الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين وبعد:
فإن من الأمور المسلم بها، أن النظم الإدارية تشكل جانبا مهمّا من جوانب الحضارة الإسلامية. سواء كان ذلك في مجال الحكم، أو المال، أو الجانب العسكري، أو القضائي. ومع هذا، فإنه لم يكتب حتى الان بحث شامل يكشف الخطط الإدارية التي نشأت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. وتزداد أهمية الدراسة إذا علمنا أن الممارسات والتنظيمات الإدارية في فترة الرسالة هي الأساس الذي قامت عليه التنظيمات الإدارية فيما بعد، وبلغت ذروة تطورها في عصر العباسيين.
لم تكن الإحاطة بجوانب هذا البحث مهمة سهلة وميسرة؛ وذلك لأن الفترة التي تناولتها الدراسة كانت فترة مبكرة جدّا، والدولة فيها تجربة جديدة أرست مجموعة من القواعد في شتى الميادين، وهذه الفترة هي فترة النشوء والتكوين، وأن معظم المصادر التي أخذت منها مادة البحث لم تكن معاصرة لتلك الفترة، بل كانت متأخرة عنها كثيرا، مما جعل هذه المصادر تتناولها معتمدة على الروايات، باستثناء ما ورد من إشارات في القران الكريم؛ إذ هو أهم المصادر وأوثقها، ولكون المصادر كتبت في فترة متأخرة، فإن مهمة الباحث في غاية الصعوبة؛ إذ عليه أن يكون حذرا في أخذ الروايات خشية أن يقع فريسة لتضارب الروايات وتناقضها.
ثم إن أغلب المصادر تهتم بالنواحي السياسية والعسكرية، فتذكر أخبارا عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته المختلفة دون أن تشير إلى النواحي الإدارية إلا عرضا. أضف إلى ذلك تنوع المصادر التي تتناول هذه الفترة بين مؤلفات في الحديث والسير والتاريخ والتفسير والفقه والجغرافية والأدب، مما يضطر الباحث إلى تقليب صفحات كثيرة، وذلك لقلة المعلومات وتبعثرها، الأمر الذي يتطلب دراسة فاحصة للمصادر بأنواعها.
لقد اعتمدت في هذه الدراسة على ما ورد في القران الكريم من توجيهات ربانية لبناء المجتمع الجديد، ثم الحديث الصحيح معتمدا على كتب الصحاح ومبعدا الروايات القابلة للطعن، وأخذت من كتب التاريخ والسير ما يوافق هذا المنهج، ولم أستخدم المراجع الحديثة إلا للتعرف على المصادر، أو للوقوف على وجهات النظر الحديثة إزاء بعض القضايا في فترة الدراسة.
هذا، وقد قسمت الرسالة إلى ستة فصول رئيسية مع مقدمة وتحليل للمصادر وخاتمة تبين أهم نتائج الدراسة.
اشتمل الفصل الأول «الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام» ؛ على بيان «مفهوم مصطلح الإدارة» وتتبعها في ايات القران الكريم والحديث الشريف والمعاجم اللغوية، حيث تبين أن الكلمة حديثة الاستعمال بلفظها، وإن كانت موجودة في واقع الحال على شكل ممارسات عملية.
كما تناول هذا الفصل مبحث «الإدارة في القبيلة العربية» ؛ إذ كانت القبيلة هي أساس النظام الاجتماعي عند أهل البادية، وكان عندهم مجموعة من الممارسات الإدارية، فهناك شيخ للقبيلة ينبغي أن تتوافر فيه صفات معينة، وله حقوق وعليه واجبات تعارفت عليها القبائل، دون أن يوجد دستور منظم أو نظام إداري واضح المعالم، مرسوم الخطوات.
واختص المبحث الثالث بالحديث عن «الإدارة في مكة» متضمنا موضوع الإدارة المدنية لمكة ممثلة بملأ قريش الذي كان يدير أمر مكة على أساس أن التشاور والتراضي بين بطون مكة وأفخاذها، وكذلك الحديث عن الوظائف الإدارية المرتبطة بوجود بيت الله الحرام والكعبة فيها، مثل: الرفادة والسدانة والسقاية والإفاضة والأموال المحجرة والأيسار، وغيرها من الوظائف المقسمة بين البطون القرشية، والإدارة المالية الناجحة لمكة والمتمثلة بأخذهم الإيلاف من رؤساء الدول، وشيوخ القبائل في الجهات الأربع، مما أتاح لها تعاملا مستقلّا وامنا مع جميع هذه الدول والقبائل على طول الطرق التجارية في الشرق والغرب، ثم تحدث هذا الفصل عن الإدارة العسكرية والوظائف المتعلقة بها، مثل: القبة والأعنة والقيادة واللواء، والإدارة القضائية المتمثلة بوجود بعض القضاة في الأسواق العربية يحكمون بين الناس ويفضّون منازعاتهم.
وتناول المبحث الرابع «الإدارة في يثرب» مبينا بعض الأمور الإدارية والمالية والعسكرية التي كانت موجودة في يثرب قبل الإسلام، سواء كان ذلك عند سكانها اليهود أو العرب، والتي لم تختلف كثيرا عن حياة القبائل في البادية إلا بالاستقرار الذي فرضته الحياة الزراعية.
واشتمل الفصل الثاني «إدارة الدعوة الإسلامية حتى قيام الدولة» على مبحث «إدارة الدعوة في مكة قبل الهجرة» وتناول التخطيط لنشر الدعوة من خلال مرورها
بمرحلتين مهمتين، هما: مرحلة الدعوة الفردية (السرية) ، ومرحلة الدعوة الجماعية (العلنية) ، وكان لكل مرحلة من هاتين المرحلتين تخطيط خاص، اقتضاه واقع الحال والظروف المحيطة بالدعوة وأتباعها.
وفي مبحث «إدارة الدعوة في يثرب قبل الهجرة» تم الحديث عن إرسال مصعب بن عمير إلى يثرب ليدعو أهلها إلى الإسلام، وكان يلقب هناك «بالمقرئ» مما يشير إلى توجه جديد في التنظيم الإداري يتم بعيدا عن العصبية القبلية. وما تلا ذلك من بيعة هؤلاء الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم وإنشاء نظام النقباء سيكون هؤلاء كفلاء على أقوامهم، ويكوّنون رجال الإدارة في الدولة بعد ذلك.
وتناول مبحث «ملامح الإدارة في الهجرة النبوية» التخطيط للهجرة، وخروج الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى يثرب ضمن خطة محكمة اتّبع فيها مبدأ تقييم العمل، والسرية الكاملة في التخطيط والتنفيذ.
وفي المبحث الأخير لهذا الفصل «الإجراات الإدارية بعد الهجرة» تم الحديث عن دور الإدارة الجديدة للمدينة في تقسيم الدور على المهاجرين، واستيعابهم في المجتمع الجديد، وبناء المسجد ليكون مركزا للحكم والإدارة، والمؤاخاة بين المسلمين لإيجاد مجتمع مترابط أمام الأخطار الخارجية والداخلية التي تهدد المجتمع الجديد، وإنشاء السوق التجارية ليتميز المسلمون في تعاملهم، وتخليص الاقتصاد المدني من سيطرة اليهود القائمة على الاستغلال والجشع، وكان عقد الصحيفة بين مواطني المدينة الإجراء الإداري الكبير الذي نظم به النبي صلى الله عليه وسلم أمر المدينة، وبيّن حقوق الأفراد وواجباتهم، وربط المجتمع كله بجميع فئاته بالقيادة الجديدة المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وسلم وبذلك استكملت الدولة أركانها المتمثلة بوجود أمة وأرض ودستور ينظم شؤونها الداخلية والخارجية.
وتناول الفصل الثالث «التنظيم الإداري للدولة» مبحث «إدارة البلدان وتقسيماتها» ، حيث بيّن موضوع إدارة الدولة المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وسلم والنقباء والمستشارين، وشمل موضوع تقسيمات الدولة إلى واحدات إدارية أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحدة من هذه الواحدات واليا من قبله، أو أقرّ زعيما أو شيخا على منطقة من المناطق أو قبيلة من القبائل، وبيّن هذا المبحث واجبات وحقوق هؤلاء الولاة، وشروط التعيين والاختيار لمن يتولى إدارة من الإدارات؛ إذ لابد أن تتوافر فيه صفات التقوى والورع والكفاءة والخبرة؛ لمكافأة متطلبات الوظيفة وحاجاتها.
وتناول مبحث «الإدارة الدينية» إدارة الصلاة وأماكن العبادة، حيث أوجد النبي صلى الله عليه وسلم من يقوم على أمر الصلاة، سواء كان من الأئمة أو المؤذنين أو الخدم الذين تتوافر فيهم الصفات المطلوبة للقيام بوظائفهم، وكذلك ما يتعلق بالحج، فكان يعين أميرا للحج مع وجود بعض الوظائف المرتبطة بهذا الموسم، مثل: السقاية والرفادة والسدانة، والتي بقيت مع البطون والأفخاذ التي كانت تقوم عليها في الجاهلية، وأما بالنسبة إلى إدارة الصوم فتتمثل بمراقبة بداية الشهر ونهايته، ومعاقبة المجاهرين والمنتهكين لحرمة الصوم وادابه.
وشكّل مبحث «الكتابة والكتّاب» جانبا مهمّا من جوانب التنظيم الإداري للدولة فكان هناك عدد من الكتّاب وزعوا في مجموعات تخصصية للقيام بمهامهم المختلفة، وكان هناك من تعلم أكثر من لغة من أجل تسهيل التعامل بين الدولة والدول أو المجموعات المجاورة، وقام النبي صلى الله عليه وسلم بتشجيع العلم والتعلم، وأرسل بعثات تعليمية إلى أنحاء الجزيرة؛ للقيام بمهمة نشر الإسلام والتعليم. حيث أرادت الدولة أن يكون العلم والتعلم شاملا لجميع فئات المجتمع وسمة عامة من سماته.
وتناول مبحث «إدارة العلاقات العامة» الدبلوماسية الإسلامية ممثلة بسفراء النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة اختيارهم؛ إذ لابد أن تتوافر فيهم صفات الذكاء والفطنة وجمال الهيئة والخلقة؛ لأنهم يمثلون أمتهم في القضايا المختلفة، وما راعته الدبلوماسية الإسلامية من قواعد متبعة في إعطائهم حق الأمان (الحصانة) ، والحرية، والتكريم في الاستقبال وفي الانصراف، كما بيّن هذا المبحث دبلوماسية الرسول صلى الله عليه وسلم في عقد المعاهدات، وربط القبائل مع الدولة بمواثيق ضمنت للدولة ولاء هؤلاء وطاعتهم، وضمنت للقبائل الحرية الذاتية في تنظيم أمورها الداخلية.
أما الفصل الرابع «الإدارة المالية للدولة» فقد تضمن الحديث عن «إدارة المال قبل الهجرة» ، حيث كانت متطلبات الدعوة بسيطة، وكان الأفراد ينفقون عليها من تبرعاتهم الخاصة، وبعد الهجرة وتأسيس الدولة في المدينة بدأت الواردات تتدفق على الدولة، وكانت تشمل الغنيمة والفيء والجزية والزكاة والصدقات المختلفة، فاقتضى هذا وجود وظائف خاصة لحفظ الأموال المختلفة، وإرسال العمال لجمع الصدقات، وإنشاء جهاز إداري كامل لهذه الغاية سماه القران الكريم
…
وَالْعامِلِينَ عَلَيْها
…
[التوبة: 60] .
وفي مبحث «تنظيم شؤون الزراعة» تمّ الحديث عن دور الدولة في حفز المسلمين على الزراعة والاهتمام بها، وتنظيم الزراعة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث زرع النخيل في بساتين سميت بالحوائط، قام بزراعتها الأنصار مع بعض الأجراء من الموالي، وكانت الدولة تتدخل لتنظيم المعاملات وحل المشكلات المترتبة على العلاقات الزراعية.
وهناك مبحث «تنظيم شؤون التجارة» بيّن دور الإدارة النبوية في تنظيم المعاملات التجارية، وذلك في إطار إجراات تنظيمية فرض على التجار الالتزام بها، وفرضت رقابة على أسواق المدينة؛ لتجنب التلاعب بالبيع أو الشراء أو الاحتكار، وذكر هذا المبحث- بشكل موجز- النقود المتداولة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وتمثلت بالدينار الرومي، والدرهم الفارسي، وكذلك الحديث عن الموازين والمكاييل التي قامت الدولة بضبطها ورقابتها.
أما «تنظيم شؤون الصناعة» فهو أحد مباحث هذا الفصل، وقد بيّن مجموعة من الصناعات المختلفة، ودور الدولة في إدارتها وتشجيعها، لينتهي الحديث عن أماكن حفظ المال في الدولة في هذه الفترة، والتي تمثلت ببيت النبي صلى الله عليه وسلم أو بيوت أصحابه، وأحيانا كان يأتي المال فيوضع في المسجد حتى يقسم بين المسلمين، هذا بالنسبة إلى الأموال النقدية، أما الأموال العينية، فكانت توضع حسب نوعها، فأما المزروعات والثمار والتمر وغيره فوضعت في علّية خاصة فوق المسجد، وأما الحيوانات فقد قامت الدولة بحماية أرض لمعيشتها ورعيها، حيث كانت تستخدم هذه الأنعام في مصلحة المسلمين العامة.
وتناول الفصل الخامس «الإدارة العسكرية» موضوع تسليح وتموين المقاتلة، وكان يتمّ ذلك بأن يقوم كل مسلم بتسليح وتموين نفسه، وحث النبي صلى الله عليه وسلم الموسرين بأن يجهزوا من لا جهاز له من المسلمين، وقامت الدولة بدورها في تجهيز المقاتلة عن طريق شراء السلاح وعقد المعاهدات التي فرضت في بعض القبائل أو تزويد المسلمين بالطعام والسلاح والثياب، في حين شكّلت الغنائم رافدا اخر في إعداد المقاتلة أحسن إعداد.
وفي مبحث «الخدمات المساعدة للمقاتلة» تناولنا إجراات الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرائه في تزويد المقاتلة بهذه الخدمات مثل الأدلّاء، والعيون، والحاشر، والفعلة، والشعراء، والخدمات الطبية، والتي كانت ضرورية لقيام المقاتلة بواجبهم على أكمل وجه.
وشمل هذا الفصل مبحث «تنظيم أمور المقاتلة الداخلية» من حيث الأمرة وتسلسل الرتب القيادية، وصفات الأمير ومؤهلاته إلى تقسيمات المقاتلة وتعبئتهم في أثناء جمعهم
وسيرهم وراحتهم ومبيتهم وصلاتهم وقتالهم، وما إلى ذلك من وجود الرايات والألوية والشعارات والشارات المختلفة في معارك المسلمين، وذلك كجزء من الإعداد المطلوب لتحقيق الهدف المرسوم.
وفي ختام الفصل تم الحديث عن «إدارة المعركة وأساليب القتال» ، فمن التخطيط للاستفادة من كل الإمكانات المتوافرة، كالعوارض الطبيعية وطبيعة الأرض، والتمويه على الأعداء، والحرب النفسية المضادة، ومراعاة روح المقاتلين المعنوية، إلى التعرض إلى أساليب القتال من حيث الكيفيّة التي تبدأ بها المعركة، وأوقات اللقاء المطلوبة، والاداب المتبعة، سواء كانت النتيجة نصرا أو هزيمة.
وتناول الفصل السادس «إدارة شؤون القضاء» مبحث «القضاء في المدينة» ، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القاضي والمشرع والمنفذ، وذلك من خلال ايات القران التي رسمت نظاما كاملا في الحكم بين الناس، وعرض إلى الإجراات التي يسلكها القاضي في مجلس الحكم من المساواة بين الخصوم، والعدل، ووسائل الإثبات المختلفة، واستئناف الحكم وتمييزه، ومكان القضاء، حيث ورد أنه كان يتم في المسجد أو البيت أو الشارع، ولم يكن هناك مكان خاص؛ لقلة القضايا المطروحة، وميل المجتمع في هذه الفترة إلى السهولة واليسر والبساطة. وكان يتم تنفيذ الأحكام من قبل الخصوم أنفسهم، وفي حالة وجود حد أو تعزير كان النبي صلى الله عليه وسلم يكلف من يقوم بذلك، دون أن يكون وظيفة ثابتة لأحد منهم، وهناك إشارات إلى وجود السجن في هذه الفترة، ولم يكن له مكان خاص، إنما تم بسجن بعض المتهمين في المسجد، أو حظيرة قريبة منه، أو عند المتهم نفسه.
وتناول مبحث «القضاء في الأمصار الإسلامية المختلفة» أسماء القضاة الذين قضوا في حضور الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأسماء أولئك الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء في الأمصار المختلفة كوظيفة مستقلة، أو أن يكون القضاء ضمن الوظيفة العامة لكل وال من الولاة.
وفي مبحث «المظالم» تم الحديث عن بعض القضايا التي اعتبرت من باب قضاء المظالم، حيث لم تكن هذه الولاية قائمة بذاتها، فكان الولاة يقومون بأنفسهم برفع مظالم الرعية عنها.
وتضمن موضوع «الحسبة» الحديث عن ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة بنفسه أو تعيين من يقوم بها، وتم ذلك على نطاق ضيق محدود؛ وذلك لأن الدولة بكل مؤسساتها كانت في مرحلة النشوء والتكوين.
وبعد ذلك، فإن كان في هذه المحاولة شيء جديد، فبتوفيق من الله، وإن كان غير ذلك، فهذا جهدي جهد المقل راجيا من الله أن يكون إشارة لبدء بحوث جادة تبحث في هذه الفترة، والتي تعدّ الأساس والقاعدة للتاريخ الإسلامي في جميع عصوره.
«والله من وراء القصد» حافظ أحمد عجاج الكرمي
تمهيد
إن البحث في النظام الإداري للدولة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم يتطلب الرجوع إلى مصادر متنوعة، في طليعتها القران الكريم وتفسيره، والحديث وشروحه، والسير والتاريخ (الطبقات، التراجم، الأنساب) ، والفقه والأدب والجغرافية، وقد أفيد من هذه المصادر جمعيا وبدرجات متفاوتة، وبخاصة مصادر التفسير والحديث والسير والفقه.
فقد أفادت مصادر التفسير في توضيح كثير من الإشارات القرانية التي وردت كقواعد عامة لتنظيم المجتمع الجديد «1» ، حيث أشار القران إلى مجموعة من الوظائف في مكة قبل الإسلام، مثل: السقاية، والرفادة، والعمارة، والنسيء، والأيسار، وكذلك أشارت الايات إلى إيلاف مكة وتجارتها قبل الإسلام، ثم ذكر بعض المعلومات الأولية عن الشورى، والعدل، والطاعة، كقواعد وأسس للنظام السياسي الإسلامي، ثم نزلت ايات تبين أحكام الأمور المالية، مثل: الغنائم وتوزيعها، والجزية، والفيء، والزكاة ومصارفها، ولكن بقيت هذه الايات عبارة عن إشارات عامة جاءت الأحاديث النبوية (القولية والفعلية) لتفسير وتوضيح أحكام هذه القواعد؛ ولذا نجد أن المفسرين قد اعتمدوا كثيرا على الحديث النبوي وأقوال الصحابة- الذين عاصروا وشهدوا هذه الفترة- في تفسير الايات، وقد أفدت فوائد جمة من تفسير الطبري (ت 310 هـ)«2» ، والكشاف للزمخشري (ت 538 هـ)«3» ، وتفسير الرازي (ت 606 هـ)«4» ، والجامع لأحكام القران للقرطبي (ت 670 هـ)«5» ، والدر المنثور للسيوطي (ت 911 هـ)«6» .
وقدمت كتب الصحاح في الحديث معلومات رئيسية وقيمة أفادت في فصول الرسالة كلها، ولا سيما فصلي الإدارة المالية، وإدارة شؤون القضاء، حيث اعتمدت على الروايات الصحيحة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المحدثون قد قاموا بدراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعوها في كتبهم تحت باب سموه (المغازي والسير) أدمجوا فيها الأحاديث الموثوق بصحتها، والتي يمكن للمؤرخ الوثوق بصحتها والاعتماد عليها في
(1) انظر مثلا: البقرة: اية (43، 83، 110، 177، 277) وال عمران: اية (159) والتوبة: اية (60) والروم: اية (39) والذاريات: اية (19) والمعارج: اية (24، 25) .
(2)
الطبري، تفسير (ج 13، ص 494- 496) .
(3)
الزمخشري، الكشاف (ج 3، ص 384) .
(4)
الرازي، تفسير (ج 27، ص 206) .
(5)
القرطبي، الجامع (ج 16، ص 75) .
(6)
السيوطي، الدر المنثور (ج 4، ص 144، 145) ، (ج 7، ص 370) .
دراسة الأحداث التي جرت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وبالإضافة إلى الاستفادة من كتاب «المغازي والسير» أفادت كتب «الإمارة» و «الأحكام» و «الاعتصام بالكتاب والسنة» و «الحج» و «الجهاد» و «البيوع» و «الغنائم» و «الفيء» و «الجزية» و «الصدقة» و «الأقضية» و «الشهادة» و «الحدود» و «التفسير» و «الوصايا» في بيان كثير من النظم الإدارية والمالية والقضائية المتبعة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أشهر المصادر التي اعتمد عليها البحث هي مسند الإمام أحمد (ت 241 هـ)«1» ، وصحيح البخاري (ت 256 هـ)«2» ، وصحيح مسلم (ت 261 هـ)«3» ، وسنن أبي داود (ت 275 هـ)«4» وسنن ابن ماجه (ت 275 هـ)«5» ، وصحيح الترمذي (ت 279 هـ)«6» ، وسنن النّسائي (ت 303 هـ)«7» .
وكان لكتب السير والطبقات دور كبير في جميع فصول الرسالة، فابن إسحاق (ت 151 هـ) في سيرته «8» قدم معلومات وافية عن حكومة المدينة، وقد استفدت منه في استنباط كثير من المعلومات المهمة التي تحيط بظروف قيام حكومة المدينة، وسياسة الرسول الإدارية والمالية، وهذا المصدر يمتاز من غيره بوصفه أول من أعطى صورة متكاملة للسيرة النبوية. وتمدنا كتابات ابن إسحاق (ت 151 هـ) بأخبار كثيرة وتفعيلية عن فترة الرسالة، وقد روى معظم مادة كتابه في السيرة عن عروة بن الزبير (ت 92 هـ) ، والزهري (ت 124 هـ) ، وهو يستخدم منهجا محددا لعرض الغزوات؛ حيث يقدم ملخصا للمحتويات في المقدمة ويتبعه بخبر جماعي (قالوا) من أقوال أوثق أسانيده، ثم يكمل الخبر الرئيسي بالأخبار الفردية التي جمعها من المصادر الاخرى.
(1) أحمد، المسند (ج 1، ص 148) ، (ج 4، ص 227) ، (ج 5، ص 173) .
(2)
البخاري، الصحيح (ج 4، ص 17- 233)(ج 5، ص 222)(ج 6، ص 2- 20) .
(3)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1357، 1389، 1443، 1506، 1510، 1511) .
(4)
أبو داود، السنن (ج 2، ص 337، 338)(ج 3، ص 355- 357)(ج 5، ص 337) .
(5)
ابن ماجه، السنن (ج 1، ص 4)(ج 2، ص 775، 778، 786) .
(6)
الترمذي، صحيح (ج 4، ص 213)(ج 6، ص 72، 74، 154) .
(7)
النّسائي، السنن (ج 6، ص 252)(ج 7، ص 154)(ج 8، ص 247) .
(8)
قام ابن هشام بتهذيب هذه السيرة فسميت سيرة ابن هشام. انظر: ابن هشام، السيرة (م 1، ص 111- 113، 125، 130، 550، 566، 642، (م 2، ص 266، 530) .
ويقدم الواقدي (ت 207 هـ) في المغازي «1» معلومات قيمة عن المغازي النبوية، فذكر عن تنظيم المقاتلة وتسليحها، وتعبئتها، وأساليب قتالها، والرايات، والألوية، ويذكر بشكل مفصل غنائم كل غزوة وقسمتها، وهو يتبع خطة ثابتة في عرضه للمغازي، فيبدأ بذكر عام خروج الغزوة ورجوعها ويتبعه بأخبار الغزوة، ويذكر في النهاية نائب النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وبعض الأشعار والايات التي تحتوي على إشارة للحادث الذي يعالجه، وقوائم بأسماء الغزاة.
وأفاد البحث من كتاب الطبقات لابن سعد (ت 230 هـ)«2» حيث قدم معلومات وافية عن أحداث السيرة في الفترة المكية، وفي المغازي، وكان يذكر بشكل كبير نواب النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وأسماء كتّابه وقضاته وولاته وأمراء سراياه وغزواته، كما أن ابن سعد (ت 230 هـ) يشير إلى الوظائف الإدارية التي كان يشغلها الرجل الذي يترجم له، ومن خلال التفصيلات التي يذكرها في تراجمه للرجال تتضح مادته الغزيرة بالأخبار، والتي أوقفتنا على معالم الحياة العلمية، والسياسية، والاجتماعية، والعسكرية وغيرها، وابن سعد من تلاميذ الواقدي (ت 207 هـ) ، وكان على اتصال برجال الحديث، وتقيد في طبقاته بأسلوب مدرسة الحديث في تدوين الأحداث، وإثبات الأسانيد المختلفة للمتون المختلفة، ومن حيث إثبات الرواية المنقولة بالسماع على الرواية المنقولة عن الصحف المدونة، ويروي ابن سعد مادة كتابه في السيرة وتراجم الصحابة عن الشعبي (ت 103 هـ) ، والزهري (ت 124 هـ) ، وابن إسحاق (ت 151 هـ) ، وهشام الكلبي (ت 204 هـ) ، والواقدي (ت 207 هـ) ، ويمتاز عن غيره بنقده للروايات بصورة مختصرة، فنجده يقول مثلا: «وهذا الثبت أنه
…
» «3» «والثبت كذا
…
» «4» .
وذكرت كتب التاريخ أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، فقد أورد خليفة بن خياط (ت 241 هـ)«5» معلومات تحدد تواريخ التولية بالنسبة إلى الولاة والعمال في الأمصار، فهو يعطينا قوائم بأسماء الولاة والعمال والقضاة والكتّاب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما الأزرقي (ت 245 هـ) مؤرخ مكة فقد قدم في كتابه «أخبار مكة» «6»
(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 17، 18، 144، 179، 262، 378)(ج 2، ص 707)(ج 3، ص 1018، 1028) .
(2)
ابن سعد، الطبقات، الجزء الأول كاملا (ج 2، ص 15، 69، 606) .
(3)
م. ن (ج 2، ص 6) .
(4)
م. ن (ج 2، ص 24) .
(5)
خليفة بن خياط، تاريخ (ج 1، ص 61، 62) .
(6)
الأزرقي، أخبار مكة (ج 1، ص 44- 46، 59، 63- 66) .
معلومات وافرة عن مكة وبشكل مفصل، والوظائف المتعلقة بالكعبة والبيت الحرام، مثل: السقاية، والرفادة، والسدانة، وغيرها من الوظائف الموزعة على بطون قريش وأفخاذها.
أضف إلى ذلك، فإن الأزرقي (ت 245 هـ) قد وضّح بشكل كبير الإدارة المالية لمكة المتمثلة بالإيلاف والتجارة والأسواق وأوقاتها وإدارتها، وأورد إشارات عن إدارة مكة العسكرية المتمثلة بوجود بعض الوظائف المتعلقة بذلك، مثل:«القبة والأعنة» و «القيادة واللواء» ، وينفرد هذا المصدر بأنه يعدّ من أقدم المصادر التي وضعت في تواريخ المدن، أما أسانيده فهي موثوقة بشكل كبير فيما يتعلق بأخبار مكة بعد الرسالة، وهو يأخذ أخباره عن الزهري (ت 124 هـ) وابن إسحاق (ت 151 هـ) ، أما ما يتعلق بأخبار مكة قبل الرسالة، فهي ليست بنفس درجة الأخبار الاخرى، وكثير منها يوردها من غير إسناد.
وكذلك أورد ابن حبيب (ت 150 هـ) في المحبر «1» ، والمنمق «2» أخبارا كثيرة عن مكة قبل الإسلام وبعده، ولا سيما فيما يتعلق بالوظائف المتعلقة بالكعبة، وبيت الله الحرام، والأحلاف الموجودة، مثل: حلف الفضول والمطيبين، وينفرد ابن حبيب بذكر قوائم بأسماء المعلمين الذين قاموا بمهمة التعليم في الجاهلية وصدر الإسلام.
وقدم البلاذري (ت 279 هـ) في فتوح البلدان «3» معلومات ذات قيمة كبيرة، وذلك بإيراده معلومات واسعة عن الفتوح والإدارة والكتابة والخط والخاتم. وأفاد البلاذري (ت 279 هـ) كذلك كثيرا من كتب الفقه والخراج، وهذا يفسر لنا كثرة معلوماته في النواحي الاقتصادية والإدارية، وهو يستعمل الرواية في الأحداث والأخبار، كما يهتم بالأسانيد، ولكن ذلك لم يكن بصفة ثابتة ومستقرة، فنجده في بعض الأحيان يروي الخبر عن مجاهيل، فقد يروي عن جماعة لم يذكر أسماءهم فنجده يقول مثلا:(حدثني فلان عن أشياخ من أهل الطائف)«4» ، وهو من جهة أخرى يذكر الروايات بدون ترجيح، وأحيانا أخرى يرجح أو يضعف، وعباراته في نقد الروايات مختصرة، كأن يقول في عبارات الترجيح:«الأول أثبت» «5» أو «ذلك
(1) ابن حبيب، المحبر (ص 263- 268، 246، 233) .
(2)
ابن حبيب، المنمق في أخبار قريش (ص 83، 84) .
(3)
البلاذري، فتوح البلدان (ص 24، 28، 67، 81، 85، 93، 94، 97) .
(4)
م. ن (ص 75) .
(5)
م. ن (ص 128، 141، 146) .
أثبت» «1» أو «الأول أصح وأثبت» «2» ، والكتاب يعدّ من المصادر الأساسية في أخبار الأقاليم المفتوحة والتنظيمات الإدارية المتبعة فيها، ويعتمد بصورة أساسية على روايات الواقدي (ت 207 هـ) ثم الزهري (ت 124 هـ) . أما كتابه أنساب الأشراف «3» فيعتمد طريقة الترجمة للأشخاص، والجزء الأول من الكتاب في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من أصحابه البارزين فيقدم معلومات عن الشخص، مولده ونسبه ونشأته، ويشير إلى الأعمال التي قام بها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو ذو أهمية خاصة في بيان أسماء ولاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرائه، وعماله على الصدقات، ومؤذنيه، وشعرائه، وقضاته، وكانت روآياته في كثير منها مسندة، ويعتمد في روآياته على الزهري (ت 124 هـ) ، وابن إسحاق (ت 151 هـ) ، والواقدي (ت 207 هـ) وغيرهم، ثم يعتمد الرواية التي يعتقد أنها الأصح أو الأقرب للصحة.
ويبدأ القسم الثاني في تاريخ اليعقوبي (ت 292 هـ)«4» بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل بعثته ورسالته، وكان يقتصر على ذكر الحوادث المهمة، ولكنه ذكر قوائم بأسماء الولاة والقضاة والعمال الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويلاحظ أن اليعقوبي يغافل الالتزام بالسند، وكما أنه لا يعنى كثيرا بالتدقيق والتمحيص ومحاولة الترجيح، واعتمد كثيرا على المعلومات التي قدمتها مصادر الشيعة؛ تبعا لميله وهواه في التشيع لال علي رضي الله عنه.
وأخذت من تاريخ الطبري (ت 310 هـ)«5» في جميع فصول الرسالة؛ إذ إن الكتاب يعدّ من المصادر الأساسية، ولا غنى لكل باحث يكتب في التاريخ أو الإدارة عنه، فلقد استفاد البحث كثيرا من النصوص التي ضمنها في حولياته، ولا سيما فيما يتعلق بالولاة من حيث سنوات التولية، والعزل، والقضاة، والأمراء، ومن يتولى الحج بالناس في تلك السنة، وكذلك أعطى معلومات قيمة عن الغزوات والمعارك التي حدثت في هذه الفترة، مع ذكر أخبارها بالتفصيل، من استعداد إلى الخروج، فالقتال، فتوزيع الغنائم، إلى غير ذلك، أما مصادره فهي متنوعة وغزيرة، وأهمها القران الكريم، والسنة النبوية، والسيرة والفقه، والشعر العربي. وتأثر الطبري بشكل كبير بعلم الحديث الذي استعمل الأسانيد، فيذكر الروايات المختلفة التي استوعبت سائر من سبقه من المؤرخين
(1) م. ن (ص 133، 141، 166) .
(2)
م. ن (ص 169، 317، 353) .
(3)
البلاذري، أنساب الأشراف، الجزء الأول كاملا. وانظر:(ج 1، ص 293، 343، 346) .
(4)
اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 80، 81، 83) .
(5)
الطبري، تاريخ (ص 434، 451) ، (ج 3، ص 16، 169، 489، 452، 553) .
والرواة، مثل: الشعبي (ت 103 هـ) ، وقتادة (ت 118 هـ) ، والزهري (ت 124 هـ) ، وابن إسحاق (ت 151 هـ) ، والواقدي (ت 207 هـ) ، وابن سعد (ت 230 هـ) ، وعمر ابن شبة (ت 262 هـ) ، ويمتاز الطبري بأنه استطاع أن يربط بين هذه الروايات بشكل دقيق، إلا أنه لا يرجح بين الروايات، بل إنه أحيانا يقدم الرواية الأقوى سندا قبل غيرها، ولكنه لا يتوانى عن إيراد جميع الروايات الاخرى المتناقضة، أو حتى غير المعقولة، ويترك القارئ ليواجه جميع الروايات ويتحرى بنفسه حقائق الأمور.
وكان لكتب الفقه نصيب في هذه الدراسة، وبخاصة كتاب الخراج لأبي يوسف (ت 182 هـ)«1» ، الذي أفاد البحث بشكل كبير في فصل الإدارة المالية، فذكر مقومات قيمة عن أحكام الغنائم والصدقة والجزية والخراج والعشور، ويعدّ من أقدم المصنفات التي وصلتنا في هذا الباب، وقد ظهرت بعده كتب في الدراسات المالية، تضمنت الكثير من الأمور التي تبين النظم المالية التي يغلب عليها التنظيم والأعمال الإدارية، وينفرد هذا الكتاب بأنه وضع على صورة سؤال وجواب، وكان يستدل في أحكامه بالايات القرانية، والأحاديث النبوية، وبعمل الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي التابعين، وكان يعتمد بروآياته عمن سبق بأسانيد متصلة أو منقطعة أو مرسلة، وقد جمع فيه مؤلفه بين الدراسة الفقهية الشرعية والوقائع التاريخية ونقد فيه بعض الانحرافات الموجودة في عصره.
وكان لكتاب شرح السير الكبير للشيباني (ت 189 هـ)«2» دور كبير في بناء فصل «الإدارة العسكرية» حيث قدم معلومات فقهية تفصيلية في التسليح والتموين واختيار الأمير «تسلسل الإمرة» ، وواجبات الأمير وحقوقه، وفيه معلومات مفيدة عن أهمية اللواء والراية، وسير المعارك وشعاراتها وشاراتها المختلفة، وأساليب القتال وادابه، ويجمع الشيباني (ت 189 هـ) بين أسلوبي مدرسة الحديث ومدرسة الفقه، فيذكر الروايات مسندة موثقة، ثم يستخرج منها أحكاما فقهية تفصيلية.
وأفدت من كتاب الخراج ليحيى بن ادم (ت 203 هـ)«3» بعض المعلومات المتعلقة
(1) أبو يوسف، الخراج (ص 18، 50، 51، 190، 198، 208) .
(2)
الشيباني، كتاب شرح السير الكبير (ج 1، ص 15، 17، 119، 214) .
(3)
يحيى بن ادم، الخراج (ص 33، 34، 35، 37، 42، 72) .
بالتدابير المتبعة في تقسيم وإدارة أمور المال وبخاصة الخراج والجزية.
وقدم أبو عبيد (ت 224 هـ)«1» في كتابه الأموال، معلومات فقهية كثيرة فيما يتعلق بالإدارة المالية، من غنيمة وفيء وجزية وصدقة وخراج وغيرها، ويمكن القول إن كتاب الأموال هو عبارة عن موسوعة ضخمة جمع لنا مؤلفه فيها معظم الأحكام الشرعية المتعلقة بالنظم المالية المتبعة في الصدر الأول من تاريخ الإسلام، ويجمع ابن سلام (ت 224 هـ) بين أسلوب مدرسة الحديث وأسلوب مدرسة الفقه، فيذكر روايات مسندة، وفي نفس الوقت يفصل في الأحكام الشرعية، فهو يقوم بتقديم الايات والأحاديث والاثار عن الصحابة والخلفاء الراشدين بأسانيدها، ثم يعقب على الأخبار بإيضاح مدلولها ويشرح ما فيها من الغريب، ويورد أحيانا اراء الفقهاء في القضية التي هي موضوع البحث.
وموقف أبي عبيد (ت 224 هـ) من سرد الأدلة أنه يقوم بنقدها والاستدلال عليها، والقطع فيها برأي معين، وأحيانا يقوم بنقد الأسانيد وتبيين عللها، كما أنه يورد النصوص كما جاءت، فإذا شك فيها قال:«شك أبو عبيد» «2» أو «كلام هذا معناه» «3» وهذا يدل على مدى الدقة في نقل النصوص ونقدها.
أما الماوردي (ت 450 هـ) في كتابه الأحكام السلطانية «4» ، فقد قدم معلومات فقهية مهمة تناقش المسائل المهمة في أمور الولايات على البلدان، والولاية على الحج والصلاة، والخراج، والجزية، والزكاة، ومصارفها، والقضاء، والحسبة، والمظالم، ولكنه يركز بشكل كبير على العصر الذي يعيش فيه، أما حديثه عن فترة الرسالة فكان فقط للاستشهاد أحيانا أو الاستدلال على حكم فقهي، فعلى الباحث أن يكون على حذر ولا سيما إذا كان يبحث في فترة مبكرة من تاريخ النظم الإسلامية.
وكان للمصادر اللغوية والأدبية والشعرية دور كبير في توضيح كثير من معاني الكلمات الغريبة أو المصطلحات المستعملة، أو الدلالة على وظيفة من الوظائف أو ولاية من الولايات، فابن منظور (ت 711 هـ) في «اللسان» «5» ، والفيروز أبادي
(1) أبو عبيد، الأموال (ص 4، 15، 17، 455، 456
…
إلخ) .
(2)
م. ن (ص 114، 217، 322، 338، 363، 400) .
(3)
م. ن (ص 276) .
(4)
الماوردي، الأحكام السلطانية (ص 5، 22، 24، 29، 30) .
(5)
ابن منظور، اللسان (ج 1، ص 639، 802)(ج 5، ص 162)(ج 7، ص 414)(ج 9، ص 238، 457)(ج 14، ص 199) .
(ت 816 هـ) في «القاموس المحيط» «1» ، والزّبيدي (ت 1205 هـ) في «تاج العروس» «2» ذكروا معاني وافية لبعض المصطلحات، مثل: البداوة، والحضر، والعريف، والربيئة، والخلع، والتغريب، والمرباع، والصفايا، والنشيطة، والفضول، وغيرها من المصطلحات المختلفة، سواء كان ذلك في الأمور الإدارية أو المالية أو العسكرية أو القضائية.
أما المصادر الأدبية التي أفيد منها فتتمثل في عيون الأخبار لابن قتيبة (ت 276 هـ)«3» ، والكامل في اللغة والأدب والنحو الصرف للمبرّد (ت 285 هـ)«4» ، والعقد الفريد لابن عبد ربه (ت 328 هـ)«5» ، والأغاني للأصفهاني (ت 356 هـ)«6» ، ونهاية الأرب للنويري «7» ، فقد أفادت هذه المصادر بشكل خاص في فصل «الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام» ، فبيّنات بعض صفات شيخ القبيلة، بصفته الرئيس الإداري لقبيلته وحقوقه وواجباته، وأعطت معلومات جيدة عن طبيعة السلطة الإدارية في القبيلة، وكيفية انتقال هذه السلطة من شيخ إلى اخر أو من بطن إلى اخر، وذكرت بعض المعلومات عن إدارة مكة المدنية والدينية والمالية، وذكرت بشيء من التفصيل أخبار قصي بن كلاب الذي يعدّ المؤسس الأول للإدارة في مكة، ولكن يلاحظ على هذه الكتب أنها غير مسندة وتذكر كثيرا من المعلومات التي لا يقبلها العقل والمنطق.
وأفيد من المصادر الشعرية مثل، ديوان لقيط بن يعمر الإيادي (شاعر جاهلي)«8» ، وديوان الأقوه الأودي (شاعر جاهلي)«9» ، وديوان عامر بن الطفيل (ت 10 هـ)«10» ، وديوان الأصمعي (ت 216 هـ)«11» ، في بيان الصفات الواجب توافرها في من يتولى إدارة القبيلة والتي تؤهله للاستمرار في مركزه، وذكرت شيئا عن مجلس القبيلة والتي سمته «بمجلس السراة» ، وذكرت بعض الوظائف التي كانت بمكة، إذ كان العرب يعبرون عن كثير من قضاياهم بطريق الشعر والأقوال البليغة والحكم.
(1) الفيروز أبادي، القاموس (ج 2، ص 31، 32) .
(2)
الزّبيدي، تاج العروس (ج 4، ص 201)(ج 5، ص 278)(ج 8، ص 187) .
(3)
ابن قتيبة، عيون الأخبار (ج 1، ص 226) .
(4)
المبرد، الكامل (ص 166) .
(5)
ابن عبد ربه، العقد الفريد (ج 3، ص 235، 236) .
(6)
الأصفهاني، الأغاني (ج 5، ص 34) .
(7)
النويري، نهاية الأرب (ج 15، ص 429)(ج 16، ص 35) .
(8)
لقيط بن يعمر، ديوانه (ص 46- 48) .
(9)
التميمي، الطرائف الأدبية (ص 3) .
(10)
عامر بن الطفيل، ديوانه (ص 13) .
(11)
الأصمعي، الأصمعيات (ص 37) .
واعتمد الباحث على مجموعة من المصادر الجغرافية في بيان التقسيمات والأعمال التابعة لمكة والمدينة، والتعريف بمنطقة من المناطق أو مدينة من المدن، فكان لكتاب ابن الفقيه (ت 340 هـ) مختصر كتاب البلدان «1» ، وكتاب ابن خرداذبه (ت 280 هـ) المسالك والممالك «2» ، وكتاب المسعودي (ت 346 هـ) مروج الذهب «3» ، والتنبيه والأشراف «4» ، وكتاب المقدسي (ت 380 هـ) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم «5» ، وكتاب ياقوت الحموي (ت 626 هـ)«معجم البلدان» «6» ، دور كبير في ذلك، ويواجه الباحث عادة مشكلة أن هذه المصادر لم تكن تميز بين وضع الجزيرة وتقسيماتها في فترة الرسالة المبكرة، وبين ما حدث من تغييرات على التقسيمات الإدارية في فترات لاحقة. ولكن تبقى هذه المصادر ذات قيمة كبيرة في التعريف بالأماكن المختلفة، ولا سيما كتاب المسعودي (ت 346 هـ) الذي اعتمد بشكل كبير على الجغرافية في تأريخه للأحداث، وجمع بين أسلوبي مدرسة التاريخ ومدرسة الجغرافية، ولذلك فهو يعدّ من رواد المدرسة الجغرافية التاريخية.
وأفيد من بعض المصادر المتفرقة، مثل: كتاب أخبار القضاة لوكيع (ت 306 هـ)«7» في بيان كثير من الأمور المتعلقة بالقضاء في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبخاصة أسماء القضاة الذين قضوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو أرسلوا إلى الجهات المختلفة، وذكر في ذلك مجموعة من الأحاديث المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتفرد في البحث في أمور القضاء في صدر الإسلام، ولكنه لا ينقد روآياته، ولا يرجح في حالة ورود أكثر من رواية لحديث معين.
وقدمت كتب الاستيعاب لابن عبد البر (ت 463 هـ)«8» ، وأسد الغابة لابن كثير (ت 630 هـ)«9» ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (ت 825 هـ)«10» ترجمة وافية للصحابة، ذكر خلالها اسم الشخص ونسبه، ومشاركته في الأحداث البارزة في
(1) ابن الفقيه، مختصر كتاب البلدان (ص 26) .
(2)
ابن خرداذبه، المسالك والممالك (ص 128) .
(3)
المسعودي، مروج الذهب (ج 2، ص 289) .
(4)
المسعودي، التنبيه والأشراف (ص 245، 246) .
(5)
المقدسي، أحسن التقاسيم (ص 79، 80) .
(6)
ياقوت، معجم البلدان (ج 4، ص 142)(ج 1، ص 249، 529) .
(7)
وكيع، أخبار القضاة (ج 1، ص 15، 45، 46، 82، 83) .
(8)
ابن عبد البر، الاستيعاب (ج 3، ص 1403)(ج 4، ص 1562) .
(9)
ابن الأثير، أسد الغابة (ج 3، ص 246)(ج 4، ص 224، 225) .
(10)
ابن حجر، الإصابة (ج 1، ص 164)(ج 3، ص 258، 259) .
زمن النبي صلى الله عليه وسلم والوظائف التي شغلها، ومن خلال ذلك تعرفنا إلى كثير من الكتّاب، والولاة، والقضاة، والعمال على الصدقات، ومن أرسلوا في مهمة تعليمية أو سياسية أو إدارية، واعتمد هؤلاء في الترجمة للصحابة على من سبقهم مثل ابن سعد (ت 320 هـ) ، والبسوي (ت 277 هـ) في كتابه «المعرفة والتاريخ» ، وغيرها من كتب السير والتاريخ، ولكنهم يذكرون كثيرا من المعلومات غير مسندة.
وقدم الخزاعي (ت 741 هـ)«1» معلومات زاخرة تفيد في توضيح معالم النظام الإداري للدولة في هذه الفترة، ويعدّ كتاب الخزاعي من الكتب النادرة التي تخصصت في ذكر أسماء الوزراء، والكتّاب، والمعلمين، والسفراء، والعمال، وقادة الجيش، والحرف، والصناعات، والوظائف المتعلقة بالأمور المالية، مثل «صاحب المغنم» و «صاحب الخمس» ، وعمال الصدقات، وأمين بيت المال، فهو بحق كتاب ضخم يجمع الروايات المسندة عن الوظائف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه مع ذلك لا يربط بين النصوص لاستخراج كنه النظام الإداري للدولة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأفاد الباحث أيضا من شرح النووي (ت 676 هـ) لصحيح مسلم «2» . وشرح ابن حجر (ت 852 هـ) لصحيح البخاري في كتابه «فتح الباري» «3» في فهم كثير من الأحاديث النبوية، وكذلك كتاب السهيلي (ت 581 هـ)«الروض الأنف» «4» . وكتابي ابن خالدون (ت 808 هـ)«المقدمة» «5» و «التاريخ» ، وكتاب السمهودي (ت 911 هـ)«وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى» «6» ، وغيرها من المصادر التي أفادت في فصول الرسالة المختلفة.
هذا، وقد أفيد من بعض المراجع الحديثة «7» بدرجات متفاوتة، إلا أن الرسالة اعتمدت في مجملها على المصادر الأولية.
(1) الخزاعي، تخريج الدلالات (ص 45، 68، 87، 728، 738) .
(2)
النووي، شرح صحيح مسلم (ج 12، ص 35- 105) .
(3)
ابن حجر، فتح الباري (ج 27، ص 131- 147) .
(4)
السهيلي، الروض الأنف (ج 4، ص 292، 296) .
(5)
ابن خالدون، المقدمة (ص 219) .
(6)
السمهودي، وفاء الوفا (ج 1، ص 134، 135، 136، 137، 147) .
(7)
انظر قائمة المراجع في نهاية الرسالة.
الإدارة في عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم
الفصل الأول الإدارة في الجزيرة العربية قبل الإسلام
أولا: مفهوم مصطلح الإدارة.
ثانيا: الإدارة في القبيلة العربية.
ثالثا: الإدارة في مكة.
رابعا: الإدارة في يثرب.