الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام
ثالثا: الإدارة في مكة
«1»
إن المعلومات المتوافرة عن الأحوال الإدارية في هذه المنطقة محدودة جدّا، وأغلبها مستمدّ من الأوضاع السائدة في مكة ويثرب قبل الإسلام، التي كان فيها- أي مكة- تنظيمات قائمة لسدّ الحاجة، وتأمين الدفاع عن مكة وتنظيم شؤون العبادة فيها.
وتشير المصادر «2» إلى دور شخصيتين مهمتين في تكوين النظام الإداري لمكة وهما:
قصي بن كلاب، وهاشم بن عبد مناف، وقد تعاقبت على مكة قبل ذلك مجموعة من القبائل، ابتداء بولاية إسماعيل عليه السلام وانتهاء بولاية خزاعة، حيث كانت تلي أمر البيت فهم حجابه وخزانه والقوام به «3» .
وأول ما يواجهنا في إدارة قصي «الإدارة المدنية» ، إذ استطاع أن يجمع قبائل قريش من الشعاب، ورؤوس الجبال، وقسّم مكة أرباعا بين قومه، فبنوا المساكن، وكانوا ينكرون البناء بمكة تعظيما للبيت، ولا يدخلون مكة نهارا، فإذا جاء الليل خرجوا إلى منطقة الحل، فلما جمع قصي قومه أذن لهم ببناء البيوت «4» ، فنزل بنو بغيض بن عامر
(1) مكة: «سميت بهذا الاسم؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، أو من الازدحام. وقيل: مكة اسم المدينة، وبكة اسم البيت وتسمى أيضا: الرأس، وصلاح، وأم رحم، وأم القرى، وغيرها» . ابن الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد الهمداني (ت 340 هـ) مختصر كتاب البلدان، ليدن بريل سنة (1302 هـ، 1885 م)(ص 16، 17) . وانظر: الزمخشري، الكشاف (ج 1، ص 446، 447) . السيوطي، عبد الرحمن جلال الدين (ت 911 هـ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، (ط 1) بيروت، دار الفكر العربي سنة (1403 هـ، 1983 م) ، (ج 2، ص 266) .
(2)
ابن هشام أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري (ت 218 هـ) السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقّا واخرون (ط 2) القاهرة، دار الكنوز الأدبية (1955 م)(م 1، ص 111- 113) . وابن سعد محمد بن سعد (ت 230 هـ) الطبقات الكبرى، بيروت، دار صادر د. ت (ج 1، ص 52) . والأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد (ت 250 هـ) أخبار مكة (ج 1) بيروت مكتبة خياط د. ت (ج 1، ص 44- 46) . والفاسي: تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد (ت 832 هـ) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، مكتبة النهضة الحديثة سنة (1956 م)(ج 1، ص 357، 358)(ج 2، ص 23) .
(3)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 59) ابن إسحاق، وابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت 774 هـ) السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار المواحد (1402 هـ)(ج 1، ص 60، 61) .
(4)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 55) . وابن حبيب محمد بن حبيب بن أمية (ت 245 هـ) المنمق في أخبار قريش، تصحيح خورشيد أحمد فاروق (ط 1) حيدر أباد، مطبعة المعارف العثمانية سنة (1384 هـ، 1964 م) ، -
وبنو تيم، وبنو محارب بن فهر بظواهر مكة، فسمّوا «قريش الظواهر» «1» وسميت سائر البطون ب «قريش البطاح» وبذلك سمي قصي مجمعا «2» فقال شاعرهم:
أبو كم قصيّ كان يدعى مجمعا
…
به جمع الله القبائل من فهر
وأنتم بنو زيد أبوكم
…
به زيدت البطحاء فخرا على فخر «3»
استطاع قصي بهذا الفعل أن يكسب ودّ قومه، فنصّبوه رئيسا عليهم، وكان أول رجل من ولد كعب بن لؤي ترأس عليهم وأطاعوه «4» .
أنشأ قصيّ لقومه دار الندوة «5» كمركز للحكم والإدارة في مكة، (فكانوا لا ينكحون ولا يتشاورون في أمر، ولا يعقدون لواء بالحرب إلا منها، ولا يدخلها إلا من بلغ سن الأربعين، وكانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة، ثم يشق عليها قيم الدار درعها، ثم تنحجب، وكان قصي يفعل ذلك بيده، ثم أصبحت سنة من بعده
- (ص 83، 84) . الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 60، 61) . والبلاذري أحمد بن يحيي بن جابر (ت 279 هـ) أنساب الأشراف د. ت (ج 1، ص 39) . اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن جعفر (ت 292 هـ) تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر (1960 م)(ج 1، ص 240) .
(1)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 73) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 39) . الطبري، محمد بن جرير (ت 310 هـ) تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف د. ت (ج 2، ص 51) . ابن الأثير أبو الحسن علي بن أبي الكرم (ت 630 هـ) الكامل في التاريخ، بيروت، دار الكتاب العربي سنة (1967 م)(ج 2، ص 13) .
(2)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 55) ابن حبيب، المنمق (ص 83، 84) الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 63، 64) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 239) . اليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 240، 241) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 13) .
(3)
الشعر لحذافة بن غانم بن عامر القرشي. انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 71) . وابن حبيب، المنمق (ص 84) واليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 240) والطبري، تاريخ (ج 2، ص 256) . (ابن الكلبي) . وابن عبد ربه، شهاب الدين أحمد محمد بن محمد الأندلسي (ت 328 هـ) العقد الفريد تحقيق: محمد سعيد العريان، دار الفكر د. ت (ج 3، ص 235) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 124)(ابن إسحاق) . والأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 61- 64) . واليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 240، 241) . ذكرت هذه المصادر: أن أهل مكة نصّبوا قصيّا ملكا، ويبدو لي أن هذه التسمية غير دقيقة، بدليل أن قريشا رفضوا أن يتملك عليهم أحد- كما هو واضح- في قصة عثمان بن الحويرث. انظر: الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 143، 144) . والفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 108) .
(5)
قال السهيلي: «دار الندوة: هي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور. ولفظها مأخوذ من لفظ الندي والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم يندون حوله، وهذه الدار صارت بعد بني الدار إلى حكيم بن حزام فباعها بمائة ألف درهم في زمن معاوية» . السهيلي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد (ت 581 هـ) الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، مصر، دار الكتب المصرية د. ت (ج 2، ص 55) .
حيث كانوا يتبعون ما كان عليه في حياته كالدين المتبع) «1» .
ومن هذه الدار كانت تنطلق قوافل قريش للتجارة، وفي فنائها تحط القوافل إذا رجعت «2» ، فكانت تشكل مركز مكة الرئيسي في معاملاتها الخاصة والعامة.
وكان أهل مكة يجتمعون في فناء الكعبة، ويسمى «بنادي القوم» أما دار الندوة فلا يدخلها إلا سادات القوم ووجوههم، وأولو الرأي والشورى فيهم، وهؤلاء يمثلون عادة العشائر والقبائل المختلفة، وكانت هناك نواد خاصة للبطون والأفخاذ تنظر فيها أمورها الخاصة ومشاكلها الداخلية «3» .
وكان هؤلاء الذين يدخلون دار الندوة يسمون «الملأ» «4» وهم رجال الإدارة في مكة ينظمون شؤونها العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون الخضوع لقانون مكتوب أو دستور منظم، وترد الإشارة القرانية وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: 23] «5» ، لتوضح مواد هذا القانون وعناصره.
ويلاحظ أن قرارات هؤلاء في معالجة ما يعرض من مشكلات، وما يجد من قضايا مختلفة، وما يتخذ من إجراات، لم تكن ملزمة لأهل مكة إلا بالإجماع عليها، ويشير إلى ذلك الفاسي (ت 832 هـ) بقوله:«لم يكن أحد من هؤلاء متملكا على بقية قريش، إنما ذلك بتراضي قريش عليه» «6» . وربما قام وجوه العشائر والأسر بدور أكثر فاعلية من دور «الملأ» ، ولا سيما في الأمور التي لم تكن تخص مكة بشكل عام «7» .
(1) ابن هشام، السيرة (م 1، ص 125)(ابن إسحاق) . وانظر ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 77) . والأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 65، 66) . واليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 241) . والطبري، تاريخ (ج 2، ص 258، 259) . وابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 21) . وابن خالدون، عبد الرحمن محمد الحضرمي (ت 808 هـ) تاريخ ابن خالدون (ج 1، ص 16، 17) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 125) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 258، 259) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 13) .
(3)
الدوري، نظم (ص 10) . جواد علي، المفصل (ج 4، ص 48) .
(4)
وردت كلمة (الملأ) كثيرا في القران بمعنى جماعة، يجتمعون على رأي. ويبدو أن المراد بها في أكثر تلك المواضع: علية القوم من ذوي الرأي والمكانة. وذكر أن الملأ: التشاور، تشاور الأشراف والجماعة في أمرها. انظر: الطبري محمد بن جرير (ت 310 هـ) تأويل اي القران تحقيق محمد محمود شاكر، مصر، دار المعارف د. ت (ج 5، ص 291) . والأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 502 هـ) المفردات في غريب القران، تحقيق محمد سيد الكيلاني، بيروت، دار المعرفة (ص 473) . والزّبيدي، التاج (ج 1، ص 119) .
(5)
الزمخشري، الكشاف (ج 3، ص 484) . والرازي، تفسير (ج 27، ص 206) . والقرطبي، الجامع (ج 16، ص 75) . والسيوطي، الدر المنثور (ج 7، ص 370) .
(6)
الفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 108) . وانظر: جواد علي، المفصل (ج 4، ص 48، 49) . والدوري، نظم (ص 10) .
(7)
جواد علي، المفصل (ج 4، ص 48) .
لم يكن أهل مكة يخضعون لحكم ملكي أو وراثي، فليس هناك ملك متوج، ولا رئيس واحد يحكمها، وإن كان هناك شخص بارز في «الملأ» هو بمثابة رئيس الملأ إلا أنه لا يستطيع أن يقرر أمرا بعيدا عن مجلس «الملأ» «1» ، وهكذا فإن هناك تشابها كبيرا بين مجلس «الملأ» في مكة، وبين مجلس «شيوخ أثينا» - في القديم- الذين كانوا يجتمعون في المجلس (EKiesia) للنظر في الأمور «2» .
لقد تطورت الممارسات الإدارية في مكة لتصبح «المشورة» وظيفة خاصة يقوم بها أناس من ذوي الرأي والعقل والحنكة، وكان بنو أسد هم أصحاب هذه الوظيفة، فكان أهل مكة إذا أرادوا أمرا ذهبوا إلى «يزيد بن زمعة» (ت 8 هـ) من بني أسد، فيعرضونه عليه «فإذا وافقهم والاهم عليه، وإلّا تخيّر وكانوا له أعوانا» «3» .
وقد حاول بعضهم أن يخترق النظام الإداري لمكة ويعلن نفسه ملكا عليها، فذهب «عثمان بن الحويرث» «4» إلى قيصر، وطلب منه أن يملّكه على قريش، مقابل أن يدخل قريشا في طاعة روما، ويبدو أن الحكام البيزنطيين رأوا في عثمان الشخصية التي يمكنهم بها أن يلعبوا دورا ما في الجزيرة العربية، ولكن أهل مكة رفضوا أن يتملك عليهم عثمان، وانتهى الأمر باغتياله في بيت أحد أقربائه في مكة «5» .
أما «الإدارة الدينية» في مكة فتشمل الوظائف الخاصة بالكعبة ومناسك الحج، وقد قسمت هذه الوظائف بعد وفاة قصي بين بطون مكة وأفخاذها «6» .
(1) قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] . قال ابن عباس: «القريتان: مكة والطائف، والرجلان: عروة بن مسعود والوليد بن المغيرة» . انظر: الرازي، تفسير (ج 27، ص 209) . والقرطبي، الجامع (ج 16، ص 83) . السيوطي، الدر المنثور (ج 7، ص 374) .
(2)
جواد علي، المفصل (ج 4، ص 47) .
(3)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) . وانظر: الألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 249) . أحمد أبو الفضل، مكة في عصر ما قبل الإسلام، (ط 1) ، الرياض، مطبوعات الملك عبد العزيز سنة (1398 هـ، 1978 م)(ص 60) .
(4)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 144) . والزبير بن بكار (256) جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق محمود شاكر (ج 1) القاهرة، دار العروبة (1381 هـ)(ص 209، 210) . والفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 108) . وجواد علي، المفصل (ج 4، ص 92) .
(5)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 144) . العقد الفريد، ابن بكار، جمهرة (ص 210) . والفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 108) . ابن حزم، جمهرة (ص 118) . الزّبيدي، مصعب بن عبد الله (236 هـ) نسب قريش، نشرة بروفنسال، دار المعارف د. ت (ص 210) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 130)(ابن إسحاق) . وابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 72، 73) . -
وأهم هذه الوظائف وظيفة «الرفادة» ، فقد فرض قصي على قريش خرجا تخرجه من أموالها، وتدفعه إليه، فيصنع به طعاما يقدمه للحجاج في أيام عرفات ومنى، على اعتبار أن الحجاج هم ضيوف الله «1» ، فقال لهم كما يروي ابن إسحاق (ت 151 هـ)«يا معشر قريش، إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله، وزوّار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، يصدروا عنكم، ففعلوا» «2» . ويدل هذا العمل على حكمة قصي؛ لأن إمداد الحجاج بالطعام يدعوهم إلى القدوم إلى مكة، ويكسب سكان الحرم وأهله احتراما وتقديرا لدى القبائل الضاربة في أعمال البوادي، والنازلة على خطوط القوافل وطرقها، وظهر هذا الكلام في شعر الأعراب الذين مدحوا قصيّا فقالوا: -
اب الحجيج طاعمين دسما
…
أشبعهم زبد قصي لحما «3»
ولبنا محضا وخبزا هشما
لقد أفاضت المصادر في ذكر فضائل هاشم وكرمه؛ إذ اشتهرت هذه الوظيفة في زمنه «4» ، فكان يطعمهم الخبز والثريد، فقال الشاعر يمدحه ويصف كرمه:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه
…
قوم بمكة مسنتين عجاف
سنت إليه الرحلتان كلاهما
…
سفر الشتاء ورحلة الأصياف «5»
ويظهر أن الذي كان يتولى الرفادة من بني هاشم هم الأغنياء؛ لأنها تحتاج إلى مال وثروة، فوليها المطلب بن هاشم، ومن بعده عبد المطلب، فأقامها للناس، وشرف في قومه، فكانت هذه الوظيفة في نسله، فوليها العباس بن عبد المطلب «ت 32 هـ» ، وظهر الإسلام وهو على ذلك، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» .
- الأزرقي، أخبار مكة (ج 2، ص 66، 67)(ابن إسحاق) . والبلاذري، أنساب (ج 1، ص 52) .
(1)
ابن هشام، السيرة (م 1 ص 130) . وابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 72، 73) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 130) . وانظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 73) . والبلاذري، أنساب (ج 1، ص 53) .
(3)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 51) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 1 ص 130)(ابن إسحاق) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 73) . الأزرقي، أخبار مكة (ج 2 ص 67)(ابن إسحاق) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 52) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 251- 254)(محمد بن أبي بكر) .
(5)
الشعر للشاعر عبد الله بن الزبعري. انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 136) . القالي أبا علي إسماعيل بن القاسم البغدادي (ت 356 هـ) ذيل الأمالي والنوادر ط 3 مطبعة إسماعيل بن يوسف د. ت (ص 201) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1 ص 135، 136، 147) . وابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 81- 83) . -
وهكذا، فإنه نظرا لشح الماء في مكة، واضطرار الناس إلى جلبه من أماكن بعيدة، قام هاشم وحفر بئرا، كما فعل قصي من قبل، فيسر بذلك الماء لمكة «1» ، وتكمن أهمية السقاية من كون مكة بلدا شحيحا في مياهه، حارّا في مناخه.
أصبحت وظيفة السقاية بالغة الخطورة، بعد أن طمرت بئر زمزم، وكانت عملية السقاية تتم عن طريق جمع الماء في حياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، وينقل إليها الماء العذب من الابار على الإبل في المزاود والقرب، وربما قذف فيها التمر والزبيب لكسر ملوحتها «2» .
أخذ هاشم يسقي الحجاج؛ قربة إلى رب البيت مادام حيّا، فكان يفعل ذلك طوال حياته «3» ، ثم استقرت هذه الوظيفة في عقبه، فتشير الروايات إلى أن عبد المطلب جهز الحجاج بالماء العذب «4» ثم حفر بئر زمزم «5» ، فكان يقدم الماء ويمزجه بالزبيب «6» .
ويبدو أن موضوع السقاية لم يقتصر على الماء، بل تعدى ذلك إلى أن يقدم عبد المطلب للحجاج الحليب مع العسل «7» ، وقام بوظيفة السقاية بعده ابنه العباس (ت 32 هـ)«8» .
هناك روايات تبين مدى التنافس بين أشراف مكة في توفير ماء الشرب للحجاج «9» ، فقيل: إن سويد بن هرمي، كان أول من أعطى الحجاج الحليب ليشربوا «10» ، كما أعطى أبو أمية بن المغيرة «زاد الراكب» وأبو وداعة السهمي الحجاج عسلا «11» .
- والأزرقي أخبار مكة (ج 1، ص 71) . والطبري، تاريخ (ج 2، ص 251- 254)(محمد بن أبي بكر) . والنويري، نهاية الأرب (ج 17، ص 313) . الحلبي، نور الدين أبو الفرج علي بن برهان (ت 1044 هـ) إنسان العيون في سيرة الأمين والمأمون «السيرة الحلبية» (ج 1، ص 16، 17) . الألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 250) .
(1)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 78) . والأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 69) . والزّبيدي، تاج العروس (ج 3، ص 36) .
(2)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 66) . والطبري، (ابن إسحاق) . والنويري، نهاية الأرب (ج 16، ص 35) . والحلبي، السيرة (ج 1، ص 16) . كسر ملوحتها: تحليتها.
(3)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 78) . والنويري، نهاية الأرب (ج 16، ص 35) .
(4)
المسعودي، علي بن الحسين (ت 346 هـ) مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت، دار الأندلس سنة (1965 م)(ج 3، ص 103) .
(5)
المسعودي، مروج (ج 2، ص 103) . الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 70) .
(6)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 70) .
(7)
م. ن (ج 1، ص 70) .
(8)
السيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 144، 145) . ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) .
(9)
الزّبيدي، نسب قريش (ص 32، 197، 198) .
(10)
م. ن (ص 342) .
(11)
ابن حبيب، المحبّر (ص 177) . كستر، الحيرة ومكة وتميم وصلتها بالقبائل العربية، ترجمة يحيى الجبوري، جامعة بغداد، سنة (1396 هـ، 1976 م)(ص 55، 56) .
وتشير الاية إلى هذا التنافس، حيث أصبحت هذه الوظيفة من مفاخر قريش الكبرى، قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ «1» [التوبة: 19] وهكذا؛ يبدو لنا أن السقاية لم تكن وظيفة فردية بقدر ما كانت ذات صفة أو سلطة رسمية.
وأما السدانة «الحجابة» وهي رعاية البيت «2» ، والقيام على خدمة الزائرين، فكانت من الوظائف المهمة، ولا سيما أن الكعبة تعدّ من أقدس مقدسات العرب، فكانت ولايتها إلى بني عثمان من عبد الدار، ثم وليها عبد العزى بن عثمان ثم أبو طلحة (عبد الله بن عبد العزى) ، ثم وليها ولده، حتى كان فتح مكة فأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم مع عثمان بن طلحة «ت 42 هـ» «3» .
ويلاحظ أن هذه الوظيفة بقيت في نسل عثمان إلى يومنا هذا، ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«خذوها يا ال عثمان خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» «4» . وكذلك فإن «العمارة» كانت من مفاخر قريش؛ إذ أشار القران الكريم إلى ذلك بقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: 19] وكان يقوم بها العباس (ت 32 هـ) وشيبة بن عثمان، وكانت هذه الوظيفة تعني أن يمنع من يتكلم بالسوء في البيت الحرام «5» .
وكانت هناك وظائف إدارية دينية أخرى، ولكنها أقل شأنا من سابقاتها، فالإفاضة من مزدلفة كانت في «عدوان» ، حيث لا يفيض الناس حتى يفيض من يتولى هذه المهمة من عدوان، يتوارثون ذلك أبا عن جد، حتى كان اخرهم الذي قام عليه الإسلام «أبو سيارة عميلة بن الأعزل» «6» .
وأما الأموال التي تسمى للالهة، وهي «الأموال المحجرة» ، فكانت وظيفة للحارث ابن قيس من بطن سهم «7» . وكان صفوان بن أمية (ت 41 هـ) من جمح، يتولى عملية
(1) انظر: الطبري، تفسير (ج 14، ص 172) .
(2)
الألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 24، 249) . أبو الفضل، مكة في عصر ما قبل الإسلام (ص 60، 69) .
(3)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 22) . ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي، (ت 456 هـ) ، جمهرة أنساب العرب، تحقيق عبد السلام هارون، مصر، دار المعارف (1382 هـ، 1962 م)(ص 127) . أبو الفضل، مكة (ص 60) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 2، 412) .
(5)
الطبري، تفسير (ج 14، 172) . وابن حجر، الإصابة (ج 2، ص 271) . وابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1 ص 120، 121) . وابن كثير، السيرة النبوية (ج 1، ص 95) .
(7)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 249) . وأبو الفضل، مكة (ص 60) .
«الايار» إذ كانت الأزلام تضرب عند هبل «1» . ويمكن القول إن هذه الوظيفة كانت ذات هدف اقتصادي؛ إذ تجمع الأموال باسم الالهة، وقد أبطلها الإسلام، وأشارت الاية إلى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: 90] .
وكانت «صوفة» وهي من جرهم تتولى أمر «الإجازة» بالناس من عرفة إذا نفروا إلى منى، وبقيت كذلك حتى قاتلهم قصي، وتولى هو هذه الوظيفة، وهناك روايات تشير إلى أنها (أي جرهم) تولت ذلك حتى انقرض اخرهم «2» ، وبعد تقسيم الوظائف الإدارية بين بطون قريش وأفخاذها، ورثت تميم هذه الوظيفة، كما يقرر ابن حزم (ت 456 هـ) في جمهرته «3» .
وهناك وظيفة أخرى غريبة هي «النسيء» فكانت تلي ذلك كنانة، فكانوا ينسئون الشهور، يلي ذلك منهم بنو ثعلبة بن الحارث بن مالك، وكانوا يسمون «القلامسة» فكان يقوم «القلمس» أيام التشريق، فيسألونه أن يؤخر المحرم، فيؤخر «المحرم» «4» .
وقد أشارت الاية إلى هذه الوظيفة وجعلتها جزا من الكفر: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً [التوبة: 37] .
أما «الإدارة المالية» لمكة فلها أهمية خاصة، ويمكن القول: إن الوظائف الدينية في كثير من جوانبها ترتبط ارتباطا وثيقا بإدارة مكة الناجحة لشؤون تجارتها وأموالها.
تقع مكة في واد غير ذي زرع، لذلك كان عماد حياة أهلها التجارة، وهناك إشارة تبين أن قريشا كانوا تجارا، ولم تكن تجارتهم تتجاوز مكة، فكان التجار يحملون تجارتهم إلى مكة يبيعون بضائعهم لأهلها «5» ، وبقيت تجارتهم كذلك حتى ذهب هاشم إلى الشام، وأظهر من الكرم وحسن المعاملة ما جعل قيصر يسمع به ويقربه، وطلب من قيصر أن يكتب له كتابا يؤمن به تجارة مكة، وكذلك فعل هاشم مع
(1) م. ن (ج 3، 26) . م. ن (ج 1، 249) . م. ن (ص 60) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 119) . والطبري، تاريخ (ج 2، ص 257)(ابن إسحاق) ابن كثير، السيرة (ج 1، ص 95) . الشيخ الرئيسي أبو البقاء وهبة الله الحلّي (المتوفى في النصف الأول للقرن السادس) . المناقب المزيدية تحقيق صالح درادكة ومحمد خريسات ط 1 مكتبة الرسالة عمان (1404 هـ، 1984)(ص 321- 323) .
(3)
ابن حزم، جمهرة (ص 12، ص 303) . وكستر. الحيرة (ص 78، 79) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 43) . وابن حبيب، المحبّر (ص 156، 157) المنمق (ص 273) . والطبري، تاريخ (ص 280) . وابن حزم، جمهرة (ص 189) . وأبو البقاء، المناقب المزيدية (ص 320) .
(5)
القالي، ذيل الأمالي (ص 201) . وكستر، الحيرة ومكة (ص 43) .
سادات القبائل وأشرافهم «1» ، وبحسب روايات المصادر، يكون هاشم أول من أخذ الإيلاف «2» ، ثم أخذه المطلب من اليمن، وعبد شمس من الحبشة، ونوفل- أصغرهم- من العراق «3» ، وبذلك استطاع أهل مكة أن يديروا تجارة دولية واسعة شملت هذه الدول جميعا.
ويلاحظ أن هاشما قد جعل للقبائل جزا من أرباحه، وأشركهم في تجارة مكة، يقول الجاحظ (ت 255 هـ) :«وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب، وجعل لهم ربحا» «4» ، وقال:«فكان المقيم رابحا، والمسافر محظوظا» «5» .
أما على المستوى الداخلي، فقد استطاع هاشم أن يشرك الفقراء مع الأغنياء في التجارة، وصارت القوافل مشروعا مشتركا، يشترك فيها أهل مكة جميعا، وقد ظهر هذا في أبيات مطرود بن كعب القائل:
والخالطين فقيرهم بغنيّهم
…
حتى يكون فقيرهم كالكافي «6»
(1) ابن حبيب، المنمق (ص 31- 40) . المحبّر (ص 162) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 252)(محمد بن الكلبي) . القالي، ذيل الامالي (ص 201) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 16) .
(2)
سمى ابن سعد (ت 230 هـ) الإيلاف (حلفا) . ويستعمل ابن حبيب (ت 245 هـ) كلمة (الإيلاف) . ويستعمل البلاذري (ت 279 هـ) كلمة (عصام)، ويستعمل الطبري (ت 310 هـ) الكلمتين (عصام وجعل) . ويستعمل القالي (ت 356 هـ) كلمة (العهد) . انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 75- 80) . ابن حبيب، المحبّر (ص 162) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 59) . الطبري، (ج 2، ص 252) . القالي، ذيل الأمالي (ص 201) .
(3)
ابن حبيب، المنمق (ص 31- 40) . المحبّر (ص 162) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 59) . اليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 242) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 252) . (محمد بن الكلبي) . القالي، ذيل الأمالي (ص 201) . العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله (ت 395 هـ) الأوائل، تحقيق محمد السيد الوكيل، المدينة المنورة، سنة (1966 م)(ص 17) . والثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت 429 هـ) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، دار المعارف سنة (1965 م)(ص 115، 116) . وصالح درادكة، إيلاف قريش، مجلة دراسات تاريخية، جامعة دمشق، العددان:(17، 18) ، (1984 م)(ص 55) .
(4)
الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر (ت 255 هـ) رسائل الجاحظ، جمع حسن السندوبي، القاهرة، المكتبة التجارية سنة (1933 م)(ص 70) . والثعالبي، ثمار القلوب (ص 115، 116) . القالي، ذيل الأمالي (ص 201) .
(5)
الجاحظ، رسائل (ص 71) .
(6)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 58)(ابن الكلبي) . واليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 241، 242) . الطبرسي، وأبو علي الفضل بن الحسين، مجمع البيان في تفسير القران، تحقيق السيد هاشم الرسولي الملالي، والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي (ط 1) بيروت، دار المعرفة (1406 هـ، 1986 م)(ج 10، ص 827- 831)(سورة قريش) . وكستر، الحيرة ومكة (ص 51) .
وبهذه الإدارة الجيدة من هاشم على المستويين الخارجي بأخذ الإيلاف من رؤساء الدول والقبائل العربية، والداخلي بإشراك أصحاب المبالغ الصغيرة مع الأغنياء، توسعت تجارة قريش، وأصبحت تلعب دورا مهمّا في التجارة الدولية في ذلك الوقت.
وبحكم موقع مكة ودورها التجاري وتوسطها القبائل العربية، أصبحت مكة سوقا للتبادل التجاري، تحصل القبائل العربية منها على حاجاتها، واستطاعت مكة أن تحافظ على هذا المركز بأن حرّمت الظلم في أسواقها، ومن أجل هذه الغاية كان حلف الفضول «1» ، حيث تعاقدت خمسة بطون قرشية ألاتدع مظلوما إلا نصرته «2» ، ويظهر أن هذا الحلف جاء بعد حصول نوع من التجاوزات في الأسواق المكية، وترد إشارات إلى أن هذه الأسواق كانت تدار بطريقة دقيقة، فكان لكل سوق قوم ينظمون شؤونه، ويحافظون على الأمن والنظام فيه، وكان هناك من يحمل السلاح في الأسواق لردّ المظالم «3» . ويشير إلى ذلك اليعقوبي (ت 292 هـ) بقوله:«وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا المحلين، وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة المحرمين» «4» .
وتشير الروايات إلى دقة إدارة هذه الأسواق، فلكل سوق تاريخ معين يفترض ألا تتجاوزه، فيسمى لها تاريخ معين تبدأ فيه، ويسمى لها تاريخ تنتهي فيه، وقد ذكر هذه التواريخ مفصلة ابن حبيب (ت 245 هـ) في المحبّر «5» ، واليعقوبي (ت 292 هـ) في التاريخ «6» ، والقلقشندي (ت 821 هـ) في صبح الأعشى «7» .
(1) قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول: «شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم وإني أنكثه» رواه أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) . مسند أحمد، بيروت، دار صادر، المكتب الإسلامي. د. ت (ج 1، ص 190، 193) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 122) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 126- 128) . وابن حبيب، المحبّر (ص 167) . المنمق (ص 45- 50) . والمقدسي، مظهر بن طاهر (ت 360 هـ) كتابه البدء والتاريخ، بغداد مكتبة المثنى سنة (1899 م)(ج 4، ص 137) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 122) . وابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 126) . وابن حبيب، المنمق (ص 45- 50) . المحبّر (ص 167) . واليعقوبي، تاريخ (ج 3، ص 17، 18) . والفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 99، 100) .
(3)
جواد علي، المفصل (ج 7، ص 369) .
(4)
اليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 271) .
(5)
ابن حبيب، المحبر (ص 263- 268) .
(6)
اليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 236) .
(7)
القلقشندي، أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد (ت 821 هـ) صبح الأعشى في صناعة الإنشا، القاهرة، وزارة الثقافة المصرية د. ت (ج 1، ص 410)(نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية) .
وظهر في مكة نظام «الحمس» وهو ذو دلالة اقتصادية، وكانت مكة تطبقه على غير القرشيين، وهناك صلة بين نظام «الإيلاف» ونظام «الحمس» «1» ، فالإيلاف امتازت به مكة عند القبائل العربية والدول المجاورة خارج مكة، و «الحمس» امتازت به مكة عند القبائل داخل مكة أيام الموسم «2» .
وتشير المصادر إلى أن مكة أصبحت سوقا مالية، فقد لعب الصيارفة دورا رئيسيّا في الحياة الاقتصادية، فكان هؤلاء يديرون عملية تبادل السلع والعملات، ويقرضون التجار، وأحيانا كان يلجأ الصيرفي إلى التجار في حالة الإفلاس، فيشير المبرد (ت 285 هـ) : «أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لديه
…
فسأل جماعة من الجيران أن يسيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا لمبادلته
…
فذهبوا إليه» «3» وهذا يدل على أن الصيارفة كانوا يتاجرون بالأموال، فهم مركز مصرفي أخذا وعطاء.
بقي أن نذكر في إدارة مكة المالية قضية «الضرائب» التي كانت تأخذها مكة. فقد اصطلحت قريش أن تأخذ ممن كان ينزل عليها في الجاهلية حقّا دعته «حق قريش» «4» ، فكانوا يأخذون من الغريب القادم إليهم عن هذا الحق بعض ثيابه أو بعض بدنته التي ينحر. ونجد مثلا على ذلك (أن ظويلم- مانع الحريم- خرج يريد الحج فنزل على المغيرة بن عبد الله المخزومي، فأراد المغيرة أن يأخذ منه ما كانت قريش تأخذ فامتنع عليه ظويلم)«5» .
وكانت هناك ضريبة «العشر» مقررة في كل سوق، يستوفيها عشارون ممن يبيع ويشتري المشرف على السوق ومن في أرضه يقام «6» . ومن هنا، فقد تنافس هؤلاء
(1) الحمس: قال ابن إسحاق: «وقد كانت قريش- لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت قضية الحمس، فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، فأصبحوا لا يعظمون شيئا من الحل كما يعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت بكم العرب، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها» . انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 199) . وانظر الأزرقي، أخبار (ج 1، ص 118، 119) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 1، 199) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 72) . ابن حبيب، المحبّر (178، 179) . الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 119- 123) . الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (ت 255 هـ) البلدان، نشره صالح العلي مستلة من مجلة كلية الاداب بغداد مطبعة الحكومة سنة (1970)(ص 472) . ودرادكة، الإيلاف مجلة دراسات تاريخية عدد (17، 18)(ص 54- 55) .
(3)
المبرد، الكامل (ص 459) .
(4)
ابن دريد، الاشتقاق (ص 282) .
(5)
سمي مانع الحريم؛ لأنه امتنع من دفع ثيابه أو بعض بدنته لأهل مكة، انظر ابن دريد، الاشتقاق (ص 282) .
(6)
ابن منظور، اللسان (ج 4، ص 568) . الزّبيدي، التاج (ج 3، ص 400) .
الأشراف على رياسة السوق؛ لأنهم كانوا يأخذون «المكس» أيام السوق «1» ، ولعل هذه الأموال التي تعثر بها البضاعة، كان نصيب منها يذهب للإنفاق على الحجابة والرفادة، وتحمل الأشناق ونفقات الدفاع عن المدينة «2» . ولنا أن نتصور كيف يكون هناك نظام معين لحفظ السجلات، تحفظ بمقتضاه معاهدات التحالف والاتفاقيات التجارية.
أما «الإدارة العسكرية» في مكة، فكانت ضرورية لحماية الأمن والدفاع عن مكة وتجارتها. وتذكر الروايات أن الذين كانوا يدافعون عن الحرم هم قريش «الظواهر» إذ كانوا أصحاب بأس وشدة فسموا «المناسر» «3» ، أما «قريش البطاح» فكانوا أهل غنى وجاه وسيادة فسموا «الضب» للزومها الحرم «4» .
وكان هناك جماعة متطوعة للدفاع عن مكة وهم «الأحابيش» فتحالفوا هم وأهل مكة «تحالفوا بالله إنّا ليد على غيرنا ما سجا ليل وأوضح نهار، وما رسا حبشي مكانه» «5» .
ويظهر أن أهل مكة رأوا في الأحابيش قوة يمكن استغلالها في الدفاع عن الحرم فعقدوا معهم حلفا، وقد وصف شاعر الأحابيش هذا الحلف بقوله:
إنّ عمرا وإنّ عبد مناف
…
جعلا الحلف بيننا أسبابا «6»
ويصف اليعقوبي (ت 212 هـ) هذا الحلف بقوله: «وكان تحالف الأحابيش على الركن، يقوم رجل من قريش والاخر من الأحابيش، فيضعان أيديهما على الركن فيحلفان بالله وحرمة البيت والمقام والركن والشهر الحرام على النصر على الخلق جميعا حتى يرث الله الأرض ومن عليها
…
فسمي حلف الأحابيش» «7» .
(1) ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي (ت 626 هـ) معجم البلدان، بيروت، دار صادر، دار إحياء التراث العربي، سنة (1979 م)(ج 4، ص 142) .
(2)
جواد علي، المفصل (ج 7، ص 480) .
(3)
المناسر: طلائع الجيش. انظر: البلاذري، أنساب (ج 1، ص 39، 40) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 13) .
(4)
م. ن (ج 1، ص 40) . م. ن (ج 2، ص 13) .
(5)
وهم بنو المصطلق والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الحارث بن خزيمة اجتمعوا بذنب حبشي، وهو جبل بأسفل مكة؛ فسموا بذلك. وقيل: سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش هو: التجمع في كلام العرب. انظر: ابن رشيق أبا علي الحسن ابن رشيد القيرواني (ت 456 هـ) العمدة في محاسن الشعر وادابه ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ط 1) مصر، مطبعة السعادة (1383 هـ، 1964 م)(ج 3، ص 194) . ابن منظور، اللسان (ج 6، ص 378) .
(6)
م. ن (ج 2، ص 194) . م. ن (ج 6، ص 17، 278) . ابن حبيب، المحبّر (ص 246) . والبلاذري، أنساب (ج 1، ص 53، 79) .
(7)
اليعقوبي، تاريخ (ج 1، ص 212) .
وفي حالة النفير كان الأغنياء يشاركون في تمويل الأفراد وتسليحهم، فهذا عبد الله بن جدعان كان في حرب الفجار على قومه «بني تيم» وأمدهم بالسلاح والمال، فأعطى مائة رجل سلاحا كاملا، وذلك «يوم شعطة» ، غير ما ألبس من بني قومه والأحابيش «1» وحمل مائة رجل على مائة بعير، قيل: ألف رجل على بعير وذلك يوم شرب «2» .
ولا شك في أن الأغنياء غيره كانوا يشاركون بالنفقة على السلاح والتجهيز للحرب في حالة تعرض مكة للخطر.
وكان من ضمن استعداد مكة للحرب أنها أوجدت بعض الوظائف في السلم عهدت إلى أصحابها القيام، منها:«القبة والأعنة» «3» وكانت هذه الوظيفة إلى مخزوم فوليها منهم خالد بن الوليد (ت 21 هـ) ، وكان هناك من تخزن مكة عنده سلاحها وهو «عبد الله بن جدعان» فإذا احتاجوا إليه وزعه بينهم «4» . ومن الوظائف التي كان لها علاقة بالإدارة العسكرية «القيادة» و «اللواء» ، وكانت لبني أمية حيث تولاها منهم أبو سفيان بن حرب «ت 22 هـ» ، وبقي يقوم بها حتى جاء الإسلام «5» . وكانت راية مكة تسمى «العقاب» «6» . ويبدو أن التنظيم العسكري كان يقتضي أن يتولى سادات مكة قيادة أحيائهم، فيقود كل سيد شعب أبناء قومه، ويوجههم حيث يرى في المعركة «7» ، أما التنسيق بين خطط المقاتلين لإنجاح المعركة فيكون أمره إلى من يتولى قيادة قريش «8» ، فيتولى إدارة المعركة، وتوجيه قيادات القبائل، لتنفيذ الخطة العامة.
أما «الإدارة الدبلوماسية» لمكة، فتشمل بعض الوظائف البسيطة التي تنظم علاقاتها
(1) المقدسي، البدء والتاريخ (ج 4، ص 134، 135) . والجوهري إسماعيل بن حماد (ت 393 هـ) ، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية تحقيق أحمد عبد الغفور (عطار/ ط 1) بيروت، دار العلم للملابين سنة (1979 م)(ج 2، ص 878) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 359- 361) . والنويري، نهاية الأرب (ج 15، ص 427) . ومحمد أحمد جاد المولى، أيام العرب في الجاهلية، مطبعة عيسى البايي الحلبي. د. ت (ص 331) .
(2)
النويري، نهاية الأرب (ج 15، ص 429) . والعصامي عبد الملك بن حسين بن عبد الملك (ت 1111 هـ) ، نمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، قطر، المطبعة السلفية. د. ت (ج 1، ص 196) .
(3)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 2، ص 226) . وابن الأثير، أسد الغابة (ج 2، ص 93) . جاد المولى، أيام العرب (ص 329) .
(4)
جاد المولى، أيام العرب (ص 329) .
(5)
ابن حبيب، المحبّر (ص 164، 165) والأزرقي، أخبار (ج 1، 71) . وابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) . وابن خالدون، تاريخ (ج 1، ص 16) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 248، 249) .
(6)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 436) . وابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 588- 590) .
(7)
الأزرقي، أخبار (ج 1، ص 63- 66) .
(8)
جواد علي، المفصل (ج 5، ص 250) .
الخارجية، «فالسّفارة» عرفت كوظيفة إدارية «لبني عدي» فكان أهل مكة إذا أرادوا أن يبعثوا سفيرا بعثوا عمر بن الخطاب (ت 23)«1» وقبلوا سفارته في حالة السلم أو الحرب، وكانت هذه المهمة تحتاج إلى فطنة خاصة، ومعرفة بالقبائل وأوضاعها وأنسابها فكانوا «يبعثونه منافرا أو مفاخرا ورضوا به» «2» .
وهناك إشارات تفيد أن «البريد» عرف في مكة قبل الإسلام، وقد ظهر ذلك في شعر ينسب إلى «ورقة بن نوفل» قاله عندما قتل عثمان بن الحويرث في بيت «ابن جفنة الغساني» فاتهم به، وكان يعرف ب «راكب البريد» «3» فقال ورقة:
وركب البريد مخاطرا عن نفسه
…
ميت المظنة للبريد المقصد «4»
لقد أتقن المكيون بناء العلاقات وعقد المعاهدات مع جميع الأطراف، ولعل في الإيلاف مصداقا لذلك. واستطاعت مكة أن تلعب لعبة التوازن بإتقان بين الشرق والغرب في ذلك الحين، وحافظوا على سياسة الحياد في تعاملهم مع الروم والفرس، فكان لديهم المرونة والقدرة على التحرك واستثمار العلاقة العدائية بين الفرس والروم «5» .
لقد حاول الروم غير مرة احتواء مكة، ولكنهم باؤوا بالفشل «6» . واستطاع المكيون أن يحافظوا على معاهدتهم الخارجية المتمثلة بالإيلاف «وأن يحافظوا على تقاليد الحكم في المجتمع المكي المتمثلة بقيادة الملأ» .
ومن الإدارات التي يشار إليها في مكة «الإدارة القضائية» حيث كان هناك قضاة يحكمون بين الناس، فكان عامر بن الظرب يجلس في الأسواق والمواسم فيأتيه الناس من شتى القبائل فيحكم بينهم «7» . ويلاحظ أن القضاة بعد عامر كانوا من بني تميم «8» ، وقد افتخر الشعراء التميميون في قصائدهم بالواجبات التي قامت بها تميم ومنها القضاء بين الناس، فيقول الفرزدق (ت 114 هـ) :
(1) ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) . وابن الجوزي عبد الرحمن بن علي (ت 597 هـ) ، تاريخ عمر بن الخطاب، تحقيق أسامة عبد الكريم الرفادي. د. ت (ص 22) . أبو الفضل، مكة (ص 60) .
(2)
ابن الجوزي، تاريخ عمر (ص 22) .
(3)
مصعب الزبيري، نسب قريش (ص 210) .
(4)
م. ن (ص 261) .
(5)
إبراهيم بيضون، الإيلاف القرشي، مجلة تاريخ العرب والعالم، عدد (43، 1982)(حلقة رقم 2)(ص 29) .
(6)
كما حدث مع عثمان بن الحويرث الذي قتلته مكة نتيجة لذلك، انظر: الأزرقي، أخبار (ج، ص 143، 144) . والزبير بن بكار، جمهرة (ص 209، 210) . والفاسي، شفاء الغرام (ج 2، ص 108) . وبيضون، الإيلاف القرشي (ص 30) .
(7)
ابن حبيب، المحبر (ص 181، 182) .
(8)
م. ن (ص 182) . وابن حزم، جمهرة (ص 208) .
وعمي الذي اختارت معد حكومة
…
على الناس إذ وافوا عكاظ بها معا
هو الأقرع الخير الذي كان يبتني
…
أواخي مجد ثابت أن ينزّعا «1»
ويشير ابن حبيب (ت 245 هـ) إلى أسماء قضاة تميم، ويذكر أن اخرهم كان سفيان بن مجاشع، هو اخر من اجتمع له الموسم والقضاء في عكاظ حتى جاء الإسلام «2» .
وهناك وظيفة أخرى لها علاقة بالقضاء وهي الأشناق «3» وكانت لأبي بكر (ت 13 هـ) ، وهي من بني ابن تيم، فكان إذا احتمل منها شيئا أعطته قريش بدل ما تحمل من المغارم «4» .
ويظهر أن هذه الوظيفة كانت ثابتة لأبي بكر. فإن قام بها غيره لم يعط شيئا منها «5» . وهذا يدل على أن تقدير الأشناق لصاحبه فقط وإن كان يقوم به غيره أحيانا.
وهكذا استطاعت مكة أن تصل إلى درجة من التنظيم الإداري كان في جوهره تنظيما قبليّا «6» ، تطور بحسب مقتضيات المصالح المكية، وبقيت مكة تحافظ على هذا التنظيم بوظائفه المختلفة حتى قام الإسلام، فألغاها النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء السدانة والسقاية والرفادة؛ إذ هي خدمات عامة ضرورية، إلا أن أهميتها قد خفت، لا سيما أن هذه الوظائف مرتبطة بشكل كبير بموسم الحج، وهو موسم وقتي محدود.
(1) الفرزدق، همام بن غالب صعصعة (ت 114 هـ) شرح ديوان الفرزدق، شرح إيليا الحاوي، (ط 1) بيروت، دار الكتاب اللبناني، سنة (1983 م)(ج 2، ص 430) .
(2)
ابن حبيب، المحبّر (182) . وكستر، الحيرة ومكة (ص 78) .
(3)
أي تحمل الديات والمغارم. انظر: الزّبيدي، التاج (ج 6، ص 400، 401) .
(4)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) . والزّبيدي، التاج (ج 6، ص 400، 401) . والألوسي، بلوغ الأرب (ج 1، ص 249) . وأبو الفضل، مكة (ص 60) .
(5)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 236) .
(6)
انظر: تفاصيل ذلك في: الشريف، دور الحجاز (ص 16) .
H.Lammens، Lamecguealev aile del، Hegiy، extract from melange univ.st، joseph، Birut ix، fasc.