الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس الإدارة العسكرية
رابعا: التخطيط وأساليب القتال
لم يكن وضع الخطة من مسؤولية الأمير واحده، بل كان ذلك بعد المشاورة مع المقاتلة أو بعضهم، فقد استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في بدر «1» وأحد «2» كما استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو البقاء فيها عند مهاجمة الأحزاب لهم في الخندق (5 هـ)«3» .
وقد اهتم القادة باختيار الموقع الملائم لميدان المعركة فقد أشار حباب بن المنذر على الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزوله على حصن النطاة بخيبر قائلا: «إن جميع مقاتلة خيبر فيه وهم يدرون أحوالنا ولا ندري أحوالهم وسهامهم تصل إلينا وسهامنا لا تصل إليهم ولا نأمن بياتهم» «4» وقد قدر أهل ثقيف أهمية مرتفعات حنين فاحتلوها قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم واحتلوا وادي حنين نفسه «5» .
كان من خطط النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته محاولته قطع اتصالات الأعداء وإمداداتهم، فقد ذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر (7 هـ) نزل بجيشه بواد يقال له: الرجيع وذلك ما بين غطفان وأهل خيبر ليحول بينهم وبين أن يمدوا خيبر إذا كانوا مظاهرين لخيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» .
واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بطبيعة الأرض التي يقاتل عليها حيث نزل على أدنى ماء في بدر وبنى عليه حوضا وغوّر ما سواه من القلب «7» . كما تجنب النزول في الأرض الموحلة كما فعلت قريش «8» ، قال ابن إسحاق (ت 151 هـ) فأصاب رسول الله منها ما لبد
(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 48) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 73- 75) .
(2)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 214) . البكري، غزوة أحد، ورقة (15) .
(3)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 220) .
(4)
الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 50) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 438، 439) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 128) .
(6)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 92)(ابن إسحاق) . ابن كثير، البداية والنهاية (ج 4، ص 181) .
(7)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 53، 54) .
(8)
وقد وضحت الاية هذا المعنى فقال الله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ [الأنفال: 11] .
لهم من الأرض ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه «1» وقد أشار الحباب في التحول من قرب حصن النطاة في خيبر؛ وذلك لكونه بين نخيلات في مكان غائر وأرض وخيمة «2» .
وينتظر الإفادة من طبيعة الأرض، فقد ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ظهره وعسكره إلى جبل أحد حين خرج للقاء المشركين هناك «3» وقد استفاد النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى أحد من الليل إذ أمر جيشه بالمسير بعد منتصف الليل، وسلك طريقا بين الضفتين حيث يختفي الأفراد، ويخفى الصوت والجلبة في نفس الوقت فقال عليه السلام:«من يخرج بنا على القوم عن كثيب- أي عن طريق قريب- لا يمر بنا عليهم» فمر به أبو خيثمة حتى دخل في بستان أحد المنافقين «4» ، واستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من جبل سلع في الخندق (سنة 5 هـ) فجعله خلف ظهور المسلمين «5» .
وقد تقام بعض العوائق في وجه تقدم العدو كالخنادق كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق «6» ، وكذلك اهتم المقاتلون بالظواهر الجوية السائدة في ميدان المعركة ففي بدر (2 هـ) جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الشمس خلفه فكانت في عيون أعدائه فتضعف قوة أبصارهم وتغشي عيونهم عن رؤية خصومهم «7» ؛ ولهذا قال الهروي (ت 611 هـ) :
«فليجتهد في أن تكون الشمس في عين العدو» «8» .
وكان من خطط الرسول صلى الله عليه وسلم الحرص على التكتم والسرية في وضع خططه الحربية وتنفيذها؛ لأن ذلك من أهم متطلبات النجاح، فكان إذا أراد أن يغزو غزوة ورى (أظهر) بغيرها «9» ، وذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب كتابا إلى
(1) ابن حزم، جوامع (ص 111، ص 112) . ابن القيم، زاد (ج 2، ص 87) .
(2)
الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 50) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 65) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 507 (ابن إسحاق) . المسعودي، مروج الذهب (ج 2، ص 376، 377) .
(4)
الحلبي، السيرة (ج 2، ص 291) . وانظر: محمد أبو فارس، غزوة أحد (ط 1) عمان، دار الفرقان (1402 هـ، 1982 م) ، (ص 60) .
(5)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 200) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 66، 67) .
(6)
الواقدي، المغازي (ج 2، ص 470) . المسعودي، التنبيه والإشراف (ص 216) .
(7)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 560) . وانظر: ابن العربي المالكي محمد بن عبد الله (ت 543 هـ) ، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت (ج 7، ص 174، 175) .
(8)
الهروي، التذكرة (ص 97) .
(9)
ابن سعد، الطبقات (ج 8، ص 167) .
عبد الله بن جحش وأمره ألا يفتحه إلا بعد يومين من مسيره، وهو بذلك يكون أول من ابتكر أسلوب «الرسائل المكتومة» «1» للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن تحركات المسلمين، وفي غزوة بني سليم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يظهر وجها «2» ، وكذلك فعل في غزوة بني لحيان حيث أظهر أنه يريد الشام ليأخذ القوم على حين غرة، وكذلك فعل في غزوة الفتح فقد أسر الرسول صلى الله عليه وسلم لكل قائد من قواده، وأمره أن يلقاه في موضع سماه له وأن يكتم ما قاله له «3» .
ولقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم في قيادته لجنده أن يرفع الروح المعنوية لديهم وبقاءها كذلك، فقد عمد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مطاردة أعدائه بعد غزوة أحد حتى بلغ حمراء الأسد «4» ، وفي مؤتة (8 هـ) خطب عبد الله بن رواحة وأثار فيها الروح المعنوية «5» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجعوا:«بل كرار إن شاء الله» «6» وحرص النبي صلى الله عليه وسلم كذلك على إخفاء بعض الأمور والأخبار التي تضعف الروح المعنوية، ففي أحد (3 هـ) أمر عليّا أن يستطلع سير قريش وأن يخفي ذلك «7» وفي الخندق (5 هـ) بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نقض بني قريظة للعهد فبعث نفرا من المسلمين ليتبينوا الأمر وقال لهم:«انطلقوا فإن كان ما قيل حقّا فألحنوا لي لحنا أعرفه» «8» ، وكذلك حرص على عدم نشر الشائعات بين المسلمين، يتضح هذا من قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] .
وكانت «الخدعة» إحدى وسائل النبي صلى الله عليه وسلم في حربه مع أعدائه فقال: «الحرب خدعة» «9» ، وذكر ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن للنفر الذين بعثهم لقتل ابن الأشرف (3 هـ) أن يقولوا ما يشاؤون من كلام يخدعون به «10» ، وفي الخندق تحرك النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المفهوم «الحرب خدعة» وراوغ عيينة بن حصن ليعطيه
(1) انظر: محمود شيت خطاب، الرسول القائد (ط 5) بيروت، دار الفكر (1394 هـ، 1974 م) ، (ص 94) .
(2)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 112) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 279) . ابن القيم، زاد المعاد (ج 2، ص 119) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 4) .
(4)
اليعقوبي، تاريخ (ج 2، ص 48) .
(5)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 138) .
(6)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 107، 108) .
(7)
م. ن (ج 3، ص 24، 110)(ابن إسحاق) .
(8)
م. ن (ج 3، ص 27) .
(9)
الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 120) . مسلم بشرح النووي (ج 12 ص 42، 43) .
(10)
الطبري، تاريخ (ج 3، ص 50، 51) .
ثلث ثمار المدينة «1» على أن يعود هو وقومه عن حصار المدينة، وربما كان المقصود الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم من مراوغة عيينة هو إحداث شرخ كبير في صفوف المشركين وتمزيق روابطهم، وهو نموذج من نماذج السياسة الحكيمة التي أدار الرسول صلى الله عليه وسلم بها الموقف «2» ، وكذلك توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعيم بن مسعود الذي أسلم حديثا في أنه يخذل عن المسلمين في غزوة الخندق «3» ، وهذا من قبيل السياسة الحكيمة التي أدار الرسول صلى الله عليه وسلم بها الموقف التي يكون فيها الرأي أنفع من الشجاعة والمواجهة وتدخل تحت معنى «الحرب خدعة» ، يقول ابن العربي (ت 543 هـ) :«الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين وفي الحديث والإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه أكثر من الشجاعة» «4» .
واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه «الشعار والشارة» وهو ما يسمى في الجيوش الحديثة «بكلمة السر» فالشعار يوقظ في النفس العزة والشجاعة «5» ويستعمل للأهمية «6» فقد روى رافع بن خديج في حديثة عن غزوة أحد: «فكنا أتينا من قبل أنفنا ومعصية نبينا واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من العجلة والدهشة» «7» وأضاف البلاذري (ت 279 هـ)«وضرب بعض المسلمين بعضا حين اختلطوا ولم يدركوا شعارا وأظهر المسلمون الشعار بعد ذلك فجعلوا يصيحون أمت أمت فكف المسلمون بعضهم عن بعض» «8» وأشار الواقدي (ت 207 هـ) إلى أهمية الشعار ليلا في حديثه عن غزوة الخندق فقال: «خرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا ولا يشعر بعضهما ببعض ولا يظنون إلا أنهم العدو فكانت فيهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام (حم لا ينصرون) فكف بعضهم عن بعض، فكانوا بعد ذلك إذا دنا بعضهم من بعض نادوا بشعارهم» «9» .
لقد كان لكل فرقة شعار خاص إضافة إلى شعار عامة الجيش؛ ولهذا قال الشيباني (ت 189 هـ) : «وينبغي أن يتخذ كل قوم شعارا إذا خرجوا في مغازيهم، حتى إن
(1) الزهري، المغازي (ص 79) .
(2)
عرجون، محمد رسول الله (ج 4، ص 179) .
(3)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 229- 231) . وانظر: عرجون، محمد رسول الله (ج 4، ص 181، 182) .
(4)
الشوكاني، نيل الأوطار (ج 8، ص 57، 58)(ابن العربي) .
(5)
الجزائرلي، محمد بن محمود بن حسين (ت 1267 هـ) ، اختصار السعي المحمود في نظام الجنود (مخطوط) مصور في مركز الوثائق والمخطوطات، الجامعة الأردنية رقم الشريط (12) ورقة (5) .
(6)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 71، 234) .
(7)
م. ن (ج 1، ص 233) .
(8)
البلاذري، أنساب (ج 1، ص 322) .
(9)
الواقدي، المغازي (ج 2، ص 274) . وانظر: المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 334) .
ضل الرجل عن أصحابه نادى بشعارهم، وكذلك ينبغي أن يكون لأهل كل راية شعار معروف، حتى إن ضل الرجل عن أهل رايته نادى بشعارهم فيتمكن من الرجوع إليهم» «1» ؛ ولذلك فقد كان شعار عامة المسلمين في بدر «يا منصور أمت» «2» ، وكان شعار المهاجرين «يا بني عبد الرحمن» ، وشعار الخزرج «يا بني عبد الله» ، وشعار الأوس «يا بني عبيد الله» «3» ، واستعمل شعار «يا منصور أمت» في غزوة المريسيع «4» وخيبر (7 هـ)«5» وفتح مكة (8 هـ) وحنين (8 هـ) والطائف (9 هـ)«6» ، واستعمل شعار «أمت أمت» في أحد (3 هـ)«7» وفي سرية زيد بن حارثة «8» .
وكان هناك نداات خاصة يصدرها القادة للجند فعند إغارة عيينة بن حصن على المدينة (6 هـ) نادى ابن الأكوع «القزع. القزع» «9» واستعمل نداء «يا خيل الله اركبي» «10» إذا ما أريد نداء الفرسان لركوب خيلهم فقد نودي بذلك في غزوة الخندق (5 هـ) وبني قريظة (5 هـ) وغزوة ذي قرد (6 هـ)«11» .
ويذكر أن بعض المقاتلة كانوا يتخذون «سيما» «12» يعرفون بها في أثناء القتال وهي عبارة عن علامة يعلّم بها المقاتل أو مجموعة من المقاتلين، ففي بدر (2 هـ) نزلت الملائكة مسوّمة (معلّمة) يشير إلى ذلك القران الكريم بقوله: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: 125] وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أصحابه أن يسوموا فقال: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت» «13» ويذكر الواقدي (ت 207 هـ)
(1) الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 73) .
(2)
م. ن (ج 1، ص 73) .
(3)
الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 74) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 67) . الجزائرلي، اختصار ورقة (5) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 328) .
(4)
الشيباني، شرح كتاب السير (ج 1، ص 74) .
(5)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 311) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 1، ص 634)(م 2، ص 294) .
(7)
م. ن (م 2، ص 68) .
(8)
ابن سعد، الطبقات (ج 2 ص 87) .
(9)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 282) .
(10)
الواقدي، المغازي (ج 2 ص 466) .
(11)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 80) . الزمخشري، الفائق (ج 1، ص 299) . الديار بكري، تاريخ الخميس (ج 2، ص 6) .
(12)
أبو عبيدة، مجاز القران (ج 1، ص 103) . الجزائرلي، اختصار، ورقة (5) .
(13)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 76) . ابن قتيبة، تفسير (ص 109) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 86) . الجزائرلي، اختصار، ورقة (5) . الكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 329) .
أن أبا دجانة عصب رأسه بعصابة حمراء في بدر، وكان إذا عصبها علم الناس أنه سيقاتل «1» ، وأشار ابن إسحاق (ت 151 هـ) أن المسلمين كانت شارتهم في بدر الصوف الأبيض يعلقونه في نواصي الخيل واذانها «2» وكان على الزبير في بدر عصابة صفراء «3» ، وفي أحد (3 هـ) كان حمزة معلّما بريشة نعامة يغرزها في صدره دائما «4» وكذلك علّم عبد الله بن جبير (ت 3 هـ) أمير الرماة بثياب بيض «5» ، وكان بنو سليم يعرفون بأنهم إذا خرجوا للقتال وضعوا رماحهم بين اذان خيلهم «6» وأن الأوس والخزرج كان يعرضونها على خيلهم «7» ، ويؤيد هذا المعنى أن وفد بني سليم عندما جاؤوا لعرض إسلامهم على الرسول صلى الله عليه وسلم اشترطوا عليه أن يجعل لواءهم أحمر وأن يجعله شعارهم وشارتهم فأجابهم إلى طلبهم «8» وذكر ابن العربي (ت 543 هـ) :«أن الاشتهار بالعلامة في الحرب سنة ماضية، وهي هيئة باهية قصد بها الهيبة على العدو، والإغلاظ على الكفار، والتحريض للمؤمنين، والأعمال بالنيات، وهذا من باب الجليات لا يفتقر إلى برهان» «9» .
ويبدأ القتال عادة بتحريش أحد الطرفين بالاخر، ففي بدر أمر المشركون عمير بن وهب أن يحرش بين الناس، فحمل وناوش المسلمين «10» . وذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن أول من أنشب القتال في أحد أحد المشركين إذ طلع في خمسين من قومه مع عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى تراضخوا بها ساعة «11» .
ويتلو التحريش عادة طلب المبارزة، وتتخذ المبارزة صورة فردية حينا، ففي بدر خرج عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة وطلبوا المبارزة «12» .
(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 76) . ابن هشام، السيرة (م 2، ص 66) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 15)(عروة) .
(2)
م. ن (ج 1، ص 76) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 87) .
(3)
المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 76) .
(4)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 259) . ابن قتيبة، تفسير (ص 109) . وانظر: عون، الفن الحربي (ص 256) .
(5)
ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 10) .
(6)
ابن هشام، السيرة (م 2، ص 456) .
(7)
م. ن (م 2، ص 456) . والكتاني، التراتيب الإدارية (ج 1، ص 323) .
(8)
الجاحظ عمرو بن بحر (ت 255 هـ) ، البيان التبيين، تحقيق فوزي عطوى، بيروت، (1968 م) ، (ج 3، ص 99) .
(9)
ابن العربي، أحكام القران (ج 1، ص 297) .
(10)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 65) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 17) . الذهبي، تاريخ (ج 1، ق 1، ص 97) .
(11)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 40) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 123) .
(12)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 174) . الواقدي، المغازي (ج 1، ص 68) . ابن سعد، الطبقات (ج 2، -
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه جنده إلى أساليب القتال فقال لهم يوم بدر: «إذا أكثبوكم فارموهم بالنبل ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «1» وكان يقول: «إذا جاؤوكم يزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا ثم قولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» «2» .
وقد يتفق أميرا الجيشين المتنازعين على أن المبارزة تحسم النزاع وتحقن دماء الناس، وإذا لم تحقن المبارزة دماء الفريقين بيدأ التزاحف ويلتقي الجيشان كما حصل في بدر «3» وأحد «4» ، وعند اقتراب المهاجمين من صفوف المسلمين تستخدم الرماح وعند الالتحام يفضي المقاتلة إلى السيوف «5» ، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في بدر أصحابه «إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم» «6» وطبق المسلمون ذلك بدقة، يقول أحد الصحابة:«فرأيت أصحاب رسول الله يوم بدر لا يسلّون السيوف وقد انتضوا القسي وقد تترس بعضهم عن بعض بصفوف متقاربة لا فرج بينها، والاخرون قد سلّوا السيوف حين طلعوا، فعجبت من ذلك فسألت أحد المهاجرين بعد ذلك فقال: أمرنا رسول الله ألّا نسلّ السيوف حتى يغشونا» «7» .
وكانت أحب أوقات اللقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار، فإن لم يقاتل أول النهار أخر ذلك إلى وقت الزوال حتى يحل وقت الصلاة وتهب الرياح ويدعو المسلمون «8» .
وعن أنس بن مالك (ت 91 هـ) قال: «كان رسول الله إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار» «9» ، وعندما غزا النبي صلى الله عليه وسلم خيبر لم يغر عليهم حتى أصبح «10» ، وكان من جملة وصايا القادة للمقاتلة أن يلزموا الصمت عند احتدام المعارك، فقد ذكر عبد الله بن عمر (ت 73 هـ) قول
- ص 17) . الطبري، تاريخ (ج 2، ص 445) .
(1)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 67) . البيهقي الدلائل (ج 3، ص 70) .
(2)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 67) .
(3)
ابن سعد، الطبقات (ج 2، ص 40، 41) . الذهبي، تاريخ (ج 1، ق 1، ص 96، 97) .
(4)
ابن كثير، البداية والنهاية (ج 4، ص 105) .
(5)
انظر قول عبد الله بن حرام في بيعة العقبة الثانية في: ابن سعد، الطبقات (ج 4، ص 7، 8) .
(6)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 67) .
(7)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 67، 68) .
(8)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1362) . ابن حجر، الفتح (ج 12، ص 201) . المالقي، الشهب (ص 402) .
(9)
أبو يوسف، الخراج (ص 208) . ابن سيد الناس، عيون الأثر (ج 2، ص 170) .
(10)
. الترمذي، الصحيح (ج 7، ص 351) .
الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن اجتمعوا وصاحوا فيكم فعليكم بالصمت» «1» ؛ ولهذا فقد قال عمير بن وهب لأصحابه يوم بدر: «أما ترونهم خرسا يتلمّظون تلمظ الحيّات» «2» وتتضح حكمة ذلك من قول ابن العربي (ت 543 هـ) : «ولعل ذلك أن كثرة الصوت اللفظي والصراخ مكروهة؛ لأن التصويت في ذلك الوقت ربما يكون مشعرا بالفزع والفشل، وفيه دليل على الثبات ورباط الجأش» «3» .
أما في حالة الانتصار فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث مجموعة من الخيالة لاتباع فلول العدو، فذكر الواقدي (ت 207 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في غزوة الفتح نفرا من أصحابه على الطلب فبعث خالد بن الوليد على وجه، وعمرو بن العاص على وجه، وبعث أبا عامر الأشعري إلى عسكر بأوطاس «4» ، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في حنين عقد لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب، وأمره أن يطلب فلول المشركين حيث انهزمت «5» .
وأخيرا فإن للقتال عند المسلمين ادابا حرصوا عليها، فقد حرّم الإسلام قتل من لا يقدر على القتال من عدوهم، فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم قوّاده بقوله:«ولا تقتلوا وليدا» «6» ، ذكر ابن عمر (ت 73 هـ) أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر فعل ذلك «7» ، وكان يقول: «ولا تقتلوا وليدا أو امرأة
…
» «8» ،
وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بعدم الغدر «
…
ولا تغدروا
…
» «9» ، وعدم المثلة «.. ولا تمثّلوا
…
» «10» ، وعدم الاعتداء على الأرض أو العاملين فيها إلا إذا كانت الأرض تزود الأعداء بالمؤن، فقال:«لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا» «11» ، وقام
(1) منكلي محمد بن محمود (ت 778 هـ) ، التدبيرات السلطانية في سياسة الصناعة الحربية، تحقيق صادق محمد الجميلي، مجلة المورد، بغداد، (1404 هـ، 1983 م) ، (م 12، ص 4، 338) .
(2)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 62) .
(3)
أبو داود، السنن (ج 3، ص 4) .
(4)
الواقدي، المغازي (ج 2، ص 810) .
(5)
ابن سعد، الطبقات (ج 7، ص 400) .
(6)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 93) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1357) .
(7)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1364) . المقريزي، إمتاع (ج 1، ص 412) .
(8)
مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1364) . ابن سلام، الأموال (ص 53) .
(9)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 93) . مسلم، الصحيح (ج 3، ص 1357) .
(10)
الواقدي، المغازي (ج 1، ص 290) . النيسابوري، أسباب (ص 192) . الزمخشري، الكشاف (ج 2، ص 435) .
(11)
ابن سلام، الأموال (ص 53) .
النبي صلى الله عليه وسلم بقطع نخل بني النضير، وحرق أولها حتى يضعف شوكة اليهود «1» ، وقد جاءت الإشارة القرانية تؤيد هذا الفعل فقال تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر: 5] وذكر الشيباني (ت 189 هـ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أسامة أن يغير صباحا ويحرّق «2» ، وفي غزوة الطائف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع الكروم حتى يضعف من مقاومة أهلها «3» ، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مّر بأوطاس- يريد الطائف- فمرّ بقصر بقصر مالك بن عوف فأمر به فحرق «4» .
لقد كانت اداب الإسلام تقضي ألايجهز على جريح، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «ألا لا تجهزنّ علي جريح
…
» «5» ، وألّا يتبع من هرب من ساحة القتال لقتله «
…
ولا يتبعنّ مدبرا
…
» «6» ، وكذلك أمر الإسلام بالإحسان إلي الأسرى وعدم قتلهم «
…
ولا يقتلن أسيرا
…
» «7» ، وجاءت الاية الكريمة تشعر بذلك فقال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان: 8] .
(1) الواقدي، المغازي (ج 1، ص 372) . الشافعي، الأم (ج 4، ص 258) . البيهقي، دلائل (ج 3، ص 184) .
(2)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 54) . وانظر: الشافعي، الأم (ج 4، ص 258) .
(3)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 55) الشافعي، الأم (ج 4، ص 258) . الطبري، تاريخ (ج 3، ص 133)(الواقدي) .
(4)
الشيباني، شرح (ج 1، ص 54) .
(5)
ابن سلام، الأموال (ص 91) .
(6)
م. ن (ص 91) .
(7)
م. ن (ص 91) .
الإدارة في عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم
الفصل السادس إدارة شؤون القضاء
أولا: القضاء في المدينة المنورة.
ثانيا: القضاء في الأمصار.
ثالثا: المظالم.
رابعا: الحسبة.