المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل الخامس الإدارة العسكرية   ‌ ‌ثالثا: القيادة كان النبي صلى الله عليه وسلم - الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

[أحمد عجاج كرمى]

فهرس الكتاب

- ‌شكر وتقدير

- ‌المختصرات والرموز

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام

- ‌أولا: مفهوم مصطلح الإدارة

- ‌ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية

- ‌ثالثا: الإدارة في مكة

- ‌رابعا: الإدارة في يثرب

- ‌الفصل الثاني إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة

- ‌أولا: إدارة الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة

- ‌ثانيا: إدارة الدعوة الإسلامية في يثرب قبل الهجرة

- ‌رابعا: إجراءات الرسول صلى الله عليه وسلم الإدارية في المدينة بعد الهجرة

- ‌الفصل الثالث التنظيم الإداري للدولة

- ‌أولا: إدارة البلدان وتقسيماتها الإدارية

- ‌ثانيا: الإدارة الدينية

- ‌ثالثا: الكتابة والكتاب

- ‌رابعا: إدارة العلاقات العامة (الدبلوماسية الإسلامية)

- ‌الفصل الرابع الإدارة المالية

- ‌أولا: إدارة المال حتى قيام الدولة

- ‌ثانيا: إيرادات الدولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌ثالثا: تنظيم شؤون الزراعة

- ‌رابعا: تنظيم شؤون التجارة

- ‌خامسا: تنظيم شؤون الصناعة

- ‌سادسا: تنظيم حفظ الأموال العامة

- ‌الفصل الخامس الإدارة العسكرية

- ‌أولا: التمويل

- ‌ثانيا: الخدمات المساعدة

- ‌ثالثا: القيادة

- ‌رابعا: التخطيط وأساليب القتال

- ‌الفصل السادس إدارة شؤون القضاء

- ‌أولا: القضاء في المدينة المنورة

- ‌ثانيا: القضاء في الأمصار

- ‌ثالثا: المظالم

- ‌رابعا: الحسبة

- ‌ملاحظات:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌أولا: المصادر:

- ‌ثانيا: المراجع:

- ‌السيرة الذاتية للمؤلف

الفصل: الفصل الخامس الإدارة العسكرية   ‌ ‌ثالثا: القيادة كان النبي صلى الله عليه وسلم

الفصل الخامس الإدارة العسكرية

‌ثالثا: القيادة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى قيادة المقاتلة بنفسه أو يولي واحدا من أصحابه وترد إشارات أنه كان يطلق على من يتولى هذه المهمة لقب «أمير» فقد لقب عبد الله بن جحش (ت 3 هـ) في سرية نخلة (2 هـ) بأمير المؤمنين «1» ، وحصل زيد بن حارثة (8 هـ) لقب أمير في سيرته إلى القردة «2» ، وقال ابن خالدون (ت 808 هـ) : وكانوا يسمون قواد البعوث باسم الأمير.... وقد كانوا في الجاهلية يدعون النبي صلى الله عليه وسلم أمير مكة وأمير الحجاز. وكان الصحابة يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين لإمارته على جيش القادسية «3» .

ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تجاوز عن بعض الصفات التي كانت مطلوبة في القائد عند القبيلة العربية قبل الإسلام، فلم تعد القيادة وقفا على شيوخ القبائل، بل صارت مفتوحة للجميع حسب القدرة والكفاءة، وكذلك تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم عن السن، فقد استعمل أسامة بن زيد وهو ابن ثماني عشرة سنة على سرية كان فيها أبو بكر وعمر «4» . وكان هناك من طعن في إمارة أسامة؛ وذلك لصغر سنه وكونه من الموالي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وإنه لخليق للإمارة وكان أبوه خليقا لها» «5» ، وقال:«إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه؛ لأنه أيقظ عينا وأبصر بالحرب» «6» .

وأبقى النبي صلى الله عليه وسلم على المؤهلات القيادية الاخرى كالشجاعة، ويتضح ذلك من

(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 19) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 11) . ابن القيم، زاد (ج 2، ص 84) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 58) .

(2)

الطبري، التاريخ (ج 2، ص 482) .

(3)

ابن خالدون، المقدمة (ص 227) . كانوا في الجاهلية: أي كان الجاهلون من الأعراب يدعونه.

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 190، 191) ، (ج 4، ص 65) . ابن الجوزي، صفة الصفوة (ج 1، ص 522) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 355) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 183) .

(5)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 190، 191) . ابن الجوزي، صفة الصفوة (ج 1، ص 522) . ابن أبي الحديد (ج 1، ص 159- 160) .

(6)

السيوطي عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ) ، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار النهضة (1395 هـ، 1975 م) .

ص: 199

وصف علي بن أبي طالب شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر بقوله: «كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه» «1» .

ويفترض في الأمير أن يكون من أهل الصبر والتحمل، فيذكر سعد بن أبي وقاص (ت 55 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم نخلة (2 هـ) :«لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش» فبعث علينا عبد الله بن جحش، فكان أول أمير في الإسلام «2» .

ويشترط في الأمير كذلك الكفاءة والخبرة بشؤون الحرب، وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ فأمّر عمرو بن العاص على سرية فيها أبو بكر وعمر «3» ، يقول ابن تيمية (ت 728 هـ) :«وأمّر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم على من هم أفضل منه، وأمّر أسامة بن زيد لأجل ثأر أبيه؛ ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة مع أنه قد يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان، وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى فلم يعزله من أجلها بل عاتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه؛ لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين ليعتدل الأمر، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يؤثر استنابة خالد وكان عمر بن الخطاب يؤثر عزل خالد واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم؛ لأن خالدا كان شديدا كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه ليكون أمره معتدلا ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو معتدل حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة» وأمته وسط قال الله تعالى فيهم: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الفتح: 29] » «4» .

ولقد أضاف الإسلام إلى مؤهلات الإمارة التقوى والسبق إلى الإسلام فترد الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا «5» .

(1) الطبري، تاريخ (ج 2، ص 270) وهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يترك عريشة القيادة ويباشر القتال بنفسه.

(2)

ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 248) . ابن حجر، الإصابة (ج 2، ص 287) .

(3)

اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 64) . النويري، نهاية الأرب (ج 6، ص 152) .

(4)

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (ت 728 هـ) ، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق علي سامي النشار وأحمد زكي عطية (ط 2) مصر، دار الكتاب العربي، سنة (1951 م) ، (ص 15، 16) .

(5)

الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 93) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1357) . ابن كثير، البداية-

ص: 200

عرف العرب قبل الإسلام شيئا من تسلسل الرتب القيادية، فمن الرئيس الذي يتمثل بشيخ القبيلة أو رديفه «1» إلى المنكب بدليل قول عامر بن الطفيل (ت 10 هـ) :

ولكني أحمي حماها وأتقى

أذاها وأرمي من رماها بمنكب «2»

وكان المنكب مسؤولا عن خمسة عرف حيث عرفت عنهم وقد يعرف بدليل قول طريف بن تميم «3» :

أو كلما وردت عكاظ قبيلة

بعثوا إليّ عريفهم يتوسّهم «4»

ويقول علقمة بن عبدة:

بل كل قوم وإن غزوا وإن كثروا

عريفهم بأثافي السر مرجوم «5»

وعند ظهور الإسلام كان الرسول صلى الله عليه وسلم الرئيس الأعلى للجماعة الإسلامية- يخرج إلى القتال بنفسه «6» أو يؤمر أحد أصحابه ويزودهم بتوجيهاته، ومن ذلك ما كتبه لعبد الله بن جحش في سرية نخلة «7» ، وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر أسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين..» «8» .

وكانت الواحدة الصغرى في القيادة «العرافة» ، وقد وردت أول إشارة لها في غزوة حنين (9 هـ) . فيروي الواقدي (ت 307 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الناس في حنين عرافات على كل عشرة عريفا «9» . وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية العرفاء فقال:«إن العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء..» «10» ، وكان العريف مسؤولا عن شؤون عرافته

- والنهاية (ج 4، ص 61) .

(1)

محمد فرج، فن إدارة المعركة في الحروب الإسلامية، القاهرة، الشركة العربية المتحدة، (1972 م) ، (ص 22) .

(2)

ابن الطفيل، ديوانه (ص 13) .

(3)

شاعر جاهلي من فرسان تميم. انظر: الزركلي، الأعلام (ج 3، ص 226) .

(4)

ابن سيده، المخصص (ج 3، ق 1، ص 132) . ابن منظور، اللسان (ج 3، ص 317) . ابن الأثير، الكامل (ج 1، ص 368) .

(5)

المفضل الضبي، المفضليات (ص 401) .

(6)

انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 612) ، (م 2، ص 44، 45، 46، 65، 190، 234، 282، 289، 308، 328، 399، 440، 529) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 439) .

(8)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 278) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 184) .

(9)

الواقدي، المغازي (ج 3، ص 952) . وانظر: الشافعي، الأم (ج 4، ص 158) . الطبري، تاريخ (ج 4، ص 488)(الشعبي) . عون، الفن الحربي (ص 110) . العدوي، نظم (ص 313) .

(10)

أبو داود، السنن (ج 3، ص 92، 93) .

ص: 201

تجاه الأمير؛ ولذا قال شارح سنن أبي داود (ت 275 هـ) : «إن العرافة تدبير أمور القوم والقيام بسياستهم، ولابد للناس من العرفاء ليتعرف على أحوالهم في ترتيب البعوث والأخبار والعطايا والسهام وغير ذلك» «1» ، وتتضح أهمية العريف التنظيمية هذه في غزوة حنين عندما اختلف الناس في سبي هوازن فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم:«ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» «2» وذكر ابن حجر (ت 852 هـ) أن جندب بن النعمان الأزدي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه وجعله النبي صلى الله عليه وسلم عريف قومه «3» ، وكان رافع بن خديج الأنصاري عريف قومه بالمدينة «4» .

وكانت رتبة «النقيب» «5» من الرتب التي ظهرت في هذه الفترة، وكان القران قد أشار إليها في معرض حديثه عن بني إسرائيل، وفي بيعة العقبة الثانية طلب النبي صلى الله عليه وسلم ممن اجتمع لديه أن يخرجوا اثني عشر نقيبا كي يتحملوا مسؤولية البيعة والدعوة في المدينة «6» .

وظهرت رتبة قيادية أخرى هي رتبة «أمير التعبئة» ففي غزوة الفتح (8 هـ) جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من جيشه عدة أقسام ثم وضع على كل قسم منهم أميرا كان يتلقى تعليماته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع الزبير على فرقة وأمره أن يدخل مكة من كداء، ووضع سعد بن عبادة على فرقة وأمره أن يدخل من كدي، ووضع خالد على فرقة وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وكذلك أبو عبيدة دخل من أعلى مكة «7» ، ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ولى هؤلاء على جيشه وزودهم بالتعليمات الأولية، إلا أنه ترك لهم حرية الحركة في إدارة المعركة ومواجهة المواقف واتخاذ القرارات الملائمة لواقع الحال دون

(1) م. ن (ج 3، ص 92، 93) .

(2)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 489) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 156) . ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 196، 197) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 249) .

(3)

ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 251) .

(4)

م. ن (ج 1، ص 496) .

(5)

قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: 12] . انظر: أبا عبيدة معمر بن مثنى التيمي (ت 210 هـ) ، مجاز القران، تحقيق محمد فؤاد سزكين (ط 1) مصر، (1374 هـ، 1954 م)(ج 1، ص 156) . ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم (ت 276 هـ) ، تفسير غريب القران، تحقيق أحمد صقر، بيروت، دار الكتب العلمية، (1398 هـ، 1978 م) ، (ص 141) .

(6)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 443)(كعب بن مالك) . ابن كثير، السيرة (ج 2، ص 198) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 161) .

(7)

الصنعاني، المصنف (ج 5، ص 289) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 406) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 117، 118)(ابن إسحاق) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 192) .

ص: 202

الرجوع إلى القائد الأعلى للمقاتلة.

وكان على الأمير أن يقوم بالعناية بجنده والرفق بهم في المسير وعدم تكليفهم فوق طاقتهم، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم في أثناء سير المقاتلة يتقدم مرة ويتأخر مرة أخرى لينظر في أمورهم فيساعد المتأخر ويردف الراجل ويعفي الضعيف «1» .

وكان عليه أيضا أن يشرف على عدة القتال والات الحرب «2» وحال الجند، كما عليه أن يستشيرهم في المواقف الحرجة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بدر «3» ، وأحد «4» ، والخندق «5» ، وغيرها في المعارك.

ويقوم الأمير بإثارة حماس جنده وتشجيعهم على القتال، وترد في ذلك إشارة في القران حيث قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ..

[الأنفال: 65] وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتحريض أصحابه على القتال في بدر «6» وقام أمراؤه بنفس الدور، فقد حرض عبد الله بن رواحة (ت 8 هـ) جنده في مؤتة فقال:«والله يا قوم إن الذي تكرهون لهو الذي خرجتم تطلبون.. الشهادة» «7» وقال راجزا:

أقسمت يا نفس لتنزلنّه

تنزلن أو لتكرهنّه

إن أجلب الناس وشدوا الرنّه

ما لي أراك تكرهين الجنّة «8»

كان الأمير يتخذ مقرّا لقيادته في ساحة المعركة فقد أشار سعد بن معاذ (ت 5 هـ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر أن يا بني له عريشا، فكان ذلك «9» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأوي إلى هذا العريش في حالة الراحة أو قبل بداية المعركة، أما في أثناء القتال فكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر القتال بنفسه كما هو واضح من سيرته في أحد «10» وحنين «11» ، واتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قبة من أدم في الخندق يأوي إليها عند انتهاء نوبة حراسته «12» وكذلك فعل

(1) الماوردي، الأحكام (ص 35) . النويري، نهاية الأرب (ج 6، ص 152) .

(2)

المراجع والصفحات نفسها.

(3)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 614، 615) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 214) .

(5)

المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 220) .

(6)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 58) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 281) .

(7)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 375)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 37) .

(8)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 379)(ابن إسحاق) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 39، 40)(ابن إسحاق) .

(9)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 55) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 448)(ابن إسحاق) .

(10)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 84) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 518، 519) .

(11)

م. ن (م 2، ص 442، 443) .

(12)

ابن كثير، البداية والنهاية (ج 4، ص 99) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 225) .

ص: 203

في غزوة المريسيع «1» .

لقد كان للأمير مجموعة من الحقوق منها حق الطاعة «2» على جنده حيث ترد الايات بذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59] .

ويتضح ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» «3» وحدد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الطاعة بقوله: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «4» وترد في هذا الباب قصة الأمير الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية وأمرهم أن يطيعوه فغضب منهم فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا فيلقوا أنفسهم فيها فرفضوا الأمر «5» .

ويلاحظ أن جمع الحطب وإشعال النار من المباحات فأطاعوه في ذلك، أما إهلاك النفس بإلقائها في النار فمن المحرمات فلم يطيعوه وهذا يوضح حدود الطاعة وأصولها.

وكان عقد اللواء والراية من علامات تعين الأمير «6» ، ويعقد ابن العربي (ت 543 هـ) مقارنة بين اللواء والراية فيقول:«اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفعه الرياح» «7» وهناك من يرى أن اللواء أصغر حجما من الراية «8» ، ولكن يبدو من خلال الروايات أن اللواء أكبر حجما وهو يكون للجيش كله، أما الرايات فهي للقبائل المختلفة داخل الجيش يحملها قائد تلك القبيلة أو المجموعة «9» . يذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع في بدر لواءه لعلي

(1) ابن القيم، زاد (ج 2، ص 112) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 123) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 197) .

(2)

الماوردي، الأحكام (ص 48) .

(3)

أحمد، المسند (ج 2، ص 93، 252، 253، 270) . البخاري، الصحيح (ج 9، ص 66) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1469) . النسائي، السنن (ج 7، ص 154) . ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 4) .

(4)

مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1469) .

(5)

الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 166) . الواقدي (ج 3، ص 983) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 163) . أحمد، المسند (ج 2، ص 47، 48) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1469) .

(6)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 7) .

(7)

انظر: الصنعاني، المصنف (ج 5، ص 289)(ابن العربي) . ابن حجر، الفتح (ج 6، ص 126)(الهامش) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 358) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 318) .

(8)

انظر: الجزائرلي، اختصار ورقة (7) .

(9)

ابن حجر، الفتح (ج 6، ص 126) . وانظر: مصطفى جواد، الراية واللواء (ص 126) . عواد، الجيش والقتال (ص 2082) .

ص: 204

ابن أبي طالب ودفع رايته إلى الخباب بن المنذر، وراية أخرى إلى سعد بن عبادة «1» ، وترد الإشارات إلى عقد الرايات إلى جانب اللواء في أحد «2» ، وخيبر «3» ، وفتح مكة، حيث أفرد لكل قبيلة رايتها «4» .

ويتخذ اللواء والراية من قطعة من نسيج «5» ، يذكر خليفة بن خياط (ت 240 هـ)«أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد كانت مرطا مرحلا أسود من مراحل كان لعائشة» «6» ، وطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من بريدة بن الحصيب ألا يدخل المدينة إلّا ومعه لواء، فجعل بريدة من عمامته لواء «7» .

وكان لواء النبي صلى الله عليه وسلم في الغالب- من نسيج أبيض اللون ولكنه استخدم ألوانا أخرى لرآياته فكان لون رايته «العقاب» أسود «8» . وفي حنين اتخذت ألوان أخرى لرآياته التي كان يعقدها «9» . وذكر ابن عباس (ت 68 هـ) أن لواء الرسول صلى الله عليه وسلم كتب عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله «10» .

وتتخذ الراية الشكل المربع- في الغالب- فيذكر البراء بن عازب أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مربعة «11» وكانت أبعادها ذراعا في ذراع «12» وكانت تعقد على رمح بدليل قول العباس بن مرداس السّلمي في حنين:

نصرنا رسول الله من غضب له

بألف كميّ ما يعد حواسره

حملنا له على عامل الرمح راية

يذود بها في حومة الموت ناصره «13»

(1) ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 106) .

(2)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 58) .

(3)

م. ن (ج 1، ص 215) . الذهبي، تاريخ (ج 1، ق 1، ص 188) .

(4)

م. ن (ج 2، ص 800) . ابن حجر، الفتح (ج 6، ص 126) .

(5)

الدنيوري، الأخبار الطوال (ص 174) . وانظر: مصطفى جواد، الراية واللواء وأمثالها مجلة لغة العرب (ج 8، ص 573) .

(6)

خليفة، تاريخ (ج 1، ص 67) .

(7)

الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 317) .

(8)

الصنعاني، المصنف (ج 5، ص 289) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 320- 322) .

(9)

أبو يوسف، الخراج (ص 208) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 211) .

(10)

ابن حجر، الفتح (ج 7، ص 477) . الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 357) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 322) . وانظر: الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (ت 1255 هـ) ، نيل الأوطار في أحاديث سيد الأخيار، بيروت، دار الجيل، (1973 م)(ج 8، ص 60، 61) .

(11)

أبو داود، السنن (ج 2، ص 337) .

(12)

ابن حجر، الفتح (ج 6، ص 126) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 211) .

(13)

ابن هشام، السيرة (م 2، ص 468، 469) . عامل الرمح: ما يلي السنان وهو دون الثعلب، حواسره: مجموعة الذين لا دروع عليهم، يقال: رجل حاسر إذا لم يكن عليه درج. انظر: ابن هشام، السيرة (ص 468، 469) .

ص: 205

ونظرا لأهمية الراية فكانت تدفع إلى خيرة الناس عقيدة وتجربة، ففي إحدى الوقائع أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الراية فهزها ثم قال:«من يأخذها بحقها؟» فقال رجل: أنا، فقال:

«امض» ثم جاء رجل فقال: «امض..» «1» وفي هذا دلالة على دقة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحامل الراية، وتشير المصادر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر:«لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فدفعها إلى علي بن أبى طالب فانطلق بها «2» .

وفي مرحلة متأخرة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث قائدا يعقد له اللواء ويسلمه له بعد تسمية الله، ثم ينصح له فيركزه أمام المسجد أو أمام بيته ليجتمع عنده الخارجون للغزو بمتاعهم استعدادا للرحيل. ذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أنه لما بعث أسامة إلى البلقاء استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وعقد له اللواء رمزا للقيادة، فركزه بالجوف خارج المدينة وعسكر الناس حوله. فلما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم عاد أسامة باللواء وركزه أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وظل هكذا حتى بويع لأبي بكر بالخلافة فأمر أن يركز اللواء أمام بيت أسامة ليمضي به «3» .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعرض أصحابه قبل الخروج إلى المعركة، أو في أثناء السير إلى الجهة التي يقصدها فقد استعرض النبي جنده في بدر وأحد «4» فيرد صغار السن والضعاف. وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد زيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم «5» ، ويذكر ابن حجر (ت 852 هـ) في ترجمته لسمرة بن جندب قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام قمرية، وعرض عليه سمرة بن جندب فرده، قال سمرة:

فقلت: يا رسول الله لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني لصرعته، قال: فدونك فصارعه، قال: فصارعته فصرعته، فأجازني في البعث» «6» .

(1) البخاري، الصحيح (ج 4، ص 65) . وانظر: ابن هشام، السيرة (م 2، ص 334) ، (ابن إسحاق) . ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 43، 44) .

(2)

الصنعاني، المصنف (ج 5، ص 288) . البخاري، الصحيح (ج 4، ص 57، 58) . الترمذي، الصحيح (ج 13، ص 171، 172) .

(3)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 190، 191) . وانظر: عون، الفن الحربي (ص 80) . عواد، الجيش والقتال (ص 213) .

(4)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 12) .

(5)

ابن حبان، الثقات (ج 1، ص 224) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 566) .

(6)

ابن حجر، الإصابة (ج 2، ص 78، 79) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 232) . وكان القران قد أعذر أصحاب الأمراض والضعاف من القتال فقال: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: 91] .

ص: 206

وكان المسلمون جميعا عماد جيش الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم للقتال فيجتمعون، وبعد انتهاء المعركة أو العودة من الغزو كان هؤلاء يتفرقون في شؤونهم الخاصة.

أما تعبئة المقاتلة فكانت تتم بصورة دقيقة، فقد وردت ابتداء كلمة «عبء» في حديث عبد الرحمن بن عوف (ت 32 هـ) عن غزوة بدر لقوله:«عبأنا النبي صلى الله عليه وسلم ببدر ليلا» «1» والمقصود بكلمة «عبأ» هنا مع فعله النبي صلى الله عليه وسلم من ترتيب المقاتلة وصفّهم للقتال في موضعهم وتهيئتهم «2» ، وتعبر كذلك عن كل ما يقوم به المقاتلة من تحركات استعدادا للقتال «3» ، وقد عبأ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين في أحد (3 هـ) وأشار القران إلى ذلك فقال تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ال عمران: 121] وذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم غدا إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح «4» .

وعرفت التعبئة الخماسية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يتم تقسيم القوات في أثناء سيرها إلى المعركة إلى خمسة أقسام: مقدمة وقلب وجناحين (ميمنة وميسرة) وساقة وعلى هذه الهيئة سارت قوات المسلمين إلى بدر «5» ، وأحد «6» ، وبني المصطلق «7» ، وخيبر «8» إذ خرج أهلها يقولون:«محمد والخميس» «9» وكذلك اتبع هذا التنظيم في أثناء سير المقاتلة إلى مكة «10» ، وحنين «11» ، وتبوك «12» ؛ وذلك لأنه يقلل إلى حد أدنى من الخسائر في حالة مباغتة العدو أو مهاجمته.

(1) الترمذي، الصحيح (ج 7، ص 175) . ابن منظور، اللسان (ج 2، ص 661) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 3، ص 271) .

(2)

ابن منظور، اللسان (ج 2، ص 661) . وانظر: عبد الجبار السامرائي، نظم التعبئة عند العرب مجلة المورد (م 12) عدد (4) تصدر عن وزارة الثقافة العراقية (1953 م) ، (ص 7) .

(3)

السامرائي، نظم التعبئة (ص 7) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 319) . أبو عبيدة، مجاز القران (ج 2، ص 103) . ابن قتيبة، تفسير (ص 464) . الطبري، تاريخ (ج 7، ص 159- 163) .

(5)

ابن هشام، السيرة (م 1، ص 612) . الطبري، تاريخ (ج 2، 273) .

(6)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 215) .

(7)

المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 215، 216) .

(8)

الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 47) . ابن حجر، الفتح (ج 7، ص 467) .

(9)

الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 47) .

(10)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 801، 802) .

(11)

م. ن (ج 3، ص 892) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 326) .

(12)

اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 57) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 219) .

ص: 207

لقد كان يراعي في تقسيم القوات وضع أهل التجارب والبأس والنجدة والقوة في القلب أمام الصفوف، وأهل التجارب وأصحاب الرمي وطلاب الكر في الميمنة أما الصفوف وأهل التجارب والحيل ردا للقلب، أما الضعفاء والجبناء فيوضعون عادة خلف الجيش عند المتاع «1» .

ويقدم أمام المقاتلة في أثناء سيرهم «الطلائع» وهم أصحاب الخيول السبق الماهرون، فكانوا يقومون بالتعرف إلى الطريق وتحديد أماكن القوات المعادية في حال وجودها «2» .

ويذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الزبير بن العوام (ت 36 هـ) أمامه في أثناء سيره إلى مكة وأرسل معه مائتين من المسلمين «3» .

أما طريقة سير أجزاء المقاتلة فتخضع لرأي الأمير حسب معطيات الخطة وطبيعة الأرض ومكان وزمان المعركة، فقد ذكر الواقدي (ت 207 هـ) في حديثه عن غزوة الفتح (8 هـ) قال:«ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها» «4» .

وفي أثناء توقف المقاتلة للراحة أو المبيت يختار الأمير موطئا تتوافر فيه نواحي الأمن والمياه والمرعى، ويمكن الاستفادة من العوارض الطبيعية كالتلال والجبال لأنها تشكل موانع تمنع هجمات العدو المباغتة «5» ، ففي أحد (3 هـ) جعل النبي صلى الله عليه وسلم أحدا خلف ظهر المسلمين «6» .

ثم على الأمير أن يبث الحرس حول المعسكر لدواعي الأمن والحراسة «7» . وقد وردت أحاديث تبين أهمية الحرس فقال عليه السلام: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» «8» ، وذكر ابن سعد (ت 230 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل محمد بن مسلمة على الحرس في أحد فكان يطوف حولهم في خمسين رجلا «9» ، وكان على حرس الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أوس بن خولة وعبادة بن بشر

(1) الهرثمي، مختصر (ص 36، 37) .

(2)

م. ن (ص 29) . وانظر: السامرائي، نظم التعبئة (ص 13) .

(3)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 801) .

(4)

الواقدي، المغازي (ج 2، ص 818) .

(5)

عواد، الجيش والقتال (ص 221) .

(6)

الطبري، تاريخ (ج 3، ص 13) . ابن القيم، زاد (ج 5، ص 92) . المقريزي، إمتاع (ص 124، 125) .

(7)

الهرثمي، مختصر (ص 31، 32) . الهروي، التذكرة (ص 88) . عون، الفن الحربي (ص 209) .

(8)

الترمذي، الصحيح (ج 7، ص 138) .

(9)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 39) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 315) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 119) .

ص: 208

ومحمد بن مسلمة «1» وكانت الحراسة في خيبر نوبا بين المسلمين حتى فتح الله حصن النطاة «2» وفي حنين (8 هـ) قام أنس بن أبي مرثد بحراسة المسلمين حتى الصباح «3» ، وفي تبوك (9 هـ) كان على الحرس عباد بن بشر وكان يطوف في أصحابه حول العسكر «4» .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الحرس في أثناء تواجده في المدينة؛ ولا سيما في الأوقات الحرجة، فعندما أغار ابن حصن على سرح المدينة تتبعه النبي صلى الله عليه وسلم وخلف في المدينة سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة «5» .

أما تعبئة المسلمين في أثناء صلاتهم فكانت تتم بالصورة التي أشارت إليها الاية الكريمة: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ

[النساء: 102] وذكر مجاهد (ت 104 هـ) أن هذه الاية نزلت على الرسول في أثناء حصاره للمشركين بعسفان حيث اجتمع المشركون على أن يميلوا على المسلمين ميلة واحدة في أثناء صلاتهم «6» ، وأوضحت الاية مبدأ التعبئة في أثناء الصلاة بأن يقسم المقاتلة إلى قسمين، يصلي أحدهما خلف الإمام، على حين يتولى الاخر عملية الحراسة، ثم يذهب القسم الأول إلى مصافهم ليأتي القسم الاخر فيؤدي الصلاة خلف الإمام «7» ، ويذكر البلاذري (ت 279 هـ) عن أحد الصحابة قوله:

«صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف طائفة منا خلفه وطائفة مواجهة للعدو فصلى بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين ثم انصرفوا وجاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم قام كل واحد إلى طائفته..» «8» .

ولقد طبق المسلمون هذه التعبئة في صلاتهم في كثير من الوقائع فصلاها النبي صلى الله عليه وسلم

(1) المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 290) .

(2)

م. ن (ج 1، ص 312) .

(3)

أبو داود، السنن (ج 2، ص 318) . ابن قدامة، المغني (ج 10، ص 380، 381) .

(4)

المقريزي، إمتاع (ج 1 ص 470، 471) .

(5)

م. ن (ج 1، ص 263) .

(6)

مجاهد أبو الحجاج مجاهد بن جبر (ت 104 هـ) ، تفسير مجاهد، تحقيق عبد الرحمن بن محمد، إسلام اباد د. ت (ص 171، 172) . وانظر: النيسابوري أبا الحسن علي بن أحمد (ت 550 هـ) ، أسباب النزول، بيروت، دار الكتب العلمية (1398 هـ، 1978 م) ، (ص 120) .

(7)

الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1 ص 224- 228) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 66) . الزمخشري، الكشاف (ج 1، ص 559، 560) .

(8)

البلاذري، أنساب (ج 1، ص 341) .

ص: 209

في غزوة ذات الرقاع «1» وفي الحديبية «2» .

أما التعبئة في أثناء القتال فتكون بأن يصطف المقاتلة بعضهم إلى جانب بعض وهو ما يسمى (بنظام الصفوف)«3» وكان العرب قبل الإسلام يتبعون «نظام الكرّ والفر» ولكن الإسلام أبطل هذا النظام؛ لأنه لا يتناسب وعقيدة المسلم «4» ، يقول ابن خالدون (ت 808 هـ) :«إذا نظرنا إلى القتال بأسلوب الكر والفر نجد أنه مدعاة للهزيمة والفشل» «5» ؛ ولذا فقد جعل الإسلام الفرار من الزحف من الموبقات السّبع «6» ؛ لأنه يؤدي إلى إحداث فوضى في نظام الصف للجيش كله، وقد يتسبب في الهزيمة؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ

[الأنفال: 16] .

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يسوّي الصفوف حتى يدعها كالقدح أو الرقيم «7» ، ففي بدر (2 هـ) طعن النبي صلى الله عليه وسلم في بطن سواد حيث كان خارجا عن الصف قال له:«استو يا سواد» «8» ، وفي أحد (3 هـ) جعل النبي صلى الله عليه وسلم يمشي على رجليه يسوي الصفوف ويبوئ المؤمنين مقاعد للقتال، حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجا فيؤخّره حتى أقامها كالقدح فلم يزل منكب عن منكب «9» في حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يعين وازعا أحيانا يقوم بهذا العمل كما حصل في غزوة الفتح «10» .

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم نظام الصف في معركة بدر «11» وأحد «12» وفي غزوة

(1) ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 61) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 39) .

(2)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 95) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 223) .

(3)

انظر تفاصيل ذلك في: السامرائي، نظم التعبئة (ص 8) .

(4)

الكر والفر: يعني الإغار، وهي عمل قوة خاصة يتم تسليحها وتدريبها بشكل خاص» . انظر: السامرائي، نظم التعبئة (ص 7، 8) .

(5)

ابن خالدون، المقدمة (ص 271) ولذا قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4] .

(6)

مسلم، الصحيح (ج 1، ص 162) . ابن حجر، الفتح (ج 5، ص 393) .

(7)

ابن خالدون، المقدمة (ص 271) . وانظر: الزمخشري، الفائق (ج 2، ص 320، 321) . الهرثمي، مختصر (ص 65) .

(8)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 56، 57) . ابن هشام، السيرة (م 1، ص 626) .

(9)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 221) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 239) . البلاذري، أنساب (ج 1، ص 315) .

(10)

الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 329) . وانظر: عواد، الجيش والقتال (ص 226) .

(11)

الواقدي، المغازي (ج 1، ص 56، 57) . ابن سعد، الطبقات (ج 3، ص 517) .

(12)

ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 239) . البكري أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن (ت 952 هـ) ، غزوة-

ص: 210

المريسيع «1» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل في الصف الأول حاملي الرماح لصد هجمات الفرسان ثم يليهم حاملو السهام والسيوف في الصف الثاني والثالث ويقف الفرسان على ميمنة الجيش وميسرته، فإذا التقى الجمعان يحدث عدد من المبارزات الشخصية ثم تزحف صفوف المسلمين قدما واحدة حتى تصطدم بالعدو «2» .

وذكرت المصادر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بما يسمى «بتعبئة الأمة» وذلك من خلال عد المسلمين وإحصائهم، يذكر البخاري (ت 256 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس» فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمسمائة

«3» ، وربما أراد النبي صلى الله عليه وسلم من معرفة أعداد المسلمين قوة المسلمين لوضع خطة ملائمة لهذا العدد وتقدير قوتهم وتكاليف تجهيزهم بالأسلحة والطعام إلى غير ذلك، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب عدد المقاتلة في بعض الغزوات فيروي البخاري (ت 256 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم» فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة..» «4» ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذا الإحصاء، أو عن استمرارية الاكتتاب في الغزو، أو تسجيل جميع الجند، والروايات السابقة تدل على أنه حصل في غزوات معينة «5» .

- أحد (مخطوط) مصور في الجامعة الأردنية، مركز الوثائق والمخطوطات شريط رقم (35) ورقة.

(1)

ابن القيم، زاد (ج 2، ص 112) .

(2)

السامرائي، نظم التعبئة (ص 9) .

(3)

البخاري، الصحيح (ج 4، ص 87) .

(4)

م. ن (ج 4، ص 87، 88) .

(5)

انظر تفاصيل هذه المسألة في: عبد العزيز عبد الله السلومي، ديوان الجند نشأته وتطوره في الدولة الإسلامية حتى عصر المأمون، (ط 1) ، مكة المكرمة، مكتبة الطالب الجامعي (1986 م) ، (ص 82- 86) .

ص: 211