المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[أحمد عجاج كرمى]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المختصرات والرموز

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

- ‌أولا: مفهوم مصطلح الإدارة

- ‌ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية

- ‌ثالثا: الإدارة في مكة

- ‌رابعا: الإدارة في يثرب

- ‌الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

- ‌أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة

- ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

- ‌رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

- ‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

- ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

- ‌ثانيا: الإدارة الدينية

- ‌ثالثا: الكتابة والكتاب

- ‌رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)

- ‌الفصل الرابع الإدارة المالية

- ‌أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة

- ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة

- ‌رابعا: تنظيم شؤون التجارة

- ‌خامسا: تنظيم شؤون الصناعة

- ‌سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة

- ‌الفصل الخامس الإدارة العسكرية

- ‌أولا: التمويل

- ‌ثانيا: الخدمات المساعدة

- ‌ثالثا: القيادة

- ‌رابعا: التخطيط وأساليب القتال

- ‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

- ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

- ‌ثانيا: القضاء في الأمصار

- ‌ثالثا: المظالم

- ‌رابعا: الحسبة

- ‌ملاحظات:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المصادر:

- ‌ثانيا: المراجع:

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

ترجع الأسس العامة لإدارة البلدان إلى ما بعد فتح مكة (سنة 8 هـ) ؛ إذ امتدت دولة الإسلام تدريجيّا إلى المناطق المجاورة إلى أن شملت مكة ثم بلاد الحجاز والجزيرة العربية كافة.

كان للرسول صلى الله عليه وسلم الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا «1» ، وسلطاته الإدارية تشمل الدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الأهداف ورسم السياسات العامة.

لقد شارك الرسول صلى الله عليه وسلم في إدارة الدولة مجموعة من خيرة الصحابة الذين يشهد لهم بالعقل والفضل والبصيرة، واختير هؤلاء الرجال من أولئك السابقين إلى الإسلام والذين لهم نفوذ وقوة في أقوامهم، وجاء في مقدمة هؤلاء العاملين في الميدان الإداري سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار «2» ، ويلاحظ أن بعض المصادر أطلقت عليهم اسم النقباء «3» ، في حين أطلق عليهم بعض المحدثين اسم «مجلس الشورى» أو «مجلس النقباء» «4» ، ويبدو أن إطلاق هذا المصطلح جاء متأخرا. فلم يكن هناك مجلس ثابت له قواعد ومواعيد محددة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير «5» الواحد بالرأي فيراه صوابا فيأخذ به، وإن كان يخالف رأيه كما حصل مع حباب بن المنذر (ت 20 هـ) في اختيار موقع القتال في بدر (2 هـ)«6» وكما أشار سلمان الفارسي (ت 35 هـ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) قال الماوردي في تعريف الإمامة: «موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به» . انظر: الماوردي، أبو الحسن محمد بن حبيب (ت 450 هـ) ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية (ط 1) القاهرة، شركة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، (1960 م) ، (ص 5) .

(2)

أحمد، المسند (ج 1، ص 148) .

(3)

روى الإمام أحمد (ت 241 هـ) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي كان قبلي إلا أعطي سبعة نقباء وزراء نجباء، وإني أعطيت أربعة عشر نقيبا حمزة وجعفر وعلي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وسلمان وعمار وحذيفة وأبو ذر والمقداد وبلال والحسن والحسين» . انظر: أحمد، المسند (ج 1، ص 148) .

(4)

انظر مثلا: عبد القادر مصطفى، الوظيفة العامة في النظام الإسلامي (ص 25) . شيباني، نظام الحكم والإدارة، (ص 24) . العدوي، نظم (ص 189، 190) .

(5)

يذكر الترمذي (ت 279 هـ) قول أبي هريرة: «ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم» انظر: الترمذي، الصحيح (ج 4، ص 213) .

(6)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 620)(ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 15) . البلاذري، -

ص: 93

بحفر الخندق حول المدينة، فأخذ برأيه وأمر بالحفر (5 هـ)«1» .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الاثنين والثلاثة، فكان غالبا ما يستشير أبا بكر (ت 13 هـ) ، وعمر بن الخطاب (ت 23 هـ)«2» ، وكما فعل في غزوة الأحزاب (5 هـ)«3» إذ استشار سعد بن معاذ (ت 5 هـ) ، وسعد بن عبادة (ت 15 هـ) واستشار أسامة بن زيد (ت 54 هـ) ، وعلي بن أبي طالب (ت 39 هـ) في فراق أهله «4» .

وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الحاضرين، فيروي ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجيشه يوم بدر (2 هـ) :«أشيروا علي أيها الناس..» «5» وذكرت المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار جمهور الناس عن طريق ممثلين عنهم كما حدث بعد غزوة حنين (سنة 8 هـ) ، إذ قدم وفد هوازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الناس أن يعطوا رأيهم في رد المغانم التي غنموها فاختلف الناس «6» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم:«إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا «7» .

فكانت الشورى قاعدة حكم النبي صلى الله عليه وسلم كما أشارت الايات الكريمة في قوله تعالى:

وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ال عمران: 159]، وقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] .

وقد أطلقت بعض المصادر على أولئك الذين استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم بشكل كبير اسم «الوزراء» ، فقال الحاكم (ت 405 هـ) :«كان أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره» «8» . ونجد رواية أخرى عند الترمذي (ت 279 هـ)

- أنساب (ج 1، ص 293) .

(1)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 66) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 343) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 566)(الواقدي) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 178) .

(2)

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وايم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا» انظر: أحمد، المسند (ج 4، ص 227) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 223) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 69) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 346) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 573)(الزهري) .

(4)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 301)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 615)(عائشة) .

(5)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 615)(ابن إسحاق) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 293) .

(6)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 489) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 86، 87)(ابن إسحاق) .

(7)

البخاري، الصحيح (ج 3، ص 131، 193، 194، 212) .

(8)

الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 63) . وانظر: السيوطي، تاريخ الخلفاء (ص 60) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 17) .

ص: 94

تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» «1» وقد يتبادر إلى الذهن أن الوزارة كوظيفة إدارية كانت معروفة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن يبدو أن ما ورد من روايات في ذلك لم تعد كونها معاني عامة لكلمة وزير المعروفة قديما، والتي وردت على لسان موسى عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي [طه: 29، 30]«2» أما الوزارة كوظيفة إدارية ثابتة فنشأت فيما بعد، وتبلورت في زمن العباسيين «3» ، ولذا قال الحاكم (ت 405 هـ) عبارته الدقيقة:«كان أبو بكر.. مكان الوزير» «4» فهو يعمل عمل الوزير دون أن يسمى وزيرا، قال ابن خالدون (ت 808 هـ) :

«كان يشاور أصحابه، ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة، ويخص أبا بكر بخصوصيات أخرى، حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها من كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره، ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب الملك بسذاجة الإسلام» «5» وبهذا المعنى كان أبو بكر يفوض عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض القضايا، فقد روى البخاري (ت 256 هـ) أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وطلبت أن تعود، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:«إن لم تجديني فأتي أبا بكر» «6» . ويفيد النص أن أبا بكر كان يفوض من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في تصريف شؤون الدولة وتلبية حاجات المواطنين.

لقد أشارت المصادر إلى مجموعة من الوظائف الإدارية المرتبطة برئيس الدولة (منها:

أن بعض المسلمين كان يعمل حاجبا لرسول الله) فكان يقوم هؤلاء بالإذن عليه في بعض الأوقات، وهناك إشارات تبين أن سفينة ورباح الأسود (من موالي رسول الله) وأنس بن مالك (ت 91 هـ) قاموا بهذه المهمة بتكليف من الرسول صلى الله عليه وسلم «7» . ولكن يلاحظ أن «الحجابة» هذه لم تكن لها مراسيم وأعراف أو أنظمة معقدة. بل كان

(1) الترمذي، الصحيح (ج 13، ص 142) . قال: «هذا حديث حسن صحيح» . انظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 40) .

(2)

قال الأصفهاني: «الوزير من الوزر وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل، والوزير: المتحمل ثقل أميره وشغله، انظر: الأصفهاني، المفردات (ص 521) .

(3)

انظر تفاصيل ذلك في: الماوردي، الأحكام السلطانية (ص 22- 29) .

(4)

الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 63) .

(5)

ابن خالدون، المقدمة (ص 237) .

(6)

البخاري، الصحيح (ج 5، ص 5) .

(7)

انظر: الطبري، تاريخ (ج 3، ص 171، 172) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 1، ص 109) . (ج 2، ص 487) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ج 1، ص 51) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 21) .

ص: 95

هؤلاء يتطوعون في الإذن على رسول الله في الأوقات التي كان يحب أن يخلو فيها بنفسه في المسجد أو في حجرة من حجرات أزواجه «1» .

وقد وجدت هناك وظيفة «أمين السر» ، وارتبطت بشكل كبير بالإدارة العليا للدولة ممثلة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشير روايات المصادر أن هذه الوظيفة كانت طيلة فترة الرسالة لحذيفة بن اليمان (ت 36 هـ) فيروي الترمذي (ت 279 هـ) :«أن حذيفة بن اليمان كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقربه منه وثقته به وعلو منزلته عنده» «2» ، ومن هنا فقد انفرد حذيفة في معرفة كثير من الأسرار التي لم يعلمها غيره خاصة معرفة أسماء المنافقين وأخبارهم، ومعرفة أخبار الفتن التي تقع بين المسلمين «3» .

وكانت هناك وظائف إدارية ذات طبيعة إعلامية وهي وظيفة «الشعراء والخطباء» : فكان هؤلاء يذودون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، ويعيبون على قريش عبادتهم للأصنام، ويردون على شعراء المشركين وخطبائهم، وبذلك كانوا يمثلون بشعرهم حربا إعلامية شديدة التأثير في بيئة قبلية احتل الشعراء والبلغاء فيها مكانة خاصة.

وكان من أشهر هؤلاء حسان بن ثابت (ت 54 هـ)«4» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشجعه لما يشعر به من أهمية دوره في إبراز محاسن الإسلام، والذود عن حرماته، فيروي البخاري (ت 256 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان:«أهجوهم وروح القدس معك» «5» وفي رواية لمسلم (ت 261 هـ) : «يا حسان أجب عن رسول الله، اللهم أيّده بروح القدس» «6» ، وكان لشعر عبد الله بن رواحة (ت 8 هـ)«7» وكعب بن مالك (ت 50 هـ) دور كبير في المعارك المختلفة، فكانت مهمتهم أن يحرضوا المجاهدين على القتال، وأن يتصدّوا للمشركين وشعرائهم «8» .

(1) ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 1، ص 109) .

(2)

الترمذي الصحيح (ج 13، ص 216) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 1، ص 335) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 47) .

(3)

ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 318) .

(4)

انظر: أشعار حسان في الرد على المشركين في ابن هشام، السيرة (م 2، ص 16، 18، 19، 23، 563، 566) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 116، 117)(الواقدي) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 1، ص 123) ، (ج 4، ص 136) .

(6)

مسلم، الصحيح (ج 4، ص 1913، 1932، 1935) .

(7)

انظر: محمد رشيد رضا، محمد رسول الله، بيروت، دار الكتب العلمية (1365 هـ، 1975 م) ، (ص 388، 389) .

(8)

انظر: أشعار عبد الله بن رواحة (ت 8 هـ) في ابن هشام، السيرة (م 2، ص 188، 371، 375، 376، -

ص: 96

وكان ثابت بن قيس الخزرجي (ت 12 هـ) يقوم بمهمة «الخطابة» ، فيرد على خطباء الوفود، يروي ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن وفد بني تميم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، (9 هـ) ، فقام شاعرهم وخطيبهم، فقالا شعرا ونثرا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت (ت 54 هـ) ، وثابت بن قيس (ت 12 هـ) بإجابتهما ففعلا «1» ، وهكذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار من أصحابه أهل الكفاءة لمكافأة متطلبات الوظيفة وحاجاتها.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بالرئاسة حيث يوجد العمل الجماعي، وذلك يظهر من قوله:«إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» «2» ، وكانت هذه قاعدة عامة يطبقها النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، فكان يدير الدولة بنفسه، ويشرف على شؤون الأقاليم البعيدة عن طريق استعمال عدد كبير ممن يجد فيهم الكفاءة من أصحابه.

ففي المدينة «عاصمة الدولة» أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على إدارتها إشرافا مباشرا، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إداريّا للرسول. وتشير المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعين نائبا له «3» على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج، فيصلي بالناس، ويشرف على تنفيذ متطلبات الناس المتبقين في المدينة، وكان أول من استعمل على المدينة ابن أم مكتوم (ت 15 هـ) فيذكر خليفة بن خياط (ت 240 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله ثلاث عشرة مرة «4» ويبدو أن استخلاف ابن أم مكتوم غالبا ما كان من أجل

- 377، 378، 379) . وانظر: أشعار كعب بن مالك (ت 50 هـ) في ابن هشام، السيرة (م 2، ص 562) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 294) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 116)(الواقدي) .

(1)

انظر: خطبه في ابن هشام، السيرة (م 2، ص 562) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 294) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 116)(الواقدي) . ابن حزم، جوامع السيرة (ص 28) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 1، ص 200) .

(2)

أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ) سنن أبي داود، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت، (ج 3، ص 81) . وفي حديث: «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» (ج 3، ص 81) .

(3)

أول لقب لقب به نواب الرسول صلى الله عليه وسلم وممثلوه هو لقب (أمير) والواقع أن هذا اللقب استعمل قبل الإسلام، ولكن استعماله كان يحمل معنى دنيويّا بحتا، أما في ظل الحكم الإسلامي فأصبح يحمل المعنى الديني والدنيوي معا، ويلاحظ أن الموظفين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يسمون عمالا وأمراء وولاة، ومن هنا فإنا نجد تداخلا في التسمية، فترد في المصادر إشارات إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل فلانا أو أقر فلانا أو ولّى فلانا.. إلخ. انظر: الأعظمي، الألقاب (ص 451) .

(4)

انظر: خليفة من خياط، تاريخ (ج 1، ص 61) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1198، 1199) . ذكرت كتب السير أنه استعمل في غزوة الأبواء، وبواط، وذي العشيرة، والسويق، وغطفان، وأحد، وحمراء الأسد، وذات الرقاع، وبدر، وبني النضير، والغابة، وغيرها. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 36، 39، 49، 58) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 555)(الواقدي) .

ص: 97

الصلاة بالناس؛ وذلك لكونه ضريرا، وقد اتضح هذا من قول الحلبي (ت 1044 هـ) :«إن استخلاف ابن أم مكتوم إنما كان على الصلاة بالمدينة دون القضايا والأحكام، فإن الضرير لا يجوز أن يحكم بين الناس؛ لأنه لا يدرك الأشخاص، ولا يدري لمن يحكم ولا على من يحكم» «1» ، وأيد ذلك الزرقاني (ت 122 هـ) حيث قال:«استعمل ابن أم مكتوم- أي على الصلاة بالناس- لأن المدينة لم يبق فيها إلا القليل الذين لا يتخاصمون» «2» .

وذكرت المصادر عددا ممن أنابهم الرسول صلى الله عليه وسلم على إدارة المدينة في حالة خروجه إلى الغزاة «3» ، ويلاحظ من جريدة الأسماء الذين اختارهم الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك أنه لم يقتصر على اختيار شخص معين، ولكن بقي الإسلام والكفاءة والأمانة هي أسس الاختيار والتولية، أما ما ذكر عن الأقسام التابعة إداريّا للمدينة، وأشارت إليهما المصادر الجغرافية «4» ، فلم تكن على هذه الصورة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما حدثت في السنين التالية عندما استقر الوضع الإداري للجزيرة العربية وفي المناطق الشمالية خاصة.

وكانت «مكة» واحدة إدارية، وتأتى في أهميتها بعد العاصمة، ولا سيما أنها تشتمل على المشاعر المقدسة، والتي يحج المسلمون إليها في كل عام، وقد انضمت مكة إلى الدولة الإسلامية في السنة الثامنة للهجرة بعد الفتح وعين عليها النبي صلى الله عليه وسلم عتاب

(1) الحلبي، السيرة (ج 2، ص 270) .

(2)

الزرقاني، المواهب (ج 20، ص 24، 25) .

(3)

من هؤلاء سعد بن عبادة (ت 15 هـ) في غزوة ودان (1 هـ) ، وسعد بن معاذ (ت 5 هـ) في غزوة بواط، وأبو سلمة من عبد الأسد (ت 3 هـ) في غزوة ذي العشيرة، وأبو لبابة «بشير بن عبد المنذر» (ت 36 هـ) في غزوة السويق، وغزوة قينقاع، وعثمان بن عفان في غزوة ذي أمر، وغزوة غطفان، وذات الرقاع، وسباع بن عرفطة في غزوة دومة الجندل وغزوة خيبر، وعلي بن أبي طالب في غزوة تبوك، وأبو دهم بن الحصين في غزوة الفتح وغيرهم. انظر: ابن هشام، السيرة م 1، ص 590، 591، 598) ، (م 2، ص 46، 49، 209، 213، 399) . ابن سعد، الطبقات، (ج 2، ص 8، 9، 29، 30، 34، 35، 61، 62، 106، 120، 121، 165) .

(4)

أشارت هذه المصادر إلى أماكن وصفتها بأنها أعراض تابعة إداريّا للمدينة، فذكر ياقوت (626 هـ) أن النخيل من أعراض المدينة، أي من قراها القريية منها. ويذكر السمهودي (ت 1011 هـ) أن (ذو عظم) من أعراض المدينة، وينقل البكري (ت 478 هـ) أن من أعراض المدينة فدك والفرع ورهاط، ويذكر ابن خرداذبه (توفي نحو 280 هـ) أن من أعراض المدينة تيماء، ودومة الجندل، ومنها فدك وقرى عرينة والوحيدة وتمرة وخضرة وغيرها، ويذكر ابن الفقيه (توفى نحو 340 هـ) مجموعة من الأعمال التابعة للمدينة. ويبدو من القوائم السابقة أن هذه الأعمال أو الأعراض تبعت المدينة في فترة لاحقة. انظر: ياقوت، معجم (ج 1، ص 2450) ، (ج 5، ص 4502) . السمهودي، وفاء الوفا (ج 4، ص 267) . البكري، معجم (ص 1201) . ابن خرداذبه أبا القاسم عبيد الله (توفي نحو 280 هـ) المسالك والممالك، بغداد مكتبة المثنى، د. ت (ص 128) . وابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص 26) . العلي، إدارة الحجاز (ص 10) .

ص: 98

ابن أسيد بن أبي العاص (ت 13 هـ) واليا كما في رواية ابن إسحاق (ت 151 هـ)«1» ، في حين يذكر موسى بن عقبة (ت 141 هـ)«2» أن النبي صلى الله عليه وسلم عين معاذ بن جبل (ت 19 هـ) على مكة يعلّمهم القران ويفقههم في الدين «3» .

ويمكن الجمع بين ما قاله ابن إسحاق (ت 151 هـ) وابن عقبة (ت 141 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم عين عتابا أميرا ومعاذا إماما ومعلما؛ إذ إن عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد من مسلمة الفتح، ولم يحصل على قسط وافر من العلم والفقه. وبقي عتاب بن أسيد على إدارة مكة حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فأقره أبو بكر على ولايته حتى وفاته (ت 13 هـ)«4» ، ويمكن القول:

إن إدارة عتاب الناجحة لشؤون مكة أدت بشكل واضح إلى ثبات أهل مكة على الإسلام بعد ردة العرب في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر خلافة أبي بكر رضي الله عنه «5» .

وكانت الطائف- بعد إسلامها (9 هـ) - واحدة إدارية، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على إدارتها عثمان بن أبي العاص (ت 42 هـ) وقد اختير عثمان مع صغر سنه «6» ويعلل ذلك قول أبي بكر الصديق (ت 13 هـ) :«يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيت هذا الغلام منهم أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القران» «7» وكانت قد جرت عادة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ عام الوفود (9 هـ) أن يختار من بين الوافدين عليه أصلحهم لتولّي

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 500)(ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 137) . الأزرقي، أخبار مكة (ج 2، ص 40) .

(2)

الأزرقي، أخبار مكة (ج 2، ص 40)(موسى بن عقبة) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 500) . الفاسي، العقد الثمين (ج 7، ص 366، 367) . أحمد بن السيد زيني دحلان، أمراء البلد الحرام (ط 2) بيروت، الدار المتحدة للنشر، (1401 هـ، 1981 م) ، (ص 7) .

(4)

العسكري، الأوائل (ص 222) . ابن حزم، جمهرة (ص 113) . ابن حجر، أسد الغابة (ج 3، ص 358، 359) .

(5)

تذكر بعض المصادر الجغرافية أعمالا تابعة لمكة. وهذه الأعمال تبعت مكة في فترة لاحقة. انظر: ابن خرداذبة، المسالك والممالك (ص 128) . اليعقوبي، البلدان (ص 316) . المقدسي، أبا عبد الله محمد بن أحمد (ت 287 هـ) ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، تحقيق دي خوية، ليدن، مطبعة بريل، (1906 م) ، أوفست، مكتبة الخياط، بيروت، (ص 79، 80) . شيخ الربوة شمس الدين أبا عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري، (ت 727 هـ) ، نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، د. ت (ص 215) .

(6)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 540) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 99) . ابن حزم، جوامع السيرة (ص 24) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1035) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 540) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 99) . قال أبو بكر: «رأيت هذا الغلام

» والغلام في اللغة هو الممتلئ شبابا، ويقدر ما بين الخامسة عشرة والعشرين. انظر: ابن سيده، المخصص (ج 1، ص 34) .

ص: 99

شؤون المنطقة التي ينتمي إليها الوفد، وذلك بما يتوافر لهذا الأمير من مؤهلات دون النظر للسن، وعلى أساس ذلك كان اختيار عثمان لإدارة شؤون الطائف.

ويشير ابن إسحاق (ت 151 هـ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم زود عثمان بتعليمات إدارية أولية فقال له: «يا عثمان تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة» «1» ويفيد هذا النص أن المهمة الإدارية الأولى لعثمان كانت إقامة الصلاة، فكان لابد من تحديد كيفية التعامل تجاه المصلين، لأنهم حديثو عهد بالإسلام.

أما بقية الأمور الإدارية، فقد تركت لعثمان يقوم بها حسب معرفته بطبيعة الطائف وعلى أساس النظم السائدة فيها، وبقي عثمان على إدارتها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وجزا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه «2» .

وكانت «اليمن» واحدة إدارية، وكانت قبل الإسلام تتبع فارس، وولي أمرها من قبل كسرى باذان بن ساسان (ت 10 هـ) ، فأسلم وحسن إسلامه وأصبح أهلها جزا من رعايا الدولة الإسلامية. فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم باذان على إدارتها، ولم يشرك معه فيها أحدا حتى وفاته (ت 10 هـ)«3» فرأى النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة باذان أن يقسم اليمن إلى عدد من الأقسام الإدارية، فكانت «صنعاء وأعمالها» واحدة إدارية، وجعلها لشهر بن باذان «4» ، وبعد مقتله تولى إدارتها خالد بن سعيد (ت 14 هـ) ، وكانت «مأرب» واحدة إدارية وجعلها لأبي موسى الأشعري (ت 42 هـ) ، وتشمل منطقة زبيد وعدن ورمغ والساحل «5» ، وكانت «الجند» واحدة إدارية، وجعلها لمعاذ بن جبل (ت 19 هـ)«6» ، في حين يرى ابن خالدون (ت 808 هـ) أن الجند كانت ليعلى بن أمية «7» .

وكانت «نجران» واحدة إدارية جعلها النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم (ت 51 هـ) ، ثم تولى

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 541) .

(2)

ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1035) .

(3)

ابن حزم، جوامع السيرة (ص 23) . المالقي، أبو القاسم بن رضوان (ت 783 هـ) ، الشهب اللامعة في السياسة النافعة، تحقيق على سامي النشار (ط 1) الدار البيضاء، ودار الثقافة، (1984 م) ، (ص 341) . وابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 843) .

(4)

ابن حزم، جوامع (ص 23) . ابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 843) .

(5)

البلاذري، أنساب (ج 1، ص 93، 94) . ابن حزم، جوامع (ص 23) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1403) . ابن حجر، أسد الغابة (ج 3، ص 246) . ابن خالدون تاريخ (ج 2، ص 843) .

(6)

البلاذري، أنساب (ج 1، ص 97، 98) . ابن حزم، جوامع (ص 24- 33) . الحاكم، المستدرك (ج 3، ص 274) . ابن عبد البر الاستيعاب (ج 3، ص 1043) .

(7)

ابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 843، 844) .

ص: 100

إدارتها بعده أبو سفيان بن حرب (ت 32 هـ)«1» ، أما همذان فجعلت لعامر بن شمر الهمذاني «2» ، وكانت «عك والأشعرين» واحدة إدارية، وجعلها لطاهر بن أبي هالة «3» .

لقد كانت اليمن قبل الإسلام تتبع نظاما إداريّا متقدما نوعا ما؛ إذ قامت فيها مجموعة من الدول المتحضرة، ويتصور أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل ولاته لإدارة اليمن حسب النظم الموجودة قبل الإسلام؛ ولا سيما خاصة تلك التي لا تتعارض مع الدين الجديد «4» .

أما «حضرموت والصدف» فكانت واحدة إدارية، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم كما يشير البلاذري (ت 279 هـ) لزياد بن لبيد (ت 41 هـ)«5» . وهناك إشارة إلى أن وائل بن حجر بن ربيعة كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه ملكا من ملوكهم وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر به قبل قدومه فقال: «يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وقرّبه من مجلسه وبسط له ردائه، ودعا له ولولده، واستعمله على حضرموت وكتب له كتابا إلى الأقيال والعباهلة» «6» وهذا الخلاف يدفعنا إلى القول إن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل وائل بن حجر على بعض حضرموت في حين كان زياد بن لبيد (ت 41 هـ) الحاكم الإداري العام من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما منطقة «البحرين» فكانت ابتداء جزا من مملكة فارس، وكان سكانها من العرب واليهود والمجوس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) إلى المنذر ابن ساوى يدعوه إلى الإسلام، فأسلم المنذر وحسن إسلامه «7» . فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم على إدارة البحرين وقال له: «إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته

(1) البلاذري، أنساب (ج 1، ص 93، 94) . وفي رواية للواقدي (ت 207 هـ)«لم يذهب إلى نجران وبقي في المدينة» . انظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 529، 530) .

(2)

ابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 843، 844) .

(3)

م. ن (ج 2، ص 843، 844) .

(4)

عرفت اليمن الإدارة المستقلة والسيادة الكاملة في أزمنة كثيرة، منها حقبة التباعية، فقد كان هناك مجالس تمثل الشعب تمثيلا نيابيّا، فقد كان هناك مجلس قبلي إلى جانب مجلس الشعب، كما كانت تمثل القبائل المختلفة في الهيئات التشريعية، وكانت إدارة البلاد بيدها. انظر: ديتلف نلسون ورفاق، التاريخ العربي القديم، ترجمة: فؤاد حسين علي وزكي محمد حسن. القاهرة، مكتبة النهضة الحديثة، د. ت (ص 133- 143) .

(5)

البلاذري، أنساب (ج 1، ص 529) .

(6)

ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1562) . القيل: الملك من ملوك حمير وجمعه أقيال وقيول. العباهلة: هم الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 11، ص 580) .

(7)

ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 576) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 236) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 106، 107) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1086) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج 1، ص 36، 37) .

ص: 101

أو مجوسيته فعليه الجزية» «1» ، ويشير ابن سعد (ت 330 هـ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل العلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) وبعث معه أبا هريرة «2» والذي أراه أن المنذر كان يدير البحرين وفق النظم الإدارية الموجودة، وكان دور العلاء مساعدة المنذر في نقل البلاد من النظم السائدة إلى النظم الإدارية وفق تعاليم الدين الجديد التي امن بها المنذر ومجموعة من أهل البحرين، وكان دور أبي هريرة (ت 59 هـ) تعليم الناس وتفقيههم الإسلام وأحكامه، ويتضح ذلك من إشارة لابن إسحاق (151 هـ) حيث قال:«والعلاء عنده- أي عند المنذر- كان أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين» «3» .

ويذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب للعلاء كتابا جاء فيه «فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوى من يقتضي منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معهما ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور» «4» ويفيد النص أن المنذر كان يقوم بجمع الجزية على حين، بينما يقوم العلاء بجمع صدقات المسلمين. وبهذه الطريقة يستطيع أن يتعرف إلى طبيعة البلاد وأهلها حتى تنتقل إليه إدارتها فيما بعد.

لقد قام أهل البحرين بشكوى العلاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذه الشكوى وأسبابها. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استجاب لطلبهم وعزل العلاء واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت 15 هـ)«5» ، وأوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بأهل البحرين خيرا فقال له:«استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «6» .

وأشارت المصادر إلى أن «عمان» كانت واحدة إدارية جمعها النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص (ت 43 هـ)«7» في حين يشير خليفة بن خياط (ت 240 هـ) في رواية أن إدارة عمان كانت لأبي زيد الأنصاري «8» ، وهذه الرواية غريبة تخالف بقية الروايات؛ إذ إن عمرا بقي على إدارة عمان حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم «9» .

(1) ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 236) . وانظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 108، 109) . القلقشندي، صبح الأعشى (ج 6، ص 367) . الحلبي، السيرة (ج 3، ص 283) . حميد الله، مجموعة الوثائق (ص 146) .

(2)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 236) .

(3)

ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 576) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 276) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (64) ، (ص 153) .

(5)

البلاذري، أنساب (ج 1، ص 111) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج 1، ص 36) .

(6)

ابن سعد، الطبقات (ج 4، ص 360، 361) .

(7)

خليفة بن خياط، تاريخ (ج 1، ص 62) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1187) . المالقي، الشهب اللامعة (ص 341) . ابن الأزرق، بدائع (ج 1، ص 284) .

(8)

خليفة بن خياط، تاريخ (ج 1، ص 62) .

(9)

ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1187) .

ص: 102

وكانت هناك مجموعة من المناطق الإدارية الصغيرة في الجزيرة، فكانت قرى عرينة (تبوك وخيبر وفدك) واحدة إدارية، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم على إدارتها عمرو بن سعيد بن عبد الله بن العاص (ت 12 هـ)«1» و «وادي القرى» وكان على إدارتها الحكم بن سعيد بن العاص «2» ، و «جرش» وكان على إدارتها صرد بن عبد الله الأزدي «3» ، و «دبا» واستعمل على إدارتها حذيفة بن اليمان (ت 36 هـ)«4» و «الخط» واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص (ت 15 هـ) لفترة من الوقت ثم أرسله واليا من قبله على البحرين «5» و «وادي العقيق» ، واستعمل على إدارتها بلال بن الحارث المزني (ت 60 هـ)«6» ، لقد كانت هذه القرى مستقلة قبل الإسلام ولم تكن تابعة إداريّا لدولة من الدول المجاورة مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعين لكل واحدة منها واليا مستقلّا.

أما القبائل العربية المتناثرة في أنحاء الجزيرة، فقد أرسلت وفودا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلن بعضها الإسلام، وقبل البعض الاخر الدخول في حماية المسلمين.

وقضت طبيعة النظام البدوي والأوضاع السائدة في الجزيرة، أن يعامل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القبائل معاملة تعطيها الاستقلال الذاتي في إدارة شؤونها، فلم يعين النبي صلى الله عليه وسلم على هذه القبائل ولاة من قبله، بل أقر زعماء هذه القبائل على ما هم عليه وطالبهم بالمحافظة على الأركان الأساسية في الإسلام- إن كانوا مسلمين- أو الالتزام بشروط المسلمين إن كانوا غير مسلمين، وترك لهم إدارة شؤونهم المحلية حسب ما لديهم من تقاليد وأعراف «7» وبذلك اتسعت الدولة، وأصبح حكمها يعتمد اللامركزية (الإدارة غير المباشرة) واكتفت بخضوع القبائل لسلطتها والموالاة لها.

وقد أشارت المصادر إلى بعض هذه القبائل، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن الحارث بن

(1) خليفة بن خياط، تاريخ (ج 1، ص 61، 62) . وانظر: ابن حزم، جوامع (ص 242) . جمهرة (ص 80) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1178) .

(2)

ابن حزم، جوامع (ص 24) . جمهرة (ص 80) .

(3)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 337، 338) .

(4)

م. ن (ج 5، ص 527) .

(5)

ابن حزم، جوامع (ص 24) .

(6)

ياقوت، معجم (ج 4، ص 139) . ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 164) .

(7)

العلي، إدارة الحجاز (ص 36) .

ص: 103

كعب بن قيس على قبيلته بني الحارث بن كعب «1» ، ورفاعة بن زيد الجذامي على قومه، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بذلك «2» ، وقضاعي بن عمر على قبيلته بني عذرة «3» ، وصرد بن عبد الله الأزدي على قومه، وكانوا يسكنون في منطقة جرش فاستعملهم النبي صلى الله عليه وسلم على جرش أيضا «4» ، وقيس بن مالك الهمذاني على قومه همذان وكتب له كتابا أمرهم به «أن يسمعوا له ويطيعوا» «5» ، وأقر امرأ القيس بن الأصبع الكلبي على قومه بني كلب «6» وقيس بن مالك الأرصبي على قومه، ويشير ابن سعد إلى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لقيس، حيث قال فيه:«أما بعد: فإني استعملتك على قومك عربهم وحمورهم ومواليهم» «7» ، ويذكر ابن حجر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لخزيمة بن عاصم الذي استعمله بموجبه على قومه حيث جاء فيه:«إني بعثتك ساعيا على قومك فلا يضاموا ولا يظلموا» «8» ، ويلاحظ أن كلمة (ساعيا) تدل على أن هؤلاء الأمراء كانوا يقومون بجمع ما يستحق على أقوامهم من أموال الصدقة وغيرها ثم يبعثونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبادة بن الأشيب العنزي جاء فيه:«إني أمّرتك على قومك ممّن جرى عليه عملي وعمل بني أبيك، فمن قرئ عليه كتابي هذا فلم يطع، فليس له من الله معون» «9» ، ويشير ابن إسحاق (ت 151 هـ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى رفاعة بن زيد جاء فيه:«إني بعثته على قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله ورسوله» «10» .

ويلاحظ من خلال الكتب السابقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث مع بعض الأمراء كتابا

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 594) .

(2)

م. ن (ج 2، ص 596) .

(3)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 270) .

(4)

م. ن (ج 1، ص 338) . قال ابن سعد: «صرد بن عبد الله الأزدي، تولى أمر قومه وحارب بهم أهل جرش حتى تولى أمرها زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم» . انظر: ابن سعد: الطبقات (ج 5، ص 527) .

(5)

م. ن (ج 1، ص 340، 341) .

(6)

الطبري، تاريخ (ج 3، ص 243)(سيف) .

(7)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 341) . وانظر: ابن الأثير، أسد الغابة (ج 4، ص 224، 225) . ابن حجر، الإصابة (ج 3، ص 258، 259) . حمورهم: هي مجموعة من البطون، منها قدم وال ذي مران، وال ذي لعوة. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 341) .

(8)

ابن الأثير، أسد الغابة (ج 2، ص 116) . ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 427، 428) .

(9)

ابن الأثير، أسد الغابة (ج 3، ص 104) . وانظر: ابن حجر، الإصابة (ج 2، ص 267) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (234) ، (ص 223) . الأحمدي، مكاتيب (ج 1، ص 238) .

(10)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 596)(ابن إسحاق) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 354) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 140)(ابن إسحاق) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (175) ، (ص 280) .

ص: 104

يجوز لنا أن نطلق عليه (كتاب التعيين) ، يطلب فيه من القبيلة أن تطيعه ولا تخالف أمره، ويفترض أن جميع هذه القبائل التي بعثت وفودا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد ولي عليها النبي رجلا يدير أمرها، وما ذكر سابقا يعطي صورة أولية عن وضع القبائل الاخرى في الجزيرة وعلى حدود فارس والروم.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتخير أمراءه من الصحابة الذين اشتهروا بالعلم والكفاية والكفاءة والجاه والسلطان ولديهم المقدرة على بعث الإيمان في قلوب من يرسلون إليهم «1» ؛ لأن مهمة هؤلاء لم تكن إدارية فقط، بل كانت مهمة دعوية تعليمية فهم يعلمون الناس الإسلام ويؤمونهم في الصلاة.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في اختياره لهؤلاء الأمراء يغلب اعتبارات الكفاءة على اعتبارات السن أو الغنى أو غير ذلك. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخضع لتأثير الضغوط، لتغيب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، ويتضح هذا من عدة حوادث، فهذا العباس (ت 32 هـ) عم النبي صلى الله عليه وسلم حين طلب أن يوليه ولاية قال له النبي صلى الله عليه وسلم بكل صراحة ووضوح:«يا عم رسول الله: سل الله العافية في الدنيا والاخرة» «2» وطلب رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عملا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لا نستعمل على عملنا من أراده» «3» ، وكذلك أجاب أبا ذر الغفاري (ت 24 هـ) حين سأله قائلا: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال:«يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها» «4» وفي رواية لمسلم (ت 261 هـ) في الصحيح قال: «إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تلينّ مال يتيم» «5» ، فرغم سبق أبي ذر في الإسلام ومكانته العظيمة التي عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما أقلت الغبراء وما أظلت الخضراء رجلا أصدق

(1) انظر: محمد كرد علي، الإدارة الإسلامية (ص 12) .

(2)

الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، صحيح الجامع الصغير وزيادته، دمشق، المكتب الإسلامي (1972 م) ، (ج 6، ص 295) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 3، ص 115) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1456) . أحمد، المسند (ج 4، ص 409) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 9) .

(4)

أحمد، المسند (ج 5، ص 173) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 210) .

(5)

مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 218، 219) .

ص: 105

لهجة من أبي ذر «1» » إلا أنه مع ذلك رفض طلبه في توليته أمرا إداريّا لا يتناسب مع صفات أبي ذر، فعبر له عن ذلك مبديا له ضعفه دون حرج.

ولعل من الأمور الواضحة البينة في هذا المجال ما أشار إليه البخاري (ت 256 هـ) في روايته عن أبي موسى الأشعري (ت 52 هـ) حيث قال: «دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا يا رسول الله، وقال الاخر مثله، فقال: «إنّا لا نولي هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه» «2» ؛ وذلك لأن الولايات أمانة والتسرع إلى تحمل الأمانة خيانة؛ لأنه لا يطلبها إلا طامع فيها، متطلّع إلى مكسب مادي أو معنوي.

ولقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى عدم التسرّع في طلب الإمارة فيشير البخاري (ت 256 هـ) إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة (ت 51 هـ) :

«يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» «3» .

وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من تولية غير الكفؤ في إدارة من الإدارات فقال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» «4» ، وفي رواية لمسلم (ت 261 هـ) :«ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، وينصح، إلّا لم يدخل معهم الجنة» «5» . ولا يفهم من ذلك أن يبتعد أصحاب الكفاات عن تولي إدارات الدولة المختلفة فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: بئس الشيء الإمارة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها وحلّها» «6» ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم للإمام العادل منزلة رفيعة عند الله يوم القيامة فقال:

(1) أحمد، المسند (ج 2، ص 175) . ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت 275 هـ) . سنن ابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت (ج 1، ص 55) . الترمذي، الصحيح (ج 13، ص 210) .

(2)

ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 147) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 206، 207) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 79) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1456) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 80) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 214) .

(5)

مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 215) .

(6)

ابن سلام، الأموال (ص 10)، وروى البخاري (ت 256 هـ) حديثا بنفس المعنى:«إنكم ستحرصون على الإمارة وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة، فبئس المرضعة ونعمت الفاطمة» . انظر: البخاري، صحيح (ج 9، ص 79) .

ص: 106

«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل

» «1» .

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف طاقات أصحابه معرفة دقيقة، ويتضح ذلك مما رواه الترمذي (ت 279 هـ) عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:«أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ابن جبل، وأحزمهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح» «2» ، وكانت هذه الإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم توجّه الأمة لمعرفة خصائص كل واحد منهم للإفادة من كفاءتهم وقدراتهم في الإدارات المختلفة.

وتشير المصادر إلى الصيغة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتبعها في تعيين الولاة، فكانت تتم إما بصورة «شفوية» يضمنها النبي صلى الله عليه وسلم الاختصاصات، ووصايا أخرى، أو تكون بصورة «مكتوبة» كما يتضح من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم (ت 51 هـ) حين ولاه نجران «3» ، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبادة بن الأشيب العنزي «4» ، ورفاعة بن زيد حين ولاهم على أقوامهم «5» .

ويفترض أن يقوم هؤلاء الولاة بالدور نفسه الذي يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة المدينة، فيقوم الوالي بتدبير أمر الجند في بلده، وتنظيمهم وقيادتهم في جهاد من يليه من الكفار، والنظر في الأحكام، وفض المنازعات، وجباية الخراج والزكاة والجزية، وحماية أمر الدين، وتطبيق الحدود. وتعليم الناس الإسلام وإمامتهم في الصلاة إلى غير ذلك من الأمور «6» .

ويلاحظ أن هذه المهمات قد اتضحت من خلال كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن

(1) البخاري، الصحيح (ج 13) . مسلم، الصحيح (ج 2، ص 715) .

(2)

الترمذي، الصحيح (ج 13، ص 202) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 594- 596) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج 3، ص 128، 129)(ابن إسحاق) . القلقشندي، صبح الأعشى (ج 10، ص 9) . المقريزي، إمتاع (ص 501، 502) . ابن طالون الدمشقي، أعلام السائلين (ص 135- 138) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (105) ، (ص 206- 209) .

(4)

ابن الأثير، أسد الغابة (ج 3، ص 104) . ابن حجر، الإصابة (ص 267) ، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (234) ، (ص 223) .

(5)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 596) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 354) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 140)(ابن إسحاق) .

(6)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 594- 596) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 89، 97) . فتوح، (ص 95) . الماوردي، الأحكام السلطانية (ص 302) .

ص: 107

حزم (ت 51 هـ) حين ولاه على نجران فجاء فيه «عهد من رسول الله لعمرو بن حزم حيث بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله

وأمره أن يأخذ الحق كما أمره أن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به. ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في

ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه» «1» .

وكان الوالي يقوم بهذه المهمات مجتمعة، أو تقسم بين أكثر من رجل، ويتضح ذلك من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليّا إلى اليمن قابضا للأخماس، وخالدا متوليا للحرب، ومعاذا وأبا موسى معلمين للقران وقبض الصدقات «2» .

ويذكر ابن عبد ربه (ت 328 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة والحرب، ووجه راشد بن عبد ربه السلمي أميرا على المظالم والقضاء «3» .

ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهمل أمر ولاته، فهو يسأل عن سيرتهم ويتحرى أخبارهم، ومن المعايير البسيطة في الرقابة الإدارية على سلوك الولاة ما رواه مسلم (ت 261 هـ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» . قال: فقام إليه رجل من الأنصار أسود- كأني أنظر إليه- فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال «مالك» . قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الان، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره

» «4» وهناك عدة حوادث عملية حدثت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على ذلك، فقد عزل النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) عن إدارة البحرين؛ لأن وفد عبد القيس شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وولى بدلا منه أبان بن سعيد بن العاص (ت 15 هـ) وقال له:«استوص بعبد القيس وأكرم سراتهم» «5» .

وكانت الرقابة الإدارية للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة. فقد حاسب النبي صلى الله عليه وسلم أحد عماله يسمى

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 594- 596) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 128، 129)(ابن إسحاق) . المقريزي، إمتاع (ص 501، 502) .

(2)

ابن حزم، جوامع (ص 20، 23، 24، 30) .

(3)

ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 6، ص 11) .

(4)

أحمد، المسند (ج 4، ص 192) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 222) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 10، 11) .

(5)

ابن سعد، الطبقات (ج 4، ص 360، 361) .

ص: 108

«ابن اللتبية» «1» عندما بعثه على عمل فجاء، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال قولته المشهورة التي تبين أن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية وليست مغنما ومكسبا:«ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟» «2» ويلاحظ أيضا أن الرقابة كانت تتركز في الأمور المالية وعلى عمل الولاة تجاه الرعية خاصة.

كان لهؤلاء الولاة مجموعة من الحقوق ضمنتها لهم الدولة، فلهم الطاعة في المعروف كما يتضح من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» «3» ، فربط طاعة الولاة بطاعة الله ورسوله؛ ولا سيما في البيئة العربية القبلية التي لا تعرف الطاعة، قال ابن حجر «ت 852 هـ» : «قيل: كانت قريش، ومن يليها من العرب، لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول

» «4» ،

وكان على الرعية أن تنصح لأمرائها. ويشير إلى ذلك البخاري (ت 256 هـ)، ومسلم (ت 561 هـ) في رواية لهما عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول:«الدين النصيحة» ، قلنا: لمن يا رسول الله؟. قال: «لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» «5» .

وقد ضمنت الدولة لهؤلاء الولاة حقوقا مادية، فكان يعين لكل منهم راتبا يكفيه، وتشير الروايات إلى أن أول راتب محدد كان لعتاب بن أسيد (ت 13 هـ) والي مكة، فقد رزقه النبي صلى الله عليه وسلم درهمين عن كل يوم (راتب يومي)«6» نظير إدارته، فقال لأهل مكة:«أصبت في عملي الذي استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم بردين معقدين كسوتهما غلامي كيسان، فلا يقولن أحدكم: أخذ مني عتاب كذا، فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم درهمين فلا أشبع الله بطنا لا يشبعه كل يوم درهمان» «7» وكان هناك بعض

(1) البخاري، الصحيح (ج 2، ص 160) ، (ج 9، ص 36، 88) .

(2)

أحمد، المسند (ج 5، ص 423، 424) . البخاري، الصحيح (ج 2، ص 160) . (ج 9، ص 36، 88) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 220) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 354، 355) .

(3)

أحمد، المسند (ج 2، ص 244، 252، 253) . النّسائي، السنن (ج 7، ص 154) . ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 131) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 223) .

(4)

ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 131) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 1، ص 22) . مسلم بشرح النووي (ج 12 ص 26- 27) .

(6)

العدوي، نظم (ص 194) . أبو سن، الإدارة (ص 27) .

(7)

ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 13، ص 1023، 1024) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج 3، ص 358، 359) .

ص: 109

الولاة يأخذون رواتبهم «عينية» وليست نقدية، فراتب عتاب كان يتضمن بالإضافة إلى النقود شيئا عينيّا «بردين معقدين» وقد يكون الراتب عينيّا، إذا استعمل النبي صلى الله عليه وسلم قيس بن مالك الهمذاني على قومه، وخصص له قطعة من الأرض يأخذ نتاجها، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابا جاء فيه «فأقطعه النبي من ذرة يسار مائتي صاع، ومن زبيب خيوان مائتي صاع جار ذلك لك ولعقبك من بعدك أبدا أبدا» «1» . ويفيد النص أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض راتبا لورثة الموظف بعد موته وهذه إشارة إلى وجود نوع من الضمان الاجتماعي في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام.

وعند تحديد الرواتب كانت تراعى حالة الموظف العائلية، فكان الأهل «المتزوج» يعطى حظين، و «الأعزب» يعطى حظّا واحدا «2» ، وهذا يشعر بشكل واضح إلى وجود بعض العلاوات في الراتب في حالة وجود الزوجة والأولاد في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام.

وأخذت الدولة على عاتقها توفير الضروريات الحياتية للموظف، ويشير إلى ذلك الإمام أحمد (ت 241 هـ) في مسنده فذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول:«من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتّخذ منزلا، أو ليس له زوجة فليتزوج، أو ليس له دابة فليتخذ دابة» «3» فكانت هذه الحوافز كافية لتوفير حالة الاستقرار النفسي للموظف كي يقوم بعمله على أكمل وجه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خصص رزقا لرجال إدارته حتى ولو كانوا أغنياء، ولم يقبل أن تكون عمالة أحدهم صدقة على المسلمين، فتشير المصادر «أن عبد الله بن السعدي «4» (ت 57 هـ) قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي في أعمال

(1) ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 340، 341) . ابن الأثير، أسد الغابة (ج 4، ص 224، 225) . الأحمدي، مكاتيب (ج 1، ص 235، 236) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (112)(ص 232، 233) . نسار: جبال صغار وقعت عندها واقعة الرباب بين هوازن وسعد بن عمرو بن تميم، وقيل: النسار ماء لبني عامر بن صعصعة. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج 5، ص 283) . خيوان: مخلاف باليمن وهو منسوب إلى قبيلة هناك. انظر: ياقوت، معجم البلدان (ج 2، ص 415) .

(2)

أحمد، المسند (ج 6، ص 25، 29) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 359) .

(3)

أبو عبيد، الأموال (ص 377) . أحمد، المسند (ج 4، ص 192) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 354) .

(4)

عبد الله بن السعدي، وهو عبد الله بن قدامة بن عبد شمس القرشي، سكن المدينة، وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه، سمي أبوه «بالسعدي» لأنه استرضع في بني سعد بن بكر، وتوفي سنة (57 هـ) . انظر ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 920) .

ص: 110

الناس أعمالا، فإذا أعطيت العمالة (الأجرة) ، فكرهتها؟، فقلت: بلى، فقال عمر:

ما تريد إلى ذلك؟، قلت: إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة مالا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«خذه فتموّله وتصدّق به فما جاءك في هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك» «1» .

وانطلاقا من تعيين الرواتب الكافية للولاة. وتوفير جميع الاحتياجات النفسية والمادية لهم، فقد منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من قبول الهدايا من أفراد الرعية واعتبر ذلك غلولا فقال:«من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» «2» . وبعد أن ضمن لكل موظف الزوجة والخادم والمسكن والدابة قال: «فمن اتخذ غير ذلك فهو غال أو سارق» «3» . وفي قصة ابن اللتيبة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تبعث أحدا منكم فيأخذ شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى ظهرت عفرة إبطيه» ثم قال:

«اللهم هل بلغت ثلاثا» «4» . وبذلك ضمنت الدولة في رجال إدارتها أن يؤدوا خدماتهم بأمانة وصدق وإخلاص.

(1) أحمد، المسند (ج 1، ص 197) . ابن حجر، فتح الباري (ج 7، ص 176- 181) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 353) .

(2)

أبو داود، السنن (ج 3، ص 353) .

(3)

م. ن (ج 3، ص 354) .

(4)

أحمد، المسند (ج 5، ص 423) . البخاري، الصحيح (ج 3، ص 209) ، (ج 8، ص 182) ، (ج 9، ص 88) أبو داود، السنن (ج 3، ص 355) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 218- 222) . العفرة: بياض الإبط. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 4، ص 585) .

ص: 111