المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أولا: القضاء في المدينة المنورة - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[أحمد عجاج كرمى]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المختصرات والرموز

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

- ‌أولا: مفهوم مصطلح الإدارة

- ‌ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية

- ‌ثالثا: الإدارة في مكة

- ‌رابعا: الإدارة في يثرب

- ‌الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

- ‌أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة

- ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

- ‌رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

- ‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

- ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

- ‌ثانيا: الإدارة الدينية

- ‌ثالثا: الكتابة والكتاب

- ‌رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)

- ‌الفصل الرابع الإدارة المالية

- ‌أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة

- ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة

- ‌رابعا: تنظيم شؤون التجارة

- ‌خامسا: تنظيم شؤون الصناعة

- ‌سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة

- ‌الفصل الخامس الإدارة العسكرية

- ‌أولا: التمويل

- ‌ثانيا: الخدمات المساعدة

- ‌ثالثا: القيادة

- ‌رابعا: التخطيط وأساليب القتال

- ‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

- ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

- ‌ثانيا: القضاء في الأمصار

- ‌ثالثا: المظالم

- ‌رابعا: الحسبة

- ‌ملاحظات:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المصادر:

- ‌ثانيا: المراجع:

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

لم يكن في الجاهلية نظام قضائي محدد، بل كانت الأعراف والعادات والتقاليد تشكل المصدر الرئيسي الذي يعتمد عليه العرب في حل ما يطرأ من مشكلات وما يقع من خصومات «1» .

وعندما جاء الإسلام أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزل الله من أحكام في أمور الدين والدنيا، وجاء ذلك في الايات الكريمة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ

[المائدة: 49]«2» ، وقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ

[النساء: 105]«3» ومن هذه الايات استمد النبي صلى الله عليه وسلم سلطته القضائية، وبدأت ترتسم معالم النظام القضائي الجديد للدولة الإسلامية.

لقد ألزم النظام القضائي الجديد المتخاصمين بقبول حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعد الأمر قبولا من الطرفين بالتحكيم- كما كان الأمر في الجاهلية- يتضح هذا من الاية الكريمة: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: 65]«4» ، بذلك أصبح هذا النظام محددا وله سلطاته التشريعية والتنفيذية.

كان المسلمون ابتداء إذا عرض لهم حادث أو حصل بينهم خلاف رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفة حكم الإسلام فيجيبهم إما بنص القران وإما بقوله وأفعاله بناء على اجتهاده، ولقد تأكد الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنص الصحيفة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم بين

(1) سعود بن سعد ال دريب، التنظيم القضائي في المملكة السعودية على ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية، الرياض، جامعة محمد بن سعود، د. ت (ص 133، 134) .

(2)

انظر: الطبري، تفسير (ج 10، ص 392- 394) . القرطبي، الجامع (ج 6، ص 212- 214) . السيوطي، الدر (ج 3، ص 96، 97) .

(3)

انظر: الطبري، تفسير (ج 8، ص 175- 181) . القرطبي، الجامع (ج 5، ص 375- 377) . السيوطي، الدر المنثور (ج 2، ص 669- 671) .

(4)

انظر: الطبري، تفسير (ج 5، ص 153) . القرطبي، الجامع (ج 5، ص 266- 269) . السيوطي، الدر المنثور (ج 2، ص 584) .

ص: 223

مواطني المدينة حيث جاء فيها: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم» «1» .

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم المشرع والقاضي والمنفذ «2» ، وهو بذلك جمع بين سلطان التشريع، والتنفيذ، والقضاء، وكان تشريعه للأحكام بصفته رسولا بكونه حاكما عامّا، وانتهت هذه المهمة بوفاته، أما أداؤه لوظيفتي القضاء والتنفيذ فكان تكليفه بهما على سبيل العموم، إذا يقوم بهما الخلفاء من بعده كعمل تقتضيه مصلحة الجماعة «3» .

وتشعر روايات المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم مارس الوظيفة القضائية بصفته حاكما لا بصفته نبيّا، فقد روى البخاري (ت 256 هـ) قول أم سلمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» «4» ، وفي رواية:«إني أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه» «5» فكان هذا القضاء مبنيّا على الظاهر من الحجج والبراهين دون معرفة السرائر؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو قضى بين المتخاصمين بصفته نبيّا لعلم صاحب الحق من غيره، ولكنه قضى بصفته حاكما؛ لأن القضاء مرتبط بالحياة ومتغيراتها، ولا يتوافر لهذا رسل وأنبياء دائما.

لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة القضاء على أنها وظيفة إدارية تتطلب أن يقوم بها بصفته حاكما للمسلمين أو يكلف من ينوب عنه في ذلك، وكانت وجهة أكثر المتخاصمين أن يعرفوا الحكم فينفّذوه «6» ، يروي البخاري (ت 256 هـ) : أن هند بنت عتبة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، فأحتاج أن اخذ من ماله، قال:«خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» «7» ، ويلاحظ أن كثيرا من القضايا التي اعتبرت قضاء في

(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 504) . وانظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (1) ، فقرة رقم (42) ، (ص 62) .

(2)

وذلك بمقتضى الايات التي تجعل من النبي صلى الله عليه وسلم مشرعا عن ربه. انظر: الايات: المائدة (اية: 48) . الشورى (اية: 13) . الجاثية (اية: 18) .

(3)

سعود، التنظيم القضائي (ص 135) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 89) . وانظر: مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 4) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 13، 14) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 83، 84) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 233- 247) .

(5)

صحيح مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 5، 6) .

(6)

القضاء: الحكم، قال أهل الحجاز: القاضي: القاطع للأمور والالتزام بها. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 5، ص 186) .

(7)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 89) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 7) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 246، 247) .

ص: 224

زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت أقرب ما تكون إلى الإفتاء، وقد جعل هذا المفهوم مجموعة من العلماء يؤلفون كتبا كبيرة في أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم «1» .

أما عن الإجراات القضائية المتبعة، فإن المعلومات المتوافرة في كتب الحديث الصحيحة عن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم توضح من شؤون القضاء وتنظيمه ما يجعل قواعده راسخة واضحة في بيان أصول المحاكمة، وما ينبغي للقاضي أن يسلكه في مجلس الحكم، وكيفية سير القاضي مع الخصوم.. إلى غير ذلك.

فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم «أصول المحاكمة» «2» وما ينبغي أن يكون عليه القاضي في لفظه ولحظه في أثناء سماع الدعوى، فذكر أبو داود (ت 275 هـ) قول عبد الله بن الزبير (ت 73 هـ) :«قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» «3» .

فلابد من التسوية بين الخصمين في الجلوس، فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الاخر ولا أرفع مجلسا منه، وأحسن الأوضاع في جلوس الخصمين أن يكون بين يدي القاضي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنه يتحقق بذلك الخضوع التام لحكم الشارع، والشعور بالصغار أمامه كما يحقق المساواة بينهما أيضا «4» .

وكذلك أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ضرورة العدل بين المتخاصمين في اللحظ واللفظ والإشارة، وفي ذلك نقل لنا الدارقطني (ت 385 هـ) قول أم سلمة (ت 62 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده «5» » وفي رواية «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في المجلس والإشارة والنظر» «6» ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يرفع القاضي صوته على أحد الخصوم دون

(1) انظر مثلا: ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد صلى الله عليه وسلم (ت 235 هـ) ، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم. القرطبي (ت 457 هـ) ، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم. الإشبيلي، عبد الملك بن مروان (ت 549 هـ) والغرناطي أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد (ت 582 هـ) لهما كتابان بنفس العنوان السابق) . وختم ابن القيّم كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» بذكر فصول من فتاويه (وأجوبته) .

(2)

محمد نعيم ياسين، نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية، عمان، وزارة الأوقاف، د. ت (ص 69) .

(3)

أبو داود، السنن (ج 4، ص 16) .

(4)

ابن فرحون المدني، إبراهيم بن علي بن فرحون (ت 799 هـ) ، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، القاهرة، مطبعة مصطفى الحلبي، (1378 هـ، 1958 م) ، (ج 1، ص 46) .

(5)

الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر (ت 389 هـ) ، سنن الدارقطني، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، تحقيق عبد الله هاشم المدني، القاهرة، دار المحاسن (1966 م) ، (ج 4، ص 205) .

(6)

ابن حجر، أحمد بن علي (ت 852 هـ) ، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق عبد الله هاشم المدني، المدينة المنورة، مطبعة الفجالة (1964 م) ، (ج 2، ص 169) .

ص: 225

الاخر، يتضح هذا من رواية الدارقطني (ت 385 هـ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي بالقضاء بين الناس فلا يرفعنّ صوته على أحد ما لا يرفع على الاخر» «1» وفي هذا أمر صريح بوجوب التسوية بين الخصوم في كل ما يمكن العدل فيه.

أما عن كيفية سير القاضي مع الخصوم، فينبغي أن يكون ابتداء نظر الخصومات بالترتيب، فيقدم خصومة من جاء أولا على من جاء بعدهن، ولا يقدم واحدا على من جاء قبله لفضل منزلة أو سلطان «2» ، ويتضح هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له» «3» ، ثم عليه أن يسمع ما لدى الخصمين أو الخصوم قبل الفصل في القضية، وترد إشارة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبى طالب حين بعثه قاضيا إلى اليمن:«فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع كلام الاخر، فإنه أحرى أن يتبين لك وجه القضاء» «4» .

ولما كان القاضي يشكّل طرفا مهمّا في عملية التقاضي فلابد أن تكون هذه العملية في وقت صفاء نفسه وذهنه، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يقضي حاكم بين اثنين وهو غضبان» «5» ؛ وذلك لأن القاضي لا يستطيع تحري الحق حال الغضب، ومثل الغضب الجوع المفرط، والعطش الشديد، وغلبة النعاس «6» ، يتضح هذا من رواية أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان» «7» وقد أكد الماوردي (ت 450 هـ) هذه المعاني بقوله: «ينبغي للقاضي أن يعتمد بنظره الوقت الذي فيه ساكن النفس، معتدل الأحوال ليقدر علي الاجتهاد في النوازل

ولمّا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين، والصلاة لا تحتاج إلى الاجتهاد إلى ما يحتاج إليه الأحكام، فكان دفع الأخبثين في القضاء أولى» «8» .

(1) وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 31) . الدارقطني، السنن (ج 4، ص 205) .

(2)

محمد نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج 2، ص 45) .

(3)

البيهقي، السنن (ج 10، ص 139) .

(4)

أبو داود، السنن (ج 4، ص 11) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 774) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 72) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 82) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 15) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 16) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 77- 78) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 237) .

(6)

نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج 2، ص 35) .

(7)

الدارقطني، السنن (ج 4، ص 206) . وينظر: وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 83) .

(8)

الماوردي، أبو الحسن محمد بن حبيب (ت 450 هـ) ، أدب القاضي، تحقيق محيي الدين هلال، بغداد، مطبعة الإرشاد، (1391 هـ، 1971 م) ، (ج 1، ص 213- 216) .

ص: 226

وبعد سماع الدعوى وأقوال الخصمين من حجج وأجوبة فعلى القاضي أن يصدر حكمه على الفور وإيصال الحق إلى صاحبه، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بين الخصوم وفي مجلس المخاصمة الواحد، ولم يكن يرجئهم إلى وقت اخر كما قضى بين الزبير والأنصاري في ماء شراج الحرة التي اختصما فيها «1» ، ويذكر البخاري (ت 256 هـ) :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى إلى اليمن قاضيا وأميرا ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما بلغ معاذ وجد رجلا موثقا عند أبي موسى فألقى أبو موسى لمعاذ وسادة وقال له: انزل، قال معاذ: ما هذا؟ قال: كان يهوديّا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال معاذ: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله تعالى، ثلاث مرات فأمر به أبو موسى فقتل» «2» .

لقد حرص القضاء الإسلامي على تحري العدل في كل أحكامه وإجرااته القضائية، ويتضح هذا ممّا ورد في الايات الكريمة:

وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

[النساء: 58] وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ

[النحل: 90] ومن الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى ما رواه البيهقي (ت 458 هـ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم» «3» ، وذكر النسائي (ت 303 هـ) قول ابن عمر (ت 73 هـ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» «4» ، ولم يكن ذلك مقصورا على المسلمين، بل تعداهم إلى الناس جميعا فقال الله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: 8]«5» ، ويطلب العدل أيضا في حالة الحكم على الأقرباء أو الأصدقاء، يقول الله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى

[الأنعام: 152]«6» ، وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الجور في القضاء، ويتضح هذا مما

(1) النّسائي، السنن (ج 4، ص 238، 239) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 118) . الماوردي، الأحكام (ص 77) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج 9، ص 177) .

(2)

أحمد، المسند (ج 4، ص 409) . البخاري، الصحيح (ج 9، ص 19) .

(3)

البيهقي، السنن (ج 7، ص 87) .

(4)

النّسائي، السنن (ج 8، ص 221، 222) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج 9، ص 162) .

(5)

انظر: الطبري، تفسير (ج 10، ص 95) . القرطبي، الجامع (ج 6، ص 109، 110) . السيوطي، الدر المنثور (ج 3، ص 34- 36) .

(6)

انظر: الطبري، تفسير (ج 12، ص 225- 228) . القرطبي، الجامع (ج 7، ص 136، 137) . السيوطي، الدر المنثور (ج 3، ص 382- 385) .

ص: 227

رواه ابن ماجه (ت 275 هـ) من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله مع القاضي ما لم يجور، فإذا جار وكله إلى نفسه» «1» ، وعند الحاكم (ت 405 هـ) :«فإذا جار تبرأ الله منه» «2» ، وترد في ذلك رواية عند أبي داود (ت 275 هـ) من قوله عليه السلام:«لعنة الله على الراشي والمرتشي» «3» وزاد الترمذي (ت 279 هـ) في صحيحه «في الحكم» «4» ؛ وذلك لأن الرشوة تؤدي إلى الجور وتصرف الحاكم عن العدل.

لقد اقتضى النظام القضائي في الإسلام أن يكون هناك «وسائل إثبات» لكل دعوى، فهي تحتاج ابتداء إلى بينة؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» «5» ويذكر الدارقطني (ت 385 هـ) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر» «6» .

وتعدّ «الشهادة» في مقدمة وسائل الإثبات، ولذا سميت الشهادة بينة ونصابها في القضاء الإسلامي رجلان أو رجل وامرأتان، ويرد ذلك في قوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى

[البقرة: 282]«7» ، وهذا في جميع حالات القضاء باستثناء حالة الزنا الذي يحتاج إلى أربعة شهود لقوله تعالى:

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: 15]«8» وقوله:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور: 4] وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم حال الشهود المعتبرين فقال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة،

(1) ابن ماجه، السنن (ج 3، ص 775) . وانظر: الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 74) . الشوكاني، نيل الأوطار (ج 9، ص 162) .

(2)

الحاكم، المستدرك (ج 4، ص 93) .

(3)

أبو داود، السنن (ج 4، ص 9، 10) . وانظر: وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 45، 46) .

(4)

الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 76) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 6، ص 43) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 12) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 778) . وانظر: ابن القيم الجوزية، أبا عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 751 هـ) ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق محمد جميل أحمد، القاهرة، مطبعة المدني، (1381 هـ، 1961 م) ، (ص 103) .

(6)

الدارقطني، السنن (ج 4، ص 218) .

(7)

انظر: الطبري، تفسير (ج 6، ص 62- 68) . القرطبي، الجامع (ج 3، ص 389- 398) . السيوطي، الدر المنثور (ج 2، ص 119- 121) .

(8)

انظر: الطبري، تفسير (ج 8، ص 73- 75) . القرطبي، الجامع (ج 5، ص 82- 85) . السيوطي، الدر المنثور (ج 2، ص 454- 457) .

ص: 228

ولا مجلود وذي غمر على أخيه، ولا مجرب عليه شهادة زور، وقانع أهل البيت، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة» «1» ، وقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين «2» ، أما في حالة الإنكار فعلى المدعي اليمين، وترد في ذلك إشارة من خلال حديث وائل بن حجر في قضية الحضرمي والكندي اللذين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي:«ألك بيّنة؟» قال: لا، قال: «فلك يمينه

» «3»

ومن وسائل الإثبات كذلك «الكتابة» ، ولا سيما في الوصية، وأورد البخاري (ت 256 هـ) قول النبي صلى الله عليه وسلم:«ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين- وقيل: ثلاث ليال- إلا ووصيته مكتوبة عنده» «4» .

أما «الإقرار» فهو من أقوى وسائل الإثبات، يتضح هذا من خلال قصة ما عز والغامدية اللذين زنيا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما بناء على إقرارهما بارتكاب جريمة الزنا «5» .

ومن وسائل الإثبات كذلك «القرائن والأمارات» ومنها: الفراسة، وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم «الفراسة» في إثبات الدعوى كما هو واضح مما رواه ابن إسحاق (ت 151 هـ) أنه لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر عنوة وفتح جانبها الاخر صلحا اشترط عليهم ألايكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكا (وعاء) فيه مال وحلي لحيي بن أخطب فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب:«ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟» قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال:«العهد قريب والمال أكثر من ذلك» ، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير فمسه بعذاب

فقال: رأيت

(1) البيهقي، السنن (ج 10، ص 200) . القانع: التابع، الخائن والخائنة: من الخيانة، وفي الحديث رد شهادة الخائن والخائنة، قال أبو عبيد (ت 224 هـ) : لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 13، ص 145) .

(2)

أحمد، المسند (ج 1، ص 248) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 33، 34) . ابن القيم، الطرق الحكمية (ص 145) .

(3)

صحيح مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 2) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 566) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 86، 87) . الدارقطني، السنن (ج 4، ص 216) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 4، ص 2) . وينظر: مسلم بشرح النووي (ج 11، ص 88) . الترمذي، الصحيح (ج 8، ص 273) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 282، 283) . النّسائي، السنن (ج 6، ص 239) .

(5)

البخاري، الصحيح (ج 8، ص 207، 208) . مسلم بشرح النووي (ج 11، ص 197، 198) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 573- 576) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 854) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 201، 202) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 240، 241) .

ص: 229

حييّا يطوف في خربة هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي الحقيق بالنكث الذي نكثوا «1» ، ويعلق ابن القيم (ت 751 هـ) على ذلك بقوله:

«فهاتان قرينتان في غاية القوة كثرة المال، وقصر المدة التي ينفقه كله فيها» «2» .

وتعدّ «القرعة» أيضا وسيلة من وسائل الإثبات، وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم القرعة في عدة مواضع منها: أنه أقرع بين الأعبد الستة الذين أعتقهم سيدهم ولم يكن له مال غيرهم، وأقرع بين رجلين لمّا تنازعا في دابة، وأقرع بين نسائه لما أراد السفر، وكذلك قصة الرجلين اللذين اختصما في مواريث لهما، لم يكن لهما بينة إلا دعواهما وفيها «

فاقتسما وتوخّيا الحق ثم استهما ثم تحالّا» «3» ، وأخرج البخاري (ت 256 هـ) في صحيحه بابا سماه «باب القرعة في المشكلات» «4» أما ابن ماجه (ت 257 هـ) فأخرج بابا سماه «باب القرعة» «5» .

واستخدم النبي صلى الله عليه وسلم «القافة» كوسيلة من وسائل الإثبات، وهي معرفة الشبيه بشبهه، ومعرفة أثر الأقدام وتمييزه، يتضح هذا مما ورد في قصة العرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث قافة فأتى بهم «6» ، واستعملت القافة في إثبات نسب أسامة بن زيد، إذ كان أسودا وأبوه أبيض فدخل مجزز- وكان قافيا- فرأى أسامة وزيدا ينامان في لحاف واحد وقد بدت أرجلهما، فقال: هذه الأقدام- يعنى أقدام أسامة- من هذه، فسرّ النبي صلى الله عليه وسلم «7» ، وقد علق الشافعي (ت 204 هـ) على هذه الحادثة بقوله:«فيه دلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم رضيه وراه علما؛ لأنه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سرّه ما سمع منه- إن شاء الله تعالى- ولا يسر إلا بالحق» «8» .

امتاز القضاء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم «بالاستقلال» فهو لا يقع تحت أي تأثير من شخص أو سلطة أو عرف، واتضح ذلك من خلال قصة المرأة المخزومية التي رواها

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 336، 337) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 106، 107) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 15)(ابن إسحاق) .

(2)

ابن القيم، الطرق الحكمية (ص 8، 9) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 3، ص 237، 238) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 786) .

(4)

م. ن (ج 3، ص 237، 238) .

(5)

ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 780) .

(6)

انظر: البخاري، الصحيح (ج 8، ص 201، 202) . مسلم بشرح النووي (ج 11، ص 154- 156) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 533) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 860) . النّسائي، السنن (ج 7، ص 96) .

(7)

انظر: الشافعي، الأم (ج 6، ص 247) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 787) . ابن القيم، الطرق الحكمية (ص 235) .

(8)

الشافعي، الأم (ج 6، ص 247) .

ص: 230

البخاري (ت 256 هـ) من قول عائشة (ت 58 هـ) : أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم أسامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«أتشفع في حدّ من حدود الله؟!» ثم قام فخطب فقال: «أيّها الناس، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الغنيّ تركوه، وإذا سرق الضعيف منهم أقاموا عليه الحدّ، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» «1» ، وترد إشارة تثبت استقلالية القضاء في حديث معاذ بن جبل (ت 19 هـ) عندما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى اليمن، فقال له:«بم تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟

قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:«فإن لم تجد في سنة رسول الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا الو

» «2» ويلاحظ أن قوله «لا الو» تفيد الاستقلالية وعدم الخضوع لأي نوع من أنواع الضغوط؛ مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يؤيد هذا الفهم من معاذ بقوله: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم» «3» .

ومن الإجراات الإدارية التي أقرّها رسول الله صلى الله عليه وسلم «مبدأ استئناف الحكم وتمييزه» يتضح ذلك من خلال مسألة الزبية التي قضى فيها علي بن أبى طالب باجتهاده، وأصل هذه المسألة أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد فاجتمع الناس على رأسها، فسقط فيها واحد من المجتمعين فجذب ثانيا، وجذب الثاني ثالثا، والثالث رابعا فقتلهم الأسد، فاختلفت قبائلهم حتى كادت تقتتل، فرفع ذلك لعلي بن أبي طالب- وكان قاضيا باليمن- فقال لهم: إني قاض بينكم بقضاء فإن قبلتموه فهو نافذ، وإن لم تقبلوه فهو حاجز بينكم حتى تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أعلم مني بالقضاء، فأمر بهم أن يجمعوا من الذين شهدوا الحادثة دية كاملة ونصف دية، وثلث دية، وربع دية، فقضى للأسفل بربع الدية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة لجذبه لهم، وللذي يليه بثلث الدية، والذي يليه بنصف الدية من أجل أنه هلك فوقه واحد لجذبه، وللأعلى الذي لم يهلك فوقه أحد بالدية كاملة، فمنهم من رضي، ومنهم من كره، حتى وافوا رسول الله بموسم الحج، فلما قضى الصلاة جلس عند مقام إبراهيم فساروا إليه فقال: «إني أقضي بينكم إن شاء

(1) ابن حجر، فتح الباري (ج 15، ص 94- 102) .

(2)

أحمد، المسند (ج 5، ص 230) . وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 98) .

(3)

أحمد، المسند (ج 5، ص 230) . وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 98) . انظر: ظافر القاسمي، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي «السلطة القضائية» (ج 1) ، بيروت، دار الثقافة، (1398 هـ، 1978 م) .

ص: 231

الله» ، فقال رجل من أقصى القوم، إن عليّا قضى بيننا بقضاء اليمن فقال:«وما هو؟» فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الدية على القبائل الذين ازدحموا «1» .

ويفيد هذا النص أن الإسلام قرر في نظمه القضائية جواز استئناف القضايا المحكوم فيها وتميّزها لدى جهة قضائية أخرى.

ويلاحظ من خلال روايات المصادر أنه لم يكن هناك مكان خاص (محكمة) يجلس فيه القاضي للقضاء، فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كما يذكر أبو داود (ت 275 هـ) عن أم سلمة قولها:«اختصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان من الأنصار في مواريث متقادمة فقضى بينهما في بيتي» «2» وعنها كذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون لدي

» «3» وهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين الخصمين أمام حجرة زوجه أم سلمة رضي الله عنها.

وكان «المسجد» مكانا اخر للقضاء، فقد روى البخاري (ت 256 هـ) قول سهل أخي بني ساعدة أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد «4» ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد أن يتلاعنا حتى إذا أتى على حد أمر بأن يخرج من المسجد، فيقام عليه الحد؛ إذ إن المسجد يجب أن ينزه عن أن تقام فيه الحدود نظرا لقدسيته، يتضح هذا من خلال قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنا أمام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فسأله:«أبك جنون؟» قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اذهبوا به فارجموه» «5» وذكر ابن قدامة (620 هـ) ما يؤيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في المسجد للقضاء، فقال:«وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك» «6» .

وقضى النبي صلى الله عليه وسلم في «الطريق» ، فقد أخرج البخاري (ت 256 هـ) في صحيحه بابا سماه «باب القضاء والفتيا في الطريق» «7» .

(1) وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 95- 97) . ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ت 751 هـ) ، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، بيروت، دار الجيل، د. ت (ج 2، ص 58) . الزبية: حفرة تحفر للأسد والصيد ويغطى رأسها بما يسترها ليقع فيها، انظر: ابن منظور، اللسان (ج 14، ص 353) .

(2)

أبو داود، السنن (ج 4، ص 14، 15) .

(3)

م. ن (ج 4، ص 13، 14) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 85) .

(5)

م. ن (ج 9، ص 85، 86) . مسلم بشرح النووي (ج 11، ص 193) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 577) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 854) .

(6)

ابن قدامة، المغني (ج 11، ص 389) .

(7)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 80) .

ص: 232

وهكذا يتبين من خلال الواقع العملي الذي كان عليه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن هناك مجلس خاص للقضاء، وأن المحاكمة كانت علنية في المسجد أو البيت أو الطريق «1» ، ولم تكن الأمور معقدة حتى تحتاج إلى وجود موظفين وكتبة يقومون بالكتابة والتدوين وحفظ السجلات والملفات، إلا ما ورد من إشارات عند الجهشياري (ت 331 هـ) أن عبد الله بن الأرقم، والعلاء بن عقبة كانا يكتبان بين القوم في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء «2» ، ولكن لم تأخذ هذه الكتابة شكلا منظما كما حدث في فترة تالية بعد وضع الدواوين وتنظيمها.

أما تنفيذ الأحكام فكان يقوم به الخصوم أنفسهم، فلا يوجد هناك جهاز يقوم على متابعة الأمور والأحكام لتنفيذها إلا في القضايا التي تحتاج إلى تنفيذ عقوبات أو حدود. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعهد بتنفيذها إلى من يندبه لذلك «3» ، يتضح ذلك من خلال قصة الرجل الذي اعترف على نفسه بالزنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للحاضرين:

«اذهبوا به فارجموه «4» » ، وكما في قصة العسيف (الأجير) الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان يعمل عنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«يا أنيس اغد على امرأة هذا فسلها؛ فإن اعترفت فارجمها» «5» ، قال هشام بن عمار (ت 153 هـ) : فغدا عليها فاعترفت فرجمها «6» ، ولم يكن أنيس الأسلمي جنديّا مخصصا لهذا العمل، وإنما هو رجل من الصحابة حضر هذا القضاء وكان كفؤا للتنفيذ فندب لذلك «7» .

وقام قيس بن سعد بن عبادة (ت 60 هـ) بتنفيذ مجموعة من الحدود بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم مما جعل بعض المصادر تطلق عليه لقب «صاحب الشرطة» فقال البخاري (ت 256 هـ) : «وكان قيس بن سعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من

(1) نعيم ياسين، نظرية الدعوى (ج 2، ص 26) .

(2)

الجهشياري، الوزراء والكتاب (ص 12) . وانظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 2، ص 215، 216) .

(3)

سعود، التنظيم القضائي (ص 167) .

(4)

البخاري، الصحيح (ج 9، ص 85، 86) . مسلم بشرح النووي (ج 11، ص 193) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 577) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 854) .

(5)

ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 853) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 205، 206) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 241) .

(6)

ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 852) . الترمذي، الصحيح (ج 6، ص 205- 206) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 241) .

(7)

سعود، التنظيم القضائي (ص 167) .

ص: 233

الأمير» «1» ولم يكن ذلك على سبيل الوظيفة المخصصة له، فكان البخاري (ت 256 هـ) دقيقا حين قال:«بمنزلة صاحب الشرطة» ، إذ إن هذه الوظيفة ظهرت فيما بعد. يقول ابن حجر (ت 852 هـ) :«وعلى هذا فكان قيسا من وظيفته أن يفعل ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يأمره سواء كان ذلك خاصّا أو عامّا، وفي الحديث تشبيه بمعنى حدث بعده؛ لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودا في الزمن النبوي فأراد أنس، وهو راوي الحديث- تقريب حال قيس عند السامعين فشبههه بما يعهدونه» «2» ، وقام بهذه المهمة كذلك مجموعة من الصحابة بتكليف من الرسول صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبى طالب، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن ثابت «3» ، وهذا كان نواة لنظام العسس الذي اتسع فيما بعد، وأصبح يقوم بمهمات كثيرة، منها العسس، وإقامة الحدود، والتعازير إلى غير ذلك «4» .

ولما كان من الناس من لا يثنيه الوعظ ولا يقوده للاستجابة إلى الحق، كان من الضروري تنفيذ الأحكام بطريق «التنفيذ الجبري» ، ومن وسائله الترسيم «5» والسجن أو الحبس، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة، يروي البخاري (ت 256 هـ) :

«أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد» «6» وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) في معرض حديثه عن بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت 5 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم حبسهم في دار رملة بنت الحارث- امرأة من الأنصار- حتى ضرب أعناقهم» «7»

(1) البخاري، الصحيح (ج 9، ص 8) . وانظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1289) . ابن القيم، زاد المعاد (ج 1، ص 65) .

(2)

ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 156، 157) .

(3)

ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 396) . ابن القيم، زاد المعاد (ج 1، ص 65) . ابن الجوزي، تلقيح مفهوم الأثر (ص 81) .

(4)

كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي (ط 1) بيروت، دار العلم للملايين، (1948 م) ، (ص 50، 51) . محمد الشريف الرحموني، نظام الشرطة في صدر الإسلام إلى أواخر القرن الرابع الهجري، الدار العربية للكتاب، (1983 م) ، (ص 52، 53) .

(5)

أصل الترسيم، مأخوذ من قولهم: رسم كذا أي كتب، والروسم: بالسين والشين، خشبة بها كتابة يختم بها الطعام أو الغلة على البيدر. انظر: ابن منظور: اللسان (ج 11، ص 242) .

(6)

البخاري، الصحيح (ج 1، ص 127) ، (ج 3، ص 161) ، (ج 5، ص 214، 215) . النّسائي، السنن (ج 2، ص 46) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 294، 295) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 240) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 313) . الكتاني، التراتيب-

ص: 234

وروى النسائي (ت 303 هـ) : «أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ثم خلّى سبيله» «1» وذكر الحاكم (ت 405 هـ) : «أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة يوما وليلة، استظهارا واحتياطا» «2» .

ويفيد النص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحفظ على بعض الأشخاص المتهمين وهو ما سمّي فيما بعد «بالحبس الاحترازي» ، ويذكر البيهقي (ت 458 هـ) : «أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا من جهينة أعتق شركا له في مملوك فوجب عليه استتمام عتقه

» «3» .

وتشير المصادر أن السجن لم يكن للرجال فقط، بل تعدى ذلك إلى النساء، فيروي ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خيلا تجاه قبيلة طيّىء فسبت خيله بنت حاتم الطائي فجعلت في حظيرة بباب المسجد كانت النساء يحبسن بها» .

هذا وقد عرف السجن في الأمم الماضية، فتشير الايات إلى ذلك على لسان يوسف عليه السلام:

قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي [يوسف: 33] وقوله: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف: 42] وكذلك وردت إشارة تبين مشروعية السجن، وذلك من خلال حديث القران عن عقوبة الزنا للنساء، وذلك في العهد المكي قبل نزول اية الجلد، فيقول الله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: 15] .

والحبس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد أو بتوكيل نفس الخصم أو وكيل الخصم عليه «5» . ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا، كما روى أبو داود (ت 275 هـ) وابن ماجه (ت 275 هـ) عن الهرماس بن حبيب عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي: «الزمه» ، ثم قال: «يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل

- الإدارية (ج 1، ص 294- 295) .

(1)

أبو داود، السنن (ج 4، ص 46، 47) . النّسائي، السنن (ج 8، ص 68) . الحاكم، المستدرك (ج 4، ص 102) . القرطبي، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 4) .

(2)

الحاكم، المستدرك (ج 4، ص 102) .

(3)

البيهقي، السنن (10) ، (ص 274) . القرطبي، أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم (ص 5) .

(4)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 579) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 313) . الكتاني، التراتيب (ج 1، ص 300) .

(5)

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الدمشقي (ت 728 هـ) ، الفتاوى الكبرى، الطبعة الأولى، (1398 هـ) ، د. ت (ج 35، ص 398) .

ص: 235

(1) أبو داود، السنن (ج 4، ص 46) .

(2)

ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 811) .

(3)

ابن تيمية، الفتاوى الكبرى (ج 35، ص 399) .

ص: 236