجويه (ج 2، ص 630) . خريسات، القطائع (ص 29) .
(2)
الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام (ت 255 هـ) ، سنن الدارمي، دار إحياء السنة النبوية، د. ت (ج 2، ص 267) . العانية: هي الطير وغيرها ممن له روح.
(3)
م. ن (ج 2، ص 270) .
(4)
ابن حجر، فتح الباري (ج 10، ص 84) .
(5)
م. ن (ج 10، ص 86) .
(6)
م. ن (ج 10، ص 67) .
(7)
أحمد، المسند (ج 3، ص 191) .
(8)
عبد العزيز بن إبراهيم العمري، الحرف والصناعات في الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم (ط 1)(1405 هـ، 1985 م) ، (ص 114) .
(9)
أبو عبيد، الأموال (ص 581) . البلاذري، فتوح (ص 37) .
يخرج منها «1» .
وكان هناك من الموالي من يعمل بالزراعة، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر الطائف (سنة 9 هـ) ، وأعلن عتق من ينزل إليه من الموالي، نزل إليه ثلاثة وعشرون عبدا من موالي الطائف «2» ، وكانت هناك مجموعات من الأحباش تعمل في حقول المدينة، وقد خرج هؤلاء ولعبوا بحرابهم فرحا بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة «3» .
لقد نظمت الزراعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تنظيما كبيرا، فقد زرع النخيل في بساتين سميت بالحوائط «4» ، وأوردت المصادر عددا من أسماء هذه الحوائط، منها حوائط مخيريق (ت 3 هـ) السبعة «5» ، وحائط أبي الدحداح الذي تصدق به على المسلمين»
، وكانت هذه الحوائط تحوي نظاما دقيقا للري، إذ تحفر في وسطها الابار الخاصة، وتوضع عليها السواقي، فتقوم السواقي بإخراج الماء فتصبه في القنوات التي تتخلل النخيل أو الأشجار فتسقيها، وكانت هذه البساتين محاطة بأسوار تمنع دخول الناس أو البهائم، ولهذا أطلق عليها اسم «الحوائط» «7» .
قام الأنصار بإدارة هذه البساتين بالتعاون مع بعض الأرقاء والأجراء والأجزاء، فكانوا يقومون بحراثتها وزراعتها واستغلالها، وكان البعض الاخر يؤجر هذه البساتين بطريق المزارعة؛ وذلك لعدم قدرتهم على زراعتها «8» .
ويلاحظ أن أصحاب هذه البساتين كانوا يأخذون أجرتها إما جزا من ثمرها كما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من أهل خيبر «9» ، وإما ذهبا وفضة، فقد روى الدارمي (ت 255 هـ) قول سعد بن أبي وقاص: «كنا نكري الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على
(1) أبو يوسف، الخراج (ص 50، 51) . أبو عبيد، الأموال (ص 431) . مسلم بشرح النووي (ج 10، ص 208) . البلاذري، فتوح (ص 34) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 15) .
(2)
ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 485) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 356، 357) .
(3)
الصالحي الشامي، سبل الهدى (ج 3، ص 386) .
(4)
ابن منظور، لسان العرب (ج 7، ص 279، 280) .
(5)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 262) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 88، 89) .
(6)
ابن حجر، الإصابة (ج 4، ص 59) .
(7)
العمري، الحرف والصناعات (ص 119، 120) .
(8)
ومن هذا الباب أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر لليهود لزراعتها واستغلالها على أن له الشطر من ثمرها.
(9)
انظر: أبو يوسف، الخراج (ص 50، 51) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 337) . أبو عبيد، الأموال (ص 431) . مسلم بشرح النووي (ج 10، ص 208) . البلاذري، فتوح (ص 34) .
السواقي من الزرع، وبما سقي من الماء منها، فنهانا رسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا في أن نكريها بالذهب والورق» «1» .
لقد تدخلت الدولة في تنظيم شؤون الزراعة، وذلك بتنظيم المعاملات، وحل المشكلات المترتبة على العلاقات الزراعية بين أصحاب الأرض أنفسهم، أو بينهم وبين المستأجرين، فقد ورد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لثقيف ما نصه:«وما سقت ثقيف من أعناب قريش فإن شطرها- أي شطر ثمرها- لمن سقاها» «2» وذكر البخاري (ت 256 هـ) قول جابر بن عبد الله (ت 74 هـ) : «كانت لرجال فضول أراضين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يؤجرونها على الثلث والربع والنصف، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
«من كانت له فضل أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه» «3» ، كما تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للمشكلات المتعلقة بأمور الرّي وسقي المزروعات، وتوزيع المياه على المزارعين، كما هو واضح من قصة الزبير بن العوام (ت 36 هـ) ، والأنصاري عندما تنازعا في الشرب «4» ، وقضى بمثل ذلك في مياه سيل مهزور ومزينب وبطحان- وهي من السيول التي كانت تسقي المدينة- فقضى لأهل النخل حصتهم من الماء أن يبلغ الماء إلى العقبين، وقضى لأهل الزرع أن يبلغ الماء إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم «5» .
(1) الدارمي، السنن (ج 2، ص 271) .
(2)
أبو يوسف، الخراج (ص 89) . أبو عبيد، الأموال (ص 277) .
(3)
البخاري، الصحيح (ج 3، ص 141) . وانظر: أبو يوسف، الخراج (ص 89) . البيهقي، السنن (ج 6، ص 28) .
(4)
الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 118) . النسائي، السنن (ج 4، ص 238، 239) . الماوردي، الأحكام (ص 77) . النويري، نهاية الأرب (ج 6، ص 268) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج 9، ص 177) .
(5)
أبو يوسف، الخراج (ص 90) . يحيى بن ادم، الخراج (ص 106، 107) . السرخسي، المبسوط (ج 23، ص 13) . البيهقي، السنن (ج 6، ص 153، 154) . الماوردي، الأحكام (ص 77) .