الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة
رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)
كانت كلمة (سفارة)«1» معروفة في مكة قبل الإسلام، وكانت هذه الوظيفة لبني عدي، وتولاها منهم عمر بن الخطاب (ت 23 هـ)«2» أما كلمة «دبلوماسية» فلم تعرف في صدر الإسلام، ويبدو أنها دخلت في معاجم اللغة في فترة متأخرة.
استخدمت كلمات معينة في عصر الرسالة وهي «السفارة، الرسول، البريد» وكانت العلاقات التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم قاصرة ابتداء على المحادثات الشخصية، وإرسال الكتب، وإيفاد البعثات إلى القبائل وإلى الملوك للتعريف بالإسلام والدعوة إليه، ومن هنا فإن وظيفة البريد (السفارة) كانت من الوظائف الإدارية الهامة التي لاقت اهتماما كبيرا من جانب الدولة، وكان ما وصلنا من كتب ومواثيق ومعاهدات قام بإبرامها النبي صلى الله عليه وسلم تتجاوز المئتين وخمسين كتابا «3» ، وشملت معاهدات مع اليهود والنصارى، وعقود صلح بين النبي صلى الله عليه وسلم والقبائل، وكتب إقطاع وأمان ورسائل دعوة إلى رؤساء القبائل والملوك والأمراء، مما يجعلنا نؤكد على أن سفارات الرسول صلى الله عليه وسلم وكتبه كانت عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية والعلاقات الدولية «4» .
وقد ذكرت المصادر أسماء هؤلاء الرسل الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك، وأرسل معهم كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك
(1) عرفت السفارات في الجاهلية، ومن أشهرها سفارة عبد المطلب بن هاشم إلى أبرهة وهو في طريقه إلى مكة، ليفاوض على رد الإبل التي استولت عليها طلائع جيشه. انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 48) .
(2)
ابن الجوزي، سيرة عمر (ص 6) .
(3)
انظر هذه الوثائق في: حميد الله، مجموعة الوثائق (ص 1- 300) . الأحمدي، مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
(4)
يزعم بعض المستشرقين أن هذه الكتب مزورة، ومن هؤلاء مرجليوث حيث يقول:«إن إخبار النبي عن مقتل كسرى ليس وحيا، إنما هو من عيونه التي كانت تأتيه بالأخبار بسرعة» ويقول: «إن رسالة محمد إلى كسرى لم تسلم إليه قط» . ويقول وات «إن إرسال الرسول للرسل (6 هـ) لا يمكننا أن نقبل هذه القضية كما هي؛ لأن محمدا كان رجل دولة حكيما بعيد النظر ولم يفقد عقله بعد النجاح الذي حققه في الحديبية ودعوته هؤلاء في هذا الوقت يسيء إليه أكثر مما يفيده» .
Margoliauth، P.S، Mohammd and the kise Islam، London، 1932.P.P 368
وات، محمد في المدينة، (ص 62) .
الروم «1» ، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس «2» ، وعمرو بن أمية الضمري (ت 60 هـ) إلى النجاشي ملك الحبشة «3» ، وحاطب بن أبى بلتعة (ت 30 هـ) إلى المقوقس ملك مصر «4» ، وعمرو بن العاص (43 هـ) إلى جيفر وعيّاد ملكي عمان «5» ، وسليط بن عمرو (ت 14 هـ) إلى ثمامة بن أثال، وهوذة بن علي ملكي اليمامة «6» ، والعلاء بن الحضرمي (ت 14 هـ) إلى المنذر بن ساوى (ت 11 هـ) ملك البحرين «7» ، وشجاع بن وهب الأسدي (ت 12 هـ) إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك تخوم الشام «8» ، ويذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن عياش بن أبي ربيعة المخزمي هو الذي أرسل إلى الحارث «9» .
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الرسل إلى زعماء القبائل، فبعث ظبيان بن مرشد الدوسي إلى بني بكر بن وائل «10» ، وجرير بن عبد الله البجلي (ت 54 هـ) إلى ذي الكلاع بن ناكور «11» ، وعمرو بن أمية الضمري (ت 60 هـ) إلى مسيلمة الكذاب (ت 12 هـ)«12» . وغيرهم «13» .
كتب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الرسائل في أواخر السنة السادسة وأوائل السنة السابعة بعد
(1) ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 176) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 103) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 649) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 225- 256) .
(2)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . مسلم بشرح النووي (ج 12، ص 112) . ابن حجر، فتح الباري (ج 16، ص 256، 257) . قال السهيلي: «وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي بإرساله إلى كسرى؛ لأنه كان يتردد عليهم كثيرا أو يختلف إلى بلادهم» . انظر: السهيل، الروض الأنف (ج 26، ص 590) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 27) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 652)(ابن إسحاق) .
(4)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) . خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . ابن طالون الدمشقي، أعلام السائلين (ص 92- 96) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 531) .
(7)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 607) . ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 276) .
(8)
ابن هشام، السيرة، (م 2، ص 607) . ويبدو أن شجاع بن وهب الأسدي بعث إلى الحارث بن شمر الغساني وإلى جبلة بن الأيهم. انظر: ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 1، ص 267) .
(9)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 282) .
(10)
م. ن (ج 1، ص 281، 282) .
(11)
م. ن (ج 1، ص 266) . خليفة، تاريخ (ج 1، ص 630) .
(12)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 273) . خليفة، تاريخ (ج 1، ص 63) .
(13)
انظر بقية هذه الرسائل في: ابن طالون، أعلام السائلين (ص 99، 100) .
صلح الحديبية «1» . وكان المكسب الأكبر الذي حققه النبي صلى الله عليه وسلم من مكاتباته تلك أنها جاءت حملة إعلامية على النطاق الدولي لإظهار أن الإسلام للناس كافة «2» .
وقد نهج النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار رسله أمرا لا يخرج عن المألوف والعرف الجاري لدى الدبلوماسية الحديثة، من تبادل السفراء، ومراعاة الأناقة، وجمال الخلقة، والكفاات الممتازة بصفتهم ممثلين لأمتهم؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، ويشير إلى ذلك ابن قتيبة (ت 276 هـ) بقوله:«إن جبريل كان يجيء على صورة دحية الكلبي؛ لأن دحية كان من أجمل أهل زمانه، وأحسنهم صورة» «3» ، وهذا يصدق على بقية رسله فكان معاذ بن جبل (ت 19 هـ) ، وأبو موسى الأشعري (ت 32 هـ) وعبد الله بن حذافة، وعمرو بن العاص (ت 43 هـ) وغيرهم من «أعقل الصحابة وأجملهم صورة، وأحسنهم حديثا، وأطلقهم لسانا وقوة حجة» «4» وكان هؤلاء الرسل من أولئك المشهورين في المجتمع الإسلامي الذين نبهوا في العلم أو الكتابة أو الإدارة «5» ، وقد بلغ من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على قواعد الدبلوماسية هذه أن قال:«إن أبردتم إليّ بريدا، فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم» «6» .
وعبر العرب عن هذه القواعد في أشعارهم وأقوالهم، فقال أحدهم:
إذا كنت في حاجة مرسلا
…
فأرسل حكيما ولا توصه «7»
وقال اخر:
إذا أرسلت في أمر رسولا
…
فأفهمه وأرسله أديبا
فإن ضيّعت ذاك فلا تلمه
…
على أن لم يكن علم الغيوبا «8»
(1) ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 473) .
(2)
عماد خليل، دراسة في السيرة (ص 293) .
(3)
ابن قتيبة، المعارف (ص 329) . وانظر: الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت 748 هـ) ، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرنؤوط واخرون (ط 2) بيروت، مؤسسة الرسالة، (1402 هـ، 1982 م) ، (ج 2، ص 553، 554) . وابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 473، 474) . الحلبي، السيرة (ج 1، ص 291) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 190) .
(4)
ابن طالون، إعلام السائلين (ص 18، 19) .
(5)
صلاح الدين المنجد، النظم الدبلوماسية في الإسلام، بيروت، دار الكتاب الجديد، (1953 م) ، (ص 28) .
(6)
الألباني، صحيح الجامع الصغير (ج 1، ص 132) .
(7)
ابن الطقطقي، الفخري في الاداب السلطانية (ص 69، 70) .
(8)
م. ن (ص 70) . وانظر عن صفات الرسول: ابن الفراء أبا علي الحسين بن محمد (ت 390 هـ) ، رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة، تحقيق صلاح الدين المنجد (ط 2) بيروت، دار الكتاب الجديد، (1382 هـ، -
وقد ضمنت الأعراف الدبلوماسية للسفراء بعض الحقوق، فهو يملك حقّا يسمى «الأمان» وهو اليوم يسمى الحصانة، وبذلك يكون امنا هو وزوجه وأولاده، وأتباعه الدبلوماسيون «1» ، وتشير المصادر إلى ذلك في قصة الرسل الذين بعثهم مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:«لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «2» وهذا الحق ضروري لتهيئة أفضل الظروف والضمانات لأعضاء البعثات الدبلوماسية والتيسير عليهم في ممارسة وظائفهم، تقديرا لدورهم الجليل في إنشاء العلاقات السياسية الدولية، ويتضح هذا من قول السرخسي (ت 490 هـ) :«إذا وجد الحربي في دار الإسلام، فقال: أنا رسول، فإن أخرج كتابا عرف أنه كتاب ملكهم كان امنا حتى يبلغ رسالته ويرجع؛ لأن الرسل لم تزل امنة في الجاهلية والإسلام؛ وهذا لأن أمر القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل؛ فلابد من أمان الرسل ليتوصل إلى المقصود» «3» .
وكان من حقوقهم أيضا ألايحبسوا أو يمنعوا من الرجوع إلى قومهم، تذكر المصادر أن قريشا بعثت أبا رافع رسولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع في نفسه الإسلام فأراد أن يبقى في المدينة ولا يعود إلى مكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان الذي في قلبك الذي فيه الان فارجع» «4» ، وهذا ما جعل ابن القيم (ت 751 هـ) يقول:«قوله: لا أحبس البرد، إشعار بأن هذا حكم يختص بالرسل مطلقا» «5» .
ومما يدخل في إطار الحصانات الدبلوماسية ضمان حرية العبادة للذين يأتون إلى الدولة من المبعوثين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه ألا يتعرضوا إليهم وهم يؤدون واجباتهم الدينية «6» ، وكان هذا باعثا على تقدير من الجهات المرسلة، ويتضح هذا الحق من خلال قصة وفد نصارى نجران، إذ كانوا يؤدون عباداتهم في مسجد
- 1973 م) ، (ص 33- 35) .
(1)
المنجد، نظم دبلوماسية (ص 80) .
(2)
الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي (ت 255 هـ) ، السنن، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت (ج 2، ص 235) . وأبو داود، السنن (ج 3، ص 192) . والقرطبي، أقضية رسول الله (ص 63) .
(3)
السرخسي، محمد بن أبي سهل (ت 490 هـ) ، المبسوط (ط 2) بيروت، دار المعرفة، د. ت (ج 10، ص 92) . وانظر: ابن القيم، زاد المعاد (ج 3، ص 138، 139) . القرطبي.
(4)
أحمد، المسند (ج 6، ص 8) . أبو داود، السنن (ج 3، ص 189، 190) . وانظر: ابن القيم، زاد المعاد (ج 3، ص 138، 139) . القرطبي، أقضية (ص 62) .
(5)
ابن القيم، زاد المعاد (ج 3، ص 139) .
(6)
مصطفى التازي، الحصانة الدبلوماسية في الإسلام، مؤتمر السيرة الثالث، (م 6) ، (ط 1) ، (1041 هـ) ، (ص 657) .
رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» .
وقد كان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزين عند استقباله للوفود فيذكر البخاري (ت 256 هـ) أن رجلا أهدى للنبي حلة، فقال له:«لتتجمل بها يا رسول الله للوفود» «2» . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم الوفود ويبسط رداءه لبعضهم، ويشركهم في الجلوس إمعانا في إزالة الدهشة، وإدخال المسرة، ذكر ابن ماجه (ت 275 هـ) ، أنه لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخيل بسط له رداءه، وأجلسه عليه وقال:«إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» «3» وفي هذا إشارة إلى أن التكريم كان على حسب درجات القوم ومنزلتهم، ويذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم خصص مكانا ينزل فيه ضيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت دار رملة بنت الحارث النجارية مكانا معدّا لاستقبال الوفود، وأطلق عليها بعضهم اسم «دار الضيفان» «4» .
وكانت «الجوائز» حقّا اخر يتمتاع به السفراء عند استقبالهم ووداعهم، ويتضح هذا من قول ابن خالدون (ت 808 هـ) :«كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن وفادة الوفود ويحسن جوائزهم، وهذا كان شأنه مع الوفود ينزلهم إذا قدموا ويجهزهم إذا رحلوا» «5» ويشير ابن سعد (ت 230 هـ) إلى هذا التكريم بقوله: «إن وفد بني حنيفة أنزلوا في دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم ضيافة، فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا وسمنا» «6» ، وعند ما جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خالد بن سعيد (ت 14 هـ) يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم حتى يأكل منه خالد «7» . ويذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) :«أن بلالا كان يأتيهم بفطرهم وسحورهم في الأيام التي صاموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» «8» .
وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود ويستضيفهم كان يزودهم بما يحتاجونه عند
(1) ابن سعد، الطبقات (ص 357) .
(2)
البخاري، الصحيح (ج 4، ص 85) .
(3)
ابن ماجه، السنن (ج 2، ص 1223) .
(4)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 316) . السمهودي، وفاء الوفا (ص 555) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 445، 446) .
(5)
ابن خالدون، تاريخ (ج 2، ص 2، 52) .
(6)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 316) . وانظر: الكتابي، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 446) .
(7)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 540)(ابن إسحاق) .
(8)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 540، 541)(ابن إسحاق) . وانظر: الزرقاني، شرح المذاهب (ج 4، ص 8) .
السفر، فيذكر البيهقي (ت 458 هـ) قول النعمان بن المقرن، قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة رجل، فلما أردنا أن ننصرف قال:«يا عمر زود القوم» «1» . وهناك إشارات في المصادر تذكر أن بعض هذه الجوائز كانت تكون- أحيانا- نقدية. فيذكر ابن سعد (ت 230 هـ) : «أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر على عمان باثنتي عشرة أوقية ونش، قال: وذلك خمسمائة درهم» «2» وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم وفود عبد القيس، وبهرام، وغسان، وقضاعة، وغيرهم بمبالغ نقدية مساوية لذلك «3» .
لقد كانت الضيافة وحسن الاستقبال عامة للوفود والسفراء حتى في السفر، ويتضح هذا من رواية الإمام أحمد (ت 241 هـ) أن رسول هرقل قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك (سنة 9 هـ) . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرا له من عدم وجود جائزة يجيزه بها فقال:«إن لك حقّا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة لجوزناك بها، ولكن جئتنا ونحن مرملون (مسافرون) فقال عثمان: أنا أكسوه حلّة صفورية، وقال رجل من الأنصار: عليّ ضيافته» «4» .
ويتضح من هذا أن كسوة الرسول صلى الله عليه وسلم وضيافته هما من حقوق الرسول كجزء من الاستقبال والتكريم.
ويفترض أن يعامل رسل المسلمين هذه المعاملة. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشترط على بعض الوفود تكريم رسله وضيافتهم. فيذكر ابن سعد (ت 230 هـ) في معرض حديثه عن وفد نجران أن النبي صلى الله عليه وسلم «اشترط عليهم مؤنة رسله وضمان الحماية لهم» «5» .
لقد كانت هذه جزا من قواعد الدبلوماسية في فترة الرسالة، طبقها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ووصى بها صحابته عند موته، فقد ذكر البخاري (ت 256 هـ) في صحيحه بابا سماه «باب جوائز الوفود» أخرج فيه حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته منها: «
…
وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم» «6» .
أما بالنسبة إلى الرسائل نفسها فقد كانت تضمن الموضوع الذي أرسلت من أجله فهناك رسائل موضوعها «
…
إني أدعوك إلى الله واحده
…
» «7» . ويشرح أهداف
(1) البيهقي، الدلائل (ج 5، ص 365) . وانظر: الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 450، 451) .
(2)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 262) .
(3)
م. ن (ج 1، ص 262، 334، 339) .
(4)
أحمد، المسند (ج 4، ص 75) .
(5)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 288) .
(6)
البخاري، الصحيح (ج 4، ص 84، 85) .
(7)
انظر رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل من قيصر وكسرى والنجاشي والمقوقس. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم-
الإسلام وأحكامه. وهناك رسائل موضوعها دعوة أهل الذمة إلى الإسلام «
…
ومن بقي على دينه فعليه الجزية» «1» ، «
…
ولهم ذمة الله ورسوله» «2» ، وبعضها كان يشرح أحكاما شرعية كما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم، واليه على البحرين «3» .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح رسائله بلفظ: «من محمد رسول الله
…
» «4» ، فهو يبدأ باسمه ولقبه ثم اسم المرسل إليه ولقبه «5» . يقول القلقشندي (ت 821 هـ) :«وكان العجم يبدؤون بملوكهم إذا كتبوا، والرسول كتب فبدأ بنفسه، وكان أصحاب رسول الله وأمراء جيوشه يكتبون إليه فيبدؤون بأنفسهم كما كان يكتب إليهم» «6» ، ويتضح من خلال هذه الرسائل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الملوك بالمفرد وليس بصيغة الجمع فيقول:
«
…
إني أحمد الله إليك
…
» «7» أو «
…
إني أدعوك بدعاية الإسلام
…
» «8» ، وخاطب هؤلاء بألقابهم التي اصطلح عليها، ومن ذلك أنه قال لقيصر:«عظيم الروم» «9» ، ولكسرى:«عظيم فارس» «10» وللمقوقس: «صاحب مصر» «11» وللنجاشي: «ملك الحبشة» «12» .
وكانت تفتح الرسائل بعد الحمد بقوله: «أما بعد فإني
…
» «13» ، ويذكر البخاري
- (26) ، (ص 109) . وثيقة رقم (53) ، (ص 140) . وثيقة رقم (50) ، (ص 136) . وثيقة رقم (22) ، (ص 103، 104) .
(1)
انظر: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وهو في اليمن. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (106/ د) ، (ص 213) . كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن كلدة. وثيقة رقم (106) ، (ص 221، 222) .
(2)
انظر: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أذرح والجرباء. وانظر: الحلبي، السيرة (ج 3، ص 160) .
(3)
انظر: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 594، 596) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 128، 129)(ابن إسحاق) .
(4)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (22) ، (ص 103، 104) . وثيقة رقم (26) .
(5)
المنجد، نظم دبلوماسية (ص 164) .
(6)
القلقشندي، صبح الأعشى (ج 6، ص 330- 339) .
(7)
انظر: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (21) ، (ص 100) .
(8)
م. ن، رسالة النبي إلى المقوقس، وثيقة رقم (22) ، (ص 103، 104) .
(9)
م. ن، رسالة النبي إلى قيصر، وثيقة رقم (26) ، (ص 109) .
(10)
م. ن، رسالة النبي إلى كسرى، وثيقة رقم (53) ، (ص 140) .
(11)
م. ن، رسالة النبي إلى المقوقس، وثيقة رقم (49) ، (ص 135) .
(12)
م. ن، رسالة النبي إلى النجاشي، وثيقة رقم (21) ، (ص 100) .
(13)
انظر: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، وثيقة رقم (49)، (ص 135) . وانظر: وثيقة رقم (36) . (ص 126) . وثيقة رقم (47) ، (ص 133) . وثيقة رقم (57) ، (ص 146) .
(ت 256 هـ) قول هشام بن عروة (ت 146 هـ) : «رأيت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم كلما انقضت فقرة فقال: أما بعد
…
» «1» ، وربما افتتحها «
…
هذا الكتاب
…
» «2» ،
«
…
أسلم أنت
…
» «3» ، وكان غالبا ما يختم الرسائل بالسلام «4» ، ثم يذكر في نهاية الرسالة «وكتب فلان» «5» . وإذا كان هناك شهود ذكرهم أيضا «6» في حين كانت تخلو الرسائل من التاريخ إلا في بعضها، كما ورد في معاهدته مع أهل مقنا حيث جاء فيها «
…
وكتب علي بن أبي طالب في سنة تسع» «7» .
لم تذكر المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يحتفظون عندهم بنسخة من هذه الرسائل، إلا أننا عرفنا أن صلح الحديبية كان قد كتب منه نسختين أخذ أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو «8» .
ويذكر عبد الله بن عمرو بن العاص (ت 65 هـ) أن أول كتاب كتبه بيديه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة «9» ، وربما يكون عبد الله قد نقله من نسخة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت محفوظة لدى بعض المسلمين، مما يدل على وجود نوع من المحافظة على الأوراق الرسمية (الأرشيف) .
وهناك بعض النسخ من كتب النبي صلى الله عليه وسلم المرسلة إلى الجهات وكانت موجودة لدى بعض الصحابة، فكان لدى ابن عباس (ت 68 هـ) العديد من نسخ مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم «10» ، واحتفظ أبو بكر بن حزم وعروة بن الزبير (ت 93 هـ) ببعضها أيضا «11» .
ويمكن القول: إنهم كانوا ينسخون هذه الكتب قبل أن ترسل إلى الجهات؛ لأنه لا
(1) البخاري، الأدب المفرد (ص 162) .
(2)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (19) ، (ص 98) وثيقة رقم (20) ، (ص 98) . وثيقة رقم (22) ، (ص 103) .
(3)
انظر: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (21) ، (ص 100) .
(4)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (21) ، (ص 100) . وثيقة رقم (23)(ص 104) . وثيقة رقم (24) ، (ص 106) . وثيقة رقم (25) ، (ص 106، 107) .
(5)
م. ن، وثيقة رقم (191) ، (ص 98) . وثيقة رقم (25) ، (ص 98) . وثيقة رقم (33) ، (ص 120) . وثيقة رقم (41) ، (ص 128) .
(6)
م. ن، وثيقة رقم (34) ، (ص 124) ، رقم (43) ، (ص 98) . وثيقة، رقم (45) ، (ص 131، 132) . رقم (48) ، (ص 135) .
(7)
البلاذري، فتوح (ص 33) ، حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (33) ، (ص 120) .
(8)
الواقدي، المغازي (ج 2، ص 612) .
(9)
الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 2، ص 244) .
(10)
الأعظمي، كتاب النبي (ص 17، 18) .
(11)
ابن طالون، أعلام السائلين (ص 48- 52) .
يمكن لأحد أن يجمع هذه الرسائل المرسلة إلى الجهات المختلفة إن لم يكن هناك صورة محفوظة منها لدى الصحابة.
ولعل من المفيد أن نذكر أن عمر في خلافته كان يحتفظ بجميع المعاهدات والمواثيق التي أخذت من الأشخاص المرموقين «1» ، حتى ما مضى على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ربع قرن حتى أصبح في المدينة «بيت القراطيس» الذي كان ملصقا بدار عثمان»
، وهو ما يمكن تسميته بأمانة السّر للدولة الإسلامية.
وراعى النبي صلى الله عليه وسلم كون الرسائل الرسمية لا تقبل إلا إذا كانت مختومة، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما، ثم أمر ألّا ينقش على نقشه أحد حتى تتميز المراسلات الرسمية، ولا تخضع لعمليات التلاعب والغش والتزوير، ويتضح هذا من رواية البخاري (ت 256 هـ) من قول أنس بن مالك (ت 91 هـ) : اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما فقال: «إنا قد اصطنعنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا فلا ينقشن عليه أحد» «3» .
ويظهر أن حفظ الخاتم أصبح وظيفة إدارية يقوم بها أحد الصحابة، ذكر ابن عبد البر (ت 463 هـ) في ترجمته لمعيقيب بن أبي فاطمة قال:«كان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم يحفظه» «4» ، وهذا ما يدل على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة ما دامت لا تتعارض وأحكام الشريعة وروحها العامة.
ونتخلص من الروايات التي بين أيدينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل بعض الرسائل مغلقة وختم على ظهر الرسالة بحيث تصبح مغلقة، فلا يفتحها إلا صاحبها، ذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص (ت 43 هـ) إلى جيفر وعبد ابني الخلندي. قال عمرو:«فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه» «5» . والظاهر أنهم كانوا يطوون الكتاب ويجعلون عليه شيئا رطبا كالعجين
(1) المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي (ت 845 هـ) ، الخطط المقريزية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د. ت، طبعة بالأوفست، (ج 1، ص 295) .
(2)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 22) .
(3)
البخاري، الصحيح (ج 7، ص 202) . وانظر ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 475) . أبو داود، السنن (ج 4، ص 425، 426) . وكان نقشه على الشكل التالي: الله رسول محمد. انظر: ابن سعد، الطبقات، (ج 1، ص 258، 470، 471) .
(4)
ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 4، ص 1478، 1479) . وانظر: الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 188) .
(5)
ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 262) . وانظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (76) ، (ص 176) .
وغيره، فيختمون به فلا يقرأ إلا بعد فض الخاتم، وذلك لئلّا يطلع على ما في الكتاب أحد اخر «1» .
أما «الاتفاقيات والعهود» التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك مع الكيانات السياسية الموجودة، أو القبائل العربية، فقد أظهرت ذكاء الدبلوماسية الإسلامية في التعامل مع الأحداث، وكانت هذه الدبلوماسية تعتمد مصلحة الجماعة الإسلامية، وتأخذ بعناصر ومقتضيات الواقع، ففي صلح الحديبية (6 هـ) - بشروطه المعروفة «2» - ظهرت ملامح هذه الدبلوماسية في التحرك لربط المناطق المختلفة بالمواثيق والعهود وكتب الأمان من أجل فرض العزلة على مكة، ونشر الإسلام بين القبائل، والانفراد بخيبر، ليمنع تحالفها مع قريش وحتى لا تبقى قوة تدعهم القبائل المعارضة في الشمال. يتضح هذا من قول البلاذري (ت 279 هـ) :«والمصلحة المترتبة على إتمام صلح الحديبية ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده الظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا» «3» .
ذكرت لنا المصادر مجموعة كبيرة من العقود والمعاهدات، ومنها معاهدات مع وفد همذان والنخع وكلب وثقيف وأذرح والجرباء وغيرها «4» .
كان مضمون هذه المعاهدات متقاربا، فقد ذكر في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى جرباء وأذرح «
…
أنهم امنون بأمان الله، وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار كل رجب، وأن الله عليهم كفيل بالنعم والإحسان إلى من لجأ إليهم من المسلمين» «5» ، وهكذا كانت بقية المعاهدات إلا في بعض التفصيلات التي تخص كل قوم دون غيرهم.
كانت تتسم هذه «المعاهدات والاتفاقيات» بالإيجاز في القول وتحاشي استخدام
(1) الأحمدي، مكاتيب (ج 1، ص 32) .
(2)
كانت شروط الصلح تنص على ما يلي «اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين
…
من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء ممن مع محمد لم يردوه عليه
…
وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه» . انظر: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 317، 318) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 97) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 350) .
(3)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 211) .
(4)
انظر: ابن سعد، الطبقات (ج 1، ص 312، 314، 334، 335، 340، 342، 346، 347) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (119/ أ)(ص 294، 295) . رقم (111) ، (ص 231) . ورقم (181) ، (ص 284- 286) . رقم (33) ، (ص 118، 119) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 525) . حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (31/ أ)(ص 117، 118) .
اللفظ المزخرف والسجع، وكذلك كانت تخلو من ألقاب التعظيم والتفخيم فتذكر أسماء المتعاقدين مجردة «1» ، فكان يقول:«هذه امنة من الله ومحمد النبي الرسول ليحنه بن روبة وأهل أيلة» «2» ، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على ذكر صفة «رسول الله، والنبي» مستهدفا التذكير بحقيقة وظيفته وتأكيد معانيها في النفوس «3» ، ففي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل أذرح والجرباء قال: «هذا كتاب من محمد النبي
…
» «4» وامتازت هذه العقود بذكر أسماء الشهود عملا بما استنه الرسول صلى الله عليه وسلم عند عقد معاهدة الحديبية (6 هـ)«5» .
ولما كان معظم سكان الجزيرة من القبائل التي تستوطن كل منها مكانا خاصّا بها يسمى «دار» ، ولها تنظيم سياسي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الاحتكاك بهذه القبائل، وهذا لم يتم دفعة واحدة؛ إذ إن ظروف القبائل وتنوعها واختلافها يؤدي بالضرورة إلى تنوع المعاملة، فهناك بعض القبائل اكتفى منهم بالموادعة دون إلزامهم بتغيير دينهم «6» ، ويشير إلى ذلك القران في الاية الكريمة: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ
…
[التوبة: 4]«7» .
لقد قسمت هذه الكتب إلى كتب موجهة إلى الأفراد وهي تتضمن «الإقطاعات وما يتعلق بالأمور المالية» ، وهناك كتب موجهة لأفراد عشائرهم بصراحة وهي تبين اعتراف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الزعامة أو تلك على القبيلة، وسلطاتها الإدارية المستقلة وفقا للتقاليد البدوية «8» ، وهناك رسائل موجهة للعشائر دون الأفراد، ولا ندري هل كان إغفال الرسول صلى الله عليه وسلم لذكر أسماء أفراد بعينهم يرجع إلى عدم وجود رؤساء معتمدين فيها، أم أن هؤلاء لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فتجاهلهم، وعلى أية حال، فإننا لا نعلم طريقة إدارة هذا
(1) عبد النافع محمود، المعاهدات في الإسلام، مجلة التمدن الإسلامي، مجلد 36، سنة (1386 هـ) ، (ص 36، 37) .
(2)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (31/ أ) ، (ص 117، 118) .
(3)
محمود، المعاهدات في الإسلام (ص 37) .
(4)
انظر: معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل أذرح والجرباء. حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (32، 33/ أ)(ص 118، 119) .
(5)
انظر صلح الحديبية في: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 324) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 97) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 211) .
(6)
العلي، إدارة الحجاز (ص 34، 35) .
(7)
انظر: الطبري، تفسير (ج 14، ص 132) . السيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 130، 131) .
(8)
العلي، إدارة الحجاز (ص 38) . انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (111) ، (ص 231) . رقم (112) ، (ص 232) . رقم (22) ، (ص 240) .
الصنف من العشائر «1» .
وكان الالتزام المفروض من خلال هذه المعاهدات على العشائر «طاعة الله ورسوله» «2» وأضاف بعضها «الإسلام وطاعة الله ورسوله» «3» وفي بعضها «الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» «4» وزاد بعضها «
…
ومفارقة المشركين» «5» وفي بعضها «أقبل في حزب الله
…
» «6» .
إن طاعة الله ورسوله لابد أن تؤدي إلى الإسلام، كما أن الإسلام يستلزم طاعة الله ورسوله، والقيام بفرائضه، وإن عدم ذكر بعض الكتب شرط «مفارقة المشركين» يظهر أنه سمح لهم بإبقاء علاقاتهم بالمشركين ولا سيما أن المسلمين كانت بينهم وبين المشركين في هذه الفترة عهود ومواثيق أشار إليها القران «7» .
وقد نصت بعض هذه المعاهدات على «أن لهم النصر على من ظلمهم أو حاربهم..» «8» .
ويتضح هذا في معاهداته مع ضمرة وغفار وأشجع وغيرها. وهذا يستدعي أن يقوم بحمايتهم من أي اعتداء أو هجوم. وقد أضاف على بني أسلم شرطا «أن عليهم نصر النبي صلى الله عليه وسلم» «9» فالاتفاقية معهم هجومية ودفاعية. وقد أقر لعدد من القبائل ولا سيما طيئ وثقيف وجرش، أن كلّا منهم له ما أسلم عليه من أرضه «10» ، ويفترض أن يكون قد طبق هذه الشروط تجاه القبائل
(1) انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (81) ، (ص 168) . رقم (13) ، (ص 169) . رقم (85) ، (ص 170) . رقم (89) ، (ص 172) .
(2)
انظر هذه الوثائق في: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (122) ، رقم (ص 239) . رقم (109) ، (ص 262) . رقم (189) ، (ص 2932) .
(3)
م. ن، وثيقة رقم (72/ أ) ، (ص 160) . رقم (109) ، (ص 221) . رقم (152) ، (ص 2262) . رقم (19/ 2) ، (ص 293) . رقم (217) ، (ص 321) .
(4)
م. ن وثيقة رقم (40) ، (ص 127، 128) . رقم (152) ، (ص 262) . رقم (165) ، (ص 271) . رقم (173) ، (ص 278) . رقم (189) ، (ص 293) . رقم (193) ، (ص 298) . رقم (197) ، (ص 301) .
(5)
م. ن، وثيقة رقم (41) ، (ص 128) . رقم (81) ، (ص 168) . رقم (82) ، (ص 169) . رقم (85) ، (ص 170) . رقم (87) ، (ص 171) . رقم (194) ، (ص 299) . رقم (195) ، (ص 299، 300) .
(6)
م. ن، وثيقة رقم (175) ، (ص 280) .
(7)
راجع سورة التوبة: الايات (1- 4) .
(8)
انظر هذه المعاهدات في: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (66) ، (ص 154، 155) . رقم (159) ، (ص 265) . رقم (161) ، (ص 267) .
(9)
العلي، إدارة الحجاز (ص 40) .
(10)
انظر: حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (120) ، (ص 238) . رقم (122) ، (ص 240) .
الاخرى، وإن لم ينصّ على ذلك في معاهداته معهم.
وبما أن القبائل كانت تأنف أن يتولى عليها أمير من غيرها، فقد اشترط بعضهم هذا الشرط، ويتضح هذا في معاهداته مع أهل مقنا وبني وائل «1» ، وفي كتابه إلى وائل بن حجر ذكر أنه «يستقي ويترفل على الأقيال» «2» ويفيد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يربط هذه الواحدات الإدارية الصغيرة في سلسلة ضمن إطار واحد حتى يسهل على المركز إدارتها ومراقبتها. وقد ذكرت بعض هذه المعاهدات شروطا منفردة، منها:«النصح للمسلمين» «3» ، «وضيافتهم» «4» أو «السماح لهم باستعمال المياه» «5» أو «السماح لهم بالمرور من الطرق» » .
وكانت هذه المعاهدات تعطي لهؤلاء «ذمة الله ورسوله» «7» و «أمان الله ورسوله» «8» وقد استعملت ذمة الله وأمان الله بشكل ثابت، أما ذمة الرسول فكانت تذكر أحيانا، وجاء في بعضها:«إن الله ورسوله جار على ذلك» «9» ، وفي كتاب:«إن الله ومحمد جار» «10» ، وكان المقصود بالأمان والذمة والجوار أنها اتفاقيات صداقة يضمن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه القبائل عدم الاعتداء، وكانت كلمة «ذمة» تدل على ضمان حمايتهم من أي اعتداء تقوم به القبائل والقوى الاخرى ضدهم «11» .
(1) م. ن، وثيقة رقم (33) ، (ص 120) .
(2)
م. ن، وثيقة رقم (98) ، (ص 191) . يترفل على الأقيال، أي يتأمر عليهم.
(3)
م. ن، وثيقة رقم (98) ، (ص 191) .
(4)
م. ن، وثيقة رقم (65) ، (ص 153، 154) . رقم (124) ، (ص 241) .
(5)
م. ن، وثيقة رقم (202) ، (ص 303) .
(6)
م. ن، وثيقة رقم (87) ، (ص 171) . (124) ، (ص 249) . رقم (196) ، (ص 300) .
(7)
حميد الله، مجموعة الوثائق، وثيقة رقم (41) ، (ص 128) . رقم (90) ، (ص 172) . رقم (94) ، (ص 178) . رقم (111) ، (ص 231) ، (ص 1137) ، (ص 252) . رقم (159) ، (ص 267) . رقم (161) ، (ص 268) . رقم (166)(ص 271) . رقم (181) ، (ص 284) . رقم (247، 248) ، (ص 334) .
(8)
م. ن، وثيقة رقم (72) ، (ص 159) ، رقم (96، 97) ، (ص 181) ، رقم (152) ، (ص 262) . رقم (153) ، (ص 263) . رقم (232) ، (ص 322) .
(9)
م. ن، وثيقة رقم (95) ، (ص 179) ، رقم (131) ، (ص 246) .
(10)
م. ن، وثيقة رقم (132/ أ) ، (ص 248) .
(11)
ابن منظور، اللسان (ج 12، ص 121) .
لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعاهدات أن يربط هذه القبائل مع الدولة الجديدة، وهي إجراات ضرورية لحماية القوات الإسلامية في صراعها مع الروم الذي ظهرت أول أماراته في معركة مؤتة (8 هـ) ، وهذا يبين أن صورة العالم الذي ستجري عليه الحوادث المقبلة كانت واضحة في ذهن الرسول صلى الله عليه وسلم «1» .
ويتبين من خلال هذا العرض لمعاهدات الرسول صلى الله عليه وسلم مع القبائل أو رجالها أن أهم ما كان يقدمه لهم هو «الحماية» ، وأهم ما يطلبه هو «الطاعة» ، وترك القبائل تسير حسب نظمها القديمة على ألاتمس سيادة الإسلام، وربما كان انشغال الرسول صلى الله عليه وسلم بالقضايا الكثيرة التي واجهته بعد فتح مكة (8 هـ) جعلته ينصرف عن العمل على تبديل شكل الهيكل الإداري، ذلك الانصراف الذي أدى إلى قلة الشكاوى والمشاكل التي واجهها «2» ؛ إذ لم يرسل النبي صلى الله عليه وسلم لهذه القبائل من رجال إدارته إلا بعض عمال الصدقات الذين أرسلوا من مركز الدولة في المدينة المنورة.
(1) انظر: صالح درادكة، مقدمات في فتح بلاد الشام، الندوة الثانية للمؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الرابع، مجلد 2، عمان، (1987 م) ، (ص 124- 126) .
(2)
العلي، إدارة الحجاز (ص 40، 41) .
الإدارة في عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم
الفصل الرّابع الإدارة المالية
أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة.
ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة.
رابعا: تنظيم شؤون التجارة.
خامسا: تنظيم شؤون الصناعة.
سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة.