المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[أحمد عجاج كرمى]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المختصرات والرموز

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

- ‌أولا: مفهوم مصطلح الإدارة

- ‌ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية

- ‌ثالثا: الإدارة في مكة

- ‌رابعا: الإدارة في يثرب

- ‌الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

- ‌أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة

- ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

- ‌رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

- ‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

- ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

- ‌ثانيا: الإدارة الدينية

- ‌ثالثا: الكتابة والكتاب

- ‌رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)

- ‌الفصل الرابع الإدارة المالية

- ‌أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة

- ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة

- ‌رابعا: تنظيم شؤون التجارة

- ‌خامسا: تنظيم شؤون الصناعة

- ‌سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة

- ‌الفصل الخامس الإدارة العسكرية

- ‌أولا: التمويل

- ‌ثانيا: الخدمات المساعدة

- ‌ثالثا: القيادة

- ‌رابعا: التخطيط وأساليب القتال

- ‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

- ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

- ‌ثانيا: القضاء في الأمصار

- ‌ثالثا: المظالم

- ‌رابعا: الحسبة

- ‌ملاحظات:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المصادر:

- ‌ثانيا: المراجع:

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

الفصل الرابع الإدارة المالية

‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

لقد بدأت الأموال ترد على المسلمين بعد نشوء دولتهم في المدينة؛ وذلك نتيجة الانتصارات الحاسمة التي حققها المسلمون في عدد من المعارك، وكذلك فرض الإسلام على رعايا الدولة الإسلامية مجموعة من التكاليف المالية شكلت في مجملها إيرادات الدولة الجديدة.

فكانت «الغنيمة والفيء» «1» من أوسع أبواب هذه الإيرادات، حيث أذن الله سبحانه للمسلمين بقتال الكفار، واقتضت مهمة نشر الدعوة، وطبيعة العلاقة العدائية بين المسلمين وقريش انذاك أن يقوم المسلمون بالتعرض لقافلات مكة التجارية، ومحاولة الاستيلاء عليها إضعافا لجبهة قريش من جهة، وتعويض المهاجرين عمّا تركوه في مكة من جهة أخرى.

وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعض العير لقريش، تعرضت لها سرية عبد الله ابن جحش (2 هـ) بالقرب من نخلة- بين مكة والطائف- وكانت تحمل زبيبا وأدما وتجارة أصابها عبد الله (ت 3 هـ) ، وأسر رجلين من رجالها أخذهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» ، وتشير الروايات إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ابتداء هذا الفعل؛ لأنه وقع في الأشهر الحرم، ولكن الايات نزلت تؤيد فعل عبد الله، وترفع الحرج عن المؤمنين «3» .

أما عن كيفية تقسيم هذه الغنيمة، فقد ذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ)، والواقدي (ت 207 هـ) أن عبد الله بن جحش لما غنم عير قريش قال لأصحابه: «إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) يقول الصنعاني (ت 211 هـ) : «الفيء والغنيمة مختلفان، أصل الغنيمة: مما أخذ المسلمون فصار في أيديهم من الكفار، والخمس في ذلك إلى الأمير يضعه حيثما أمر الله، والأربعة أخماس الباقية للذين غنموا الغنيمة. والفيء: ما وقع من صلح بين الإمام والكفار في أعناقهم وأرضهم وزرعهم وفيما صولحوا عليه مما لم يأخذه المسلمون عنوة، ولم يقهروه عليه حتى وقع فيه بينهم صلح وذلك للإمام يضعه حيث أمر الله» . انظر: الصنعاني المصنف (ج 5، ص 310) .

(2)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 17) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 602) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 410، 411) . وقد تم افتداء هذين الأسيرين بمبالغ نقدية بلغت أربعين أوقية لكل منهما، والأوقية: أربعون درهما فيكون مجموع الفداء 3200 درهم أضيف إلى المغانم. انظر: الواقدي، المغازي (ج 1، ص 17) .

(3)

انظر هذه الايات في سورة: (البقرة: اية: 217، 218) . وانظر هذا الخبر في: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 602) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 10، 11) .

ص: 147

خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن يفرض الخمس، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه» «1» .

على حين يروي الواقدي «ت 207 هـ» رواية أخرى فيقول: «إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف غنائم نخلة، ومضى إلى بدر، حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم» «2» . ويبدو أن رواية الواقدي الثانية أقرب إلى الصحة، لأنّ فرض الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل في بدر فقسمت غنيمة عبد الله على أساس ذلك «3» .

أما الغنائم التي غنمها المسلمون في بدر «2 هـ» «4» ، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون بعد اصطدام مباشر مع قريش، حيث غنم المسلمون سلاحا وأموالا، وأسروا سبعين رجلا من كفار قريش «5» ، فلما تنازع المسلمون في قسمتها نزلت الايات تجعل أمر الغنائم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» ، ويروي ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم هذه الغنائم بين المسلمين بالسوية ثم نزلت اية الخمس «7» كما يذكر ابن سلام «ت 224 هـ» في كتابه الأموال «8» .

في حين يرى ابن كثير أن غنائم بدر قسمت بعد نزول اية الخمس فيقول: «والواقع أنها- أي غنائم بدر- خمست كما هو قول البخاري وابن حجر والطبري وهو الصحيح الراجح» «9» ، أما الأسرى فقد تم افتداؤهم بمبالغ مالية مناسبة، وذلك حسبما أشار أبو بكر إذ قال:«نأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم لنا قوة، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا»

وقد تراوح فداء الأسير بين أربعة ألاف

(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 18) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 603)(ابن إسحاق) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج 2، ص 412، 413) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 113، 114) .

(2)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 18) .

(3)

القضاة، بيت المال (ص 13) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 144) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 241، 242) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 86) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 46) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 474) .

(5)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 144) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 641، 642) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 86) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 46) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 474) .

(6)

راجع سورة الأنفال: الايات (1، 2) .

(7)

ابن هشام: السيرة (م 1، ص 642)(ابن إسحاق) . وانظر: الواقدي، المغازي (ج 1، ص 144) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 458) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 130، 131) .

(8)

ابن سلام، الأموال (ص 426) .

(9)

ابن كثير، السيرة (ج 2، ص 469) .

(10)

مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 86) . وانظر: الطبري، تاريخ (ج 2، ص 474) .

ص: 148

درهم، وألف درهم، إلا الفقراء فقد عفى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم مقابل تعليم أبناء الأنصار القراءة والكتابة «1» ، وهكذا فقد أصبحت الغنائم- بعد بدر (2 هـ) - تقسم أخماسا، خمسها لرسول الله، يضعه حيث يشاء، والأربعة أخماس الاخرى توزع على المجاهدين «2» .

ترد أول إشارة عن ملامح التنظيم الإداري الذي يقوم على حفظ المال العام في بدر (2 هـ) ، فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن كعب بن النجار (ت 30 هـ) على أنفال بدر قبل قسمتها «3» ، في حين استعمل على الأسرى غلاما له يدعى «شقران» «4» ، ثم استعمل على قسمة الغنائم محيمة بن جزء بن عبد يغوث (ت 25 هـ) ، وقد سمي من يقوم بهذه المهمة فيما بعد باسم «صاحب الغنائم» «5» ، وكان هؤلاء الثلاثة من أوائل من عين في الجهاز الإداري المالي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبعد غزوة بدر (2 هـ) نقض يهود بني قينقاع العهد مع المسلمين. فكان لابد من طردهم، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فرحلوا من المدينة إلى الشام «6» ، وغنم المسلمون أموالا وسلاحا والات صياغة، ولم يكونوا أصحاب أرض، بل اشتهروا بالصناعة ولا سيما صناعة الحلي والمجوهرات «7» فقسم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغنيمة- بعد أخذ خمسها- على المجاهدين المشتركين في الغزوة «8» .

(1) يقول الواقدي (ت 207 هـ) : «حدثني إسحاق بن يحيى، قال: سألت نافع بن جبير: كم كان الفداء؟ فقال: أرفعهم أربعة ألاف درهم إلى ثلاثة ألاف إلى ألفين إلى ألف درهم للرجل إلا من لا شيء له، فمنّ رسول الله عليه» . انظر: الواقدي، المغازي (ج 1، ص 129) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 660) .

(2)

أبو يوسف الخراج (ص 18، 19) . ابن سلام، الأموال (ص 453) .

(3)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 100) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 643) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 458) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 981) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 500) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 115) .

(5)

مسلم بشرح النووي (ج 7، ص 179، 181) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 510) .

(6)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 179) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 47) . البلاذري، فتوح (ص 24) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 481) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 137، 138) .

(7)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 179) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 481) .

(8)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 179) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 481) . الماوردي، الأحكام (ص 139) . الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 159) . انظر تفسير الاية: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ

[الأنفال: 41] .

ص: 149

وتذكر المصادر أن أول أرض تملّكها المسلمون كانت أرض مخيريق اليهودي (ت 3 هـ) الذي أوصى بها للرسول صلى الله عليه وسلم فأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مقتله في أحد (3 هـ) ، وجعلها صدقة على المسلمين «1» .

وعند ما افتتح المسلمون أرض بني النضير (4 هـ)«2» دون «إيجاف خيل أو ركاب» «3» اعتبرت فيئا، وقد أشارت الايات إلى ذلك فقال تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ

[الحشر: 6] ، فصارت هذه الأموال فيئا خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء. فأعطى- بعد المشاورة- بعضها للمهاجرين ليغنيهم ويلحقهم بالأنصار، ولم يأخذ الأنصار من هذا الفيء إلا رجلين من الأنصار أعطاهما لسد خلتهما «4» . وخصص باقي الأراضي- وهي سبعة حوائط- لنفقات الرسول صلى الله عليه وسلم ولحاجة أهله، وما بقي جعله النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله «5» .

وفي شوال (5 هـ) كانت وقعة الأحزاب، إذ نقض يهود بني قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالفوا المشركين «6» ، فلما هزمت الأحزاب حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (ت 5 هـ) ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي

(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 262، 378) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 88، 89) . الماوردي، الأحكام (ص 169) .

(2)

أبو عبيد، الأموال (ص 14- 16، 316- 387) . وانظر: يحيى بن ادم (ت 203 هـ) ، الخراج، شرح أحمد محمد شاكر، بيروت، دار المعرفة، د. ت (ص 33، 34) . وابن هشام، السيرة (م 2، ص 191) . البلاذري، فتوح (ص 27) ، قدامة بن جعفر (ت 328 هـ) ، الخراج وصناعة الكتابة، تحقيق محمد حسين الزبيدي، بغداد، دار الرشيد، (1981 م) ، (ص 257) .

(3)

انظر: مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 70) . السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)، لباب النقول في أسباب النزول (ط 1) بيروت: دار إحياء العلوم (1978 م) ، (ص 208) .

(4)

يحيى بن ادم، الخراج (ص 35)(محمد بن الكلبي) ، ابن هشام، السيرة (م 2، ص 192) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 58) . البلاذري، فتوح (ص 28) . قدامة، الخراج (ص 257) . وانظر: عبد العزيز الدوري، في التنظيم الاقتصادي في صدر الإسلام، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، (1981 م) ، (ص 76) . ( «الخلة» بالفتح، الحاجة والفقر) . انظر: ابن منظور، اللسان (ج 11، ص 815) .

(5)

يحيى بن ادم، الخراج (ص 36، 37، 38)(الزهري) . الواقدي، المغازي (ج 1، ص 378) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 70) . البلاذري، فتوح (ج 2، ص 27) .

(6)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 496) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 215) . البلاذري، فتوح (32) .

ص: 150

نسائهم وذراريهم وأخذ أموالهم «1» فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقسم أموالهم غنيمة بين المسلمين، فكان للفارس ثلاثة أسهم؛ للفرس سهمان، ولفارسه سهم، وللراجل سهم واحد، ومضت هذه السنة في تقسيم الغنائم منذ ذلك اليوم في مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم «2» .

وفي (6 هـ) غنم المسلمون غنائم من بني المصطلق، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم على المجاهدين الذين شاركوا فيها «3» .

وفي السنة السابعة، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغنم من أموالها «4» ، وقد أشارت الاية الكريمة إلى ذلك فقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ

[الفتح: 20] ، فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها بين المجاهدين «5» .

أما الأرض فقد سأله أهل خيبر أن يبقيها بأيديهم، ويعاملهم على نصف الثمر ثم قال لهم:«نقركم ما أقركم الله على أنّا إذا شئنا إخراجكم أخرجناكم» «6» ، وبقيت في أيديهم طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وطيلة خلافة أبي بكر الصديق ثم جاء عمر فنزعها من أيديهم وأخرجهم من جزيرة العرب «7» .

ويظهر في هذه الغزوة (7 هـ) وظيفة إدارية مالية أخرى، فقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن رواحة (ت 8 هـ) على خرص الثمر بينه وبين يهود خيبر، واستيفاء نصفه كل سنة «8» ،

(1) الواقدي، المغازي (ج 2، ص 512) . ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 240) . البخاري، الصحيح (ج 5، ص 44) . البلاذري، فتوح (ص 32) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 587) .

(2)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 522) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 244) . أبو عبيد، الأموال (ص 163) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 53) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 591) . قدامة، الخراج (ص 257) .

(3)

يحيى بن ادم، الخراج (ص 37- 40) . أبو عبيد، الأموال (ص 173- 176) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 64) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 13- 15) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 258، 259) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 669) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 337) . البلاذري، فتوح (ص 33) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 9) .

(5)

الزهري المغازي، (ص 84) . الواقدي، المغازي (ج 2، ص 669) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 337) . البلاذري، فتوح (ص 33) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 9) .

(6)

مسلم بشرح النووي (ج 10، ص 108) .

(7)

الزهري، مغازي (ص 84) . ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 356) . مسلم بشرح النووي (ج 10، ص 209) . البلاذري، فتوح (ص 40) . ابن حجر، فتح الباري (ج 16، ص 81) .

(8)

الزهري، المغازي (ص 84، 85) . أبو يوسف، الخراج (ص 51) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 354) . أبو عبيد، الأموال (ص 108) . البلاذري، فتوح (ص 35) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 20) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 222) . الخرص:«إذا حزر ما عليها من تمر» .

ص: 151

فخرص عبد الله بن رواحة خيبر أربعين ألف وسق «1» .

ويبدو أن عبد الله كان خبيرا بخرص الثمر، وربما كان وجوده في يثرب- وهي أرض ثمر وزراعة- قد أكسبه هذه الخبرة، فاختاره النبي صلى الله عليه وسلم للقيام بهذه المهمة، وفي هذا دلالة على تقديم أصحاب الخبرة على غيرهم في مثل هذه الوظائف، ومن هنا فقد ذكرت الروايات أن عبد الله (ت 58 هـ) كان حاذقا حازما في خرصه، نزيها عادلا في حكمه، فحاول اليهود أن يرشوه فأهدوا إليه مالا فرده عليهم وقال:«لم يبعثني النبي صلى الله عليه وسلم لأكل أموالكم، وإنما بعثني لأقسم بينكم وبينه، ثم قال: إن شئتم عملت وعالجت وكلت لكم النصف، وإن شئتم عملتم وعالجتم وكلتم النصف، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» «2» وفي فترة لاحقة- بعد استشهاد عبد الله في مؤتة (8 هـ) - بعث النبي صلى الله عليه وسلم سهل بن خيثمة، والصلت بن معد يكرب، وفروة بن عمرو، فخرصوا ثمر في سنين متعاقبة «3» .

واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم فروة بن عمرو على غنائم خيبر حتى قسمها على مستحقيها «4» ، ويبدو أن هذه المعاملة ليهود خيبر قد استهوت بقية المناطق في شمال الجزيرة، فعندما علم أهل «فدك» بذلك، طلبوا مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم على ما صالح عليه أهل خيبر، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم (محيصة بن مسعود) ، فصالحهم تاركا الأرض بأيديهم معاملة على نصف ما تخرج من ثمر «5» ، وصارت فدك فيئا خالصا للرسول صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء؛ لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب «6» .

وفي السنة السابعة للهجرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإسلام فرفضوا ذلك، فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى فتحها عنوة، وغنم الرسول صلى الله عليه وسلم الأموال والمتاع والأثاث، فخمس الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، وتركت الأرض بيد أهلها وعاملهم على أساس ما عامل به أهل خيبر وأهل فدك «7» .

(1) أبو عبيد، الأموال (ص 109) .

(2)

الزهري، المغازي (ص 84) . أبو يوسف، الخراج (ص 51) . البلاذري، فتوح (ص 35) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 222) .

(3)

الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 400) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 107) . المقريزي، إمتاع (ص 302- 323) .

(5)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 707) . أبو عبيد، الأموال (ص 173- 176) . البلاذري، فتوح (ص 41) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 20) . الماوردي، الأحكام (ص 170) .

(6)

السيوطي، لباب النقول (ص 208) .

(7)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 711) . البلاذري، فتوح (ص 47) .

ص: 152

أما أهل تيماء فهناك رواية عند الواقدي (207 هـ) والبلاذري (ت 279 هـ) تشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على الجزية، ولكن يبدو أن هذه الرواية غير دقيقة؛ إذ إن الجزية فرضت في السنة التاسعة للهجرة، في حين صالح النبي أهل تيماء في السنة (7 هـ) ، فلعل كلمة (جزية) دخلت إلى النص في فترة متأخرة أو أن الصلح على تيماء جاء متأخرا في السنة التاسعة للهجرة «1» .

وهكذا يلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ بعض التدابير العملية بالنسبة إلى الأرض التي دخلت في نطاق الإسلام في الجزيرة العربية، وكانت عادة تدابير تناسب وضع الأمة الجديدة ومهمتها في الحصول على الأراضي وتوفر الأيدي العاملة، لقد أصبحت هذه الأراضي التي دخلها الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عشرية «أي فرض عليها العشر» إن كانت تروى بصورة طبيعية. ويؤخذ عليها نصف العشر إن كانت تسقى بطريق الي (الابار والقنوات والأنهار)«2» وفي رمضان (8 هـ) تم فتح مكة، ولم يغنم النبي صلى الله عليه وسلم مالا، إذ منّ على أهلها وقال لهم:«اذهبوا فأنتم الطلقاء» »

، وفي نفس الوقت وقعت غزوة حنين، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، من الأغنام والسبي والأموال فيذكر اليعقوبي (ت 292 هـ) : أن المسلمين قد غنموا اثني عشر ألف ناقة «4» ، وقال الواقدي (ت 207 هـ) : «كان السبي ستة الاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير، وكانت الغنم لا يدرى عددها، قد قالوا أربعين ألفا

» ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد غنم فضة كثيرة أربعة الاف أوقية» «5» أي ما يقارب مائة وستين ألف درهم «6» .

خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالسبي والغنائم إلى الجعرانة. وجعل عليه مسعود بن عمرو القاري، وبعد أن جاء وفد هوزان إلى النبي صلى الله عليه وسلم رد إليهم السبي من النساء والذرية «7» ، أما الغنائم المنقولة من الأموال والإبل والغنم، فقد خمست هذه الغنائم، ووزعت بقية

(1) البطانية، الحياة الاقتصادية (ص 18) .

(2)

الدوري، في التنظيم الاقتصادي، مجلة العلوم الاجتماعية، (ص 75) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 415) . وانظر: الواقدي، المغازي (ج 2، ص 835) . البلاذري، فتوح (ص 575) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 60) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 61) .

(4)

اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 63) .

(5)

الواقدي، المغازي (ج 3، ص 943، 944) .

(6)

القضاة، بيت المال (ص 24) .

(7)

ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 488) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 63) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 82) . الجعرانة: اسم مكان قريب من مكة.

ص: 153

الأخماس على المقاتلين باستثناء الأنصار. وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض المؤلفة قلوبهم من الخمس «1» .

ويلاحظ أن مصلحة الأمة المسلمة كانت العامل الأول المتبع في توزيع غنائم حنين، فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستميل قلوب رجالات قريش الذين أسلموا حديثا، كما أراد أن يستميل قلوب زعماء القبائل، من أمثال الأقرع بن حابس (ت 31 هـ) وأبي سفيان بن حرب (ت 32 هـ) وغيرهم «2» .

أما الذين يأخذون من أموال «الغنيمة والفيء» من غير المحاربين، فكانوا عدة أصناف، منهم النساء والصبيان والعبيد، فذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر (7 هـ) نساء من نساء المسلمين فرضخ لهن «3» ، وقال عمير مولى أبي اللخم: «شهدت خيبر وأنا عبد مملوك، لما فتحها النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني سيفا، فقال:

تقلد هذا، وأعطاني من فرث المتاع ولم يضرب لي بسهم» «4» .

وكان للشهداء نصيب من غنيمة الغزوة التي شاركوا فيها يعطى لذريتهم، فقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لمن استشهد في بدر (2 هـ) من الغنيمة؛ منهم سعد بن خيثمة ومن ذلك يقول ابنه عبد الله:«أخذنا سهم أبي الذي ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قسم الغنائم، وحمله إلينا عويمر بن ساعدة» «5» ، وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لرجلين قتل أحدهما ومات الاخر لكل منهما بسهم في غنائم بني قريظة (5 هـ)«6» ، وأسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر «7» ، يقول الأوزاعي (ت 157 هـ) :«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل من المسلمين قتل بخيبر فاجتمعت أئمة الهدى على الإسهام لمن مات أو قتل» «8» .

(1) الواقدي، المغازي (ج 3، ص 944- 948) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 90) .

(2)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 688) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 342)(ابن إسحاق) . البخاري، الصحيح (ج 4، ص 113) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 90، 91)(ابن إسحاق) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 342)(ابن إسحاق) . الرضخ، العطية القليلة وفي الحديث «أمرنا له برضخ» . انظر: ابن منظور، اللسان (ج 3، ص 19) .

(4)

أبو يوسف، الخراج (ص 198) . الواقدي، المغازي (ج 2، ص 684) .

(5)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 102) .

(6)

م. ن (ج 2، ص 521)(قالوا) . انظر: هاني (أبو الرب) ، العطاء في صدر الإسلام، رسالة ما جستير، إشراف: عبد العزيز الدوري، الجامعة الأردنية، (1985 م، ص 25، 26) .

(7)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 684)(قالوا) .

(8)

الشافعي، الأم (ج 7، ص 318) .

ص: 154

أما «النساء والصبيان» الذين يحضرون الغزوات فيساهمون في جلب الماء وإسعاف الجرحى، فكان يرضخ لهم من الغنيمة «1» ، قالت امرأة من غفار:«شهدت مع رسول الله خيبر فرضخ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء، فأخذت هذه القلادة في عنقي فأعطانيها» «2» .

وتعدّ «الجزية» موردا مهمّا من موارد بيت المال، وهي تتعلق بالأعباء المالية لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي بوصفهم جميعا أبناء وطن واحد ينعمون به ويتحملون تبعاته.

اختلف في أول جزية أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم فذكر الزهري (ت 124 هـ) أن «أول من أعطى الجزية أهل نجران» «3» وفي رواية للشعبي (ت 103 هـ) أن أول ما فرض الرسول صلى الله عليه وسلم الخراج على أهل هجر «4» .

وقد أخذت الجزية في السنة التاسعة بعد أن نزلت الاية الكريمة: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: 29]«5» وتشير المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تجهز للقاء الروم في تبوك (9 هـ) ولكنه لم يجد أحدا، فصالح أهلها على دفع الجزية «6» ، وقدم عليه- وهو في تبوك- يحنة بن روبة صاحب أيلة، فصالحه على دفع ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، وكان عددهم يومئذ ثلاثمائة رجل «7» .

وصالح النبي صلى الله عليه وسلم «أهل أذرح» على مائة دينار في كل رجب، وصالح أهل

(1) مالك بن أنس (ت 179 هـ) ، المدونة الكبرى، بغداد، مكتبة المثنى، طبعة بالأوفست، (1323 هـ) ، (ج 2، ص 6) . أبو يوسف، الخراج (ص 198) . الشافعي، الأم (ج 4، ص 165) .

(2)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 432- 443)(ابن إسحاق) .

(3)

أبو عبيد، الأموال (ص 46) .

(4)

أبو يوسف، الخراج (ص 129) .

(5)

انظر: الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 72) . ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت 774 هـ) ، تفسير القران العظيم، القاهرة، دار الكتب العربية، د. ت (ج 2، ص 346، 347) .

(6)

الواقدي، المغازي (ج 3، ص 990- 992) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 525- 528) . البلاذري، فتوح، (ص 79، 80) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 100) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 525) . البخاري، الصحيح (ج 4، ص 119) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 682) . ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 820، 821) . البلاذري، فتوح (ص 79) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 68) .

ص: 155

«جرباء» على الجزية «1» . وصالح أهل مقنا على ربع ثمارهم وكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بذلك «2» . ثم جاء خالد بن الوليد بأكيدر الكندي ملك دومة الجندل أسيرا فحقن النبي صلى الله عليه وسلم دمه، وصالحه على دفع الجزية «3» .

وتذكر المصادر أن بعض وفود العرب جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم، ووجّه إليهم عماله يعلمونهم الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل إلى ولاته كتبا يفصل لهم فيها أحكام الجزية، ذكرت المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى معاذ بن جبل واليه على اليمن كتابا جاء فيه «

ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتتن عنها، وعليه الجزية، وعلى كل حالم دينار واف أو قيمته من المعافر أو عوضه ثيابا» «4» .

وصالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل تبالة وجرش، وجعل على كل حالم من أهلها دينارا، واشترط عليهم ضيافة المسلمين، وأقرهم على ما أسلموا عليه «5» وفي السنة العاشرة جاء وفد نجران، فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على الجزية، وكانت تشمل ثيابا وسلاحا وضيافة «6» ، ودخل اليهود مع النصارى في الصلح، ولم يفرق بين العجم والعرب «7» ، يقول البخاري (ت 256 هـ) : إن النبي صلى الله عليه وسلم صالح نصارى نجران على الجزية وفيهم عرب

(1) الواقدي، المغازي (ج 3، ص 1031) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 525) . أبو عبيد، الأموال (ص 287، 288) . البلاذري، فتوح (ص 80) .

(2)

انظر: نص الكتاب في: الواقدي، المغازي (ج 3، ص 1032) . أبو عبيد، الأموال (ص 287، 288) . البلاذري، فتوح (ص 80) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (33) ، (ص 120) .

(3)

الواقدي، المغازي (ج 3، ص 1027) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 526) . البلاذري، فتوح (ص 82) . أكيدر: هو أكيدر بن عبد الملك وهو من زعماء غسان، وكان نصرانيّا.

(4)

انظر نص المعاهدة في: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 589) . البلاذري، فتوح (ص 92، 93) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 80، 81) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 120) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 275) .

(5)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 754) . ابن هشام، السيرة (ج 2، ص 588) . البلاذري، فتوح (ص 79) . وانظر: محمد ضيف الله البطانية، في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية «الحياة الاقتصادية في صدر الإسلام» عمان، دار الفرقان، (1407 هـ، 1987 م) ، (ص 20) .

(6)

انظر نص المعاهدة في: أبي يوسف، الخراج (ص 72، 73) . البلاذري، فتوح (ص 87، 88) . اليعقوبي، تاريخ (ص 830) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (94) ، (ص 175، 176) . بلغ ثمن الحلل المأخوذة من أهل نجران ما يقارب 80000 درهم في السنة، انظر: زكريا القضاة، بيت المال في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (بحث غير منشور) ، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (1407 هـ، 1987 م) ، (ص 27) .

(7)

البخاري، الصحيح (ج 4، ص 117) ، (ج 5، ص 217) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 392) .

ص: 156

وعجم، وصالح أهل اليمن وفيهم عرب وعجم «1» ، ويذكر يحيى بن ادم (ت 203 هـ) كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم (ت 51 هـ) ومعاذ بن جبل (ت 19 هـ) وفيها التأكيد على فريضة الجزية على جميع أهل الكتاب ممن يقيمون في هذه البلاد «2» .

وذكرت المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل العلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية «3» ، فصالح أهلها من مجوس هجر والبحرين واليمن، وعاملهم معاملة أهل الكتاب «4» ، قال أبو يوسف (ت 182 هـ) :«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبل من مجوس أهل البحرين الجزية وأقرّهم على مجوسيتهم» «5» ، «كما فرض الجزية دينارا أو قيمته من المغافر على كل من بلغ الحلم من مجوس اليمن رجلا كان أو امرأة» » .

ويلاحظ أن القران لم يشرع تشريعا مفصلا في الجزية، وأن ما اتخذ من إجراات عملية كانت عبارة عن مجموعة تدابير تتصف بالمرونة وبمراعاة مقتضى الحال، فقد راعى طريقة خضوع البلاد بالقوة أو الصلح، ولاحظ حالتهم المعيشية «7» وقدرتهم المالية، والمحصول أو الصناعة التي اشتهروا بها.

ذكر ابن سلام (ت 224 هـ) أن أموال الجزية كانت ترد على العاصمة، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم بتوزيعها على مستحقيها «8» وذكرت الروايات أن أبا عبيده بن الجراح أتى بمال من البحرين، فوضعه في المسجد حتى وزعه النبي صلى الله عليه وسلم «9» .

وتعدّ «الزكاة» من أهم موارد بيت مال المسلمين، فرضت في السنة الثانية من الهجرة لتكون أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد قرنت في القران الكريم بالصلاة «10» .

(1) البخاري، الصحيح (ج 4، ص 117) ، (ج 5، ص 217) . قدامة، الخراج (ص 273) .

(2)

يحيى بن ادم، الخراج (ص 72- 73) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 595، 596) .

(3)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 263) . البلاذري، فتوح (ص 97) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 82) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 278) .

(4)

الشافعي، الأم (ج 4، ص 173) . أبو عبيد، الأموال (ص 44- 46) . وابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 263) . البلاذري، فتوح (ص 97) . قدامة بن جعفر، الخراج (ص 275) .

(5)

أبو يوسف، الخراج (ص 15) .

(6)

أبو عبيد، الأموال (ص 38- 52) .

(7)

الدوري، نظم (ص 99) .

(8)

البخاري، الصحيح (ج 4، ص 119) .

(9)

أبو عبيد، الأموال (ص 46) .

(10)

انظر: سورة البقرة: (الايات: 43، 83، 110، 177، 277) . وسورة النساء: (الايات: 77، 162) . وسورة المائدة: (الايات 12- 55) . وسورة الأعراف: (الاية: 156) .

ص: 157

ويكفي الاطلاع على مصادر الحديث لمعرفة مدى اهتمام الإسلام بهذا الركن الاجتماعي البارز، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من منعها، وحث على أدائها؛ تطهيرا للنفس من الشح والبخل، وإعانة للمحتاجين والفقراء «1» .

إن البحث في التراتيب الإدارية التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في جمع الزكاة وحفظها وإنفاقها، يظهر أنه قد أنشأ جهازا إداريّا كبيرا لجمع الزكاة وصرفها، وكان ينفق على هؤلاء من واردات الزكاة ذاتها «2» ، وتشير الاية الكريمة إلى ذلك: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ [التوبة: 60] .

لقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتدريب عماله على الصدقات حتى أصبحوا مثالا للنزاهة والشرف والأخلاق في العمل «3» ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزودهم بتوجيهاته وتعليماته، فيذكر ابن سلام (ت 224 هـ) ما جاء في كتابه إلى معاذ بن جبل (ت 19 هـ) وهو في اليمن حيث جاء فيه: «

إن الله فرض عليكم من أموالكم صدقة

فإن أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ولا ستر» «4» ، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الكتب إلى قبائل العرب بيّن فيها فرائض الصدقة وشروطها «5» .

ويلاحظ أن تحصيل وتوزيع الزكاة تطلّب من الدولة دقة اختيار العاملين بحيث تتوافر فيهم خشية الله ويقظة الضمير وحسن السيرة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم معظّما شأن هذه الوظيفة: «العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله» «6» .

ذكرت لنا المصادر عددا كبيرا من «عمال الصدقات» الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهات المختلفة من الدولة، فبعث المهاجر بن أبي أمية (ت 12 هـ) إلى صنعاء «7» ، وزياد ابن لبيد الأنصاري (ت 41 هـ) إلى حضرموت «8» ، وعدي بن حاتم (ت 67 هـ) إلى

(1) انظر: البخاري، الصحيح (ج 2، ص 130- 133) . مسلم، صحيح (ج 2، ص 680- 685) . النسائي، السنن (ج 5، ص 66، 67، 75، 78) .

(2)

القضاة، بيت المال (ص 35) .

(3)

العدوي، نظم (ص 193، 194) .

(4)

أبو عبيد، الأموال (ص 551، 552) .

(5)

انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 263- 265، 270) .

(6)

أحمد، المسند (ج 3، ص 465) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 349) . ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 578) . الترمذي، الصحيح (ج 3، ص 144) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 301)

(8)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . فتوح (ص 93) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 147) .

ص: 158

قبيلة طيّئ «1» ، وعمرو بن العاص (ت 43 هـ) إلى عمان حيث تقطن قبيلة أزد «2» ، وخالد بن سعيد (ت 14 هـ) إلى مراد ومذحج «3» ، وعلي بن أبي طالب (ت 39 هـ) إلى نجران على الصدقات والجزية «4» ومعاذ بن جبل (ت 19 هـ) إلى اليمن على الصدقات والجزية «5» وعمرو بن حزم (ت 51 هـ) إلى نجران على الصدقات والأخماس «6» وفي رواية للبلاذري (ت 279 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا سفيان بن حرب (ت 32 هـ) إلى نجران «7» ، فربما كان ذلك في سنة تالية لبعث عمرو بن حزم، وبعث مالك بن نويرة (ت 12 هـ) على صدقات بني حنظلة «8» ، وفرّق صدقات بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر (ت 45 هـ) على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية أخرى «9» ، وبعث ابن اللتبية- رجلا من بني أسد- إلى بني سليم «10» ، وأبا موسى الأشعري (ت 43 هـ) على صدقات عدن والساحل «11» ، والعلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) إلى البحرين على الصدقات والجزية «12» وقد بعث العلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين ألفا ما أتاه أكثر من قبل ولا بعد «13» ، وأبان بن سعيد (ت 15 هـ) على البحرين بعد العلاء «14» وعبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) على صدقات كلب «15» ، وعتبة

(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 322) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) .

(2)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 301) .

(3)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) .

(4)

اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 147) .

(5)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . أبو عبيد، الأموال (ص 551، 552) . البخاري، الصحيح (ج 2، ص 158) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 81) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 121) .

(6)

البلاذري، فتوح (ص 95) .

(7)

م. ن (ص 94) . وانظر: ابن الأثير، الكامل (ج 2، ص 301) .

(8)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63، 64) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 147) . ابن حزم، جوامع (ص 24، 25) .

(9)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) الطبري، تاريخ (ج 3، ص 147) .

(10)

البخاري، الصحيح (ج 2، ص 160) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 218) .

(11)

البلاذري، فتوح (ص 93، 94) . المقريزي، إمتاع (ص 509، 510) .

(12)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) . البلاذري، فتوح (ص 107- 111) .

(13)

البلاذري، فتوح (ص 107، 111) .

(14)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 600) .

(15)

خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63) .

ص: 159

ابن حصن على صدقات فزارة «1» ، والوليد بن عقبة (ت 61 هـ) على صدقات بني المصطلق «2» ، والحارث بن عوف على بني مرة «3» ، ومسعود بن رحيلة على أشجع وبني عبد الله بن غطفان وبني عبس «4» والأعجم بن سفيان البلوي على عذرة وسلامان وبلى من جهينة»

، وقيس بن عاصم المنقريّ على قضاعة وبطون أسد وغطفان بن صعصعة «6» ، وعباس بن مرداس (ت 18 هـ) على بني سليم «7» وعجز هوازن جشم ونصر وثقيف وسعد بن بكر «8» ، وحذيفة بن اليمان (ت 36 هـ) على صدقات أزد دباء فيما بين عمان والبحرين «9» .

ويلاحظ من خلال جريدة الأسماء التي أوردتها المصادر مقدار حجم هذا الجهاز (العاملين عليها) الذي كان يقوم بجمع الأموال المستحقة على أموال المسلمين، ويلاحظ أيضا أن ولاية الصدقات قد تجمع لشخص واحد، مثل عمرو بن حزم (ت 51 هـ) على البحرين «10» ، أو تجميع ولاية الصدقات والجزية لشخص واحد مثل علي بن أبي طالب (ت 39 هـ) ومعاذ بن جبل (ت 19 هـ)«11» ، أو أن الوالي نفسه يقوم بجمع الصدقات وإرسالها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل أبي موسى الأشعري (ت 43 هـ) ، والعلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) وغيرهم «12» .

لقد كان عامل الصدقات يؤدي مهمته مرة في السنة لفترة معينة إلا أن يكون مستقرّا في المنطقة التي أرسل إليها لكونه واليا عليها أو زعيما من زعماء القبائل فكان يجمع بين وظيفتين في ان واحد «13» .

وينتظر من عامل الصدقة أن يقوم بجمع المبالغ المستحقة على أموال الأغنياء وتوزيعها على المستحقين (الأصناف الثمانية المذكورة في اية الصدقات) في منطقة عمله أولا،

(1) م. ن (ج 1، ص 63، 64) .

(2)

م. ن (ج 1، ص 63، 64) . ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1553) .

(3)

خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63، 64) .

(4)

م. ن (ج 1، ص 63، 64) .

(5)

م. ن (ج 1، ص 63، 64) .

(6)

م. ن (ج 1، ص 63، 64) .

(7)

م، ن (ج 1، ص 63، 64) .

(8)

م. ن (ج 1، ص 63، 64) .

(9)

ابن سعد، الطبقات (ج 7، ص 101) .

(10)

البلاذري، فتوح (ص 95) .

(11)

البخاري، الصحيح (ج 2، ص 158) . اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 76) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 121، 147) .

(12)

البلاذري، فتوح (ص 94) .

(13)

القضاة، بيت المال (ص 36) .

ص: 160

وهذا واضح من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك حمير، إذ جاء فيه «إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاله، إنما هي زكاة تزكون بها أموالكم، هي لفقراء المسلمين والمؤمنين» «1» ، وفي كتابه إلى معاذ قال له:«فإن أجابوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» «2» .

أمّا ما زاد عن الحاجة في منطقة والي الصدقة فكان يبعث به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ليتم توزيعه على من يأتي من ذوي الحاجة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان يبعث إلى عمّاله ليمدوه بالمال اللازم لمواجهة مشكلة طارئة أو حاجة ملحة «3» ، فقد كتب إلى العلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) «أما بعد: فإني قد بعثت إلى المنذر بن ساوي من يقبض منه ما اجتمع عنده من الجزية، فعجله بها، وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة» «4» ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى المنذر بن ساوى (ت 11 هـ) : «

أما بعد: فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة فادفع لهما ما اجتمع عندك من جزية» «5» .

وكانت طريقة تحصيل الزكاة تتم بدفع مبلغ الزكاة إلى عامل الصدقة عندما يمر عليهم، وكانت طريقة الإقرار المباشر هي الوسيلة الأولى المتبعة في تقدير الزكاة من قبل عامل الصدقة، من توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن «إن حقّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئا فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه» «6» . وفي هذا توجيه إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين المزكين والعاملين على الصدقة القائمة على الود والحب، لا التوتر والكراهية.

واتبع جباة الرسول صلى الله عليه وسلم في تحصيلهم للزكاة طريقة «التقدير الجزافي» وهو ما عرف باسم «الخرص أو التخمين» «7» وهذا يتم في حالة تقدير محصول الثمار، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة، ولقد أحاط الإسلام عملية الخرص بضوابط تحفظ حق الزكاة ولا تجحف بالمزكين، يشعر بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خففوا الخرص فإن في المال

(1) البلاذري، فتوح (ص 94) .

(2)

البخاري، الصحيح (ج 2، ص 159) .

(3)

القضاة، بيت المال (ص 37) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 263) .

(5)

م. ن (ج 1، ص 263) .

(6)

أبو عبيد، الأموال (ص 558) .

(7)

الخرص: حزر ما على النخيل من الرطب تمرا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الخراص على نخيل خيبر عند إدراك ثمرها فيحزرونه. انظر: ابن منظور، اللسان (ج 7، ص 21) .

ص: 161

الوصية والعرية والواطئة والنائبة» «1» .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق من مال الصدقة على الأعراب لسدّ حاجاتهم، وحمل الدماء عنهم، وهذا ضمن الأصناف الثمانية التي ذكرتهم الاية

وَالْغارِمِينَ

[التوبة: 60]«2» وذكر أبو عبيد (ت 224 هـ) قول قبيصة بن المخارق: «أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أن يعينه في حمالة (الدية) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم حتى تأتينا الصدقة، فإما أن نعينك، وإما أن نحملها عنك» «3» ، ويعقب أبو عبيد على ذلك بقوله:«قبيصة من أهل نجد وليس من أهل الحاضرة، ولا ممن هاجر إلى المدينة، فرأى له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حمل الدماء، لإصلاح الفتق حقّا من مال الصدقة» «4» .

لم يلجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى فرض ضرائب إضافية- بأي شكل من الأشكال- بل كان يدعو إلى التبرع كلما احتاجت الدولة إلى ذلك، وتذكر المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من إرهاق الرعية بالضرائب، فقال:«لا يدخل الجنّة صاحب مكس» «5» ، وقال:«إن صاحب المكس في النار» «6» ، وقال:«إذا لقيتم عاشرا فاقتلوه» «7» أما «الخراج» - أي ضريبة الأرض- فقد وردت في معاجم اللغة بمعنى الإتاوة والجزية والمال المفروض على الأرض «8» ، والخرج والخراج واحد، وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج غلة العبد والأمة «9» ، وقال الزجاج (ت 311 هـ) : «الخراج:

الفيء، والخراج: الضريبة والجزية، وقيل للضريبة التي فرضت على رقاب أهل الذمة:

«خراج» «10» وجاء الخراج بمعنى الكراء والأجر والثواب» «11» .

وأما المدلول الاصطلاحي لكلمة «خراج» فلا يخرج من المدلول اللغوي، إذ

(1) الوصية: ما يوصي به أربابها، العرية: ما يعرى للصلات، الواطئة: ما تأكله السابلة منهم، النائبة: ما ينوب صاحبها من الحوائج. انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية (ص 117) .

(2)

راجع سورة التوبة (اية: 60) .

(3)

أبو عبيد، الأموال (ص 328) .

(4)

م. ن (ص 329) .

(5)

أبو عبيد، الأموال (ص 704، 705) . أحمد، المسند (ج 4، ص 143، 150) الدارمي، السنن (ج 1، ص 393) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 349) .

(6)

أبو عبيد، الأموال (ص 704، 705) . أحمد، المسند (ج 4، ص 109) .

(7)

أبو عبيد، الأموال (ص 704، 705) . أحمد، المسند (ج 4، ص 224) .

(8)

الفيروز أبادي، القاموس (ج 1، ص 191) . ابن منظور، اللسان (ج 2، ص 251، 252) .

(9)

المصادر والصفحات نفسها.

(10)

المصادر والصفحات نفسها.

(11)

أبو عبيد، الأموال (ص 268) . الماوردي، الأحكام (ص 142) .

ص: 162

جاءت على ألسنة الفقهاء، بمعنى الفيء، من ذلك قول أبي يوسف (ت 182 هـ) :

«فأمّا الفيء يا أمير المؤمنين فهو الخراج عندنا، أي خراج الأرض» «1» ووردت في مكان اخر بمعنى جزية الرأس «2» .

ويعد ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بأهل خيبر هو الخراج بمفهومه العام؛ إذ إن المصطلح لم يكن شائعا بمعناه المعروف فيما بعد. والخراج بمعناه الاصطلاحي لم يعرف إلا في زمن عمر بن الخطاب «3» ، إلا أن الضريبة التي أطلق عليها عمر اسم «الخراج» أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة قبل نزول اية الجزية، وقبل فرض عمر بن الخطاب لها في سواد العراق، وأن هذا الاضطراب في فهم هذه المسألة مرجعه إلى كثرة الاراء الفقهية التي ظهرت حول أنواع الضرائب، وأنواع الأراضي ما بين خراجية وعشرية إلى غير ذلك «4» .

(1) أبو يوسف، الخراج (ص 23) .

(2)

الماوردي، أحكام. وانظر: صالح درادكة، الجزية والخراج في صدر الإسلام، ندوة مالية الدولة في صدر الإسلام، جامعة اليرموك، (1407 هـ، 1987 م) . (بحث غير منشور)(ص 11، 12) .

(3)

انظر: عبد العزيز الدوري، نظام الضرائب في صدر الإسلام، مجلة مجمع اللغة العربية، دمشق، (1974 م) ، مجلد (49) ، (ج 2، ص 44- 60) .

(4)

درادكة، الجزية والخراج (ص 19، 20) .

ص: 163